Indexed OCR Text
Pages 541-560
وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَبِسَ خَاتِماً كُلَّهُ عَقِيقاً . وعن عائشة مرفوعاً: ((تَخَتَّمُوْا بِالْعَقِيْقِ فَإِنَّه مُبارَكٌ » أخرجه ابن عَدِيّ ، والبيهقيّ في ((الشعب))؛ من طريق يعقوب بن الوليد وهو متروك ، بل كذّبه أحمد ، وأبو حاتم ، وغيرهما . وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: (( مَنْ تَخَثَّمَ بِالْعَقِيْقِ لَمْ يَزَلْ يَرَى خَيْراً)). أخرجه ابن حبّان في ((الضعفاء)) ؛ من طريق أبي بكر بن شعيب ؛ عن مالك ؛ عن الزهريّ ؛ عن عمرو بن الشَّرِيْد ؛ عن فاطمة . قال ابن حبّان : إنّ ابن شعيب يروي عن مالك ما ليس من حديثه ، لا يحلُّ الاحتجاج به . قال السخاوي : وهذا الحديث عند الطبرانيّ ، وأبي نعيم ، وغيرهما من طرق سواه ، ومع ذلك فهو باطل ، وكذا ورد في خاتم العقيق أحاديث غير هذا ؛ كحديث عمر: ((تَخَتَّمُوْا بِالْعَقِيْقِ، فَإِنَّ جِبْرِيْلَ أَتَانِيْ بِهِ مِنَ الْجَنَةِ، وَقالَ : تَخَثَّمْ بِهِ ، وَأْمُرْ أُمَّتَكَ أَنْ تَتَخَّمَ بِهِ )) . رواه الديلميّ؛ وهو موضوع . وحديث علي: (( مَنْ تَخَثَّمَ بِالْعَقِيْقِ، وَنَفَشَ فِيْهِ: وَمَا تَوْفِيْقِي إِلَّ بِاللهِ وَفَّقَهُ اللهُ لِكُلِّ خَيْرٍ ، وَأَحَبَّهُ الْمَلَكَانِ المُؤْكَلانِ بِهِ)) . وهذا كذب ؛ قاله السخاوي . وكلّ ما ورد في خاتم العقيق من الأحاديث ؛ فإنّه لا يثبت ؛ وإن كثرت طرقه - كما قاله الحافظ ابن رجب - . قال القسطلاني في ((المواهب)): (وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ بَِّ أَنَّهُ لَبِسَ خَاتَمَاً كُلَّهُ ) تأكيد لخاتم (عَقِيْقاً) نعت له. قال السيوطي في (( مختصر الموضوعات)): وأمثل ما ورد في هذا الباب حديث البخاريّ في ((التاريخ)): ((مَنْ تَخَثَّمَ بِالْعَقِيْقِ لَمْ يُقْضَ لَهُ إِلاَّ بِالَّتِيْ هِيَ أَحْسَنُ)) . انتهى. فهذا أصل أصيل فيه . انتهى ؛ نقله الزرقاني رحمه الله تعالى . والعقيق كأمير : خرز أحمر تتّخذ منه الفصوص يكون باليمن بالقرب من الشّحر ، یتكوّن لیکون مرجاناً فيمنعه الییس والبرد . ٥٤١ وَكَانَ خَاتِمُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ فُصُهُ مِنْهُ . قال التيفاشي : يؤتى به من اليمن من معادن له بصنعاء ؛ ثمّ يؤتى به إلى ((عدن))، ومنها يجلب إلى سائر البلاد، وذكر ((القاموس)) في مادة قرأ: أنّ معدن العقيق في موضع قرب صنعاء يقال له ((مقرأ)) ، وبسواحل بحر روميّة منه جنس کَدِرٌ كماء يجري من اللّحم المملّح ، وفيه خطوط بيض خفيّة؛ وهو المعروف بالرطبي ؛ قاله التيقاشي . وأجود أنواعه الأحمر ، فالأصفر ، فالأبيض ، وغيرها رديء ، ومن خواصّ الأحمر منه : أنّ من تختم به سكنت روعته عند الخصام ، وزال عنه الهمّ والخفقان ، وانقطع عنه الدم من أي موضع كان ؛ ولا سيّما النساء اللّواتي يدوم طمئهنّ ، وشربه يذهب الطحال ، ويفتح السدد ، ونحاتة جميع أصنافه تذهب حفر الأسنان ، ومحروقه يثبت متحرّكها ويشدّ اللّة، والواحدة ((عقيقة)) بهاء ، والجمع عقايق. قاله في (( شرح القاموس)). ( وَ) أخرج البخاريّ، وغيره، وهذا لفظ ((الشمائل))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ خَاتَمُهُ بَّهِ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ) (( من)) تبعيضية. والضمير للخاتم ؛ أي : فصّه من بعضه ؛ لا أنّه حجر منفصل عنه . قال العراقيّ: لم ينقل كيف كان فصّ الخاتم: أَمُرَبَّعاً ، أم مثلّئاً ، أم مدوراً ؟ إلّ أنّ التربيع أقرب إلى النقش فيه . انتهى . وقد تقدّم في رواية مسلم أنّ فَصَّه كان حبشياً . قال النوويّ في (( شرح مسلم)): قال ابن عبد البرّ رواية (( فصّه منه)) أصحّ. وقال غيره : كلاهما صحيح ، ويجمع بينهما بتعدّد الخاتم ، فلا تعارض بين رواية مسلم ، والبخاريّ. وبهذا جمع البيهقيّ؛ فقال في (( الشعب)): حديث كان فصّه حبشياً فيه دلالة على أنّه كان له خاتمان ، أحدهما فصّه حبشيّ ، والآخر فصّه منه . وقال في موضع آخر : الأشبه بسائر الروايات أنّ الذي كان فصّه حبشياً هو ٥٤٢ وَعَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّخَذَ خَاتِماً مِنْ فِضَّةٍ ، فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلاَ يَلْبَسُهُ . 3 الخاتم الذي اتّخذه من ذهب ثمّ طرحه ، والذي كان فصّه منه هو الذي اتّخذه من فضة . وفي حديث معيقيب : كان خاتمه من حديد ملويٌّ عليه فضّة ، فربّما كان في يده ، وليس في شيء من الأحاديث أنّه ظاهَرَ بينهما ؛ أي : لبسهما معاً . ووافقه على هذا الجمع ابن العربيّ ، والقرطبيّ ، والنوويّ ، قال الحافظ ابن حجر : وهو أظهر . وقد ورد في حديث غريب كراهةٌ كون فصّ الخاتم من غيرِه . ففي كتاب (( المحدّث الفاصل))؛ من رواية عليّ بن زيد؛ عن أنس بن مالك عن رسول الله وَل : أنّه كره أن يلبس خاتماً ويجعل فصّه من غيره ، فالمستحبّ أن يكون فصّ الخاتم منه لا من غيره . . ( وَ) أخرج الترمذيّ في ((الشمائل))؛ ( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّوَ اَّخَذَ ) أي : اقتنى ( خَاتَماً مِنْ فِضّةٍ ) . جزم ابن سيّد الناس بأنّ اتّخاذه وَّ للخاتم كان في السنة السابعة ، وجزم غيره بأنّه كان في السادسة ، وجُمِع بأنّه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة ؛ لأنّه إنما اتّخذه عند إرادة مكاتبة الملوك ، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ستّ ، ووجّه الرسل الذين أرسلهم إلى الملوك في المحرم من السابعة ، وكان الاتّخاذ قبيل التوجيه . قال ابن العربي : وكان قبل ذلك إذا كتب كتاباً خَتَمه بظفره . قال الزين العراقي : ولم ينقل كيف كانت صفة خاتمه الشريف : هل كان مربعاً ، أو مثلثاً ، أو مدوّراً؟ وعملُ الناسِ في ذلك مختلِفٌ ، لكن التربيع أقرب إلى النقش فيه والختم به . ( فَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ ) الكتب التي يرسلها للملوك (وَلاَ يَلْبَسُهُ) - بفتح الموحدة -. وهذا ينافي الأخبار الآتية الدالة على أنّه كان يلبسه في يمينه . ٥٤٣ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ خَاتِمَهُ فِي يَمِينِهِ . ويُدفَع التنافي بأنّ له وَ لّ خاتمين ؛ أحدهما : منقوش بصدد الختم به ، وكان لا يلبسه ، والثاني : كان يلبسه ليقتدى به ، أو أنّ المراد أنّه لا يلبسه دائماً بل غِبّاً ، فلا منافاة حينئذ . وقد يقال : لم يلبسه أوّلاً بل اتّخذه لضرورة الختم ؛ ولم يلبسه ، فخاف من توهّم أنّه اتّخذه لزينة فلبسه ، والله أعلم . ( وَ) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن حبّان وصحَّحه، والترمذيّ في ((الشمائل)) واللّفظ له ؛ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يَلْيَسُ) - بفتح الباء -؛ من اللُّس - بضم اللَّم - ( خَاتَمَهُ) - بفتح التاء وتُكسرُ - ( فِي يَمِيْنِهِ ) ؛ أي : في خنصر يده اليمنى ، فالتختّم فيها أفضل اقتداءً بِهِ وَ ﴿ لكونه أكثرَ أحواله ؛ كما قال ابن حجر ، ولأنّ التخّم فيه نوع تكريم ، وتشريف ، وتزيّن ، واليمنى بذلك أحقّ، وكونه صار شعار الروافض !! لا أصل له. وتختّمه في اليسار الذي أخذ به مالكٌ ؛ ففضّله على اليمين !! حمله الشافعيّة على بيان الجواز، وقول بعضهم: (( التخّم في اليسار مرويّ عن عائشة ، وجميع الصحب، والتابعين)) !! مُعارَض بقول الحافظ الزين العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)» - وتبعه تلميذه الحافظ ابن حجر رحمهم الله تعالى -: وَرَدَ تختُّمه في اليمين من رواية تسعة من الصحابة ، وفي اليسار من رواية ثلاثة منهم . هكذا قال الحافظان ، وذِكْرُهما الثلاثة فقط يعكّر عليه نَقْل الزين العراقي نفسه التختّم في اليسار عن الخلفاء الأربعة ، وابن عَمرو ، وعَمرو بن حُرَيْث ، لكنّ سنده إلى الخلفاء الأربعة منقطع . وقول ابن رجب (( ورد في حديث أنّ تختُّمه في اليسار آخرُ الأمرين من فعله ◌ٍَّ)) !! ، لا يقاوم نقل الترمذيّ عن البخاريّ أنّ التختّم في اليمين أصحّ شيء عن النبيِّ ◌َّرِ في هذا الباب، وإذا كان أصحَّ؛ فلا وجه للعدول عن ترجيح أفضليّته . ويجمع بين روايات اليمين وروايات اليسار : بأنّ كلاًّ منها وقع في بعض الأحوال، أو أنّه ◌َ ﴿ كان له خاتمان؛ كلّ واحد في يد على ما فيه ، كما تقدم ٥٤٤ وَالتَّخَثُمُ فِي الْيَسَارِ لَيْسَ مَكْرُوهاً، وَلاَ خِلَفَ الأَوْلَى، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ لِوُرُودِهِ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ، لَكِنِ النَّخَثُمُ فِي الْيَمِينِ أَفْضَلُ ؛ لأَنَّ أَحَادِيثَهُ أَصَخُ الجمع بذلك ، بين ما فصّه حبشيّ ، وما فصّه منه . ذكره المناوي ، والباجوري ؛ قالا : وقد أحسن الحافظ العراقيّ حيث نظم ذلك فقال : فِي خِنْصَرٍ يَمِيْنٍ أو يَسَارِ يَلْبَسُهُ كما روى البخارِي بأنّ ذا في حالَتَيْن يَقعُ كِلاهُما في مُسْلِمٍ وَيُجْمَعُ كما بِفَصِّ حَبَشِيٍّ قَدْ وَرَدْ أو خاتَمَيْنِ كلّ واحدٍ بِيَدْ ( وَ) بالجملة فـ (النَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ) - بفتح الياء - ( لَيْسَ مَكْرُوْهاً) كراهة تنزيه ؛ (وَلاَ خِلافَ الأَوْلَىْ، بَلْ هُوَ ) ؛ أي: التخُّم في اليسار ( سُنَّةٌ لِوُرُؤْدِهِ فِي أَحَادِيْثَ صَحِيْحَةٍ ) منها حديث مسلم ، عن أنس رضي الله عنه : ((كان خاتمه ◌َ ﴿ في هذه، وأشار لخنصر يُسْراه . ومنها حديث أبي داود ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان ◌َ لّ يتخَّم في يساره. بل قال في ((المواهب)): إنّه نصُّ الإمام أحمد في رواية صالح ؛ قال : التخُّم في اليسار أحبُّ إليَّ . وهو مذهب الإمام مالك . ويروى أنَّه كان يلبسه في يساره ، وكذلك الإمام الشافعيّ . بل ذكر بعض الحفاظ أنّ التخثُّم في اليسار مرويّ عن عامَّة الصحابة ، والتابعين ، ومعنى كونه مرويّاً عن عامتهم أنّهم قائلون بأفضليّته على اليمين، لا أنّهم نقلوه عن النبيّ وَّر. ( لَكِنِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِيْنِ أَفْضَلُ ) من التخُّم في اليسار ، بل قال الترمذيُّ في ((جامعه)): روي عن أنس: أنَّ النبيّ وَّر تختّم في يساره، وهو لا يصح . انتهى. لكنّ كلام الترمذيّ مردودٌ برواية مسلم السابقة وغيرها ، ولذلك ساغ قوله : ( لأَنَّ أَحَادِيْثَهُ) ؛ أي : التختم في اليمين ( أَصَُ ) ، وأكثره من أحاديث التختُّم في اليسار ، فقد روى البخاريّ ، والترمذي ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ٥٤٥ قَالَهُ الْبَاجُورِيُّ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَثَّمُ فِي يَسَارِهِ . كان ◌َّ يتخثَّم في يمينه . ورواه مسلم، والنسائي ؛ عن أنس رضي الله عنه وهو قول ابن عباس ، وعبد الله بن جعفر . روى حمّاد بن سلمة قال : رأيت ابن أبي رافع يتختّم في يمينه ، فسألته عن ذلك ؟ فقال : رأيت عبد الله بن جعفر يتختّم في يمينه . وقال: كان النبيُّ ◌َّئۇ یتخئَّم في يمينه)). أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه ، والترمذيّ في ((الجامع)) و((الشمائل))، وقال الترمذيّ: قال محمّد - يعني البخاريّ ـ: هذا أصُ شيء رُوِيَ عن النبي ◌َّ في هذا الباب. وفي ((الشمائل)) للترمذيّ ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّ النبيّ ◌َّ كان يتختّم في يمينه . وروى أبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))؛ عن محمّد بن إسحاق قال : رأيت على الصلت بن عبد الله خاتماً في خنصره اليمنى فسألته ، فقال : رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا ، ولا إخاله إلاّ قال : كان رسول الله ◌َّ﴿ يتختَّمُ في يمينه ؛ ( قَالَهُ ) ؛ أي : هذا الكلام الذي نقله المصنّف متصرِّفاً فيه ؛ قاله شيخ الإسلام إبراهيم ( البَاجُوْرِيُّ) في حاشيته المسماة بـ (( المواهب اللدنية على الشمائل الترمذيَّة )) . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي: ( كَانَ) رسول الله (وَّرِ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ ) ورمز له برمز مسلم ، وقد مرّ حديث أبي داود ؛ عن ابن عمر في ذلك . بل قال الحافظ ابن رجب : وقد جاء التصريح بأنّ تختُّمه عليه الصلاة والسلام في يساره كان آخِرِ الأمرين ، في حديثٍ رواه سليمان بن محمد بن يحيى بن عُروة بن الزبير ؛ عن عبد الله بن عطاء ؛ عن نافع ؛ عن ابن عمر: أنَّ النبي ◌َِّ كان يتختَّم في يمينه، ثمّ إنَّه حوّله ٥٤٦ إلى يساره . أخرجه ابن عديّ، وأبو الشيخ، واعتمد ذلك البغويّ في (( شرح السنة)) . وجمع بها بين الأخبار . وتعقّبه الطبريّ : بأنّ ظاهره النسخ وليس بمراد ، وقال الحافظ ابن حجر : لو صحّ هذا لكان قاطعاً للنزاع ! لكنّ سنده ضعيف ، وله شاهد عند ابن عساكر عن عائشة بإسناد ضعيف أيضاً . وجمع البيهقيُّ بين أحاديث تخُّمه في يمينه ، وأحاديث تخُّمه في يساره ؛ بأنَّ الذي لبسه في يمينه خاتم الذهب ، ثمّ نبذه كما في حديث ابن عمر ، والذي في يساره خاتم الفضَّة. انتهى ((زرقاني)). ولم يبيِّن في هذا الحديث وما قبله من الأحاديث في أيِّ الأصابع وضَعه فيها ، لكنِ الذي في ((الصحيحين)): تعيين الخنصر . بل في مسلم، وأبي داود ، والترمذيّ : النهي عن لبسه في السبابة والوسطى ، ولم يثبت في الإبهام والبنصر شيء عن النبي ◌َّه، ولا عن صحبه !! فثبت ندبه في الخنصر فقط، فالسنّةُ إذَنْ جعله في الخنصر . وحكمته : أنَّه أبعد عن الامتهان فيما يتعاطاه الإنسان باليد ، وأنّه لا يشغل اليد عمّا تزاوله من الأعمال ، بخلاف ما لو كان في غير الخنصر. انتهى ((مناوي)). والحاصل : أنّه يجوز التخُّم في اليمين واليسار ؛ ولو لغير ذي منصب ، وتحصل السنَّةَ بكلٌّ منهما ، كما تحصل السنَّةَ بلبس الخاتم ؛ ولو مُستعاراً ، أو مُستأجراً ، والأوفق للاتّباع للبسه بالملك ، وكونُه في الخنصر أفضل . ويجوز تعدّد الخواتيم اتخاذاً . وأمّا الاستعمال : فمفهومُ كلام الرافعي عدمُ الجواز ، وبه صرّح المحبُّ الطبريّ ؛ فقال: المُتَّجِهُ أنّه لا يجوز للرجل أن يلبس خاتمين من فضة في يديه ، أو في إحداهما ؛ لأنّ استعمال الفضّة حرام ، إلا ما وردت به الرخصة ، ولم ترد إلاّ في خاتم واحد . وفي ((التحفة)) لابن حجر: ويَتَّجِهُ اعتماد كلام (( الروضة)) الظاهر في حرمة ٥٤٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْعَلُ قُصنَّ خَاتَمِهِ مِمَّا يَلِ كَفَّهُ. التعدُّد مطلقاً ؛ لأنّ الأصل في الفضة التحريمُ على الرجل ؛ إِلَّ ما صحّ الإذن فيه ، ولم يصحَّ في الأكثر من الواحد . ثمّ رأيت المحبَّ الطبريَّ علّل بذلك، وهو ظاهرٌ جليٍّ . انتهى. هذا معتمد ((التحفة))، لكنّه صرح في ((الإمداد))، و((النهاية))، وغيرهما بكراهة لبس خاتمين . انتهى . ويكره للرجل لبسُه في غير الخنصر ، ويجوز لبسه بفصٍّ ، وبدونه ، وجعله في باطن الكفّ أفضل ، لأنّ حديثه أصحُّ من حديث جَعْلِهِ في ظاهر الكفّ . ويجوز نقشُه ولو بذِكْر ؛ ولا يكره ، ويسنّ كونه دون مثقال ، فإن بلغ مثقالاً ، وَعَدَّهُ العرف إسرافاً حَرُمَ ، وإلّ! فلا على الأوجَه ، والعبرة بعرف أمثال اللّبس - كما اعتمده في (( التحفة)) و((النهاية)) -. قال في ((الإمداد)): ينبغي أنّ العرف لو اختلف باختلاف المحالّ ، أو الحِرَف ، ونحوهما: يقيّد أهل كلّ محلّ أو حرفة بعُزْفِه . انتهى ؛ نقله عنه الكردي . ( وَ) أخرج البخاريّ ، ومسلم، وغيرهما ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ) رسول الله (وَِّ يَجْعَلُ فَصَّ خَاتَمِهِ ) - مثلّث الفاء كما تقدَّم - ( مِمَّا يَلِيْ كَفَّهُ) ؛ أي : ما يلي بطن كفّه ؛ كما في مسلم ، فَجَعْلُه كذلك أفضلُ اقتداءً بفعله ◌َلچر . قال العلماء: ولم يأمر النبيُّ ◌َّ في ذلك بشيءٍ، فيجوز جعل فصّه في باطن الكفّ وظاهرها ، وقد عمل السلف بالوجهين ، وممّن اتّخذه في ظاهرها الحَبْر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ قالوا: ولكن الأفضل الأوّل اقتداءً به وَِّ، ولأنَّه أصون لفصّه، وأسلم، وأبعد عن الزهد والإعجاب ؛ كذا ذكره النووي في (( شرح مسلم )) . ٥٤٨ وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مُحَمَّدٌ ) سَطْرٌ، وَ(رَسُولُ) سَطْرٌ، وَ(اللهُ) سَطْرٌ . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْعَجَمِ .. والكفّ مؤنثة ؛ سمّيت بذلك !! لأنّها تكفّ ؛ أي : تدفع عن البدن . ( وَ) أخرج البخاريّ، والترمذيّ في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ نَقْشُ خَاتَم رَسُوْلِ اللهِ وَهِ: ((مُحَمَّدٌ)) سَطْرٌ) مبتدأ وخبر ، ( وَ((رَسُوْلُ)) سَطْرٌ) مبتدأ وخبر أيضاً ، ويجوز في ((رسول)) التنوين بقطع النظر عن الحكاية ، وتركُ التنوين نظراً للحكاية . ( وَ(( اللهُ)) سَطْرٌ) مبتدأ وخبر أيضاً، ويجوز في لفظ الجلالة الرفعُ بقطع النظر عن الحكاية ، والجرِّ بالنظر لها . وظاهر ذلك أنّ ((محمّداً)) هو السطر الأوّل، و((رسول)) هو السطر الثاني ، ولفظ ((الجلالة)) هو السطر الثالث. ويؤيّده رواية الإسماعيلي: ((محمّد)) سطر، والسطر الثاني ((رسول))، والسّطر الثالث ((الله)). وفي ((تاريخ ابن كثير)) عن بعضهم أنّ كتابته كانت مستقيمة ، وكانت تُطْبَعُ كتابةً مستقيمة(١) . انتهى . وهو معجزة ظاهرة . ( وَ) أخرج البخاريّ، والترمذيّ في ((الشمائل))؛ واللفظ لها: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ رَسُوْلُ اللهِوَّر) حين رجع من الحديبية ( أَنْ يَكْتُبَ ) المكاتيب التي فيها الدعوةُ إلى الله تعالى ، ويرسلها ( إِلَى الْعَجَمِ ) ؛ أي : إلى عظمائهم وملوكهم ، والمراد بالعجم ما عدا العرب ، فيشمل الروم وغيرهم . (١) هكذا في الأصل !!. ٥٤٩ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَلْعَجَمَ لاَ يَقْبَلُونَ إِلاَّ كِتَاباً عَلَيْهِ خَاتِمٌ . فَاصْطَنَعَ خَاتِماً ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَاضِهِ فِي كَفِّهِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، ( قِيْلَ لَهُ) - أي : قال له رجل ، قيل: من قريش ، وقيل: من العجم - (: إِنَّ الْعَجَمَ لا يَقْبَلُوْنَ ) - أي: لا يعتمدون - ( إِلاَّ كِتَاباً عَلَيْهِ خَاتَمٌ) - بالفتح والكسر - أي : نقش خاتم ، فهو على تقدير مضاف . وعدم قبولهم له ! لأنّه إذا لم يُختَم تطرّق إلى مضمونه الشكُّ ؛ فلا يعملون به ، ولأنّ ترك ختمه تشعر بترك تعظيم المكتوب إليه ، بخلاف ختمه ، فإنّ فيه تعظيماً لشأنه . ( فَاصْطَنَعَ خَاتَماً ) ؛ أي : فلأجل ذلك أمر بأن يُصْطَنَع له خاتم ، فالتركيب فيه مجاز عقلي ، على حد قولهم : بنى الأمير المدينة ؛ والصانع له كان يعلى بن أمية . ( فَكَأَنَّيْ أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ ) ، أي: بياض الخاتم ، لأنه كان من فضة ( فِي كَفِّهِ ) . ظاهره أنّه من باطن أصبعه ، وفي ذلك إشارة إلى كمال إتقانه ، واستحضاره لهذا الخبر حال الحكاية ، كأنه يخبر عن مشاهدة . ويدلّ هذا الحديث على مشروعيّة المراسلة بالكتب ، وقد جعل الله ذلك سنّة في خلقه، أَطبق عليها الأَوَّلون والآخرون . وأوّل من استفاض ذلك عنه نبيّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام ، إذْ أرسل كتابه إلى بلقيس مع الهُدْهُدِ . ويؤخذ منه ندب معاشرة الناس بما يحبّون ، وترك ما يكرهون واستئلاف العدوّ بما لا يضرُّ، ولا محذور فيه شرعاً ؛ قاله المناوي . ( وَ) في ((الصحيحين)) و((الشمائل الترمذيّة))، ـ واللّفظ لها -: (عَنْ أَنَسِ أَيْضاً) رضي الله تعالى عنه ( أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَتَبَ) - أي : أراد أن يكتب ليوافق الرواية السابقة - (إِلَى كِسْرَى) - بكسر أوّله وفتحه -: ملك فارس ، وهو معرّب خَسْرَو - بفتح الخاء ، وسكون السين ، وفتح الراء - أي : واسع المُلْك . والنسبة إليه ((كِسْرَوِيّ))، وإن شئت ((كِسْرِيّ)). وعن أبي عمرو: جَمْعُ كِسْرَى : أكاسرة على غير ٥٥٠ وَفَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ كِتَاباً إِلَّ بَخَاتِمٍ ، فَصَاغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِماً حَلَقَتُهُ فِضَّةٌ، وَنَفَشَ فِيهِ : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) . قياس ، فإنَّ قياسه : كسرون ؛ نقله ابن الكمال . ( وَقَيْصَرَ ) ملك الروم، (وَالنَّجَاشِيِّ) ملك الحبشة ، مخفّف عند الأكثر ، وكان ذلك لقباً لكلِّ من ملك إقليماً من ذلك، كـ((فرعون)) لمن ملك القِبْطَ ، و ((العزيز)) لمن ملك مصر، و((تُبَعْ)) لمن ملك حِمْيَر، و((خاقان)) لمن ملك التُّرك. وسيأتي الكلام على النجاشي في مبحث الخف . ( فَقِيْلَ لَهُ: ) - وعند ابن سعد: فقالت له قريش -: (إِنَّهُمْ)؛ أي : هؤلاء الملوك ( لاَيَقْبَلُوْنَ كِتَاباً إِلّ) مختوماً ( بخَانَمٍ ) ، لأنه إذا لم يختم تطرّق إلى مضمونه الشكّ كما تقدم ، ولذلك صرّح أصحابنا في (( كتاب قاض إلى قاض)) بأنّه لا بدّ من ختمه . ( فَصَاغَ رَسُوْلُ اللهِن ◌َّهِ خَاتَماً) ؛ أي: أمر بصوغه . والصوغ : تهيئة الشيء على أمر مستقيم ، وتقدّم أنّ الصايغ كان يعلى بن أميّة ( حَلْقَتُهُ) - بسكون اللام ، وقد تفتح - ( فِضَّةٌ) ، فيه إشعار بأنّه لم يكن فَصُّه فضّة ، بل حبشيّ - على ما تقدّم في بعض الروايات - ( وَنَقَشَ ) ببنائه للفاعل ؛ أي : أمر ، أو للمفعول ، وهو عليه حقيقة (فِيْهِ) أي: في الخاتم؛ أي: فصِّه: (مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ)، وختم به الكتب . فلما جاء كتابه إلى كسرى مزّقه ، فدعا عليه ؛ فَمُزِّق ملكه . ولما أتى إلى مِرَقْل حفظه فحُفظ ملكه . ولما أتى الكتاب إلى النجاشي أسلم ، وذلك سنة ستّ ، واسمه أصحمة ، ومات سنة تسع ، وصلّى على جنازته ، وكتب له كتاباً ثانياً ليزوِّجه أمّ حَبِيْبَة رضي الله تعالى عنها . وفي هذا الحديث وما قبله : حِلُّ نقش اسم الله تعالى على الخاتم ، والردّ على من كره ذلك ؛ كابن سِيْرِيْن ، وقد كان نقش خاتم عليّ : الله الْمُلْكُ . وحذيفة ؛ ٥٥١ ◌َكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتِمُ الْكُتُبَ وَيَقُولُ: ((الْخَاتَمُ عَلَى اَلْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ الثُّهْمَةِ » . وَعَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِماً مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِينِهِ ، وابن الجرّاح : الحمد لله . وأبي جعفر الباقر : العزَّة لله . وإبراهيم النخعي : الثَّقة بالله . ومسروق : باسم الله . فأولى نقش اسم الإنسان ، ونسبه ، ولقبه ؛ ليحصل به تمییزه . قال ابن جماعة : ونَقْشُ الخواتم تارةً تكون كتابةً ؛ وتارة تكون غيرها ، فإن لم تكن كتابة ؛ بل لمجرَّد التحسين ! فهو مقصد مباح إذا لم يقارنه ما يحرِّمه ، كنقش نحو صورة ، وإن كان كتابة ! فتارة ينقش من الألفاظ الحِكَمِيَّة ما يفيد تذكُّره كلّ وقت وعدم الغفلة عنه ؛ كما روي أنّ عمر نقش على خاتمه : كفى بالموت واعظاً . وهذا مقصد صالح ، وتارة ينقش اسم صاحبه للختم به ، وهذا هو المرادهنا . انتهى . ( وَ) في ((كشف الغمّة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ) رسول الله (رَّهِ يَخْتِمُ الْكُتُبَ) - جمع كتاب - ( وَيَقُوْلُ: ((الْخَاتَمُ عَلَى الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ التُّهَمَةِ ))) - بضمِّ المثنّة الفوقيّة المشدّدة، وفتح الهاء علىُ وِزَان: رُطَبَة ، والسكون لغة ، وأصل التاء واو ، يقال : اتّهمتُه في قوله ؛ شككت في صدقه . أي : أنّ الكتاب إذا لم يختم تطرّق إلى مضمونه الشكُّ - كما تقدم - . (وَ) أخرج الإمام مالك في ((الموطّأ))، والبخاريّ؛ ومسلم في ((صحيحيهما))، وأبو داود، والنسائي، والترمذيّ، في ((الجامع)) و((الشمائل)) - واللّفظ لها - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : أَّخَذَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ)، زاد البخاريّ: (( وجعل فصَّه مما يلي كفَّه ، ونَقَشَ فيه محمّد رسول الله )) . لكن ليس فيه قوله : ( فَكَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِيْنِهِ ) ؛ أي : قبل تحريم الذهب على الرجال . قال ٥٥٢ فَأَتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: ((لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً )»، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضاً: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَّخَذَ خَاتِماً مِنْ فِضَّةٍ ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ ، البيهقيّ : وهذا الخاتم هو الذي كان فصّه حبشياً . ( فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيْمَ ) ؛ جمع خاتم، والياء فيه للإشباع. ( مِنْ ذَهَبٍ ) تبعاً له بَّرِ. (فَطَرَحَهُ) ، أي : رمى به رسول الله وَل﴿ ﴿وَقَالَ: ((لاَ أَلْبَسُهُ أَبَداً))) لِما رأى من زُهُوِّهم بلبسه ، وصادق ذلك نزول الوحي بتحريمه، ففي ((الصحيحين)): قال البراء: فصعد رسول الله وَيه المِنْبُرَ فَأَلْقَاهُ ، ونهى عن التختُّم بالذَّهب . وفي ذلك التصريح بأنَّه لم يقتصر على الإلقاء ؛ لأنّه بمجرّده لا يدلُّ على التحريم. قال القُسْطُلاَّني في (( المواهب)): وهو - أي: التحريم - مذهب الأئمّة الأربعة : مالك ، والشافعيّ ، وأبي حَنِيْفَة ، وأحمد وأكثر العلماء رضي الله تعالى عنهم. ( فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيْمَهُمْ) ؛ أي: من أيديهم تبعاً له بَّر. والخواتيم: جمع خاتم ؛ كالخواتم ، والياء فيه للإشباع . قال ابن حجر: وهذا الحديث هو الناسخ لحِلِّه؛ مع قوله وَ لّر في الأحاديث الصحيحة، وقد أخذ ذهباً في يد وحريراً في يد ؛ وقال: ((هذانِ حَرَامٌ عَلَىْ ذُكُوْرِ أَمَّتِيْ؛ حِلٌّ لِإِناثِها )) . ووقع لبعض من لا إلمام له بالفقه هنا تخليط فاجْتَنِبْهُ ، كيف والأئمّة الأربعة على تحريمه؟! للنهي عنه في حديث ((الصحيحين)) وغيرهما، ورخَّصَتْ فيه طائفة، واستدلُّوا بأنّ خمسة من الصحابة ماتوا وخواتيمهم من ذهب ، ويُرَدّ بأنّ ذلك إن صحّ عنهم يتعيَّن حملُه على أنّه لم يبلغهم النهي عنه . انتهى . ( وَ) في ((مسلم))، و((الشمائل))؛ - واللّفظ لها -: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضَاً ) رضي الله تعالى عنهما ( أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ اَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ ) ؛ أي : للخَتْم به ، وفي رواية: انَّخذها خاتماً كلّه من فضّة ( وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِيْ كَفَّهُ) . وفي رواية ٥٥٣ وَنَفَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، وَنَهَىْ أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَيْهِ . لمسلم : مِمَّا يَلِيْ باطِنَ كَفِّهِ . وهي تفسير للأُولى . وعُوْرِضَ هذا الحديث بما رواه أبو داود ؛ من رواية الصَّلْت بن عبد الله قال : رأيت ابن عبّاس يلبس خاتمه هكذا ؛ وجعل فصَّه على ظهرها . قال : ولا إخال ابن عبّاس إلّ وقد كان يذكر أنَّ رسول الله ◌َّ كان يلبس خاتمه كذلك. وقد يجمع بما قاله الزين العراقيّ من أنه وقع مرّة هكذا ومرّة هكذا ، قال : ورواية جعله ممّا يلي كفّه أصحّ ؛ فهو الأفضل . قال ابن العربي: ولا أعْلَمُ وَجْهَهُ . وَوَجَّهَه النوويّ بأنّه أبعد عن الزهو والعجب ، وبأنّه أحفظ للنقش الذي فيه من أن يحاكي أن ينقش مِثْلُه ، أو يصيبه صدمة ، أو عود صلب ، فيغيّر نقشه الذي اتّخذ لأجله . ( وَنَقَشَ فِيْهِ ) - أي : أمر بنقشه فهو بالبناء للفاعل ، لكن على المجاز على حد قولهم : بنى الأمِيْرُ المدينة - ( مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ ) ؛ أي : هذه الألفاظ . قال الزين العراقيّ : وهل قصد به اسمه فقط!؟ فيكون قول ((رسول الله)) صفةً لقوله ((محمّد)) لا خبرٌ له، ويكون كما لو كتب : محمد بن عبد الله ، كما نقش ابن عمر على خاتمه عبد الله بن عمر ، وعليه فيكون خبرُ المبتدأ محذوفاً ؛ أي : مالكه ، أو صاحبه ((محمد رسول الله))، وكأنّه رمز به إلى صاحبه ، كما رمز في كتب الحديث إلى صاحب تلك الرواية بكتابة اسمه عليها !! أو أراد به الإِتيان بإحدى كلمتي الشهادة على أنّه مبتدأ وخبر ؟ وعليه فهل أُرِيدَ بعض القرآن ؛ فيكون حجّة على جواز ذلك ، وَرَدّ على من كرهه من السلف ، أو لم يقصد به القرآن ؟ كلُّ محتمل . ويدلّ على أنّه أريد إِحدى كلمتي الشهادةِ ؛ الحديثُ الوارد في نقش كلمتي الشهادة على الخاتم . انتهى ؛ نقله المناوي . ( وَنَهَىْ) أي: النبيّ نَّرُ (أَنْ يَنْتُشَ) بضمِّ القاف (أَحَدٌ عَلَيْهِ ) أي : مثل نَقْشِه ؛ وهو : محمد رسول الله ، كما يدلّ له رواية البخاريّ ، ومسلم ؛ عن أنس : ٥٥٤ وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبَ فِي بِثْرِ أَرِيسٍ . وَ( مُعَيْقِيبُ): هُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانَ يَلِي خَاتَمَ اٌلْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاَلْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ . اتّخذ رسول الله خاتماً من فضّة ، ونقش فيه : «محمّد رسول الله)) ، وقال للنّاس : (إنِّي اتَّخَذْتُ خَتَماً مِنْ وَرِقٍ ، وَنَقَشْتُ فِيْهِ: مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ . فَلاَ يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلى نَقْشِهِ )) . والحكمة في النهي عن ذلك : أنّه كان يختم به للملوك ، فلو نقش غيره مثله لأدّى إلى الإلباس والفساد . وما روي أنّ معاذاً نقش على خاتمه : (محمّد رسول الله) وأقرَّه المصطفى ◌َلآ ! ! فلم يثبت ، وبفرض ثبوته !! فهو قبل النهي ، ويظهر - كما قاله ابن جماعة ، والزين العراقيّ -: أنّ النهي خاصٌّ بحياته ◌َّيهِ أخذاً من العلّة. انتهى باجوري بزيادة . ( وَهُوَ الَّذِيْ سَقَطَ مِنْ مُعَيِقِيْبَ ) بن أبي فاطمة الدوسيّ ( فِي بِثْرِ أَرِيْسٍ ) بوزن ((أمير))، وهي الكائنة في قباء، ويقال لها: بئر الخاتم. (وَمُعَيْقِيْبُ ) - بضمّ الميم ، وفتح العين المهملة ، وسكون التحتيّتين ، وقاف مكسورة بينهما ، وموحدة في آخره - تصغير مِعْقابْ كـ((مِفْضال))، (هُوَ ) مولى سعد بن أبي العَاص ، وكان ( مِنْ أَهْلِ بَذْرٍ ) : أسلم قديماً بمكّة ، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وأقام بها حتّى قدم على النبيّ وَّر بالمدينة . ( وَكَانَ يَلِيْ خَاتَمَ المُصْطَفَى ◌َِّ) بالمدينة المنوَّرة، ( وَ) يلي خاتم (الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ ) ، واستعمله أبو بكر ، وعمر ، وعثمان على بيت المال . وهو قليل الحديث . قيل : مرويّاته سبعة أحاديث ؛ اتّفق البخاريّ ومسلم على واحد منها ، وانفرد البخاريّ بواحد . ومات سنة : أربعين هجريّة ، وقيل : في آخر خلافة عثمان ، وقيل : في خلافة عليّ . قال الزركشيّ وغيره : كان به عِلّة من جُذَام، فَعُؤْلج بأمر عمر بن الخطّاب ٥٥٥ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِماً مِنْ وَرِقٍ ، فَكَانَ فِي ◌َدِهِ ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي يَدِ عُمَرَ ، ثُمَّكَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ بالحنظل فوقف ، وكان بأنسٍ طرف من برص . قال بعض الحفّاظ : ولا يعرف في الصحابة من أُصيب بذلك غيرهما . ( وَ) أخرج الشيخان: البخاري، ومسلم في ((صحيحيهما))، والترمذيّ في ((الشمائل))، وغيرها؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) بن الخطّاب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّخَذَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ ) - بكسر الراء - وفي رواية : من فضّة . وكان اتّخاذه سنة سبع ، كما جزم به ابن سيّد الناس ، وجزم غيره بأنّه في السادسة !! وجمع الحافظ ابن حجر بينهما بأنّه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة ؛ كما مرَّ ، وكان صانع الخاتم يعلى بن منيّة ، وهو اسم أمّه ، واسم أبيه : أميّة ؛ كما تقدَّم . وروى الدارَقُطْنِيُّ، وغيره ؛ عن يعلى بن منيّة قال: أنا صنعتُ للنبي وَّ خاتماً لم يشركني فيه أحد ، نقش فيه : محمد رسول الله . ( فَكَانَ فِي يَدِهِ ) ؛ أي : في خنصر يده اليمنى ، فهو من باب إطلاق الكلّ وإرادة الجزء ، وهكذا يقال في لاحقه، ( ثُمَّ) بعد وفاة المصطفىُ وَِّ ( كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ) الصدِّيق رضي الله تعالى عنه مدّة خلافته ، ( وَ) بعد أبي بكر كان ( ◌ِي يَدِ عُمَرَ ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مدَّة خلافته ، (ثُمَّ ) بعد موت عمر ( كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ) بن عفّان رضي الله تعالى عنه ستّ سنين من خلافته ، كما في بعض الروايات ، وثمّ هنا للتراخي في الرُّتْبَةِ . وظاهر هذا الحديث مخالف لما ورد ، من أنّ أبا بكر جعل الخاتم عند مُعَيْقِيْب ليحفظه ويدفعه للخليفة وقت الحاجة إلى الختم ؛ كما رواه أبو داود ، وغيره . بل في رواية البخاريّ؛ عن ابن عمر: (( فلبس الخاتم بعد النبيّ يَّر أبو بكر ، وعمر ، وعثمان)). ٥٥٦ حَتَّى وَقَعَ فِي بِثْرِ أَرِيسٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ . وهو صريح في المخالفة لرواية أبي داود وغيره ، وتُدْفَع المخالفة بأنّهم لبسوه أحياناً للتبُّك ، وكان مَقَرُّهُ عند معيقيب ؛ جمعاً بين الروايات . وقيل : المراد من كون الخاتم في أيديهم أنّه كان عندهم في تصرُّفهم ، كما يقال في العرف : هذا الشيء في يد فلان ؛ أي : عنده وفي تصرُّفه ، فلا يلزم منه لبسه ، وهذه تردّه رواية البخاريّ المارّة ، والله أعلم . ويؤخذ من ذلك : أنّه يجوز للشخص استعمال ختم منقوش باسم غيره بعد موته . لأنّه لا التباس بعد موته ، قال النووي : وفي الحديث التبرُّك بآثار الصالحين ، ولبس ملابسهم . انتهى . ( حَتَّى وَقَعَ ) ؛ أي : إلى أن سقط في أثناء خلافة عثمان منه ، كما في رواية البخاريّ ، أو من معيقيب، كما في ((الشمائل))، وبعض طرق مسلم ، ويحتمل - كما في ((القُسطُلّني)» - أنّه لمَّا طلبه من مُعَيْقِيْبَ ليختم به شيئاً استمرّ في يده ، وهو مُتَفَكِّر في شيءٍ يَعْبَثُ به ، ثمّ دفعه في تفكُّره إلى معيقيب ، فاشتغل بأخذه فسقط ، فنُسِبَ سقوطه لكلٍّ منهما ، أحدهما حقيقة ، والآخر مجازاً . هذا غاية ما جمع به ، والراجح من حيث الصناعة الأوّل ، لاتّفاق رواية الشيخين عليه . انتهى . ( فِي بِرِ) - بالهمز ، وتُخفَّف ، وهي مؤنثة - ( أَرِيْسَ ) - بفتح الهمزة ، وكسر الراء ، وسكون المثنّة التحتية، آخره سين مهملة ، بوزن جَلِيْس ، يصرف ولا يصرف ــ وهي بئر بحديقة قريبة من مسجد قُباء ؛ نسبة إلى رجل من اليهود اسمه أريس ، وهو الفلاّح بلُغَةِ أهل الشام ، ويقال لها : بئر الخاتم أيضاً . ( نَقْشُهُ)؛ أي : نقش ذلك الخاتم أو نقش فصّه : ( مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ ) ، أي : هذه الكلمة على الترتيب ، زاد في رواية أبي داود ، والنسائي : فاتَّخذ عثمان خاتماً ، ونقش فيه : محمّد رسول الله ، فکان یختم به . وله شاهد من مرسل عليّ بن الحسين عند ابن سعد في (( الطبقات)) . ٥٥٧ قَالَ الْبَاجُورِيُّ: (وَفِي وُقُوعِهِ إِشَارَةٌ إِلَىْ أَنَّ أَمْرَ الْخِلاَفَةِ كَانَ مَنُوطاً بِهِ ، فَقَدْ تَوَاصَلَتِ الْفِتَنُ، وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ، وَحَصَلَ الْهَرْجُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فِي خَاتَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي خَاتِمِ سُلَيْمَانَ مِنَ الأَسْرَارِ ؛ لأَنَّ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ لَمَّا فُقِدَ .. ذَهَبَ مُلْكُهُ، وَخَاتِمُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فُقِدَ مِنْ عُثْمَانَ .. أَنْتُقَضَ عَلَيْهِ الأَمْرُ، وفي ((الصحيح))؛ عن أنس: كان خاتم النبيّ وَّر في يده، وفي يد أبي بكر بعده ، وفي يد عمر بعد أبي بكر ، فلمّا كان عثمان جلس في بئر أريس ، فأخرج الخاتم ، فجعل يَعْبَثُ به فسقط ، فاختلفنا ثلاثة أيّام مع عثمان نَنْزَحُ البئر فلم نجده . قال الحافظ ابن حجر وغيره : كان ذلك في السنة السابعة من خلافته رضي الله تعالى عنه . ( قَالَ البَاجُوْرِيُّ ) كالحافظ ابن حجر ، وغيره : ( وَفِي وُقُوْعِهِ ) ؛ أي : سقوطه في البئر ( إِشَارَةٌ إِلَىْ أَنَّ أَمْرَ الْخِلَافَةِ ) من حيث جمع الكلمة ، واستقرار الأمور ( كَانَ مَنُوْطاً ) - أي : مربوطاً ومعلّقاً - ( بِهِ ) ؛ أي : بذلك الخاتم ، لما فيه من السرّ؛ لأنّه من آثار الرسول الأعظم وَله، (فَقَدْ تَوَاصَلَتْ) - أي: تتابعت - ( الْفِتَنُ) بعد سقوطه، (وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ) - أي: كلمة المسلمين - ونقموا على عثمان أشياء ، واختلّ نظام الطاعة له ، وكان من أمر عثمان ما هو مذكور في التواريخ. ثم أُسْنِدَت الخلافة بعده إلى عليّ بن أبي طالب ؛ مع وجود المنازعين له بسبب قَتَلَةِ عثمان الذين كانوا في جيش عليّ ، ووقعت حروبٌ طاحنة بين الجماعة ؛ التابعين لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وبين الجماعة المخالفين له ، ( وَحَصَلَ ) شِقاقٌ كبير بين الطائفتين، وكَثُرَ ( الْهَرْجُ) ؛ أي : القتل بين الفريقين ، ( وَلِّذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فِي خَاتَمِهِ نَّر) شيء من الأسرار ؛ مثل ( مَا ) كان ( في خَاتَم ) نبيّ الله ( سُلَيْمَانَ ) بن داود عليهما الصلاة والسلام ( مِنَ الأَسْرَارِ)، وذلك (لَأَنَّ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ لَمَّا فُقِدَ ذَهَبَ مُلْكُهُ، وَ) كذلك ( خاتَمُهُ وٍَّ)؛ فإنّه ( لَمَّا فُقِدَ مِنْ عُثْمَانَ ) بن عفّان ( انْتَقَضَ عَلَيْهِ الأَمْرُ ) ، وخرج عليه الخارجون ، ووقع الاختلاف ٥٥٨ وَحَصَلَتِ أَلْفِتَنُ الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِهِ، وَأَتَّصَلَتْ إِلَى آخِرِ الزَّمانِ ) انتھی. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَشْفَقَ مِنَ الْحَاجَةِ يَنْسَاهَا .. رَبَطَ فِي خِنْصَرِهِ، أَوْ فِي خَاتَمِهِ الْخَيْطَ . إِلى الآن ، ( وَحَصَلَتْ الْفِتَنُ الَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِهِ ) شهيداً مظلوماً؛ وهو يقرأ القرآن ، والمصحف بين يديه ، فوقع الدم على قوله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ ١٣٧)﴾ [البقرة]. السَمِيعُ الْعَلِيمُ ( وَ) كان ذلك مبدأ الفتن التي ( اَنَّصَلَتْ إِلَى آخِرِ الزَّمانِ ) . قال ابن علّن في شرح ((الأذكار)) : والناس يعجبون من خاتم سليمان ؛ وكانت المعجزة به في الشام فحسب ! وهذا الخاتم مُذْ عُدِمَ اختلفت الكلمة ، وزال الاتّفاق في جميع بلاد الإسلام ، من أقصى خُراسان إلى آخر بلاد المغرب ! حفظنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن . آمين . ( انْتَهَى ) ؛ أي : كلام الباجوري . ( وَ) أخرج ابن سعد، والحكيم الترمذيّ ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَشْفَقَ مِنَ الْحَاجَةِ يَنْسَاهَا؛ رَبَطَ فِي خِنْصَرِهِ، أَوْ فِي خَاتَمِهِ الْخَيْطَ ) . ورواه أبو يعلى؛ عن ابن عمر بلفظ: كَانَ إِذَا أَشْفَقَ مِنَ الحَاجَةِ أَنْ يَنْسَاهَا رَبَطَ فِي أُصْبُعِهِ خَيْطَاً لِيَذْكُرَهَا . وفي سنده سالم بن عبد الأعلى ؛ رماه ابن حبّان بالوضع ، واتّهمه أبو حاتم بهذا الحديث ، وقال : هذا حديث باطل . وروى ابن شاهين في (( الناسخ)) له النهيَ عنه ، ثم قال : وجميع أسانيده منكرة ، ولا أعلم شيئاً منها صحيحاً . ولابن عديّ بسند ضعيف ؛ عن وائلة: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةٌ أَوْثَقَ فِي خَاتَمِهِ خَيْطَاً . وللدارَقُطْني في ((الأفراد ))؛ عن رافع بن خَدِيْج قال: رَأَيْتُ فِي يَدِ النَّبِّ ◌َّهِ خَيْطَاً، فَقُلْتُ : ما هذا؟! قال: ((أَسْتَذْكِرُ بِهِ)). انتهى. ذكر ذلك كلّه في ((كَشْفِ الخفا ومُزِيْل الإلْباس » . ٥٥٩ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ . . نَزَعَ خَاتِمَهُ . والذكر والنسيان من الله تعالى ، لكنّ رَبْطَ الخيط سبب من الأسباب ؛ لأنه نُصْبَ العين، فإذا رآه! ذكر ما نسي . فهذا سببٌ وَضَعَهُ اللهُ تعالى لعباده كسائر الأسباب ، كحوز الأشياء بالأبواب ، والأقفال ، ونحوهما ، وأهلُ اليقين ؛ وهم الأنبياء لا تضرّهم الأسباب ، بل يتعيّن فعلها عليهم للتشريع . والنسيان - كما قال بعض العارفين - من كمال العرفان ؛ لأنّ الله تعالى نزّه نفسه عنه ، وجعله من حقيقة العبد . ( وَ) أخرج أبو داود، والترمذيّ وقال: حسن ، والنسائيّ ، وابن ماجه، وابن حبّان ، والحاكم وقال : على شرط الشيخين ، لكن قال النوويّ : ضعّفه أبو داود ، والنسائي ، والبيهقيّ ، والجمهور ، قال : وقول الترمذي : حسن ! مردود. انتهى. وكذا رواه الترمذيّ في ((الشمائل))، واللّفظ لها، كلّهم؛ ( عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَِّيَّ ◌َ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ ) - بالفتح والمدّ -؛ أي : أراد الدخول إلى المحلِّ الذي يتخلّى فيه لقضاء الحاجة، ويسمّى بـ«الكَنِيْفِ)) ، والحش، والبراز - بفتح الموخَّدة - والغائط، والمَذْهب ، والمرفق ، والمرحاض. وسُمِّي بالخلاء ! لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة ، أو لأنَّ الشيطان الموثَّل به اسمه ((خلاء))، ونصبه بنزع الخافض لا بالظرفيّه ؛ خلافاً لابن الحاجب ، لأنَّ ((دخل)) عذَّتْه العرب بنفسه إلى كلّ ظرف مكان مختصِّ ، تقول : دخلتُ الدار ، ودخلتُ المسجد ، ونحوهما، كما عَذَّتْ ((ذهب)) إلى الشام خاصَّة ؛ فقالوا : ذهبتُ الشام، ولا يقولون: ذهبتُ العراق، ولا اليمن. انتهى ((مناوي)). ( نَزَعَ)، وفي رواية أبي داود ، وغيرِه: وَضَع (خَاتَمَهُ) - بفتح التاء ، وتكسر - أي : نزعه ووضعه خارج الخلاء ، لاشتماله على اسم مُعظّم ، بل على جملة من القرآن وهي ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [٤٩/ الفتح]. فاستصحابه في الخلاء مكروه تنزيهاً ، وقيل : تحريماً! وقد صرّح في رواية الحاكم بأنّ سبب الوضع ما نقش ٥٦٠