Indexed OCR Text

Pages 61-80

وَ( السُّكُرُّجَةُ ): إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الْمُشَهِّي
لِلطَّعَامِ ؛ كَالسَّلَطَةِ .
وَ( الشُّفَرُ) - جَمْعُ سُفْرَةٍ - وَهِيَ: مَا يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ لِيُؤْكَلَ
عَلَيْهِ الطَّعَامُ .
وَعَنْ مَسْرُوقٍ
وفيه لغة ثالثة ، وهي : إخوان ؛ بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة ، ولعله سمي
بذلك ! لاجتماع الإخوان والأصحاب عنده وحوله . والصحيح أنَّه اسم أعجميٌّ معرب .
( وَالسُّكُرُجَةُ ) - بضم أحرفه الثلاثة مع تشديد الراء وقد تُفتح الراء -
(: إِنَاءٌ صَغِيْرٌ يُؤْضَعُ فِيْهِ الشَّيْءُ القَلِيْلُ المُشَهِّيْ لِلطَّعَامِ ) الهاضم له ؛ حول
الطعام على المائدة ( كَالسَّلَطَةِ ) - بفتحات ، ويقال لها الزلطة ؛ بالزَّاي - وكالمخلل
وما أشبههما من الجوارش .
( وَالسُّفَرُ) - بضمِّ السين المهملة وفتح الفاء - ( جَمْعُ سُفْرَةٍ؛ وَهِيَ: مَا يُتَّخَذُ
مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيْرٍ لِيُؤْكَلَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ ) .
وأصل السُّفرة : طعام يُنَّخذ للمسافر ، والغالب حمله في جلد مستدير . فنقل
اسمه لذلك الجلد ؛ فَسُمِّي به لذلك ، كما سُميت المزادة راوية . فهو مجاز مرسل
علاقته المجاورة .
ولأن للجلد المذكور معاليقَ تنضمُّ وتنفرج ، فللانفراج سُمِّيَ سفرة ، لأنها إذا
حُلَّت معاليقها انفرجت فأَسفرت عما فيها . وسُمي السَّفَر سَفراً !! لإسفاره عن
أخلاق الرِّجال .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل)) (عَنْ) أبي عائشة ( مَسْرُوْقٍ ) بن الأجدع
- بالجيم والدَّال المهملة - ابن مالك بن أميّة بن عبد الله الهمذاني الكوفي التابعي
المخضرم ، يقال أنه سُرِقٍ صغيراً ثم وُجد ؛ فسُمي مسروقاً .
٦١

قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ، فَدَعَتْ لِي بِطَعَامِ ،
وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ إِلَّ بَكَيْتُ .
قَالَ : قُلْتُ : لِمَ ؟
قَالَتْ: أَذْكُرُ الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الدُّنْيَا ،
أسلم قبل وفاة الشَّيّ وَّر، وأدرك الصدر الأول من الصحابة ؛ كأبي بكر وعمر
وعثمان وعلي وابن مسعود . وروى عنهم ؛ وعن خبّاب بن الأَرَتِّ ، وزيد بن
ثابت ، وابن عمرو ، والمغيرة ، وعائشة ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم .
روى عنه أبو وائل؛ وهو أكبر منه، وسليم بن أسود والشَّعبي والنَّخعي والسَّبيعي
وعبد الله بن مرَّة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ((أحد الفقهاء السبعة)) وآخرون .
اتفقوا على جلالته ، وتوثيقه ، وفضيلته ، وإمامته . وكان يصلِّيْ حتى تورَّمت
قدماه . وتوفي سنة : - ٦٢ - اثنتين وستين . وقيل سنة : - ٦٣ - ثلاث وستين
هجرية كما في (( تهذيب الأسماء واللغات )) للنَّووي .
( قَالَ : دَخَلْتُ عَلَىْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ فَدَعَتْ لِيْ بِطَعَام ) أي :
طلبت من خادمها طعاماً لأجلي ، ( وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ إِلاَّ
بَكَيْتُ ) أي: ما أشبع من مطلق الطعام ، فأُريد البكاء ؛ إلاَّ بكيتُ تأَسُّفاً وحزناً على
فوات تلك الحالة العليّة، والمرتبة المرضيّة، وهي ما كان عليها رَسُوْلُ اللهِ وَ لَه ،
وكأنها ذكرت هذا اعتذاراً ، عن عدم اهتمامها بالأكل ، كما هو سنة المضياف !
ليأكل الضيف بلا خجل .
ومرادها أنه ما يحصل من شبع ، إلاَّ تسبب عنه مشيئتي للبكاء ؛ فيوجد مني فوراً .
( قَالَ ) أي مسروق (: قُلْتُ: لِمَ ؟ ) أي: لم تسبَّب عن الشبع تلك المشيئة
المسبب عنها وجود البكاء فوراً .
( قَالَتْ: أَذْكُرُ الحَالَ الَّتِيْ فَارَقَ) مستقراً (عَلَيْهَا رَسُوْلُ اللهِ وَلِ الدُّنْيَا ) .
٦٢

وَاللهِ مَا شَبعَ مِنْ خُبٍْ وَلاَ لَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعاً حَتَّى قُبِضَ . رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَرَوَى مُسْلِمٌ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ
اَلْبُرَّ إِلَّ وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ .
وحاصله أنَّها قالت : كلما شبعتُ بكَيْتُ لتذكُّر الحال الَّتي فارقت عليها
رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ، وبيَّنت تلك الحالة بقولها:
(وَاللهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ؛ وَلاَ لَحْمٍ ؛ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ ) واحد من أيام عمره ، فلم
يوجد [ يوم ] قط شَبعَ فيه مرتين منهماً ؛ ولا مِن أحدهما .
قال ابن العربي : الاتساع في الشهوات من المكروهات ، وقد نهى الله تعالى
قوماً عن ذلك في كتابه العزيز فقال ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَتَِّتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَ﴾ [٢٠/ الأحقاف] ،
وكذا التبسُّط في المأكول والموائد والتَّجمُّع بالألوان ، والفواكه ، والتقلُّل هو
المحبوب ، والتَّواضع هو المحمود المطلوب .
( وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ بََّ) والمراد
بـ ((آله)): هو وآله. ففي رواية لمسلم (( ما شبع محمد وأهله)) ( مِنْ طَعَام ثَلاَثَةً
يَّامٍ ) .
ولمسلم (( ثلاث ليال ))، فالمراد هنا الأيام بلياليها ، كما أنَّ المراد اللَّيالي
بأيّامها ؛ كما في (( الفتح)) (تِبَاعاً) - بكسر الفوقية وخفّة الموحدة - أي : متتابعة
متتالية ، ( حَتَّى قُبِضَ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) في (( الأطعمة )) وغيرها .
( وَرَوَىْ مُسْلِمٌ) في (( صحيحه)) من حديث مِسْعر بن كِدَام الهلالي ، عن
هلال بن حميد ، عن عروة ، عن عائشة ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت :
( مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنٍ مِنْ خُبْزِ البُرِّ ) القمح ( إِلاَّ وَأَحَدُهُمَا ) أي اليومين
( تَمْرٌ) لقلة خبز البرّ. وأخرجه البخاري من هذا الطريق عنها بلفظ (( ما أَكَلَ آلُ
٦٣

وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضاً: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ
مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ وَزَيْتٍ فِي يَوْمِ
وَاحِدٍ مَرَتَيْنِ . وَعَنْهَا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ الهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَيْضاً: مَا شَبعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ ، وَلَوْ شَاءَ .. لأَعْطَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لاَ
يَخْطِرُ بِبَالٍ .
محَمَّدٍ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إلاَّ وإحْدَاهُما تَمْرٌ)). ولأبي ذر ((تمراً)) بالنصب . إما على
تقدير إلاَّ كانت إحداهما تمراً ؛ وإما جَعَلَ إحداهما تَمراً !!
( وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضاً عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَقَدْ مَاتَ
رَسُوْلُ اللهِوَّةِ؛ وَمَا شَبعَ مِنْ خُبٍْ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ) . خَصَّت الزِيت !
لأنهم كانوا يأتدمونه كثيراً ، ومع ذلك لم يأكله في اليوم إلاَّ مرة زهداً في الدنيا .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْهَا) أي: عائشة (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا ؛ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُوْلُ اللهِوَِّ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيْرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ ) ،
لاجتنابه الشِّبَع وإيثاره الجوع .
ولا يناقضه خبر أبي الهيثم ((فلمَّا أَنْ شَبِعُوا))! لأن ذلك الشِّبَع كان من الشاة.
ولا قوله في خبر آخر حين عرضت عليه الدُّنيا واختار الفاقة؛ وقال: «أُرِيدُ أَنْ
أَجوعَ يوماً فَأَصْبِرَ، وأَشْبَعَ يَوْماً فَأَشْكُرَ ))! لأنها بيَّنت جنس ما لم يشبع منه ؛ وهو
خبز الشعير .
( وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا أَيْضاً) رواها البخاري (: مَا شَبعَ) - بكسر الموحدة - أي
ما أكل حتى شبع ( رَسُوْلُ اللّهِوَ مِنْ خُبْزِ شَعِيْرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ، وَلَوْ شَاءَ) الدنيا
وترفها ونعيمها ( لأَعْطَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لاَ يَخْطُرُ ) - بضم الطاء المهملة وكسرها -
يقال خطر يخطُر خطوراً: إذا ذُكِرِ وتُصُوِّر - ( بِبَالٍ ) البال : القلب والعقل والفكر ،
٦٤

قَالَ الْقُسْطُلَّنِيُّ فِي (( أَلْمَوَاهِبِ)): ( وَقَدْ تَتَبَّعْتُ هَلْ كَانَتْ أَقْرَاصُ
خُبْزِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِغَاراً أَمْ كِبَاراً؟ فَلَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئاً بَعْدَ
النَّفْتِيشِ . نَعَمْ .. رُوِيَ أَمْرُهُ بِتَصْغِيرِهَا فِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا، رَفَعَتْهُ بِلَفْظِ: ((صَغِّرُوا أَلْخُبْزَ، وَأَكْثِرُوا عَدَدَهُ .. يُبَارَكْ
لَكُمْ فِیهِ » .
وَكَانَ شَيْخِي الْعَارِفُ الرَّبَّانِيُّ
أي : يعطيه منها كل أمر نفيس لم يتصوَّره أحد من الناس ، لجلالته وعظمته ، وكونه
لم يعهد مثله حتى يُعرف قدره .
( قَالَ ) العلامة أبو العباس أحمد بن محمد شهاب الدين ( القُسْطُلاَنِيُّ ) رحمه
الله تعالى ( فِي ) كتابه ( ((المَوَاهِبُ ) اللَّدنيَّة)) في النوع الأول؛ من الفصل الثالث
في المقصد الثالث :
(وَقَدْ تَتَبَّعْتُ! هَلْ كَانَتْ أَقْرَاصُ خُبْزِهِ وَّهِ صِغَاراً؛ أَمْ كِبَاراً؟ فَلَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ
شَيئاً بَعْدَ التَّفْتِيْشِ .
نَعَمْ ؛ رُوِيَ أَمْرُهُ بِتَصْغِيْرِهَا فِي حَدِيْثٍ ) عند الديلمي ، من طريق عبد الله بن
إبراهيم قال : حدثنا جابر بن سليم الأنصاري عن يحيى بن سعيد عن عمرة ( عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ رَفَعَتْهُ بِلَفْظِ: ((صَغِّرُوْا الخُبْزَ، وَأَكْثِرُوْا عَدَدَهُ ؛ يُبَارَكْ
لَكُمْ فِهِ))) وهو واهٍ جداً بحيث ذكره ابن الجوزي في (( الموضوعات )). وقال: إنّ
المثَّهم بوضعه جابر بن سليم الأنصاري .
( وَكَانَ شَيْخِيْ ) وقدوتي ( العَارِفُ الرََّّانِيُّ) هو العالِمِ المعلِّم ، الذي يغذو
النَّاس بصغار العلوم قبل كبارها . وقال محمد بن الحنفية - لما مات عبد الله بن
عبَّاس - اليوم مات ربانيُّ هذه الأمّة .
وروي عن علي أنَّه قال : الناس ثلاثة : عالم ربَّاني ، ومتعلم على سبيل نجاة ،
٦٥

إِبْرَاهِيمُ الْمَتْبُولِيُّ
وهَمَجٌ رَعاع أتباع كلِّ ناعق . والربّاني ، العالم الرَّاسخ في العلم والدِّين ، أو العالم
العامل المعلِّم ، أو العالي الدَّرجة في العلم .
وقيل : الرَّباني المتأَلَّهُ العارف بالله تعالى برهان العارفين : أبو إسحاق
( إِبْرَاهِيْمُ) بن علي بن عمر ( المَتْبُوْلِيُّ ) الأنصاري الأحمدي .
والمتبولي نسبة إلى محلة ((متبول)): قرية بالجيزة ؛ من مصر. وكان إمام
الأولياء في عصره ، وهو أحد شيوخ سيدي علي الخوَّاص .
وله كرامات كثيرة ؛ منها أنَّه كان يرى النَّبِيَّ وَّ في المنام ، فيخبر بذلك أمه ؛
فتقول له : يا ولدي ؛ إنَّما الرجل مَن يجتمع به في اليقظة . فلمَّا صار يجتمع به في
اليقظة ، ويشاوره في أموره ؛ قالت له : الآن قد شرعت في مقام الرّجولية .
وكان إذا جاءه رجل يطلب تسكين شهوته ؛ يقول : تطلب مرة أو دائماً ؟ فإن
قال مرة ، شدَّ وسطه بخيط فما دام كذلك لا تتحرك شهوته ، وإن قال أبداً ، مسح
ظهره فلا يشتهي النِّساء حتى يموت . وكراماته كثيرة ؛ ذكرها المصنف في (( جامع
كرامات الأولياء » .
وكان متعَبّدُه في بركة الحاج مشهور ، وخرج إلى القدس ؛ فمات في الطريق ،
فدفن بقرية سدود من أرض فلسطين ؛ عند سلمان الفارسي سنة : نيف وثمانين
وثمانمائة هجرية .
وذكر الشعراني في (( الأخلاق المتبولية )) أنه عاش مائة وتسع سنين - بتقديم
المثنَّاة على المهملة -. قال المناوي: وذكر (( شارح القاموس)): أنَّ مِن ولده
الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد المتبولي(١) . أخذ عن السيوطي وابن
حجر المكي وشَرَح (( الجامع الصغير)) . انتهى كلام شارح القاموس.
(١) توفي سنة: ألف وثلاث، رحمه الله تعالى ((هامش الأصل)).
٦٦

يُصَغِّرُ أَرْغِفَةَ سِمَاطِهِ ، كَالشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ
وفيه نظر؟ فإن الشّعراني صرَّح في (( الطَّقات)) بأنَّ إبراهيم المتبولي لم
يتزوّج . وكان يقول : ما في ظهري أولاد ! حتى أتزوَّجَ بقصدهم ! فالظاهر أنَّ
أحمد المتبولي شارح ((الجامع الصغير)) رجل منسوب إلى ((متبولة))، المحلّة
المذكورة ، وليس هو من ذرية القطب البرهان المتبولي . والله أعلم !؟
( يُصَغِّرُ أَرْفِفَةَ) - جمع رغيف - من الخبز ؛ مشتق من الرَّغْف كالمنع جمعك
العجين تكتله بيدك . أي : يأمر بجعل أقراص الخبز صغاراً يقدِّمُها على ( سِمَاطِهِ )
يُمَدُّ عليه الطعام .
(كَالشَّيْخِ) أي: مثل فعل الشيخ العارف بالله تعالى السيد الشريف الحسيب النسيب
سيدي ( أَبِيْ العَبَّاسِ أَحْمَدَ ) بن علي ( البَدَوِيِّ) الغوث الكبير ، والقطب الشهير .
أحد أركان الولاية الذين اجتمعت الأمة على اعتقادهم ومحبتهم . وشهرته في
جميع الأقطار تغني عن تعريفه ، ولقب بـ (( البدوي )) لكثرة ما كان يتلَّم .
وكانت ولادته بمدينة فاس ؛ من أرض المغرب ، فلما بلغ سبع سنين انتقل
والده بعائلته إلى مكَّة المشرّفة ، وكان ذلك سنة : ثلاث وستمائة .
فقرأ القرآن بمكّة وحفظه غيباً ، ثم انتقل إلى مصر ، واشتغل بالعلم على مذهب
الإمام الشَّافعي مدة ، حتى حدث له حادث الوَلَه ، فترك ذلك .
وله كرامات كثيرة ؛
منها قصة المرأة التي أَسَر ابنها الفرنجُ فلاذت به ، فأحضره في قيوده .
ومرَّ به رجل يحمل قِرْبة لبن ، فأشار بإصبعه إليها ، فانفذت فخرجت منها حية
انتفخت . وكراماته تتجاوز العدَّ والحدَّ. وهو إمام الأولياء وأحد أفراد العالَم .
قال المتبولي: قال لي رَسُوْلُ اللهِ وَلّ: ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس
[ الشافعي ]؟! أكبر فتوَّة من أحمد البدوي! ثم نفيسة ، ثم شرف الدين الكردي ،
ثم المنوفي .
٦٧

وَالسَّادَاتِ بَنِي الْوَفَاءِ . أَعَادَ اللهُ تَعَالَىْ عَلَيْنَ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ) .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجَ - تَعْنِي النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَمْلأُ بَطْنَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ ،
كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنَ الثَّمْرِ .. لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الشَّعِيرِ، وَإِذَا شَبِعَ مِنَ
الشَّعِيرِ . . لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الثَّمْرِ .
وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة : - ٦٧٥ - خمس وسبعين وستمائة هجرية
رحمه الله تعالى .
( وَالسَّادَاتِ ) إكسير معارف السعادات ، أولي المواهب العليّة والحقائق
المحمَّديَّة ( بَنِيْ الوَفَاءِ ) الذين لم يشتهر بـ (( السَّادات)) في مصر أحد سواهم ؛
كسيدي محمد بن محمد وفاء السكندري الأصل ، ثم المغربي ثم المصري ؛
الشاذلي المالكي الصّوفي الكبير الشهير ، وولده سيدي علي بن محمد وفاء الصُّوفي
الولي الكبير الشهير أحد أفراد الزّمان ، ويحور العرفان .
قال الإمام الشعراني في حقه : طالعتُ كثيراً وقليلاً من كلام الأولياء ! فما رأيت
أكثر علماً ؛ ولا أرقى مشهداً من كلام سيدي علي وفاء !!
قال الشعراني: وسمي والده ((وفاء)) !! لأن بحر النيل توقف ، فلم يزد إلى
أوان الوفاء ، فعزم أهل مصر على الرحيل ، فجاء إلى البحر وقال : اطلع بإذن الله
تعالى. فطلع ذلك اليوم سبعة عشر ذراعاً، وأوفى فسَمَّوه ((وفاء)). انتهى.
وتراجمهم مذكورة في ((طبقات)) الشَّعراني والمناوي، ((وجامع كرامات
الأولياء)). (أَعَادَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ) وواصَل إمداداتهم إلينا . آمين
( وَ) أخرج ابن سعد في (( الطّبقات)) من طريق عمران بن زيد المدني قال :
حدثني والدي ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ قَالَتْ :
خَرَجَ - تَعْنِي) أي: تريد ( النَّبِيَّ - شَ ـ مِنَ الدُّنْيَا) أي: مات (وَلَمْ يَمْلأُ بَطْنَهُ
فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ ؛ كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنَ التَّمْرِ لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الشَّعِيْرِ ، وَإِذَا شَبعَ مِنَ الشَّعِيْرِ
لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الثَّمْرِ )
٦٨

قَالَ الْقُسْطُلاَنِيُّ: (وَأَعْلَمْ أَنَّ الشِّبَعَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ أَلْقَرْنِ الأَوَّلِ .
وَقَدْ رَوَىُ النَّسَائِيُّ
وليس في هذا ما يدلُّ على ترك الجمع بين نوعين من الطَّعام ، إذ صريحه عدم
امتلائه منهما، أما الجمع فقدر آخر، فقد جمع وَال والقثاء بالرُّطب.
ثم هذه الأحاديث السابقة لا تنافي أنّه كان في آخر حياته يَدَّخر قوت عياله سنة ،
لأنَّه كان يعرض له حاجة المحتاج فيخرج فيها ما كان اذَّخره ؛ ولا يُبقي منه بقية .
فصدق أنَّه لم يشبع، وأنَّ أصحابه لم يشبعوا ، وأنَّه اذَّخر قوت سنة . كذا قاله
المناوي وغيره ؛ أخذاً من كلام النووي في (( شرح مسلم)).
وقال في (( جمع الوسائل)) : وفيه أنَّه يلزم منه أنَّ تضييق الحال كان في أواخر
السنة ، والحال أن الأحاديث تعمُّ الأحوال ، فالأحسن في الجواب أن يقال : إنَّما
كان يدَّخر قوتَهم ؛ لا على وجه الشِّبع ، أو أنَّه كان لا يدّخر لنفسه . فما كانوا
يشبعون معه وَّ في بعض الأوقات، مع أنَّه لا تصريح في الحديث أنَّهم كانوا
لا يشبعون من القلة ، وإنما كان عادتُهم عدمَ الشِّبع . نعم ؛ ما كانوا يجدون من
لذيذ الأطعمة المؤدية إلى الشِّبع غالباً . والله أعلم . انتهى .
( قَالَ ) العلامة الشهاب (القُسْطُلاَِّيُّ) في ((المواهب)):
( وَأَعْلَمْ أَنَّ الشِّبَعَ بِذْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ القَزْنِ الأَوَّلِ ) . قال بعضهم : الشِّبَع نهر في
النفس يَرِدُه الشيطان، والجوع نهر في الروح تَرِدُه الملائكة .
( وَقَدْ رَوَى) الترمذي و(النَّسَائِيُّ) - بفتح النُّون والسّين المهملة المخففة بعدها
ألف ممدودة؛ منسوب إلى ((نَسَا)) مدينة بخراسان ، ويقال في النسب إليها نَسَوِي
أيضاً . انتهى . وقال بعضُهم :
والنَِّيُّ نِسْبَةٌ لِنَسَأِ مَدِينةٌ فِي الْوَزْنِ مِثْلُ سَبَأٍ
والنَّسائي هو : أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار .
أبو عبد الرحمن ، الحافظ مصنف السنن ، وأحد الأئمة المبرزين .
٦٩

وَأَبْنُ مَاجَهْ
قال الدارقطني : كان النَّسائي أفقَه مشايخ مصر في عصره ، وأعرفهم بالصحيح
والسَّقيم ، وأعلمهم بالرِّجال ولم يكن مثله ، ولا أُقَدِّمُ عليه أحداً !. ولم يكن في
الورع مثله ، يُقَدَّم على كل من يذكر بهذا العلم منْ أَهلِ عَصْرِهِ .
وقال ابن يونس : كان إماماً في الحديث ثقة ، ثبتاً حافظاً ، وكان مولده سنة :
- ٢١٤ - أربع عشرة ومائتين، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة : - ٣٠٢ -
اثنتين وثلثمائة إلى دمشق فوقعت له بها كائنة ، ثم حمل إلى مكّة ومات بها في شعبان
سنة : - ٣٠٣ - ثلاث وثلثمائة؛ قاله الدارقطني، وابن منده . رحمهم الله تعالى.
آمین
( وَ) الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد ( أَبْنُ مَاجَهْ ) القَزْوِيني - بفتح القاف
وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون التحتية ثم نون - نسبة لقزوين : أشهرِ
مدن عراق العجم
قال العراقي: الربعي نسبة إلى ربيعة ((مولاهم))، و (( ماجه)» بالهاء وصلاً
ووقفاً ، وهو لقب لأبيه يزيد .
وابن ماجه : الحافظ إمام كبير من أئمة المسلمين ، متقن مقبول بالاتفاق ،
صنف ((التفسير))، و((التاريخ))، و(( السنن)) وتقرن سننه بالكتب الخمسة.
وأوَّل مَن قرنه بها الحافظ أبو الفضل بن طاهر ، وتبعه عليه مَن بعده ، فصار
أحد الكتب الستّة ، وجرى على ذلك أصحاب الأطراف ، وأسماءِ الرجال .
ومَن نظر في كتابه علم منزلته من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلَّة الأحاديث
الزائدة على القصد ، بالتبويب وترك التكرار - إلا نادراً جداً - والمقاطيع والمراسيل
والموقوفات ، ونحو ذلك .
وكانت ولادة ابن ماجه سنة : - ٢٠٩ - تسع ومائتين، ورحل إلى البلدان ،
وسمع بمكة، والمدينة ، ومصر ، والشام ، والعراق ، والرَّي ، ونيسابور ،
والبصرة .
٧٠

وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
قال السخاوي : ولم أر أحداً ذكره في طبقات الشافعية ، وإن كان الميل في
غالب أئمة الحديث لعدم التقليد .
وكانت وفاته سنة : - ٢٧٣ - ثلاث وسبعين ومائتين ، فعمره : أربع وستون سنة
تقريباً رحمه الله تعالى .
(وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ)، قال في ((الفتح)): وإسناده حسن .
والحاكم هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بـ (( ابن
البيع )) .
ولد بنيسابور في شهر ربيع الأول سنة : - ٣٢١ - إحدى وعشرين وثلثمائة .
وتوفي بها في يوم الأربعاء ثالث صفر سنة : - ٤٠٥ - خمس وأربعمائة .
طلب العلم من الصغر باعتناء والده وخاله ، وأول سماعه سنة ثلاثين ، وأكثر
من الشيوخ أكثرهم من نيسابور ، وله فيها نحو ألف شيخ وفي غيرها نحو ألف شيخ
أيضاً .
روى عنه خلق كثير ؛ من أجلُّهم البيهقي والدارقطني ؛ وهو من شيوخه ،
ورُحِلَ إليه من البلاد الشاسعة لسعة علمه وروايته واتفاق العلماء على أنَّه من أعلام
الأمَّة الذين حفظ الله بهم هذا الدين ، وحُدِّث عنه في حياته ، وكان يرجع إلى قوله
حفاظ عصره .
وكتابه ((المستدرَك)) - بفتح الراء - سمي به! لأنه استدرك فيه الزائد على
((الصحيحين)) من الصحيح مما هو على شرطهما ؛ أو شرط أحدهما ؛ أو ما ليس
على شرط واحد منهما ، ورُبَّما أورد فيه ما هو فيهما ؛ أو في أحدهما سهواً ، وربما
أورد فيه ما لم يصحّ عنده منبِّهاً على ذلك . وهو متساهل في التصحيح .
قال النووي في (( شرح المهذب)) : اتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشدُ
تحرِّياً منه. وقد لخّص الذهبي ((المستدرك)) وتعقب كثيراً منه بالضعف والنكارة ،
٧١

مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبٍَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مَلأَّ أَبْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ ، حَسْبُ أَبْنِ آدَمَ
لُقَيْمَاتٌ
وجمع جزءاً فيه الأحاديث التي هي فيه وهي موضوعة ؛ فذكر نحو مائة حديث .
قال أبو موسى المديني : إنَّ الحاكم اغتسل في الحمام وخرج ؛ وقال : آه .
وقبضت روحه وهو متّزرٌ لم يلبَس قميصه بعد رحمه الله تعالى .
( مِنْ حَدِيْثِ الْمِقْدَامِ ) - بالميم أوله وآخره ـ ( بْنِ مَعْدِيْ كَرِبٍ ) - بفتح الكاف
وكسر الراء ، أما الباء الموحدة ! فيجوز كسرها مع التنوين ، ويجوز فتحها على البناء -
وهو أبو کريمة المقدام بن معدي کرب بن عمرو بن یزید بن معدي کرب الکندي .
وفد على رَسُولِ اللهِ وَّر في وفد كندة ، عداده في أهل الشّام سكن حمص .
روي له عن رَسُولِ اللهِ وَ له سبعة وأربعون حديثاً.
وتوفي بالشَّام سنة : سبع وثمانين ؛ وهو ابن إحدى وتسعين سنة رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْه .
( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَا مَلأَّ أَبْنُ آدَمَ) - وفي رواية: آدمي - ( وِعَاءَ شَرّاً
مِنْ بَطْنِهِ ) لما فاته من الخير الكثير ، حيث جعل بطنه كالأوعية ، التي تجعل
ظروفاً ، وتوهيناً لشأنه ، ثم جعله شرَّ الأوعية ، لأنها تستعمل في غير ما هي له ،
والبطن خلق ليتقوَّم به الصلبُ بالطَّعام ، وامتلاؤه يفضي إلى إفسَاد الدين والدنيا ؛
فيكون شرّاً منها .
ووجه ثبوت الوصف في المفضَّل عليه !! أنَّ ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو
حرص ، وكلاهما شرٌّ، والشِّبع يوقع في مداحض فيزيغ عن الحق ، ويغلب عليه
الكسل ، فيمنعه التعبّد ، وتكثر فيه موادُّ الفضول ؛ فیکثر غضبه ، وشهوته ، ویزید
حرصه ، فيطلب الزائد عن الحاجة
( حَسْبُ أَبْنِ آدَمَ ) أي: يكفيه ( لُقَيْمَاتٌ) جمع قلة ؛ فهو لما دون العشرة .
٧٢

يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ .. فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ
لِلشَّرَابِ ، وثُلُثٌ للنَّفَسِ)).
قَالَ الْقُرْطُمِيُّ
قاله الغزالي . وفي رواية: ((أَكَلاَتٌ)) بفتح الهمزة والكاف ؛ جمع أُكْلة - بالضمِّ -
وهي : اللُّقمة . أي : يكفيه هذا القدر في سدِّ الرَّمق ، وإمساك القوَّة ، ولذا قال :
( يُقِمْنَ صُلْبَهُ) أي : ظهره ! تسمية للكلِّ باسم جزئه ، إذ كلُّ شيء من الظهر فيه
فِقار ، فهو صلبٌ كنايةً عن أنَّه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط ، ويتقوّى به على
الطّاعة .
( فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ) وفي رواية (( فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ)) ؛ ( فَقُلُثٌ لِلطَّعَام ،
وَثُلُثٌ ) يجعله ( لِلشَّرَابِ ) ؛ أي : المشروب ( وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ))) - بفتحتين - وفي
رواية: لطعامه .. لشرابه .. لنَفَسه. بالضمير في الثلاثة، وهذا غايةٌ ما اختير
للأكل ، وهو أنفع للبدن والقلب ، فإن البدن إذا امتلأ طعاماً ؛ ضاق عن الشَّراب ،
فإذا ورد عليه الشَّراب ضاق عن النَّفَس ، وعرض الكرب والفُّقَل .
وقسم إلى الثلاثة !! لأن الإنسان فيه أرضي ، ومائي ، وهوائي ، وتَرَك
الناري ! لأنَّه ليس في البدن جزءٌ ناري ، كما قاله جمع من الأطباء ؛ قاله ابن القيِّم
الحنبلي رحمه الله تعالى .
( قَالَ ) العلامة الإمام الشيخ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرخ ۔ بإسكان الراء
والحاء المهملة - الأنصاري الأندلسي أبو عبد الله ( القُرْطُبِيُّ ) المفسِّرُ :
كان من عباد الله الصَّالِحين ، والعلماء العارفين الورعين ؛ الزاهدين في الدنيا ،
المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة ، أوقاته معمورة ما بين توجُّه ، وعبادة ،
وتصنيف ؛
جمع في تفسير القرآن كتاباً كبيراً في اثني عشر مجدداً ؛ سماه كتاب (( جامع
أحكام القرآن المبيِّن لما تضمن من السنَّةً وآي القرآن )» وهو من أجلِّ التفاسير !
٧٣

لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ )
وأعظمها نفعاً! أسقط منه القصص والتواريخ ، وأثبت عوضها أحكام القرآن ،
واستنباط الأدلّة ، وذكر القراءات والإعراب ، والناسخ والمنسوخ .
وله كتاب (( شرح أسماء الله الحسنى))، وكتاب (( التذكار في أفضل الأذكار))
وضعه على طريقة ((التبيان)) للنووي ؛ لكن هذا أتمُّ منه، وأكثر علماً .
وكتاب ((التذكرة بأمور الآخرة)) مجلدين، وكتاب ((شرح التقصِّي))، وكتاب
(( قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذُلِّ السؤال بالكتب والشفاعة )) . وله أرجوزة ؛
جمع فيها أسماء النَّبِيّ ◌َِّ. وله تآليف وتعاليق مفيدة غير هذه.
وكان قد طرح التكلُّف ، يمشي بثوب واحد ؛ وعلى رأسه طاقية .
سمع من الشيخ أبي العباس: أحمد بن عمر القرطبي ، مؤلف كتاب ((المفهم
شرح صحيح مسلم)) بعض هذا الشرح، وحدَّث عن أبي علي : الحسن بن
محمد بن محمد البكري وغيرهما .
وكان مستقراً بمصر، بـ (( منية بني خصيب )) ، وتوفي بها ودفن بها ؛ في شوال
سنة : - ٦٧١ - إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى .
قال في كتابه (( شرح أسماء الله الحسنى)) كما نقله عنه شيخ الإسلام الحافظ ابن
حجر في ((فتح الباري )) : ( لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ ) - بضم الباء - ( هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ
هَذِهِ الحِكْمَةِ !! ) ، لأنها أرجح وأتمُّ ممَّا يتخيّلونه في نفوسهم ، إذ هو بالحدس
والتخمين ، وهذا ممَّن لا ينطق عن الهوى .
وقال الغزالي : ذُكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة ؛ فقال : ما سمعت كلاماً في
قلة الأكل أحكمَ منه . وإنَّما خصَّ الثلاثة : الطَّعام والشَّراب والنَّفَس بالذكر !! لأنها
أسباب حياة الحيوان ، إذ لا بدَّ له من الثلاثة ، ولأنه لا يدخل البطن سواها .
وهل المراد بالثلث المساوي حقيقةً على ظاهر الخبر ؟ والطريق إليه غلبة
الظَّن !! أو المراد التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة ؟ ؛ وإن لم يغلب ظنُه بالثلث
٧٤

وَعَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
الحقيقي !؟ محلُّ احتمال . قال الحافظ ابن حجر : والأول أولى .
ويحتمل أنَّه لمَّح بذكر الثُّلث إلى قوله في الحديث الآخر (( والثُّلُثُ كَثِيرٌ )).
انتهى .
وقال غيره : أرجح الاحتمالين الأول ، إذ هو المتبادر ، والثّاني يحتاج لدليل .
( وَ) روى الدمياطي في السيرة له - كما في ((المواهب)) - (عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ
اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) أي : البصري ، لأَنَّ المراد عند الإطلاق مرسلاً .
وهو الإمام المشهور ، المجمع على جلالته في كلِّ فنٍّ ، أبو سعيد الحسن بن
[أبي الحسن] يسار التابعي، البَصري - بفتح الباء وكسرها - الأنصاري (( مولاهم)) ،
مولى زيد بن ثابت . وقيل : مولى جميل بن قطبة .
وأمّه اسمها خيرة ، مولاة لأم المؤمنين أُمِّ سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .
ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ،
قالوا : فربما خرجت أمُّه في شغل فيبكي ؛ فتعطيه أُمُ سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا
ثديها فيدر عليه ، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك .
ونشأ الحسن بوادي القرى ، وكان فصيحاً ، رأى طلحة بن عبيد الله وعائشة
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، ولم يصح له سماع منها !! وقيل: إنَّه لقي علي بن
أبي طالب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . ولم يصح !
وسمع ابن عمر ، وأنَساً ، وسمرة ، وأبا بكرة ، وقيس بن عاصم ، وجندب بن
عبد الله ، ومعقل بن يسار ، وعمرو بن تغلب - بالمثناة والغين المعجمة -
وعبد الرحمن بن سمرة ، وأبا برزة الأسلمي ، وعمران بن الحصين ، وعبد الله بن
المغفل ، وأحمد بن جزء، وعائذ بن عمرو المزني الصحابيين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهم . وسمع خلائق من كبار التابعين وغيرهم .
قال ابن سعد : كان الحسن جامعاً ، عالماً ، رفيعاً ، فقيهاً ، ثقة ، مأموناً ،
٧٥

قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: ((وَاَللهِ مَا أَمْسَى
فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ ، وَإِنَّهَا لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ )). وَاللهِ مَا قَالَهَا
أَسْتِقْلاَلاً لِرِزْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَّالَى، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ.
وَفِي (( الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى :
عابداً ، ناسكاً ، كثير العلم ، فصيحاً ، جميلاً ، وسيماً .
قدم مكّة ، فأجلسوه على سرير واجتمع النَّاس إليه ؛ فيهم طاووس ، وعطاء ،
ومجاهد ، وعمرو بن شعيب، فحدَّثهم فقالوا- أو قال بعضهم - : لم يُرَمِثْلُ هذا قط .
وتوفي سنة : - ١١٠ - عشر ومائة رحمة الله تعالى عليه. آمين. ( قَالَ:
خَطَبَ رَسُولُ اللهِّهِ؛ فَقَالَ: ((وَاللهِ ؛ مَا أَمْسَىْ فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ ،
وَإِنَّهَا) أي : آل محمد ( لَتِسْعَةُ ) أي : أهل تسعة ( أَبْيَاتٍ )) ) هي أبيات زوجاته .
( وَاللهِ مَا قَالَهَا ) أي : هذه الكلمة (اسْتِقْلاَلاً لِرِزْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ) ، إذ لا يتأتَى
ذلك منه ، (وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَتَأَشَىْ): تقتديَ (بِهِ أُمَّتُهُ) في القناعة ، والرِّضا بالمقسوم.
قال الزرقاني : جزم شيخنا بأن القَسَم من الحسن راوي الحديث ، والأصل أنَّه
من المرفوع ، لأَن الإدراج إنما يكون بورود رواية تبيِّنُ القدر المدرج ، أو استحالة
أنَّ المصطفى يقوله !! ولا استحالة هنا ، فقد يكون قال ذلك خوفاً على بعض أمَّته
اعتقادَ أنَّه قاله استقلالاً فيهلك بذلك ؛ كما قال لرجل مرَّ عليه ومعه زوجته صفية :
((إِنَّهَا صَفِيَّةُ؟!)). فقال الرَّجل: أفيك يا رسول الله؟! فقال: (( خَشِيْتُ عَلَيْكَ
الشَّيْطَانَ )).
(وَفِي) كتاب ( ((الشِّفَا) بتعريف حقوق المصطفى وََّ)) (للْقَاضِيْ) أبي الفضل
( عِيَاضٍ ) بن موسى اليحصبي - وقد تقدمت ترجمته في أول الكتاب - (رَحِمَهُ اللهُ
تَعَالَى) في (الباب الثاني) في فصل زهده وَلِيٍ(١):
(١) بل وردت في بداية الكتاب ، عند ذكر المصنف للكتب التي جمع منها كتابه .
٧٦
1

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِبَعاً قَطُ، وَلَمْ يَبُثَّ شَكْوَى إِلى أَحَدٍ ، وَكَانَتِ
اَلْفَاقَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى ،
و: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: لَمْ يَمْتَلِىء) - بهمز - وهو
الصحيح ( جَوْفُ النَّبِيِّ وَّرْ شِبَعاً) - بكسر الشِّين المعجمة وفتح الموحدة - ( قَطُّ )؛
أي : أبداً، ولعلَّ مرادها غالب أحواله ، أو شبعاً مفرطاً غيرَ مناسب لكماله ، فإنَّ
المطلوب تقليل الطَّعام ، والاقتصار على ما يقوم به الأَوَد ، ثم ملء ثلث البطن ،
فإنَّ ثلثاً للزاد ، وثلثاً للماء ، وثلثاً للنفَس - كما مرَّ - فإن زاد! فنصفُها، وما زاد
على ذلك حرصٌ وبِطْنَةٌ غير ممدوحة ، وقد يحرم ، إن وصَّله للضرورة ، والتُّخَمة
قصداً ، كما أنَّ أول مراتبه واجب .
( وَلَمْ يَبُثَ) - بفتح الياء التحتية ؛ وضمِّ الباء الموحدة وتشديد المثَلَّثَة - أي:
لم يذكر ولم يظهر ( شَكْوَى ) ؛ أي : شكايته ، ولا بطريق حكايته ، في جميع
حالاته ( إِلَى أَحَدٍ ) من أصحابه وزوجاته ، لقوله تعالى في ضمن آياته ؛ حكاية عن
يعقوب، في شدة ما ابتلاه قال ﴿ إِنَّمَآ أَشْكُوْ بَقِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [٨٦/ يوسف].
فالشكوى إلى الخلق مذمومة ، والّذي يليق بمقام العارفين الصبر وكتم ما بهم ؛
لا سيما والنَّبِيُّ وَ ◌ِّ كان يُسَؤُّ بكلِّ ما يأتيه من الله، ولا يعدُّه مؤلماً؛ بل يتلذَّذ به ،
فکیف یُتصور شكواه ؟ !.
وإلى هذا أشار بقوله : ( وَكَانَتِ الفَاقَةُ) : وهي الحاجة الملازمة ، المقتضية
للصبر ( أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى ) المقتضي للشُّكر .
وهذا صريح في تفضيل الصبر على الشكر ؛ كما ذهب إليه أجلاء الصوفية ،
وأكثر علماء الفقه وقد ورد: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ؛ لأَحْبَيْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً
وَحَاجَةً)) على ما رواه الترمذي ؛ عن فضالة بن عبيد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه . كذا قاله
القاري رحمه الله تعالى .
٧٧

.
وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جَائِعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ
وقد اختُلِف هل الغنيُّ الشَّاكر خيرٌ أم الفقير الصابر ؟ !
فذهب إلى كلٌّ منهما قومٌ من العلماء ، ولكلٍّ منهم أدلَّة مبسوطة في محلّها .
وللعلامة الحافظ محمد بن أبي بكر بن قَيِّمٍ الجوزية الحنبلي رحمه الله تعالى كتاب
((عدة الصابرين)) ذكر فيه هذه المسألة بأدلَّتها من الجانبين . فليراجع .
وقال الإمام حجَّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى : قد انكشف أنَّ الفقر هو
الأفضَلُ لكافَّة الخلق ؛ إلا في موضعين :
١ - : غنىّ يستوي فيه الوجود والعدم ، ويستفاد به دعاء المساكين وقضاء
حوائجهم ، كغنى بعض الصحابة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم .
و ٢ - فقرٌ يكون مع الضرورة حتى يكاد يكون كفراً؛ فالأول خير محضٌ ، وهذا
لا خير فيه بوجه من الوجوه .
والممدوح غنىُ النَّفَس ؛ لا غنى المال من حيث هو ، والفضل كلُّه في
الكفاف، والاقتصار على مقدار الحاجة، ولذا طلبه وَّ له ولآله. انتهى. نقله
الخفاجيُّ رحمه الله تعالى .
( وَإِنْ) مخفَّفةٌ من الثقيلة، أي: وإنَّه (كَانَ لَيَظَلُّ ) - بفتح الظاء المعجمة
وتشديد اللام - أي : يكون في طول النَّار ( جَائِعاً) - بهمزة مكسورة - ( يَلْتَوِيْ )
- بتقديم اللّم على التاء الفوقية، وواو مخففة مكسورة - وفي نسخة من «الشِّفاء)):
ويتلَوَّى - بياء مثناة مفتوحة وفوقية مفتوحة ، ولام كذلك ، وواو مشددة مفتوحة ،
يليها ألف - أي : حال كونه يتقلب ويضطرب ( طُوْلَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوْعِ ) ؛ أي : من
أجل حرارة لذعته ، ولذا ورد (( آللَّهُمَّ ؛ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوَعِ ، فإِنَّهُ بِئْسَ
الضَّجيعُ)) كما رواه الحاكم في (( مستدركه)) عن ابن مسعود مرفوعاً ، وهذا كله
لكمال زهده في الدُّنيا ، وصبره على مشاقُّها ، وإقبال قلبه على الأخرى ؛ لرضى
المولى وليرشد أمَّته لذلك .
٧٨

فَلاَ يَمْنَعُهُ صِيَامَ يَوْمِهِ، وَلَوْ شَاءَ .. سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الأَرْضِ
وَثِمَارَهَا، وَرَغَدَ عَيْشِهَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي رَحْمَةً لَهُ مِمَّا أَرَىْ بِهِ
وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَقُولُ : نَفْسِي لَكَ
الْفِدَاءُ ؛
( فَلاَ يَمْنَعُهُ ) أي : جوعه ( صِيَامَ يَوْمِهِ ) ؛ أي : الذي فيه ، ولو كان نفلاً ، أو
صيام يوم عادته في مستقبله . وهذا بيان بعض شدَّة حاله .
(وَلَوْ شَاءَ) بَّرِ الغنى، وما يترتب عليه من التنقُّم وحصول المنى.
و(( شاء)) كثيراً ما يحذف مفعولها بعد ((لو)) لِدَلالة جوابها عليه .
( سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيْعَ كُنُوْزِ الأَرْضِ )؛ لا سيما وقد عرضها عليه مولاه ( وَثِمَارَهَا )
يجوز نصبه عطفاً على ((جميع))، وجرُّه عطفاً على (( كنوز))، ومثله ما بعده ،
والثِّمار جمع ثَمَرة ، وهي ما يحصل من الأشجار ونحوها ؛ وقد يُرادُ به كلُّ
ما يستفاد من غيره ؛ كما يُقال ثمرة العلم العمل .
(وَرَغَدٍ ) - بفتحتين؛ وقد يسكن ثانيه ــ، وأصل معنى الرغد : الواسع ،
يقال : أرغد فلان إذا أصاب رغداً ؛ أي : سعةً وخِصباً وغيره .
( عَيْشِهَا ) أي : سعة معيشتها وطيبٍ منفعتها .
( وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِيْ رَحْمَةً لَهُ مِمَّا أَرَى بِهِ ) ، أي: ممَّا أُشاهده به ، أو ممَّا أعلمه
به ، ( وَأَمْسَحُ بِيَدِيْ عَلَى بَطْنِهِ ) كأنه بمسحه يستريح بذلك ، كما كان يضع الحجر
عليه ليبرِّدَه ، ويشدَّ صلبه ؛
وهذا للشفقة ( مِمَّا بِهِ مِنَ الْجُوْعِ ) ، أي : من ألمه .
ثم بينَتْ أنَّ ذلك شفقةٌ؛ بقولها : ( وَأَقُوْلُ: نَفْسِيْ لَكَ الفِدَاءُ) . الفِداء
- بالكسر والفتح ؛ والقصر والمد - : هو ما يُفدَى به الأسير ونحوه ، فيجعل عوضاً
عنه ، ويقال : أفديه بنفسي ، ويأمي ، وبأبي ، وبمالي ، وقد يقال : بنفسي ؛ من
٧٩

لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ؟ فَيَقُولُ: (( يَا عَائِشَةُ؛ مَا لِيْ
وَلِلُّّنْيَا؟!
غير ذكر للفداء ، وتسمَّى الباء باءَ التفدية - بالفاء - .
وهذا جائز بل مستحبٌّ لصدوره منه وَّ، فيقال لمن شَرُف ؛ كالحكام ،
والعلماء ، والصلحاء ، وأعزة الإخوان ، قصداً لتوقيره واستعطافه ، ولو كان
محظوراً ۔ کما قيل - لما قالە پێ ، ولکان نهى عنه من قاله له ، وقد قال له أبو بكر
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. وقال وَّ لسعد: ((إِزْمِ فِدَاكَ أَبِي
وَأُمِّي ))
ومنعه قوم ، لحديث مالك بن فضالة ؛ أنَّ الزبير رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ دخل
عليه وَ * وهو شاكٍ؛ فقال: كيف تجدك جعلني الله فِداك؟، فقال له وَلَ ((مَا زِلْتَ
عَلَى أَغْرَابِيَّتِكَ بَعْدُ ))؟! قيل: ولا حجَّة فيه لما اذَّعوه ، لأن الحديث الواحد
لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردةَ بخلافه ، ولاحتمال أنَّه إنَّما نهاه عنه
لوروده في غير محلُّه ، لأنَّه لا ينبغي أن يقال ذلك للمريض ، بل يتوجَّع له ، ويقال
((لا بأس عليك))، و((عافاك الله وشفاك)) ونحوه ، ولكل مقام مقال، لا لأن
القائل له كان أبواه مشركين ، ولا لأنه من خصوصياته ، لأنَّ مِن قائليه مَن ليس
كذلك ، والأصل عدم الخصوصية .
( لَوْ تَبَلَّغْتَ ) التبلغ من البلاغ ؛ وهو مقدار الكفاية ، يقال : تزود من دنياك
بالبلاغ ؛ مأخوذ من الزَّاد الَّذي يبلغ به المسافر منزله، وضمَّنه هنا معنى ((اكتفيت))
(مِنَ الذُّنْيَا بِمَا يَقُوْتُكَ ) - بضم القاف - أي : لو اكتفيت منها بالكفاف من القوت ،
من غير ضرورة ومخمصة ، و((لو)) للتمني .
( فَيَقُوْلُ) وَِّ (: ((يَا عَائِشَةُ مَا لِيَ وَلِلُّنْيَا؟!) قيل: ((ما)) نافية، أي:
ليس لي أُلفة ومحبة مع الدنيا ، حتى أرغبَ فيها ، أو استفهامية أي: أيُّ أُلفة ومحبّة
ورغبة لي في الدنيا ؟ .
٨٠