Indexed OCR Text

Pages 501-520

وَلَبِسَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَبْرَادَ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ .
وَكَانَ يَنْهَىْ أَصْحَابَهُ عَنْ لُبْسِ الأَحْمَرِ الْخَالِصِ .
وقيل : أربعة أذرع ونصف ؛ في عرض ذراعين وشبر . وقيل : أربعة أذرع ؛ في
عرض ذراعين ونصف. انتهى ؛ نقله المناويُّ في ((شرح الشمائل)).
وتعقَبه بقوله: (( وفي بعض ما ذكره نظرٌ !! فقد روى أبو الشيخ في كتاب
((أخلاق المصطفى (وَلَّ)) من رواية عروةَ بنِ الزبير مرسلاً: كان طولُ رداءِ النبي ◌ِّ
أربعة أذرع وعرضُه ذراعين ونصف ... الحديث . قال الحافظ العراقيُّ: وفيه ابن
لهيعة .
وفي (( طبقات ابن سعد )) ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : كان له
إِزارٌ من نَسْجِ عُمَان طوله أربعةُ أذرعٍ وشبرٌ في ذراعين وشبرٍ .
وفي ((الوفا)) لابن الجوزي : كان طول إِزاره أربعة أذرع وعرضُه ذراعين
ونصفاً . وروى الدِّمياطي : أنَّ رداءه الذي كان يخرج فيه للوفود أخضر في طولٍ
أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر . انتهى كلام المناوي .
( وَلَبِسَ نَّهِ الأَبْرَادَ) - جمع بُرْد؛ وهو عند أهل اللسان: ثوب مخطّط،
والمراد هنا الأبرادُ ( أَلَّتِي فِيْهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ ) ، لا بحتاً ، إذ لو كانت كذلك لا تكون
بُرُوداً .
روى الطبراني ؛ من حديث ابن عبّاس أَنَّه كان يلبَس يوم العيد بُرْدَةً حمراءَ . قال
الحافظ الهيثمي: ورجاله ثقات. وروى البيهقيُّ في (( السنن)): أنَّه كان يلبس بُرْدَه
الأحمر في العيدين والجمعة. انتهى مناوي؛ على (( الشمائل)).
قال في ((جمع الوسائل)): وأمَّا ما رُوي (( أَنَّه ◌َّر كان يلبس بردَه الأحمر في العيدين
والجمعة)) !! فمحمول على المخطّط بخطوط حُمْر ؛ كما يدلُّ عليه البرد . انتهى .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ يَنْهَىْ أَصْحَابَهُ عَنْ لُبْسٍ
الأَحْمَرِ الخَالِصِ ) ، ففي (( صحيح مسلم)) ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
٥٠١

قال: رأى النبي ◌َّ عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين؛ فقال: ((إِنَّ هُذَا لِبَاسُ الْكُفَّارِ، فَلاَ
تَلْبَسْهُمَا )).
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث طويل؛ عن البراء أَنَّه وَِّ نهى عن المَيَائِر
الحُمْر . قال ابن القيِّم : فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي ، وفي جواز لبس
الأحمر من الثياب والجوخِ وغيرهما نظرٌ، وأمَّا كراهته ! فشديدةٌ . وأورد الحديثين
السابقين .
والجوابُ عن الحديث الأوَّل: أنَّه إِنَّما نَهىُ ابنَ عمر عن ذلك !! لأنَّه لباس
الكفار ؛ وكانوا كثيراً ، لا لكونه أحمرَ فمحطُّ النهي التشتُّهُ بهم . وقد ارتفع ذلك
فصار داخلاً في عموم المباح .
والجوابُ عن حديث البراء : أنَّه يحتمل أن المياثر من حرير ، فنهى عنها
لأجله ، ويحتمل أن يكون النهيُ لحُمْرَتها ، فلا حُجَّة فيه .
قال النووي : اختلف العلماء في الثياب المُعَصْفرة ؛ وهي المصبوغة بعصفر !!
فأباحها جميعُ العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ، وبه قال الإمام الشافعي ،
وأبو حنيفة ، ومالك ؛ لكنه قال : غيرُها أفضل منها ، فهي خلافُ الأولى .
وقال جماعة من العلماء : هو مكروه كراهةً تنزيه ، ومن هؤلاء مالكٌ والشافعي
في المعتمد من مذهبيهما ، وحملوا النهي الواردَ في (( الصحيحين )) عن أنس : نهى
النبي وسي﴿ أن يتزعفر الرجل !! حملوه على هذا المذكور من كراهة التنزيه، لأنَّه ثبت
أنه عليه الصلاة والسلام لبس حُلَّةً حمراءَ ؛ فلُبْسه لبيان الجواز لا ينافي نهيَه ، لأَنَّ
النهي للكراهة ، والفعلَ لبيان الجواز .
وفي ((الصحيحين))؛ من حديث ابن عمر أَنَّهُ بِّهِ صَبَغ بالصُّفرة؛ أي :
الورس ، كما في رواية أبي داود . وأمَّا حديثُ عِمران عند الطبراني: (( إيّاكُمْ
وَأَلْحُمْرَةَ، فَإِنَّهَا أَحَبُّ الزِّيْنَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ )) !! ففي إسناده ضعف ، وحديثُ
رافع بن خديج: ((أنَّه ◌ِ ﴿ رأى الحمرة قد ظهرت فكَرِهَها)) رواه أحمد !! لا يدلُّ
٥٠٢

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيْكُمْ بِأَلْبَيَاضِ مِنَ الْثِّيَابِ؛ لِيَلْبَسْهَا
أَحْيَاؤُكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَائِكُمْ )) .
على التحريم لحمل الكراهة على التنزيه ؛ جمعاً بين الأدلَّة . انتهى ملخصاً من
(( المواهب)) القسطلاني ؛ مع شيء من الشرح .
قلتُ : قال في (( بشرى الكريم )): نصَّ أصحابنا - معاشرَ الشافعية - على حرمة
لباس الثوب المزعفر ، وكذا نَصُّوا على حرمة المعصفر ؛ سواءٌ صُبغ قبل نسجه أم
بعده ؛ أخذاً بإطلاقهم كما صحَّت به الأحاديث ، واختاره البيهقي وغيره .
ولم يبالوا بنصِّ الشافعي على حِلُّه ، ولا بكون جمهور العلماء على حِلُّه .
وجرى محمد الرملي والخطيب الشربيني على حِلِّ المعصفر مطلقاً . والمعتمد
في المُورَّس حِلُّه، لما صحَّ أَنَّه ◌َِِّ كان يصبُغ ثيابَه بالورس حتَّى عمامته ، ویحُّ
استعمال الورس والزَّعفران في البدن على خلاف كبير. انتهى كلام (( بشرى
الكريم » .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَن أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِأَلْبَيَاضِ) - أي: الزموا لبس الأبيض،
فـ((عليكم)) اسمُ فعلٍ بمعنى ((الزموا)) . والمراد من البياض الأبيض ، بُولغ فيه
حتَّى كأنَّ عينُ البياض على حَدِّ ((زيدٌ عدل)) كما يرشد لذلك بيانُهُ بقوله - ( مِنَ
الثَِّابٍ ، لِيَلْبَسْهَا ) - بلام الأمر وفتح الموحدة - ( أَحْيَاؤُكُمْ) - أي : البسوها وأنتم
أحياء ، فيسَنُّ لبسُها ، ويحسن إيثارها في المحافل كشهود الجمعة وحضور المسجد
والمجالس التي فيها مَظَنّةُ لقاءِ الملائكة؛ كمجالس القراءة والذِّكْر - (وَكَفْنُوا )
- أي : لتكفنوا أو هو التفاتٌ - ( فِيْهَا مَوْتَاكُمْ) - أي: لمواجهة الميت للملائكة ،
وقد تقدَّم أنَّها تطلب لمَظَنَّة لقاء الملائكة - ( فَإِنَّهَا ) - أي : البيض - ( مِنْ خَيْرِ
ثِيَابِكُمْ))). وهذا بيانٌ لفضل البياض من الثياب ، ويليها الأخضر ، ثم الأصفر.
٥٠٣

وَفِي ((أَلْمَوَاهِبِ)) : عَنْ عُرْوَةَ :
واعلم أنَّ وجهَ إِدخالٍ هذا الحديث في باب لباسه ◌َّ لا يخلو عن خفاءٍ ، إذ
ليس فيه تصريحٌ بأنَّه كان يلبس البياض ، لكن يفهم من حثِّه على لبس البياض أَنَّه كان
يلبسه ، وقد ورد التصريح بأنَّه كان يلبسه فيما رواه الشيخان ؛ عن أبي ذر حيث
قال: أتيتُ النبيِنَ ◌ّهِ وعليه ثوبٌ أبيضُ ... الحديث.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحثّ على لُيْس الأبيض من الثياب ؛
منها: ما أخرجه الترمذي في (( الشمائل))؛ عن سَمُرة بن جندب قال : قال
رسول الله وَّةٍ: ((الْبَسُوا الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَظْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفْنُوا فِيْهَا مَوْتَاكُمْ)).
ومنها ما أخرجه أصحاب ((السنن))؛ عن سَمُرة بن جندُب: (( عَلَيْكُم بِهَذِهِ
الثِّيَابِ الْبِيْضِ، لِيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيْهَا مَوْتَاكُمْ)) وقال الترمذي : حسنٌ
صحيح .
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد ، وابن سعد ، والروياني ، والطبراني ، والبيهقي ،
والضياء بزيادة: ((فَإِنّهَا مِنْ خَيرِ ثِيَابِكُمْ )) .
ومنها ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم وغيرهما؛ من حديث ابن عبّاس: « خَيْرُ
ثِيَابِكُمُ الْبِيْضُ، فَالْبَسُوهَا أَحْيَاءً ، وَكَفِّنُوا فِيْهَا مَوْتَاكُمْ )) . قال الحاكم: صحيحٌ
على شرط الشيخين. انتهى شرح ((الإحياء))؛ مع زيادة .
( وَفِي ((أَلْمَوَاهِبِ) اللَّدَنَّة)) للعلَمَة القُسْطُلَّني؛ (عَنْ) أبي عبد الله
(عُزْوَةَ ) بنِ الزُّبير بن العوَّام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصيٍّ القرشي
الأسدي المدني ، التابعي الجليل ، فقيه المدينة المنورة ، أحد الفقهاء السبعة .
سمع أباه ، وأخاه : عبد الله ، وأُنَّه أسماء بنت أبي بكر ، وخالته عائشة ،
وسعيد بن زيد ، وحكيم بن حزام ، وابنه هشام بن حكيم ، والعبادلة الأربعة .
وغيرهم من الصحابة والتابعين .
روى عنه عطاء ، وابن أبي مليكة ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، والزهري ،
٥٠٤

أَنَّ طُولَ رِدَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، وَعَرْضَهُ ذِرَاعَانِ
وَشِبْرٌ. وَفِيهَا: لَطِيفَةُ: قِيلَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لاَ يَبْدُو مِنْهُ إِلاَّ طِيبٌ .. كَانَ آيَةُ ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ لاَ
يَتَّسْخُ لَهُ ثَوْبٌ . قِيلَ : وَلَمْ يَقْمَلْ ثَوْبُهُ .
وَقَالَ أَبْنُ سَبْعٍ فِي (( الشِّفَا)) ، وَالسَّبْتِيُّ
وعمر بن عبد العزيز ، وبنوه : هشام ومحمد ويحيى وعبد الله وعثمان ؛ بنو عروة ،
وخلائق من التابعين وغيرهم .
وكان بحراً لا يكدَّر ، وكان ثقةً كثير الحديث ، فقيهاً عالماً ، مأموناً ثبتاً ، وهو
مجمع على جلالته وعلوِّ مرتبته ووفور علمه . ومناقبه كثيرة مشهورة .
ووفاته سنة : - ٩٤ - أربع وتسعين من الهجرة في قول الجمهور . وقال
البخاري : سنة : - ٩٩ - تسع وتسعين ، رحمه الله تعالى:
( أَنَّ طُوْلَ رِدَاءِ النَّبِيِّ بَ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَانِ وَشِبْرٌ) وعزاه لتخريج
الدمياطي وهو مرسل ، ورواه أبو الشيخ في ((الأخلاق النبوية))؛ عن عروة بلفظ :
وعرضه ذراعان ونصف . قال الحافظ العراقى : وفيه ابن لهيعة .
( وَفِيْهَا)؛ أي ((المواهب)): (لَطِيْفَةٌ):؛ (قِيلَ: لَمَّا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَل
لاَ يَبْدُو ) : يظهر ( مِنْهُ إِلَّ طِيْبٌ كَانَ آيَةُ) : علامةُ ( ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ ) : جسده
( الشَّرِيْفِ أَنَّهُ لاَ يَتَّسِخُ لَهُ ثَوْبٌ) ، فما اتَّسخَ له ثوب قطُّ . (قِيْلَ: وَلَمْ يَقْمَلْ )
- بفتح الميم - ( ثَوْبُهُ) قطُّ ، أي : لم يوجد فيه شيءٌ من قمل ؛ وإن كانت المادة
للتكثير .
( وَقَالَ ) أبو الربيع سليمان ( بْنُ سَبْعٍ ) - بإسكان الموحدة وقد تضم ۔ ( فِي )
كتاب ( ((أَلْشِّفَا))، وَ) قال ( السَّبْتِيُّ) - بفتح السين وسكون الموحدة ففوقية نسبة
إلى ((سبتة)): مدينة بالمغرب. وجزم الرشاطي بأن ((سَبتة)) بالفتح، والتي ينسب
إليه السِّبتي - بالكسر - ؛ قاله ابن حجر في (( التبصير)).
٥٠۵

فِ (( أَعْذَبِ الْمَوَارِدِ وَأَطْيَبِ الْمَوَالِدِ »: لَمْ يَكُنِ الْقَمْلُ يُؤْذِيهِ تَعْظِيماً
لَهُ وَتَكْرِيماً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثَمَّ قَالَ: وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ :..
(فِي) كتاب ( ((أَعْذَبِ المَوَارِدِ وَأَطْيَبِ المَوَالِدِ)))(١) ؛ قالا:
( لَمْ يَكُنِ القُمَّلُ يُؤْذِيْهِ ) لعدم وجوده في ثيابه؛ ( تَعْظِيْماً لَهُ، وَتَكْرِيْماً ◌ََّ) ،
ولفظ ابن سبع : لم يكن فيه قملٌ لأنَّه نور ، ولأنَّ أَصل الذباب من العفونة ؛
ولا عفونة فيه ، وأكثره من العرق ؛ وعرقه طِیب !!
لكن يُشكِل عليه ما رواه أحمد والترمذي في ((الشمائل))؛ عن عائشة رضي الله
تعالى عنها: كان رسول الله وَّهَ يَفْلِي ثوبه، ويحلُب شاتَه، ومن لازم التفلِّي وجودُ
شيء يؤذيه في الجملة : إِمَّا قملاً ؛ أو بُرغوثاً ، أو نحو ذلك .
ويمكن أن يُجاب بأن التفلِّ لاستقذار ما عَلِقٍ بثوبه الشريف من غيره ، ولو لم
يحصل منه أذى في حقِّه وَِّ. وهذا فيه بحثٌ، لأنَّ أذى القمل هو غذاؤه من البدن
على ما أجرى الله العادة ، وإذا امتنع الغذاء لا يعيش الحيوان عادةً .
( ثُمَّ قَالَ) ؛ أي: القُسْطُلَّني في (( المواهب)): ( وَنَقَلَ اُلفَخْرُ الرَّازِيُّ)
- بالراء والزاي بينهما ألف آخره ياء - نسبة إلى الري ؛ وهي : مدينة كبيرةٌ مشهورة
من بلاد الدَّيْلم بين قومس والجبال ، وألحقوا الزاي في النسب على خلاف القياس .
وهو الإمام المفسِّرُ المتكلِّمُ الأُصولي : محمد بن عمر بن الحسين بن علي
القرشي التيمي البكري الشافعي ، أبو المعالي وأبو عبد الله ؛ المعروف بـ((الفخر
الرازي))، ويقال له (( ابن الخطيب))؛ أي : خطيب الري .
وأصله من طَبَرستان ، ومولده في الري سنة : - ٥٤٣ - ثلاث - أو أربع -
وأربعين وخمسمائة ، ورحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان ؛ حتّى صار أحد
الفقهاء الشافعية الفحول ، وأوحدَ زمانه في المعقول والمنقول ، وإمام الدنيا في
عصره بلا مدافع ، رئيس المتكلِّمين والمحققين في وقته بلا منازع .
(١) هكذا في الأصل. والصواب عكسه، إذ ((الشفاء)) للسبتي؛ و((أعذب الموارد)) لابن سبع.
٥٠٦

إِنَّ الذُّبَابَ لاَ يَقَعُ عَلَى ثِيَابِهِ قَطُ ، وَإِنَّهُ لاَ يَمْتَصُّ دَمَهُ الْبَعُوضُ .
وأَلَّف المؤلفاتِ النافعةَ المشهورة نحو مائتي مصنَّفَ ؛ منها التفسير الحافل
المسمَّى ((مفاتيح الغيب)) في ثمانية مجلدات، وكتاب (( المحصول في علم
الأصول))، و (( المطالب العالية في علم الكلام)).
وأقبل الناس على كُتُبه في حياته يتدارسونها ، وكان يُحسن الفارسية ، وكان
معظّما عند ملوك خوارزم وغيرهم ، وبُنيت له مدارس كثيرة في بلاد شتَّى ، وكان
يَعظُ ويحضر في مجلسٍ وعظه الملوكُ والوزراء ، والعلماء والأمراء ، والفقراء
والعامة .
وكان له عبادات وأوراد ، ولا كلام في فضله ، وكان مع غزارة علمه في فنٍّ
الكلام يقول: ((من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز)).
وكانت وفاته في ذي الحجة ، قيل : بسبب السُّمِّ ، لأن الكرَّامية كانوا يبغضونه
لتزييفه مذهبهم وإقامة الحجج والبراهين عليهم ، فدسوا عليه مَن سقاه سُمّاً ، فمات
ففرحوا بموته ، وذلك سنة : - ٦٠٦ - ست وستمائة هجرية رحمه الله تعالى.
( إِنَّ الذُّبَابَ ). اسم جنس ؛ واحده ذبابة يقع على المذكَّر والمؤنَّث ، ويجمع
الذباب على ((ذِبَّان)) - بالكسر - كغِربان، و ((ذُبَّن)) - بالضم - كقُضْبان، وعلى أَذِبَّة
كأغربة ، وهو أجهلُ الحيوانات لأنَّه يرمي نفسه في المهلكات ، ومدَّة حياته أربعون
يوماً ، وأصل خلقته من العُفُونات ، ثم يتوالد بَعضه من بعض ؛ يقع روثه على
الشيء الأبيض فيرى أسودَ ، وعلى الأسود يرى أبيض ، والذباب مأخوذ من ذُبَّ :
إذا طرد ، وآبَ: إذا رجع، لأنَّك تذبُّه فيرجعُ عليك. انتهى (( حواشي
الجلالين )).
(لاَ يَقَعُ عَلَىْ ثِيَابِهِ قَطُّ ، وَإِنَّهُ لاَ يَمْتَصُّ دَمَهُ الْبَعُوضُ) . وتَعقَّب ذلك كلَّه بعضُهم
بعدم ثبوته ؛ قاله الزرقاني .
والبعوض !! قال في ((الخازن)): صغار البقِّ، وهو من عجيب خلق الله
٥٠٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً بَيْضَاءَ .
وَ( الْقَلَنْسُوَةُ ): غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ .
تعالى ، فإنَّه في غاية الصِّغَر ؛ وله ستة أرجل وأربعة أجنحة ، وذنب ، وخرطوم
مجوَّفٌ ، وهو مع صغره يُغَوِّص خرطومَه في جلد الفيل ، والجاموس ، والجمل ؛
فيبلغ منه الغايةَ حتَّى إنَّ الجمل يموت من قرصته . انتهت عبارته .
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير))، وأبو الشيخ، والبيهقيُّ في ((الشعب))،
عن ابن عمر بن الخطاب قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً ) - بفتح القاف
واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو - من ملابس الرأس كالبرنس
الذي تغطى به العمامة من نحو شمس ومطر ؛ قاله المناوي .
( بَيْضَاءَ)، وفي رواية لابن عساكر في ((التاريخ))؛ عن عائشة : كان يلبس
قلنسوة بيضاء لاِئَةً . أي : لاصقة برأسه غير مقبية . أشار به إلى قِصَرها وخِفَّتِها .
وأخرج أبو الشيخ ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما :
كان لرسول الله ◌َ﴿ ثلاثُ قلانس : قلنسوة بيضاء مضرَّبة ، وقلنسوة بُرْدحِبَرة ،
وقلنسوة ذات آذان يلبسها في السفر ، وربَّما وضعها بين يديه إذا صلَّى . وإسناده
ضعيف .
قال الحافظ العراقي في (( شرح الترمذي )) : وأجود إسنادٍ في القلانس ما رواه
أبو الشيخ ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : كان يلبس القلانِسَ في السَّفَر ذواتٍ
الآذان ، وفي الحضر المُضْمرة - يعني الشامية -.
(وَاَلْقَلَنْسُوَةُ) بوزن: فَعَنْلُوَة، قال الفَرَّاء في ((شرح الفصيح »: هي ( غِشَاءٌ)
أسودُ؛ أو أبيض أو غيرهما ( مُبَطَّنٌ) - بتشديد الطاء المهملة وآخره نون - أي : له
بطان ، أي : يشتمل على بطانة وظهارة ، وقد لا يكون له بطان .
( يَسْتُرُ الرَّأْسَ ) ، أي: يلبس في الرأس وتلفُّ عليه العمامة كالطربوش
ونحوه .
٥٠٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ الْقَلاَنِسَ تَحْتَ أَلْعَمَائِمِ وَبِغَيْرِ
الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ اَلْقَلاَنِسِ، وَكَانَ يَلْبَسُ اَلْقَلَاَنِسَ الْيَمَانِيَّةَ؛
وَهُنَّ الْبِيضُ الْمُضَرَّبَةُ، وَيَلْبَسُ الْقَلَاَنِسَ ذَوَاتِ اَلْآذَانِ فِي الْحَرْبِ .
وَكَانَ رُبَّمَا نَزَعَ قَلَنسُوَتَهُ ، فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ،
وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنِ الْعِمَامَةُ، فَيَشُدُّ الْعِصَابَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَىْ جَبْهَتِهِ .
( وَ) أخرج الرُّوياني في ((مسنده))، وابن عساكر في ((تاريخه))؛ عن ابن
عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ ) رسول الله (وَلِ يَلْبَسُ القَلَاَنِسَ) - جمع قلنسوة - ( تَحْتَ العَمَائِمِ)
- جمع عمامة - ( وَ) تارةً يلبَسُها ( بِغَيْرِ العَمَائِمِ ) .
الظاهر أنَّه كان يفعل ذلك في بيته ، وأمَّا إذا خرج للناس ؛ فيظهر أنَّه كان
لا يخرج إِلاَّ بالعمامة يلفُّها عليها للهيبة الباعثة على امتثال أمره .
( وَيَلْبَسُ العَمَائِمَ بِغَيْرِ القَلاَنِسِ، وَكَانَ يَلْبَسُ القَلَاَنِسَ الْيَمَانِيَّةَ؛ وَهُنَّ اُلِيْضُ
المُضَرَّبَةُ ) ؛ أي : المحشوَّة، ( وَيَلْبَسُ القَلَانِسَ ذَوَاتِ أُلْآذَانِ فِي الحَرْبِ ) ، حال
كونه في الحرب .
( وَكَانَ رُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ) من فوق رأسه ؛ ( فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَهُوَ
يُصَلِّي ) ، الظاهر أنَّه كان يفعل ذلك عند عدم تيسُّر ما يستتر به ، أو بيانا للجواز .
قال بعض الشافعية فيه وفيما قبله : لُبْسُ القلنسوة اللاطئة بالرأس والمرتفعة ،
والمضربة وغيرها ؛ تحتَ العمامة وبلا عمامة : كلُّ ذلك وَرَد ؛ قاله المناوي .
( وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ) ؛ أي: لم توجد ( أُلعمَامَةُ، فَيَشُدُّ العِصَابَةَ) - بكسر العين
المهملة - : كلُّ ما عُصِب به الرأس من منديل ؛ أو خرقة ونحوهما ( عَلَى رَأْسِهِ ؛
وَعَلَى جَبْهَتِهِ ). ذكره في ((الإحياء )) .
قال العراقي : رواه البخاريُّ ؛ من حديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما :
٥٠٩

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْتَمَّ . . سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ .
صعد النبي والقر المنبر قد عصب رأسه بعصابة دسماء ... الحديث.
( وَ) أخرج الترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))؛ عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما - وقال حسن غريب - : ( كَانَ رَسُولُ الهِنَِّ إِذَا أَعْتَمَّ ) ؛ أي : لَفَّ
العمامة على رأسه ( سَدَلَ عِمَامَتَهُ ) - أي: أرخاها - ( بَيْنَ كَتِفَيْهِ ) من خلفه نحوَ
ذراع ؛ وفيه مشروعيةُ العَذَبة ، فهي سنّةً .
قال نافع : وكان ابن عمر يفعل ذلك . قال عبيد الله : ورأيت القاسم بن محمد
وسالماً يفعلان ذلك ؛ هذا تمام رواية الترمذي .
قال الحافظ ابن حجر : وأَمَّا مالك! فقال : إِنَّه لم يرَ أحداً يفعله إِلاَّ عامرَ بن
عبد الله بن الزبير . انتهى . وفي بعض طرق الحديث أنَّ الَّذي كان يرسله بين كتفيه
هو الطرف الأعلى؛ وهو يسمَّى ((عذبة)) لغة.
ويحتمل أنَّه الطرف الأسفل حتى يكون عذبة في الاصطلاح العرفي الآن .
ويحتمل أَنَّ المرادَ الطَّرفان معا ، لأنَّه ورد أنَّه قد أرخى طرفيها بين كتفيه ؛ بلفظ
التثنية، وفي بعض الروايات ((طرفها)) بلفظ الإفراد، ولم يكن وَلّ يسدلُ عمامته
دائما، بدليل رواية مسلم: أَنَّه ◌َ له دخل مكَّة بعمامة سوداءَ . من غير ذكر السَّدل.
وصرَّح ابن القيِّم بنفيه؛ قال: لأنَّه ◌َ له كان على أُهبة من القتال والمِغفر على
رأسه فليس في كلِّ موطن ما يناسبه ؛ كذا في (( الهدي النبوي)) . وبه عرف ما في
قول صاحب (( القاموس)): لم يفارقها قط !!
وقد استفيد من الحديث أنَّ العَذَبة سنَّةٌ، وكأنَّ حكمةَ سَنَّها : ما فيها من تحسين
الهيئة ، وإرسالُها بین الکتفین أفضل . وإذا وقع إرسالها بین الیدین - كما يفعله
الصوفية وبعضُ أهل العلم - فهل الأفضل إرسالها من الجانب الأيمن ؛ لشرفه ، أو
من الجانب الأيسر ؛ كما هو المعتاد !! وفي حديث أبي أمامة ؛ عند الطبراني
ما يدلُّ على تعيين الأيمن ، لكنَّ ضعيفٌ .
٥١٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدِيرُ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا مِنْ
وَرَائِهِ ، وَيُرْسِلُ لَهَا ذُؤَابَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ .
واستحسن الصوفيةُ إرسالَها من الجانب الأيسر ، لكونه جانب القلب ، فيتذكَّر
تفريغه مما سوى ربِّه. قال بعض الشافعية: ولو خاف مِن إِرسالها نحوَ خُيَلاء !! لم
يؤمَر بتركها ؛ بل يفعلها ويجاهِدُ نفسه ، وأقلُّ ما ورد في طولها أربعُ أصابع ، وأكثر
ما ورد فيه ذراعٌ وبينهما شبرٌ ، ويحرم إفحاشها بقصد الخُيَلاء .
وقد جاء في العَذَبة أحاديث كثيرةٌ - ما بين صحيح وحَسَن - ناصَّةٌ على فعل
المصطفى وَلّ لها لنفسه، ولجماعةٍ من صحبه، وعلى أمره به، فهي سنَّةٌ مؤكّدة
محفوظة لم يتركها الصلحاء . انتهى . باجوري على ((الشمائل)).
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير))، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) - بسند قال
فيه الحافظ الهيثمي ؛ عقب عَزوه للطبراني : رجاله رجال الصحيح إلاَّ عبد السلام ،
وهو ثقة - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ ) رسول الله (وَّةِ يُّدِيْرُ العِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا ) أي : يغرِزُ طرفها
( مِنْ وَرَائِهِ ) لتكون العَذَبة من خلفٍ ؛ لا من أمام ( وَيُرْسِلُ لَهَا ذُؤَابَةً) - بذال معجمة
مضمومة ، فواوٌ، فألف ، فموحّدة ؛ مهموز - : ضفيرةُ الشعر المرسلة ، فإن
لُويَت !! فعقيصةٌ .
وتطلق أيضاً على طَرَف العمامة ؛ وهي العَذَبة المرادةُ هنا .
والأفضلُ جعلُها ( بَيْنَ كَتِفَيْهِ )، فإِنَّه أكثر أحواله ◌َّهِ، وحديثه أصحُ ، وتارة
يجعلُها عن يمينه قريبة من الأُذُن اليمنى .
وقد استدلَّ جمعٌ بكون المصطفى وَل ◌ِ أرسلها بين الكتفين تارة ، وإلى الجانب
الأيمن أخرى ، على أنَّ كلاّ سُنَّةٌ. وهذا الحديث مُصرِّح بأنَّ أصل العذبة سُنَّةً ؛ وهو
مفاد الأحاديث فإلى سنية أصلِها سنيةُ إرسالها إذا أُخذت من فعله وَلِ .
قال السيوطي : مَنْ عَلِمَ أنَّ العذبة سنَّةٌ وتركها استِنكَافاً أثم ؛ أو غيرَ مُستَنْكِفٍ ؛
فلا .
٥١١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْتَمَّ . . سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ،
وَفِي أَوْقَاتٍ كَانَ يَضُمُهَا وَيَرْشُقُهَا، وَأَوْقَاتٍ لاَ يُرْخِيهَا جُمْلَةٌ .
وروى أبو الشيخ ابن حيَّان في كتاب ((أخلاق النبي ◌ِّ)) من حديث ابن عمر ؛
قال أبو عبد السلام بن أبي حازم: قلت لابن عمر: كيف كان رسول الله وَ له
يعتمُّ ؟! قال : يُدِيرُ كُورَ العمامة على رأسه ، ويغرسها من ورائه ، ويرخي لها ذؤابة
بین کتفیه .
قال الحافظ العراقي : هذا الحديث يقتضي أنَّ الذي كان يرسله بين كتفيه من
الطرف الأعلى. انتهى ( زرقاني)).
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ) رسول الله (وَّةٍ إِذَا
أَعْتَمَّ) - بتشديد الميم ؛ أي : لفَّ عمامته على رأسه ــ ( سَدَلَ عِمَامَتَهُ) - أي:
أرخى طرفها الذي يسمى : العذبة - ( بَيِّنَ كَتِفَيْهِ ).
قال الزين العراقي : وهل المراد سدل الطرف الأسفل حتى يكون عذبة ؛ أو
الأعلى بحيث يغرزها ويرسل منها شيئاً خلفه !! كلٌّ محتَمِل ؛ ولم أر التصريح بكون
المرخيِّ من العمامة عذبة إلا في حديث واحد مرسل ؛ مع أنَّ العذبة لغة : الطرف ،
فالطرف الأعلى يسمى ((عذبة)) لغة؛ وإِنْ تخالفا للاصطلاح العرفي الآن.
وفي بعض طرق الحديث أنَّ الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى ،
ويحتمل أنّ المراد الطرفان معاً. إلى هنا كلامه؛ نقله المناوي في ((شرح
الشمائل)» .
( وَفِي أَوْقَاتٍ كَانَ يَضُمُّهَا وَيَرْشُقُهَا، وَأَوْقَاتٍ لاَ يُرْخِيْهَا جُمْلَةٌ ) .
وقد تحصّل ممَّا تقدَّم أن للابس العمامة أن لا يتّخذ عَذَبة ، وله أن يتخذها من
خلفه ، أو من بين يديه ، أو من بين يديه ومن خلفه معاً ، وأنّ الأفضل اتّخاذها ،
وأن تكون بين الكتفين ؛ ثمّ المنكب الأيمن .
وفي ((المدخل )) : نقل مالك رحمه الله تعالى أَنَّهم كانوا يعتقُّون حتى تطلع
٥١٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يَلْتَحِي بِالْعِمَامَةِ مِنْ تَحْتِ
اُلْحَنَكِ كَطَرِيقِ الْمَغَارِبَةِ .
الثريّا، ومعنى ذلك أنّ طلوعها إنَّما يكون في زمن الحر فيزيلونها . انتهى . قاله
جسوس على (( الشمائل)).
( وَ) في ((كشف الغمّة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: ( كَانَ ) رسول
الله ( ◌َِ كَثِيْراً مَا يَلْتَحِيْ بِالعِمَامَةِ مِنْ تَحْتِ الْحَنَكِ ) - محركة: ما تحت الذَّقَنِ من
الإنسان، قال السيوطيّ في (( مختصر النهاية )): والتحنُّك : التلخّي ؛ وهو أن يدير
العمامة من تحت الحنك - ( كَطَرِيْقِ الْمَغَارِبَةِ ) ، أي: لما فيه من الفوائد التي منها
أنَّها تقي العنق الحرّ والبرد ، وتثبتها عند ركوب الخيل وغيرها ، وتغني عما اتّخذه
كثيرون من كلاليب عوضاً عن الحنك ، وهذه اللِّبسة أنفع اللّبسات ، وأبعدها من
التكلُّف والمشقّة ؛ قاله المناوي .
قال الحافظ عبد الحقِّ الإِشْبِيْلِيّ : وسنّة العمامة بعد فعلها : أن يرخيَ طرفها
ويتحنّك به ، فإن كانت بغير طرف ولا تحنيك ! فذلك يكره عند العلماء .
وفي ((المدخل)) : لا بدّ في العمامة من فعل سنن تتعلّق بها ؛ من تناولها
باليمين ؛ وقول باسم الله ، والذكر الوارد إن كان ما ليس جديداً ، وامتثال السنّة في
صفة التَّعَمُّمِ من التحنيك ، والعذبة ، وتصغير العمامة . انتهى .
ومنه أيضاً ؛ عن الغزالي: أنَّ تَعْتَمّ قائماً ، وتَتَسَرْوَل قاعداً .
ومنه أيضاً : كان سيّدي أبو محمّد رحمه الله تعالى يقول : إنَّما المكروه العمامة
التي ليس فيها تحنيك ولا عذبة ، فإن كانا معاً فهو الكمال في امتثال السنّة ، وإن كان
أحدهما ! فقد خرج به عن المكروه . ذكره جسوس ؛ وهو مالكيّ المذهب - وقال
المناوي : شافعيّ المذهب - في (( شرح الشمائل)): ولا يسنّ تحنيك العمامة عند
الشافعيّة ، واختار بعض الحفّاظ ما عليه كثيرون ؛ أنه يسنّ وهو تحديق الرقبة
وما تحت الحنك واللّحية ببعض العمامة ، وأطالوا في الاستدلال له بما رُدّ عليهم ،
٥١٣

وَكَانَتْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِمَامَةٌ تُسَمَّى ( السَّحَابَ ) ،
فَوَهَبَهَا لِعَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَرُبَّمَا طَلَعَ عَلِيٍّ فِيهَا فَيَقُولُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتَاكُمْ عَلِيٍّ فِي السَّحَابِ)) .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِمَامَةٍ سَدَلَ طَرَفَهَا عَلَى مَنْكِپي ،
وممّن جرى على ندبه ابن القيّم ، وقد جاء أنّ النبي ◌َّر كان يدخل عمامة تحت
حنکه . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى .
( وَ) في ((الإحياء))، و((كشف الغمّة)): (كَانَتْ لَهُ نَِّ عِمَامَةٌ) - بكسر
العين - كما في ((القاموس)) وغيره، وحكى بعضهم ضمّها ( تُسَمَّى ((السَّحَابَ)) ) وله
عمائم أخرى غيرها ؛ كما بيّنه الشامي ( فَوَهَبَهَا لِعَلِيٍّ ) بن أبي طالب ( رَضِيَ اللهُ
تَعَالی عَنْهُ) وقد تقدّمت ترجمته .
( فَرُبَّمَا طَلَعَ عَلِيٌّ فِيْهَا؛ فَيَقُوْلُ بِِّ: ((أَتَاكُمْ عَلِيٌّ فِي السَّحَابِ)) ) .
قال العراقيّ : رواه ابن عديّ ، وأبو الشيخ ؛ من حديث جعفر بن محمّد عن
أبيه عن جده، وهو مرسل ضعيف جداً. ولأبي نُعَيْم في ((دلائل النبوّة)) من حديث
عمر ، في أثناء حديث عمامته السحاب الحديث . انتهى .
ومن هنا اشتبه على الرافضة ، فزعموا أنّ المراد بالسحاب التي في السماء ؛
فقالوا : هو حيّ ورفع في السحاب ، وهذا من ضلالهم وجهلهم بالسنّة . انتهى
((شرح الإِحياء)).
( وَ) روى ابن أبي شيبة، وأبو داود الطَّيالسِيّ، والبيهقي؛ (عَنْ عَلِيٍّ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: عَمَّمَنِيْ رَسُوْلُ اللهِ بَّ بِعِمَامَةٍ سَدَلَ طَرَفَهَا عَلَى مَنْكِيْ. ) لم
يبيّن أَهُوَ الأيمن أو الأيسر ، لكن سيأتي في الحديث بعده ، ما يؤخذ منه أنّ المنكب
هنا الأيمن .
٥١٤

وَقَالَ : ((إِنَّ اللهَ أَمَدَّنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَبَوْمَ حُنَيٍّ بِمَلاَئِكَةٍ مُعَمَّمِينَ هَذِهِ
اٌلْعِمَّةَ)).
وقَالَ : ((إِنَّ الْعِمَامَةَ حَاجِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُوَلِّي وَالِياً حَتَّى يُعَمِّمَهُ ، وَيُرْخِي لَهَا
عَذَبَةً مِنْ جَانِبِ الأَيْمَنِ نَحْوَ الْأُذُنِ .
(وَقال: ((إِنَّ اللهَ أَمَذَّنِيْ يَوْمَ بَدْرٍ وَبَوْمَ حُنَيْنٍ بِمَلائِكَةٍ مَعَمَّمِيْنَ هَذِهِ العِمَّةِ)) )
- بالكسر - فأُحِبُّ فعل ما أمدّني به بمن أوّيه أو أعمّمه ،
( وَقَالَ : ((إِنَّ العِمَامَةَ حَاجِزٌ) - أي: مميّز - (بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ ) - لأنّهم
يتعمّمون - ( وَالْمُشْرِكِيْنَ))) لأنَّهم لا عمائم لهم .
( وَ) روى الطبراني في ((الكبير)) بسند ضعيف؛ عن أبي أمامة رضي الله تعالى
عنه قال : ( كَانَ ) رسول الله (وَّوَ لا يُؤَلِّيْ وَالِياً) ، أي: حاكماً على جهة من
جهات الإسلام ( حَتَّى يُعَمِّمَهُ) بيده الشريفة ، أي : يدير العمامة على رأسه
( وَيُرْخِيْ لَهَا عَذَبَةٌ ) - بالذال المعجمة - من خلفه ( مِنْ جانِبِ الأَيْمَنِ نَحْوَ الأُذُنِ )
إشارة إلى أنّ من ولي من أمر الناس شيئاً ينبغي أن يراعي مِنْ تجمل الظاهر ما يوجب
تحسين صورته في أعينهم ، حتى لا ينفروا عنه وتزدريَه نفوسهم .
وفيه ندب العذبة ، وعدّها السيوطيّ من خصائص هذه الأمة ؛ قاله (( المناوي
على الجامع )) .
ويؤخذ من هذا الحديث تعيين الجانب الذي تجعل فيه العذبة ، لكن قال الحافظ
الزين العراقيّ : وإذا وقع إرخاء العذبة من بين اليدين ؛ كما يفعله الصوفية وبعض
أهل العلم !! فهل المشروع فيه إرخاؤها من الجانب الأيسر كما هو المعتاد ، أو
الأيمن لشرفه ؟ قال : ولم أر ما يدلّ على تعيين الأيمن إلاّ في حديث ضعيف عند
الطبرانيّ !! وبتقدير ثبوته ؛ فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن ، ثم يردُّها إلى
الجانب الأيسر ؛ كما يفعله بعضهم ، إلاّ أنّه صار شعار الإماميّة ، فينبغي تجنّه لترك
٥١٥

وَعَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللهُ تعالَى عَنْهُ قالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ .
التشبّه بهم . انتهى . نقله الزرقاني وغيره .
( وَ) أخرج مسلم، والترمذيّ في ((الجامع))، و(( الشمائل))، وأصحاب
((السنن)) (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله الأنصاريّ - تقدّمت ترجمته - (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ، قَالَ : دَخَلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ مَّةَ) زادها الله شرفاً .
سُمّيت مكة لقلّة مائها، من قولهم: (( امتكّ الفصيل ضَرْع أمّه)) إذا امتصّه ،
وقيل : لأنّها تمكّ الذنوب ، أي : تذهب بها .
ولها أسماء كثيرة : بكة بالباء ، والبلدة ، والبلَد الأمين ، وأمّ القرى ، وأم
رُحْم، وصَلاَحِ؛ كَقَطَامٍ ، والباسّة ، وغيرها . وكثرة الأسماء تدلّ على شرف
المسمّى ، كما في أسماء اللهِ وأسماء رسوله .
ولا نعلم بلداً أكثر أسماءً من مكة والمدينة ، لكونها أفضل الأرض .
واختلف أيُّهما أَفضل !! فعند الشافعيّ والجمهور أَنّ مكّة أفضل الأرض وبعدها
المدينة ، وعند مالك المدينة أفضل ثم مكّة ، ولكلٍّ من الفريقين دليل ومسلك
وتعليل ؛ رضي الله عن الجميع ، ورزقنا الأدب مع الجميع ، وأماتنا بالمدينة بجوار
الحبيب الشفيع ، وأحلّنا المحلّ الرفيع ، بفضله ورحمته . آمين .
( يَوْمَ الْفَتْحِ ) أي : فتح مكّة الذي أعزّ الله به الإسلام وأهله ، وأظهره على
الدين كلّه ( وَعَلَّيْهِ ) أي: على رأسه (عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ) زاد مسلم : بغير إحرام .
قال الحافظ العراقيّ : اختلفت ألفاظ حديث جابر هذا في المكان والزمان الذي
لبس فيه العمامة السوداء ، فالمشهور أنّه يوم الفتح ، وفي رواية البيهقي : يوم ثنيّة
الحنظل ، وذلك يوم الحديبية ! قال : ويجاب بأن هذا ليس اضطراباً ، بل لبسها في
الحديبية وفي الفتح معاً ، إذ لا مانع من ذلك ، إلاّ أنّ الإسناد واحد ؛ فليتأمل !!
انتهى .
٥١٦

وفي رواية البخاريّ، ومسلم، و((أصحاب السنن))؛ من طريق مالك عن
الزهري عن أنس رضي الله عنه: أنّ النبيّ وَّر دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه
المغفر .
ويجمع بينهما بأنّ العمامة السوداء كانت فوق المغفر ، أو تحته وقاية من صدأ
الحديد ، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهباً للقتال ، وأراد جابر بذكر العمامة
كونه دخل غير محرم .
وجمع بينهما القاضي عياض بأنّ أوّل دخوله كان على رأسه المغفر ، ثمّ بعد
ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر ، بدليل قوله في حديث عمرو بن
حُرَيْث رضي الله تعالى عنه - كما في مسلم، و((السنن))، و((الشمائل)) -: أنَّ
النبيّ ◌َّه خطب الناس وعليه عمامة سوداء . زاد مسلم: قد أرخى طرفها بين
كتفيه ؛ لأنَّ الخطبة إِنَّما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة ،
قال الوليّ العراقيّ : وهو أولى وأظهر في الجمع من الأوّل ، وتعقّبه بعضهم :
بأنّ الصواب الجمع الأول .
قال النووي : وفي الحديث جواز لبس الأسود في الخطبة ، وإن كان الأبيض
أفضل منه . انتهى . وصحة لبس المصطفى للسواد ، ونزول الملائكة يوم بدر
بعمائم صفر لا يعارض عموم الخبر الصحيح الآمر بالبياض ؛ لأنّه لمقاصد اقتضاها
خصوص المقام ؛ فقد قال العلماء : إنّ الحكمة في إيثار الأسود يوم الفتح على
البياض الممدوح : الإشارة إلى ما منحه الله تعالى به ذلك اليوم من السُّؤْدُد الذي لم
يتّفق لأحد من الأنبياء قبله ، وإلى سُؤْدُد الإسلام وأهله ، وإلى أنّ الدين المحمديّ
لا يتبدل ؛ لأنّ السواد أبعد تبدُّلاً من غيره .
وقد لبس السواد جماعة منهم عليّ يوم قتل عثمان وغيره ، والحسنُ فقد كان
يخطب في ثياب سود ، وعمامة سوداء ، وابن الزبير كان يخطب بعمامة سوداء ،
وأنس ، وعبد الله بن جرير ، وعمّار كان يخطب كل جمعة بالكوفة ؛ وهو أميرها
٥١٧

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ
وعليه عمامة سوداء ، ومعاوية فإنَّه لبس عمامة سوداء ، وجبّة سوداء ، وعصابة
سوداء ! وابن المسيّب كان يلبسها في العيدين ، وابن عبّاس كان يعتمّ بها ، والخلفاء
العبّاسيّون باقون على لبس السواد ، وكثير من الخطباء على المنابر ، ومستندهم
ما سبق من دخول المصطفى ◌َ لتر مكة بعمامة سوداء ؛ أرخى طرفها بين كتفيه ،
فخطب بها ، فتفاءل الناس لذلك بأنّه نصر وعزّ ، وقد جمع السيوطي جزءاً في لبس
السواد ، وذكر فيه أحاديث وآثاراً .
وقد زعم بعض الخلفاء العباسيين من أولاد المعتصم : أنّ تلك العمامة التي
دخل بها وَّجُ مكّة وهبها لعمه العبّاس ، وبقيت بين الخلفاء يتداولونها بينهم ،
ويجعلونها على رأس من تُقَرّر له الخلافة .
وسأل الرشيد الأوزاعي عن لبس السواد ، فأجابه بأنّه يكرهه ، لأنه لا تُجْلَى فيه
عروس ، ولا يلبِّي فيه محرم، ولا يكفّن فيه محرم(١) ، والظاهر أنّ مراده غير
العمامة .
قال القرطبيّ: وفي هذا الحديث دليل للمسوّدة، غير أنّه وَّه لم يكن ذلك منه
دائماً ، ولا في كل لباسه ، بل في العمامة خاصة ، لكن إذا أمر إمام بلبس ذلك
٠
وجب .
وفي (( شرح الزيلعي )) : يسنّ لبسه لخبر فيه ، وكيف ما كان الأفضل في لبس
الخطبة البياض . وقال ابن القيم : لم تكن عمامة المصطفى وَلتر كبيرة يُؤذي الرأس
حملها ، ولا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس ؛ من نحو حر أو برد ، بل كانت وسطاً
بين ذلك ، وخير الأمور الوسط .
( وَقَالَ ) الإمام العلامة، شيخ الإسلام ، أبو العبّاس ، شهاب الدين ؛
أحمد بن محمد بن عليّ ( بْن حَجَرٍ ) الأنصاري السعْدي ، المِصري ، الهَيْتَمِيّ ثمّ
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب (( ميت)).
٥١٨

الْمَكِّيُّ : أَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ - كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ -
( الْمَكِّيّ ) المشهور بـ(( ابن حجر الهيتميّ))؛ نسبة إلى محلّة ((أبي الهيتم)) بالمثنّة
الفوقية من إقليم الغربيّة بمصرٍ شيخ الشافعية ، وسلطان الشريعة ، وخاتمة
المحقّقین ، فرید عصره ، ووحید دهره .
ولد في بلدة محلّة ((أبي الهيتم)) سنة : - ٩٠٩ - تسع وتسعمائة - بتقديم المثناة
على المهملة فيهما - ونشأ بها ، وحفظ القرآن ، ثمّ انتقل إلى القاهرة .
وتلقّى العلم في الأزهر المعمور ، فحفظ المختصرات ، وأخذ عن جمع من
العلماء ؛ منهم شيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ ، وهو أجلّهم ، وقرأ على الشيخ
عُمَيْرَة المصريّ ، والشهاب الرَّمْلِيّ ، وأبي الحسن البَكْرِيّ ، وغيرهم .
وبرع في جميع العلوم ؛ خصوصاً فقه الشافعيّة ، وصنّف التصانيف الحسنة
المفيدة ، ثمّ انتقل من مصر إلى مكّة المشرّفة .
وسبب انتقاله أنه اختصر (( الروض)) لابن المقرىء ، وشرع في شرحه ، فأخذه
بعض الحسّاد وفتَّته وأعدمه ؛ فعظم عليه الأمر ، واشتد حزنه ، وانتقل إلى مكّة
وصنّف بها التصانيف الكثيرة الجليلة ، منها (( تُخْفَة المحتاج شرح المنهاج)) للإمام
النووي ، وهو أجلّ كتبه .
وكان زاهداً متقلّلاً على طريقة السلف ، آمراً بالمعروف ؛ ناهياً عن المنكر ،
واستمرّ على ذلك حتى مات [ بمكة ودفن ] سنة : - ٩٧٣ - ثلاث وسبعين - أو أربع
وسبعين وتسعمائة - رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين .
قال رحمه الله تعالى: (اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ - كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ -) ؛
كالحافظ ابن حجر ، فقد قال في «فتاويه )» : لا يحضرني في طول عمامة
النبي ◌َّ قدر محدود ، وقد سئل عنه الحافظ عبد الغني فلم يذكر شيئاً .
وكالحافظ السيوطي فإنّه قال : لم يثبت في مقدارها حديث ، وفي خبرٍ ما يدلُّ
على أنّها عشرة أذرع ، والظاهر أنّها كانت نحو العشرة ، أو فوقها بيسير .
٥١٩

فِي طُولٍ عِمَامَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَرْضِهَا شَيْءٌ . وَكَانَ
لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْقَةٌ ، إِذَا تَوَضَّأَ .. تَمَسَّحَ بِهَا.
وكالحافظ السخاوي ؛ فإنّه قال في ((فتاويه )) : رأيت مَن نسب لعائشة: أنّ
عمامته في السفر بيضاء ، وفي الحضر سوداء ، وكلّ منها سبعة أذرع ، وهذا شيء
ما علمته ! انتهى .
وعلى كلام هؤلاء الحفاظ عوّل ابن حجر المكي في تصريحه بأنه لم يتحرّر ( فِي
طُوْلٍ عِمَامَتِنَّهِ وَعَرْضِهَا شَيْءٌ ) .
وما وقع للطبرانيّ في طولها ((أنّه نحو سبعة أذرع))، ولغيره (( أنّه نقل عن عائشة :
أنّها سبعة أذرع في عرض ذراع ، وأنّها كانت في السفر بيضاء وفي الحضر سوداء من
صوف ، وأَنّ عذبتها في السفر من غيرها ، وفي الحضر منها )) !! لا أصل له .
وفي ((تصحيح المصابيح)) لابن الجزريّ : تتبّعت الكتب ، وتطلّبت من السِّيَّر
والتواريخ لأقف على قدر عمامة المصطفى عليه فلم أقف على شيء ، حتى أخبرني
مَن أثق به أنّه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه أنّه كان للمصطفى عمامة
قصيرة . وعمامة طويلة ، وأنّ القصيرة كانت ستة أذرع، والطويلة اثني عشر
ذراعاً. انتهى ((زرقاني)).
وقد ألّف العلماء رحمهم الله تعالى قديماً وحديثاً في العمامة المؤلفاتِ النافعةَ ،
منهم الشيخ ابن حجر المكي ؛ له كتاب: (( درّ الغمامة في العذبة والطَّيْلَسان
والعمامة))، ومنهم السيّد محمد بن جعفر الكتَّاني ، المغربيّ ، له كتاب :
(( الدعامة لمعرفة أحكام سنّة العمامة)). فمن أراد الاطّلاع على ما فيهما
فليراجعهما ؛ خصوصا الأخير منهما، فإنّه مفيد جداً .
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي (كانَ لِرَسُوْلِ اللهِنََّ خِرْقَةٌ) - بكسر الخاء
المعجمة - ( إِذَا تَوَضَّأَ تَمَسَحَ بِهَا ) . رمز له برمز الدار قطني .
وفي ((الجامع الصغير)): كان له وَل﴾ خرقة يتنشّف بها بعد الوضوء ، ورمز له
برمز الترمذيّ ، والحاكم عن عائشة .
٥٢٠