Indexed OCR Text
Pages 481-500
يَقُولُ: ((أَرْفَعْ إِزَارَكَ فَإِنَّهُ أَنْقَىْ وَأَبْقَى ))، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ الله ؛ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ ، أو ما قام مقامهما؛ كقوله تعالى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [٦٨: البقرة]. وقدَّم المسندَ إِليهِ للتَّخْصيصِ أو للتَّقوِّي. وعَبَّر بصيغة المضارع استحضاراً للصُّورة الماضية ، والباء في قوله بـ((المدينة)) بمعنى ((في)). وقوله ( يَقُولُ) خبر المبتدأ الَّذي هو ( إِنسان) ؛ المخصوص بالوصف ، أي: يقول ذلك الإِنسان: ( (إِرْفَعْ إِزَارَكَ ) عن الأرض ، وهذا على عادته في نصح أصحابه ، ( فَإِنَّهُ) - أي: الرفع - ( أَنْقَىْ ) - بمثنَّة فوقيّة - أي : أقربُ إِلىُ التَّقْوى ، للبعد عن الكبر والخيلاء ، وفي رواية : ((أنْقَى )) بِالنُّونِ، أَيْ: أَنْظَفُ، فَإِنَّ الإِزَارَ إِذَا جُرَّ عَلَى الأَرْضِ رُبَّمَا تَعْلَقُ بِهِ نَجَاسَةٌ فَتْلَوِّثُهُ ، ( وَأَبْقَى) - بالبَاء الموخَّدة -؛ أي : أكثر بقاءً ودواماً . وفيه إرشاد إلى أنَّه ينبغي للَّبِسِ الرِّفق بما يستعمله ، واعتناؤه بحفظه ، لأنَّ إهماله تضييعٌ وإسراف، فقد علَّل النَّيُّ وَّرَ أمْره بالمصلحة الدِّينيّة؛ وهي طهارة القلبِ أو القالَبِ أَوَّلاً، لأَنَّها المقصودة بالذَّات، وثانياً بالْمَنْفَعَةِ الدُّنيويَّة ، فَإِنَّها التَّابعة للأخرى . وفيه إِيماءٌ إِلى أَنَّ المصالح الأخرويَّةَ لا تخلو عنِ المنافعِ الدُّنيويّة . ( فَإِذَا هُوَ) - أي: الإنسان - (رَسُولُ اللهِ)، هكذا في أكثر نسخ ((الشمائل))، وفي بعضها : فالتفتُّ فإذَا هو رسول اللّهِ (وَّةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّما هِيَ ) ؛ أي: الإزار - تؤنَّث وتُذكَّر - ( بُرْدَةٌ) - بضمٌّ فسكون - كساءٌ صغير مربّع، ويقال كساءٌ أسود صغير ، ( مَلْحَاءُ) - بفتح الميم والحاء المهملة وسكون اللَّم والمدِّ ـ هي في الأَصل : البياضُ يخالطه سوادٌ ، والمراد : بردةٌ سوداءُ فيها خطوطٌ بيضٌ تلبسها الأَعراب . والظَّاهر أنَّ هذا جواب لقوله ((أبْقَى)) بموحدة ، أي : إنَّها بردة مبتذلة لا يؤبه لها ليراعيّ ما يقيها؛ إِذْ ليست من الثِّيّابِ الفَّاخِرةِ، وكأنَّه يريد أَنَّ هذا ثَوبٌ لا اعتبار ٤٨١ قَالَ: ((أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟! ))، فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ . وَمَعْنَى ( مَلْحَاءُ ): سَوْدَاءُ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ يَلْبَسُهَا الأَعْرَابُ ، لَيْسَتْ مِنَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ . وَ(الأُسْوَةُ) : الْقُدْوَةُ . وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ اُلأَْوَعِ به ، ولا يلبسه في المجالس والمحافل ، وإِنَّما هو ثوبُ مهنةٍ ؛ لا ثوبُ زينةٍ ، فأجابه ◌َاليه بطلب الاقتداء به حيث : ( قَالَ: ((أَمَا) - كلمة ((ما)) للنفي، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي: لَيْسَ ( لَكَ فِيَّ ) - بتشديد الياء - أي: في أقوالي وأفعالي ( أُسْوَةٌ ) - بِضَمِّ الهمزة أفصح من كسرها - أيْ: اقتداء واتباع. ومراده وَّ طلب الاقتداء به، وإنْ لم يكن في تلك البردة خيلاء؛ سدّاً للذَّريعة، وكأنَّه وَله علم أنَّه لم يفهم مراده فغيَّر الأسلوب. ( فَنَظَرْتُ)، أَي: تأَمَّلت لبسته وَّهِ؛ (فَإِذَا إِزَارُهُ) ينتهي ( إِلَىْ نِصْفٍ سَاقَيْهِ ) وَِّ. قال النَّوُّ: القدرُ المستحبُّ فيما ينزل إِلَيْه طرف الإِزار : نصف السَّاقين ، والجائِرُ بلا كراهة : ما تحته إلى الكعبينِ ، وما نزل عنهما ؛ إنْ كان للخيلاء حرم ، وإلاَّ كره ، وفي معنى الإزار : القميصُ وكلُّ ملبوسٍ ، وهذا في حقِّ الرَّجُل ، أما المرأة ! فيسنُّ لها جرُّهُ على الأرضِ قدرَ شِبْرٍ ، وأكثره ذراع ؛ ذكره الباجوريُّ وغيره . ( وَمَعْنَى مَلْحَاءُ) - بفتح الميم والمهملة بينهما لام ساكنة ؛ ممدود -: تأنيث أملح وهي في الأصل : بياضٌ يخالطه سواد ، والمراد هنا: بُرْدَة ( سَوْدَاءُ ؛ فِيْهَا خُطُوطٌ بِنْضٌ يَلْبَسُهَا الأَعْرَابُ ؛ لَيْسَتْ مِنَ الفِّيَابِ اُلْفَاخِرَةِ ) ؛ قاله الباجوري . ( وَ) معنى ( الأُسْوَةُ) - بضم الهمزة وكسرها - : ( القُدْوَةُ) ، أي : الحالة التي يكون عليها الإنسان في اتباع غيره . ( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ) أبي إياس (سَلَمَةَ) بن عَمْرِو ( أَبْنِ الأَكْوَعِ ) ، واسم الأكوع : سنانُ بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن ٤٨٢ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ سلامان بن أسلم الأسلمي ؛ شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسولَ الله وَله يومئذ ثلاثَ مرَّات : في أول الناس ، ووسطِهم ، وآخرِهم . وكان شجاعاً رامياً مُحسِناً خيِّراً فاضلاً، غزا مع رسول الله بَّهِ سبعَ غزوات؛ ويقال شهد غزوة مؤتة، رُوي له عن النبي وَله سبعة وسبعون حديثاً ؛ اتفق البخاري ومسلم منها على ستة عشر حديثاً ، وانفرد البخاريُّ بخمسة ، وانفرد مسلمٌ بتسعة . وتوفِّيَ بالمدينة المنورة سنة : أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ ) أبو عَمْروٍ ذو النورين ( عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ ) بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي القرشي الأموي المكيُّ ؛ ثم المدني ، أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين . أسلم قديماً ؛ دعاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأسلم ، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ويقال له ((ذو النورين)) !! لأنَّه تزوَّج بنتَي رسول الله ◌َّ إحداهُما بعد الأخرى ، قالوا : ولا يعرف أحدٌ تزوج بنتي نبيٍّ غيره ، تزوَّج رقية أوَّلاً فماتت في أيام غزوة بدر ، ثم تزوَّج أختَها أُمّ كلثوم وتوفيت عنده سنة : تسع من الهجرة . وكان حَسَن الوجه ، رقيقَ البشرة ، كثَّ اللحية ، وقد قيل فيهما : أَحْسَنُ شَيْءٍ قَدْ يَرَىْ إِنْسَانُ رُقَيَّةٌ وَزَوْجُهَا عُثْمَانُ وكان محبَّباً في قريش ، واشترى بئر رومة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد السنَّة أصحابِ الشورى الذين توقِّيَ رسول الله وَّر ؛ وهو عنهم راض ، وأحد الخلفاء الراشدين ، وأحد السابقين إلى الإسلام ، وأحد المنفقين في سبيل الله الإنفاق العظيم، وأحد أصهار رسول الله وَله . روي له من الحديث مائة حديث وستة وأربعون حديثاً ؛ اتفق البخاريُّ ومسلمٌ ٤٨٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَقَالَ : هَكَذَا كَانَتْ إِذْرَةُ صَاحِبِي ؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَىْ] عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَضْلَةِ سَاقِي فَقَالَ: ((هَذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ ، منها على ثلاثة ، وانفرد البخاريُّ بثمانية ، وانفرد مسلم بخمسة . وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة : خمس وثلاثين ؛ وهو ابن تسعين سنة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَأْتَزِرُ) - بهمزة ساكنة ، ويجوز إبدالها ألفاً ؛ كما في ((جمع الوسائل)) - أي: يلبس الإزار ويُرخيه (إِلَىْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ) ، والمراد بالجمع في الأنصاف : ما فوق الواحد بقرينة ما أضيف إليه . والساق : ما بين الركبة والقدم . ( وَقَالَ)؛ أي: عثمان - على الأظهر - ( هُكَذَا) - أي: مثل هذا الاتِّزار المذكور - ( كَانَتْ إِذْرَةُ) - بكسر أوله - : اسم لهيئة الاتِّزار ؛ أي كانت إزرة ( صَاحِيِي ) أي : هيئة انتزاره هكذا ؛ أي : كهذه الهيئة التي رأيتها مني ( يَعْنِي ) ؛ أي: يريد ويقصد عثمان بقوله ((صاحبي)): (النَِّيَّ ◌ََّ). وقائل ذلك سَلَمة رضي الله تعالى عنه . ( وَ) أخرج النسائي، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))، وابن ماجه ، وابن حبّان كلُّهم ؛ (عَنْ حُذَيْقَةَ بْنِ أَلْيَمَانٍ ) - بكسر النون بلا ياء - لقب والده حسل بن جابر اليماني . أسلم هو وأبوه قبل بدر . وتقدَّمت ترجمته ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَال ) - أي حذيفة -: ( أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ بِعَضْلَةٍ سَاقِي ) العضلة - بفتح العين وسكون الضاد ؛ كطلحة، أو [عَضَلَة] بتحريكها -: كُلُّ عَصَب له لحم بكثرة . قال الحافظ العراقي : وهي هنا اللحمة المجتمعة أسفل من الركبة من مؤخّر الساق . (فَقَالَ: ((هُذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ ) - أي: هذا المحلُّ موضعُ طَرَف الإِزار ، أو ٤٨٤ فَإِنْ أَبَيْتَ .. فَأَسْفَلُ، فَإِنْ أَبَيْتَ .. فَلاَ حَقَّ لِلإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ )). وَعَنْ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْبَلْتُ إِزَارِي فَقَالَ: ((يَا أَبْنَ عُمَرَ ؛ كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ الأَرْضَ مِنَ اٌلْثَِّّابِ فِي النَّارِ )) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ .. فِي النَّارِ)) ، نهاية موضع الإزار ؛ فهو على حذف مضاف - ( فَإِنْ أَبَيْتَ) ! - أي : امتنعت من الاقتصار على ذلك وأردت التجاوز - ( فَأَسْفَلَ ) - أي : فموضعه أسفلَ من العضلة بقليل بحيث لا يصل إلى الكعبين -. (فَإِنْ أَبَيْتَ! فَلاَ حَقَّ ) - أي : فإن امتنعتَ من الاقتصار على ما دون الكعبين ؛ فاعلم أنَّه لا حقَّ - (لِلإِزَارِ فِي ) وصوله إلى ( الكَغْبَيْنِ ) . وظاهره أنَّ إسباله إلى الكعبين ممنوعٌ، لكن ظاهر رواية البخاريِّ: ((ما أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ )) يدلُّ على جواز إسباله إلى الكعبين ، ويحمل ما هنا على المبالغة في منع الإسبال إلى الكعبين ؛ لئلا يجرّ إلى ما تحتهما على وزان خبر (( كَالرَّاعِ يَرْعَىُ حَوْلَ الْحِمَىُ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ » . ( وَ) أخرج الطبرانيُّ ؛ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ؛ ( عَنْ ) أبي عبد الرحمن عبد الله ( أبنِ عُمَرَ ) بنِ الخطّاب (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ، قَالَ: رَآَنِي النَِّيُّ وَ أَسْبَلْتُ إِزَارِي) - أي: أرخيتُه - ( فَقَالَ: ((يَا أَبْنَ عُمَرَ ؛ كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ الأَرْضَ مِنَ الثِّيَابِ فِي النَّارِ ))) . عقاباً للابسه . ( وَ) في البخاري والنسائي؛ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ عَنِ الشَِّيِّ وَِّ: ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) من الرجل ( مِنَ الإِزَارِ فِي أَلنَّارِ))). (( ما)) موصولة وبعض صلته محذوف ؛ وهو ((كان)). و (( أسفلَ )) خبره فهو منصوب ، ويجوز الرفعُ ، أي : ما هو أسفل : أفعل تفضيل ، ويحتمل أنَّه فعل ماض ، ويجوز أَنَّ ((ما)) نكره موصوفة بـ(( أسفل))؛ ذكره الحافظ ابن حجر . ٤٨٥ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ قَيْدِ الْخُيَلاَءِ ، فَهُوَ أَلَّذِي وَرَدَ فِيهِ اُلْوَعِيدُ . وقال القُسْطُلاَّني: ((ما)) موصولة في محل رفع مبتدأ، و((في النار )) الخبر ، و (( أسفل)) خبر مبتدأ محذوف؛ وهو العائد على الموصول، أي: ((ما هو أسفل))، وحذف العائد لطول الصِّلَة، أو المحذوف ((كان)) و((أسفل)) نصب خبرها، و (( مِنْ)) الأُولى لابتداء الغاية ، والثانية لبيان الجنس . قال الخطَّابي : يريد أنَّ الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار ، فكنَّى بالثوب عن بدنِ لابسه ، ومعناه : أنَّ الذي دون الكعبين من القدم يعذّب بالنار ؛ عقوبة له ، وحاصله : أنَّه من باب تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حَلَّ فيه . انتهى ؛ ملخّصاً . وهذا استبعادٌ لوقوع الإزار في النار . وأصله ما أخرجه عبد الرزاق ؛ عن عبد العزيز بن أبي رواد : أنَّ نافعاً سئل عن ذلك، فقال : وَمَا ذَنْبُ الثَِّابِ !! بل هو مِن القدمين، لكن في حديث ابن عُمَر المارِّ: ((كُلُّ شَيْءٍ لَمَسَ الأَرْضَ مِنَ الثِّيَّابِ فِي النَّارِ » . وأخرج الطبراني بسند حسن ؛ عن ابن مسعود : أَنَّه رأى أعرابيّاً يصلي قد أسبل؛ فقال: ((المسبلُ في الصلاة ليس من الله في حِلِّ ولا حرام)). ومثل هذا لا يقال من قِبَل الرأي ، فعلى هذا لا مانع من حمل الحديث على ظاهره ، فيكون من وادي ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [٩٨/ الأنبياء]، أو يكون من الوعيد لما وقعت به المعصية إشارة إلى أنَّ الذي يتعاطى المعصية أحقُّ بذلك ؛ ذكره الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)). ( وَهُوَ) - أي: هذا الإطلاق في الأحاديث المارَّة ــ ( مَحْمُولٌ عَلَىْ مَا وَرَدَ مِنْ قَيْدِ ) - بالدال ؛ أي : التقييد بحالة - ( الخُيَلاَءِ) - بضمِّ الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية ؛ ممدود - ( فَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ أَلوَعِيْدُ ) بالاتفاق، ونصَّ الشافعيُّ على أنَّ التحريم مخصوص بالخيلاء ، فإن لم يكن لها ! كره . ٤٨٦ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْخِي إِزَارَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَيَرْفَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ . وقد أخرج أصحاب ((السنن )) إلَّ الترمذيَّ واستغربه ، وابنُ أبي شيبة ؛ من طريق عبد العزيز بن أبي رواد ؛ عن سالم بن عبد الله بن عمر ؛ عن أبيه ، عن النبيِ وَِّ أنَّه قال: ((الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيْصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئاً خُيَّلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ )) فبيَّن في هذه الرواية أنَّ الحُكم ليس خاصّاً بالإزار ؛ وإن جاءَ في أكثر طرق الأحاديث بلفظ (( الإزار)) . قال ابن جرير الطبري : إنَّما ورد الخبرُ بلفظ ((الإزار)) !! لأنَّ أكثر الناس في عهده وَّلِ كانوا يلبسون الأُزُر والأردية ، فلما لبس الناس القميص والدرائع ؛ كان حكمُها حكمَ الإزار في النهي . قال ابن بَطَّال ؛ تعقُباً على ابن جرير : هذا قياس صحيح لو لم يأتِ النصُّ بالثوب ، فإنَّه يشمل جميعَ ذلك ، فلا داعيةً للقياس مع وجود النصِّ . وفي تصوير جرِّ العمامة نظرٌ، إذ لا يتأتَّى جرُّها على الأرض كالثوب والإزار ، إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب من إِرخاء العَذَبات !! لأنَّ جرَّ كلِّ شيءٍ بحسبه ، فمهما زاد على العادة في ذلك كان من الإسبال . وهل يدخل في الزجر مِن جرِّ الثوب تطويلُ أكمام القميص ونحوه ، أم لا يدخل !؟ محلُّ نظر لعدم النصِّ عليه . والذي يظهر أنَّ مَن أطالها حتَّى خرج عن العادة كما يفعله بعض الحجازيين وغيرُهم ؛ كفلاًّحي مصر دخل في ذلك . وقال الزين العراقي : ما مَسَّ الأرض منها لا شكَّ في تحريمه ، بل لو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يَبْعُد. انتهى؛ من (( المواهب )) وشرحها . ( وَ) أخرج ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن يزيد بن أبي حبيب البصري(١) مرسلاً: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ يُرْخِي) - من أرخى - (إِزَارَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَيَرْفَعُهُ مِنْ وَرَائِهِ ) حالَ المشي ؛ لئلا يصيبه نحوُ قذر ؛ أو شوك . (١) هكذا في الأصل، ولعله: (المصري). ٤٨٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُسْتَجَدَّ ثَوْباً .. سَمَّاهُ بِأَسْمِهِ ؛ فَمِيصاً ، أَوْ عِمَامَةً، أَوْ رِدَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ؛ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ )) . ( وَ) أخرج أحمد، والترمذي، وأبو داودَ، والحاكم، والنسائي في (( اليوم والليلة )) وابن السُّنِّي بسند صحيح كلهم ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسولُ الله (بِّهِ إِذَا أُسْتَجَدَّ ثَوْباً) ؛ أي: لبس ثوباً جديداً ( سَمَّاهُ) أي الثوب ( بِأَسْمِهِ ؛ قَمِيْصاً ) ؛ أي : سواء كان قميصاً ، ( أَوْ عِمَامَةٌ، أَو رِدَاءً ) . كان يقول ((رَزَقَنِي اللهُ هُذِهِ الْعِمَامَةَ)). ( ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ ؛ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيْهِ ) - الضمير راجع إلى المسمى ؛ كما قاله الطيبي . وهذه الجملة تعليل للجملة السابقة أعني ((لك الحمد)) ( أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ ) - أي : الخير الذي يصاحب لُبْسه كشكر الله تعالى على تيسيره - ( وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ) - أي : استعماله في طاعة الله وعبادته ؛ بأن توقُّقني للطاعة فيه كالصلاة ، فقوله ((وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ)) كالتفسير لقوله ((مِنْ خَيْرِهِ )) .. ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ) - أي: الشرِّ المصاحب للبسه؛ كالعُجْب به ۔ ( وَشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ ) ؛ - أي : استعماله في المعاصي ، أي : لا يقع مني عصيان فيه ؛ كزنا وشرب خمر ، وليس المرادُ أَنَّه صنع بقصد المعصية كما هو ظاهر الحديث ؛ قاله الحفني على ((الجامع الصغير)). وقال ابن عَلَّن في (( شرح الأذكار)): والمراد ما صُنع لأجله من خيرٍ كَحِلُه وصلاحٍ نيّة فاعله، أو شرّ كضدٌّ ذلك . والخير في المقدِّمات يستدعي الخيرَ في المقاصد، وكذا الشرّ، وشاهده: ((وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ عَلَيْنَ صَلاتَنَا قَوْمٌ لاَ يُحْسِنُونَ أَلُهُورَ)) . وقال ميرك : خيرُ الثوب نقاؤه ، وكونه ملبوساً للضرورة ، والحاجة ؛ ٤٨٨ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً .. حَمِدَ اللهَ تَعَالَىُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَسَا الْخَلَقَ . لا للفخر والخيلاء ، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يُصنَعَ اللِّباس ؛ من الحرِّ والبرد ، وستر العورة ، والمراد من سؤال الخير في هذه الأمور أن يكون مبلِّغاً إلى المطلوب الذي لأجله صُنع الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولاه ، وفي الشرِّ عكسُ المذكورات ؛ وهو كونه حراماً ؛ أو نجساً ، أو لم يبق زماناً طويلاً ، أو يكون سبباً للمعاصي والشرور . انتهى . قال المناوي : وفيه ندبُ الذِّكر المذكور لكلِّ مَن لبس ثوباً جديداً ، والظاهر أنَّ ذلك يستحبُّ لمن ابتدأ لبس غيرِ الثوب الجديد ، بأن كان ملبوساً . ثم رأيت الزين العراقيَّ قال : يستحبُّ عند لبس الجديد وغيرِه ، بدليل رواية ابن السني في (( اليوم والليلة)): إذا لبس ثوباً. انتهى . وفيه دليلٌ على استحباب افتتاح الدعاء بالحمد لله والثناء عليه ؛ ذكره العزيزي . ( وَكَانَ ) رسول الله (وََّ إِذَا لَبِسَ ثَوْباً جَدِيْداً حَمِدَ اللهَ تَعَالَىْ ) - كما تقدَّم التصريح به آنفاً في الحديث - قال العراقي: روى الحاكم في (( المستدرك)) ، والبيهقي في (( الشُّعَب))؛ من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله ◌َِّ دَعَا بثيابه فلِسَها، فلما بلغ تراقِيَه؛ قال: (( الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي )) . قال البيهقي : إسناده غيرُ قويٍّ . وروى ابن السُّنِّي ؛ من حديث معاذ بن أنس رفعه: (( مَنْ لَبِسَ ثَوْباً ؛ فَقَالَ ( الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي هذَا وَرَزَقَنِيْهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ ) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّر )). انتهى شرح ((الإحياء)). ( وَصَلَّىْ رَكْعَتَيَّنِ) شكراً لله تعالى على هذه النعمة، ( وَكَسَا الخَلَقَ ) - بفتحتين - : الثوب البالي للمذكَّر والمؤنث ، جمعه : خُلْقان كعثمان . روى الترمذيُّ؛ وقال : غريب ، وابن ماجه ، والحاكم وصحَّحه ؛ من حديث ٤٨٩ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَسْتَجَدَّ ثَوْباً .. لَبِسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله و الله يقول : (( مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيْداً؛ فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ ؛ كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ ، وفي كَنَّفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفِي سَتْرِ اللهِ حَيّاً وَمَيْتاً )) . ورواه كذلك ابنُ أبي شيبة ، وابن السنِّي في (( عمل اليوم والليلة)) ، والطبراني في (( الدعاء)) كلُّهم ؛ من حديثٍ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالى عنه . وروى الترمذيُّ ؛ وقال : حسن غريب ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً إِلَّ كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَةٌ » ، وهو عند ابن النجار: ((مَنْ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً كَانَ فِي حِفْظِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقٌ)) . ورواه الحاكم ؛ وتُعُقِّب . وروى أبو الشيخ؛ بلفظ: (( مَنْ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً لَمْ يَزَلْ فِي سَتْرِ اللهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خَيْطٌ ؛ أَوْسِلْكٌ )) . ( وَ) أخرج الخطيب في ((تاريخه)) بسند ضعيف ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا أَسْتَجَدَّ ثَوْباً)؛ أي : استحدث ثوباً جديداً ( لَبِسَهُ) ؛ أي: ابتدأ لُبْسه ( يَوْمَ الجُمُعَةِ ) ، لكونه أفضلَ أَيَّام الأسبوع ، فتعود بركةُ يوم الجمعة على الثوب ؛ وعلى لابسه ، فيطلب لبس الجديد فيه حيث كان أبيض ؛ أو غير أبيض، وليس عنده أبيض، وإِلاَّ لبسه لَحظَةً وعمل فيه عملاً صالحاً ، ثم خلعه ولبس الأبيض ؛ قاله الحفني على ((الجامع الصغير)). ( وَ) أخرج البيهقيّ في ((سننه))، وابن خزيمة في ((صحيحه))؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال : ٤٩٠ وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ بُزْدَةٌ حَمْرَاءَ فِي كُلِّ عِيدٍ . ( كَانَ لَهُ وَِّ بُرْدٌ) - بضم فسكون - : قال الحفني : أي رداء يرتدي به ؛ طوله أربعة أذرع وعرضه ثلاثة أذرع ، ولونه الخضرة ؛ أي : كما في رواية أخضر . ( يَلْبَسُهُ) - بفتح الموحدة - ( فِي الْعِيْدَيْنِ وَأَلْجُمُعَةِ ) وكان يتجمَّلُ به للوفود أيضاً ، وهذا كان منه عبادةً ، لأنَّه مأمور بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباع واستمالة قلوبهم ، ولو سقط عن أعينهم لم يرغبوا في اتباعه ؛ فكان يجبُ عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا تزدريَه أعينُهم ، فإن أعين العوامِّ تمتدُّ إلى الظاهر ؛ دون السرائر . ولله درُّ مَن قال وأحسن في المقال : قِيْمَةُ المَرْءِ فَضْلُهُ عِنْدَ ذِي أُلفَضْـ ـِلِ وَمَا فِي يَدَيْهِ عِنْدَ الرَّعَاعِ صِرْتَ عَيْنَ الزَّمَانِ بِالإِجْمَاعِ فَإِذَا مَا حَوَيْتَ عِلْماً وَمَالاً كُنْتَ فِي النَّاسِ مِنْ أَخَسِ المَتَاعِ وَإِذَا مِنْهُمَا غَدَوْتَ خَلِيّاً وأخذ من ذلك الإمامُ الرافعي أنَّه يسنُّ للإمام يومَ الجمعة أن يزيد في حسن الهيئة واللباس ويتعمَّم ويرتدي ، وأَيَّده ابن حجر بخبر الطبراني ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : كان له ثوبان يلبسهما في الجمعة ، فإذا انصرفَ طويناهما إلى مثله . فائدة: ذكر الواقدي أنَّ طول ردائه وَّرِ كان سنَّةً أَذرع في عرض ثلاثة ، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين ؛ لا ذراعين وشبر ، وأنَّه كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. انتهى؛ نقله المناوي في (( شرح الكبير؛ على ((الجامع الصغير)). وسيأتي الكلام على مقدار ذرعهما . ( وَكَانَ) رسول الله (وَّةِ يَلْبَسُ بُرْدَةً حَمْرَاءَ فِي كُلِّ عِيْدٍ ) ليبيِّن حِلَّ لبس ذلك. روى البيهقي في (( سننه)) ؛ من حديث حفص بن غياث بن الحجاج ؛ عن أبي جعفر ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه أنَّهَ وَّ كان يلبَس بُرْدَهُ الأحمر في العيدين والجمعة . ٤٩١ وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌّ حِبَرَةٌ يَلْبَسُهُ فِي كُلِّ عِيدٍ . وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ أَلْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ورواه الطبراني ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بلفظ : كان يلبَسُ يوم العيد بُرْدَة حمراءَ . قال الهيثمي : رجاله ثقات . وفي ذلك ردٌّ على من كَرِهَ لبس الأحمر القاني ؛ وزَعْمُ أنَّ المراد بالأحمر هنا ما هو ذو خطوطِ حُمْرٍ : تحگُّمٌ لا دليل عليه . قال في ((المطامح)): ومَن أنكر لباس الأحمر ؛ فهو متعمِّق جاهل ، وإسنادُه لمالكِ باطلٌ ؛ قاله المناوي في (( الكبير )). ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي: (كَانَ لَهُ نَِّ بُرْدٌ حِبْرَةٌ) - بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ؛ بوزن عِنْبَة - : ثوبٌ يمانيٍّ من قطن، أو كثَّان مخطّط ؛ يقالُ ( بُرْدٌ حِبَرَةٌ) على الوصف ، و( بُرْدُ حِبَرةٍ ) على الإضافة ، وهو أكثر في استعمالهم ، والجمع : حِبَر وحِبَرات ، مثل عنب وعِنَّبَات . قال الأزهري : ليس حِبَرَة موضعاً ، أو شيئاً معلوماً، إنَّما هو وَشْي معلوم أُضيف الثوب إليه، كما قيل (( ثوبُ قرمز)) بالإضافة، والقرمز : صِبْغٌ . فأضيف الثوب إلى الوشي والصبغ للتوضيح. انتهى ((مصباح)). ونحوه في ((تهذيب الأسماء واللغات )) للنووي . ( يَلْبَسُهُ فِي كُلِّ عِيْدِ ) يَتجمل به كعادته في التجمُّل للعيد والوفود . ( وَمَرَّ ) أمير المؤمنين سيدنا أبو حفص ( عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي المدني ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) . أسلم قديماً ؛ بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة؛ بعد دخول رسول الله وَ الآ دار الأرقم ؛ فظهر الإسلام بمكّة ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحدُ أصهار رسول الله بَّهِ، وأحدُ كبار علماء الصحابة وزهَّادهم. ٤٩٢ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّوقِ فَرَأَىْ حُلَّةٌ مِنْ سُنْدُسِ وهو أوَّلُ من سُمِّي أمير المؤمنين، وشهد مع رسول الله وَ ◌ّهِ بدراً وأُحُداً ، والخندق وبيعةَ الرِّضوان ، وخيبر والفتح وحنيناً والطائف وتبوك وسائر المشاهد . وكان شديداً على الكُفَّار والمنافقين ، وأجمع السَّلَف على كثرة علمه ووفور فهمه ، وزهده وتواضعه ، ورِفقه بالمسلمين وإنصافه ، ووقوفه مع الحقِّ وتعظيمه آثارَ رسول اللهِ وَرُ وشِدَّة متابعته له ، واهتمامه بمصالح المسلمين وإكرامه أهلَ الفضل والخير . وفضائله أكثر من أن تحصى ، ومحاسنه أوفر من أن تستقصى ؛ رضي الله تعالى عنه . رُوي له عن النبي ◌َّل خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً ؛ اتفق البخاريُّ ومسلم منها على ستة وعشرين حديثاً ، وانفرد البخاريُّ بأربعة وثلاثين ، وانفرد مسلم بأحد وعشرين . وطُعِن رضي الله عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ، ودفن يوم الأحد هلالَ المحرَّم سنة : أربع وعشرين ، فكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر وأحداً وعشرين يوماً . وقيل غير ذلك في مدَّة الخلافة ، وتاريخ الطعن والوفاة ، وعمره ثلاثٌ وستُّون سنةً على الصحيح المشهور، كما أنَّ سِنَّ النبي ◌ِّهِ وسنّ أبي بكر وعليٍّ وعائشة ثلاث وسِتُّون سنة - على الصحيح - رضي الله تعالى عنهم . أجمعين . ( مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِالسُّوقِ) - بضمِّ المهملة ؛ مؤنَّثٌ سماعي وقد يذكَّر ، كما أشار إليه الكرماني -، سُمِّيت بذلك لسَوْق البضائع إليها ، وقيل : لقيام الناس فيها على سُوقهم ؛ جمع ساق . وقيل : لتصاكُك السُّوق فيها من الازدحام ؛ ذكره في (( شرح الأذكار)) . وفي كثير من الروايات: أنَّ ذلك عند باب المسجد . ( فَرَأَىْ ) ؛ أي : عمرُ رجلاً يُسمَّى عطارداً التميمي يقيم ( حُلَّةً مِنْ سُنْدُسٍ) ٤٩٣ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوِ أَتَّخَذْتَ هَذِهِ لِلْعِيدِ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ )). يعرضُها للبيع ، وكان عطارد رجلاً يغشى الملوك ويُصيب منهم. وفي رواية : حُلَّة من إستبرق . وفي أخرى: من ديباج ، أو حرير. وفي رواية: حُلَّة سِيَراء : والحُلَّة : ثوبان من جنس. قال في ((القاموس)): الحُلَّة - بالضم - إِزارٌ ورداءٌ مِثْلَ بُرْد أو غيره ، ولا تكون إِلاَّ من ثوبين ، أو ثوب له بطانة . وفي ((المصباح)): الحُلَّة لا تكون إلا من ثوبين من جنس واحد ، والجمع حُلَل ، كغرفة وغرف - وقد مرَّ الكلامُ على الحُلَّةِ .. والديباج : ثوبٌ مثَّخذٌ من إِبريسم ، والسِيّراء - بسين مهملة مكسورة ثم مثناة تحتية مفتوحة ثم راء ثم ألف ممدودة - : بُرود يخالطها حرير متضلُّعة بالحرير . قالوا كأنها شبهت خطوطها بالشُّور . والإستبرق : غليظُ الديباج . ( فَقَالَ ) ؛ أي : عمر رضي الله تعالى عنه: ( يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَوِ أَتَّخَذْتَ هُذِهِ لِلْعِيْدِ !) . لفظ الحديث : عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى حلَّة سِيَراء عند باب المسجد ؛ فقال : يا رسول الله ؛ لو اشتريتَ هذه فلبسْتَها للناس يوم الجمعة ، وللوفد إذا قدموا عليك !! وفي رواية : فقال : يا رسول الله ، اِبْتَعْ هذه فتجمَّل بها للعيد وللوفد . (فَقَالَ ) رسول الله وَِّ: ( ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هُذِهِ) - الثياب الحرير - (مَنْ لأَ خَلَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ») يعني: مَن لاحظَّ له ولا نصيب له من لبس الحرير في الآخرة ، فعَدَمُ نصيبه كنايةٌ عن عدم دخوله الجنة ؛ ولباسهم فيها حرير . وهذا إن استحلَّ ، وإلاَّ! فهو تهويلٌ وزجر . وقيل : معناه مَن لا حرمة له . وقيل : من لا دين له . وتمام الحديث : ثُمَّ جاءت رسولَ اللهِ وَِّ منها حُلَل، فأعطى عمرَ منها حُلَّة ، فقال عمر : يا رسول الله ؛ كَسَوْتَنِيْها؛ وقد قلتَ في حلَّ عطاردٍ ما قلتَ!؟ فقال رسول الله وَه ٤٩٤ . وَكَانَتِ الصَّحَابُ ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا)). فكساها عمر أخاً له مُشرِكاً بمكَّة . رواه البخاريُّ، ومسلم، و((الموطأ))، وأبو داود، والنسائي ، وابن ماجه - واللفظ لمسلم - . وفيه دليلٌ لتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء ، وإباحةُ هديَّته ، وإباحة ثمنه ، وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوباً وغيرَه ، واستحباب لبس أَنفسِ ثيابه يومَ الجمعة والعيد ؛ وعند لقاء الوفود ونحوهم ، وعرض المفضول على الفاضل ؛ والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه التي قد لا يذكرُها ، وفيه صلةٌ الأقارب والمعارف ؛ وإن كانوا كُفَّاراً . وقد يَتَوَهَّم متوهِّمٌ أنَّ فيه دليلاً على أن رجالَ الكُفَّار يجوز لهم لبس الحرير !! وهذا وَهَم باطلٌ ، لأن الحديث إنَّما فيه الهدية إلى كافر ، وليس فيه الإذن له في لبسها. وقد بعث النبي ◌ّ﴿ ذلك إلى عمر وعليٍّ وأسامة رضي الله عنهم، ولا يلزم منه إباحة لبسِهَا لهم، بل صرَّح ◌َّه كما في بعض الروايات بأنَّه إنَّما أعطاه لينتفعَ بها بغير اللبس . والمذهبُ الصحيحُ الَّذي عليه المحقّقُون والأكثرون : أَنَّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ؛ فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين . والله أعلم ؛ قاله النووي في (( شرح مسلم)). ( وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ) - قال في (( شرح الأَذكار)): بفتح الصاد في الأصل مصدر ، قال الجوهري : ويقال : صحبه وصحب به . والصحابة : بمعنى الأصحاب واحده ((صاحب)) بمعنى الصحابي: وهو مَن اجتمع بنبيِّنا محمد بَّهِ مؤمناً به بعد نبوَّته في حال حياة كلِّ ؛ اجتماعاً متعارفا بأن يكونَ في الأرض على العادة ، بخلاف ما يكون في السماء ، أو بين السماء والأرض ؛ وإن لم يَرَه ؛ أو لم يروِ عنه شيئاً، أو لم يميِّ ـ على الصحيح - . وأمَّا قولُهم ((ومات على الإسلام)) !! فهو شرطٌ لدوام الصحبة ؛ لا لأصلها . وقيل في تعريفه غير ذلك . ٤٩٥ محم وتُعرَفُ الصحبة: ١ - بالتَّواتر، أو ٢ - الاستفاضة، أو ٣ - قول صحابيٍّ، أو ٤ - قوله ( أنا صحابي ) إذا كان عدلاً ؛ وأمكن ذلك ، فإن أدَّعاه بعد مائة سنة من وفاته وَّ فإنَّه لا يقبل. وزاد ابن حجر ٥ - أن يخبرَ آحادُ التابعين بأنَّه صحابيٌّ؛ بناءً على قبول التزكية من واحد - وهو الراجح - . والصحابة كلهم عدولٌ ؛ مَن لابَسَ الفتن وغيرهم بإجماع مَن يعتذُّ به . وأكثرهم حديثاً أبو هريرة ، ثم ابن عمر ، ثم أنس بن مالك ، ثم عائشة أم المؤمنين ، ثم ابن عبّاس ، ثم جابر بن عبد الله ، ثم أبو سعيد الخدري . وقد نظمهم مَن قال : مِنَ الحَدِيْثِ عَن المُخْتَارِ خَيْرِ مُضَرْ سَبْعٌ مِنَ الصَّخْبِ فَوْقَ الأَلْفِ قَدْ نَقَلُوا صِدِّيقَةٌ وَأَبْنُ عَبَّاسٍ كَذَا أَبْنُ عُمَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ سَعْدٌ جَابِرٌ أَنَسٌ وأكثرهم فتيا ابنُ عبّاس ؛ قاله أحمد ابن حنبل . وقال ابن حزم : أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعةٌ : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عبّاس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة . قال : ويمكن أن يجمع من فتيا كلِّ واحد من هؤلاء مجلَّدٌ ضخم . قال : ويليهم عشرون : أبو بكر ، وعثمان ، وأبو موسى ، ومعاذ ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وأبو هريرة ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وسلمان ، وجابر ، وأبو سعيد ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعِمران بن حصين ، وأبو بَكْرة ، وعبادة بن الصامت ، ومعاوية ، وابن الزبير ، وأمّ سلمة . قال : ويمكن أن يجمع من فتيا كلِّ واحد منهم جزءٌ صغير . قال : وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفساً يُقِلُّون في الفتيا جِدّاً ، لا يُروى عن الواحد منهم إِلا المسألةُ والمسألتان والثلاث ؛ كأبي بن كعب ، وأبي الدرداء ، وأبي طلحة، والمقداد. ثَمَّ سَرَد الباقين. انتهى نقله عن السيوطي رحمه الله تعالى . ومن الصحابة العبادلةُ ؛ وهم ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن ٤٩٦ عمرو بن العاص. وليس ابن مسعود منهم ، لأنَّ تقدَّم موتُه قبلَ حدوث الاصطلاح ، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم فإذا اجتمعوا على شيء قيل (( هذا قولُ العبادلة))، وكذا ليس منهم مَن يسمَّى عبد الله من الصحابة ، فلا يطلق عليهم العبادلة ؛ وهم جماعة يبلغون نحو ثلثمائة رجل . قال أبو زرعة الرازي: قُبض رسول الله وَ ◌ّر عن مائة ألف وأربعةَ عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه ، وأفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصدِّيق ، ثم عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله تعالى عنهما بإجماع أهل السنة ، ثم عثمان بن عفان ذو النورين ، ثم علي بن أبي طالب ، هذا قول جمهور أهل السنة . قال أبو منصور البغداديُّ : أصحابنا مجمعون على أنَّ أفضلَهم الخلفاءُ الأربعة ، ثم تمام العشرة المشهود لهم بالجنة : سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفيل ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة : عامر بن الجراح ، ثم أهل بدر وهم ثلثمائة وبضعة عشر ، ثم أهل أحد ، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية . وممَّن له مزيَّةٌ أهلُ العقبتين من الأنصار ، والسابقون الأوَّلون ؛ وهم مَن صلَّى إلى القبلتين . ووردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة مذكورة في كتب السنة ؛ فلتراجع مِن هناك . وأوَّل الصحابة إسلاماً ! قيل : أبو بكر الصديق ، وقيل : علي ، وقيل : زيد ، وقيل : خديجة ؛ وهو الصواب عند جماعة من المحققين . والأورعُ أن يقال أوَّل من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ، ومن الصبيان علي ، ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد ، ومن العبيد بلال . وآخرهم موتاً على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي وفضائلهم كثيرة شهيرة نكتفي منها بهذا القدر . ٤٩٧ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ يُلْبِسُونَ ذُكُورَهُمُ الصِّغَارَ يَوْمَ الْعِيدِ أَحْسَنَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ ، وَالْمُصَبَّغَاتِ مِنَ الثَّيَّابِ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَانِ لِجُمُعَتِهِ خَاصَّةٌ سِوَى ثِيَّابِهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ ، ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ) أجمعين آمين، ورزقنا محبّهم والأدب معهم، وحَشَرنا في زمرتهم تحتَ لواءٍ صاحب الحوض المورود والمقام المحمود ◌َّر . ( يُلْبِسُونَ ذُكُوْرَهُمُ الصِّغَارَ يَوْمَ العِيْدِ ) مأخوذٌ من العَوْد ؛ وهو التكرار لتكُّره كلَّ عام ، أو لعود السرور بعَوْده ، أو لكثرة عوائد الله تعالى ؛ أي : إفضاله على عباده فيه ، أو لعود كلٍّ فيه لقَدْره ومنزلته ، هذا يُضِيف وذاك يُضَاف ، وذا يرحم وذاك يُرْحم . وأصله : عِوْد ؛ قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها ، وجُمِع على أعياد ، مع أنَّ كونَ أصله الواو يقتضي جمعَه على أعواد ؛ فرقاً بذلك بينه وبين أعواد الخشب . انتهى شرح الأذكار » . ( أَحْسَنَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحُلِيِّ ) - بضمِّ أوَّله مع کسر اللام وتشديد الياء - واحدُه حَلْي - بفتح الحاء وإسكان اللام - : اسمٌ لكلِّ ما يتزيَّن به من مصاغ الذهب والفِضَّة ، (وَالمُصَبَّغَاتِ ) - بتشديد الموحدة - ( مِنَ الثِّيَابِ ) - مما يجوز لبسُه ؛ كالمصبوغ بالورس والعصفر - على الخلاف - ، وهي من أحسن الثياب الموجودة في ذلك العصر ، لأنَّ يسُّ التزيّن بأحسن الثياب وأرفعها قيمةً في العيدين ، والجديدُ أولى ؛ ولو كان غيرَ أبيض في العيدين - بخلاف الجمعة - فإنَّ الأبيض فيها أفضلُ من غيره ؛ ولو كان الغيرُ جديداً وذا قيمة . والفرق : أن القصد في العيد : إظهار النعم وإشهار الزينة ؛ وهما بالأرفع قيمة أنسبُ ، والقصدُ في الجمعة : إظهار التواضع . ( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني، و((إحياء علوم الدين)) للإمام حُجَّة الإسلام الغزالي: ( كَانَ لَهُ نَّهِ ثَوْبَانِ لِجُمُعَتِهِ خَاصَّةٌ سِوَى ثِيَابِهِ فِي غَيْرِ الجُمُعَةِ ) . ٤٩٨ وَرُبَّمَا لَبِسَ الإِزَارَ أَلْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ؛ يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَرُبَّمَا أَمَّ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْجَنَائِ، وَرُبَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي الإِزَارِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفاً بِهِ مُخَالِفاً بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الإِزَارُ هُوَ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ یَوْمَئِذٍ . قال العراقيُّ: رواه الطبراني في (( الصغير)) و((الأوسط))؛ من حديث عائشة - بسند ضعيف ــ زاد: فإذا انصرف طويناهما إلى مثله. وقد تقدَّم قريباً في الشرح ، ويعارضه حديثُ عائشةَ عند ابن ماجه : ما رأَيتُه يسبُّ أحداً ، ولا يُطوَى له ثوبٌ . قلتُ : ويمكن الجمع بينهما بأن يستثنى ؛ أي : غير ثوبي الجمعة . وقد تقدَّم أَنَّه كان له بُرْد أخضر يلبَسُه للجمعة والعيد . (وَرُبَّمَا لَبِسَ ) وَ (الإِزَارَ أَلْوَاحِدَ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ). قال العراقي : روى الشيخانِ ؛ من حديث عُمَر في حديث اعتزاله أهله : فإذا علیه إِزاره ، وليس عليه غيره . وللبخاريِّ ؛ من رواية محمد بن المنكدر صلى بنا جابرٌ في إزار قد عَقَده مِن قِبَل قفاه وثيابُه موضوعةٌ على المِشْجَب . وفي رواية له : وهو يصلِّي في ثوب ملتحفاً به ورداؤه موضوعٌ. وفيه: رأيت النبي ◌َّ يصلي هكذا. ( وَرُبَّمَا أَمَّ بِهِ النَّاسَ عَلَى الجَنَائِزِ) . قال العراقي : لم أقف عليه . (وَرُبَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ فِي الإِزَارِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفاً بِهِ مُخَالِفاً بَيْنَ طَرَفَيْهِ ) ؛ يدلُّ له حديث جابر السابق آنفاً . ( وَيَكُونُ ذَلِكَ الإِزَارُ هُوَ الَّذِي جَامَعَ فِيْهِ يَوْمَئِذٍ ) . قال العراقيُّ : روى أبو يعلى بإسناد حسن ؛ من حديث معاوية قال : دخلت على أُمُّ حبيبةَ زوج النبي ◌َِّ؛ فرأيت النبي ◌َّهِ يصلي في ثوب واحد، فقلت: يا أُمّ حبيبة؛ أَيُصلِّي الَنبِي وَّر في الثوب الواحد !؟ قالت : نعم ، وهو الذي كان فيه ما كان - يعني: الجماع -. ورواه الطبراني في ((الأوسط)). ٤٩٩ وَكَانَ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْوَفْدُ .. لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ، وَأَمَرَ عِلْيَةَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ. وَكَانَ رِدَاؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَّيْهِ وَسَلَّمَ طُولُهُ سِنَّهُ أَذْرُعٍ ، فِي ثَلاَثَةٍ وَشِبْرٍ . وَكَانَ إِزارُهُ أَرْبَعَةً وَشِبْراً ، فِي عَرْضٍ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ . ( وَ) أخرج البغويُّ في ((معجمه))؛ عن جندب بن مَكِيْث - بوزن عظيم؛ آخره مثلثة؛ ابن عمر بن جَراد ، مديني له صحبة - عن النبي ◌ٍَّ أَنَّه ( كَانَ بِّهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الوَفْدُ ) - جمع وافد ؛ كصحب جمع صاحب ، يقال : وَفَد الوافد يَفِدُ وَفْداً ووفادة ؛ إذا خرج إلى نحو مَلك لأمر - ( لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ) لأنَّه أهيبُ وأدعى لامتثال أمره والعمل بوعظه ، وسيأتي قريباً في الشرح أنَّ ثوبه الذي كان يخرج فيه إلى الوفد القادمين عليه أخضر . ( وَأَمَرَ عِلْيَةَ) - بكسر العين وسكون اللام - ( أَصْحَابِهِ ) ؛ أي : معظمهم ؛ وهم: مَن كان عندَه ثيابٌ حَسَنة أمره ( بِذَلِكَ ) ؛ أي : بلبسها ، لأنَّ ذلك يرجِّحُ في عين العدو ويكبتُه ، فهو يتضمَّنُ إِعلاءَ كلمةِ الله تعالى ونصرَ دينه وغيظ عَدُوِّه، فلا يناقض ذلك خبرُ ((البَذَاذَةُ مِنَ الإِيْمَانِ )» ، لأنَّ التجمُّل المنهيَّ عنه ثَمَّ : ما كان على وجه الفخر والتعاظم ، وليس ما هنا من ذلك القبيل . انتهى مناوي على ((الجامع الصغير)). وقال في ((شرح الشمائل)): ويسنُ لكلِّ أحد مؤكّداً حُسْن الهيئة ومزيدُ التجمُّل ، والنظافة في الملبوس ، لكن المتوسّط نوعاً بقصد التواضع أفضلُ من الأرفع ، فإنْ قَصَد به إِظهار النعمة والشكرَ عليها ! احتمل التساوي للتعارض ، وأفضلية الأول !! لكونه لا حظ فيه للنفس بوجه وأفضلية الثاني للخبر الحسن : ((إِنَّ اللهَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ )) . ( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ رِدَاؤُهُ بِّهِ طُوْلُهُ سِنَّةُ أَذْرُعِ فِي ثَلاَثَةٍ وَشِبْرٍ ، وَكَانَ إِزَارُهُ أَرْبَعَةً وَشِبْراً فِي عَرْضٍ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ ) . قال ابن حجر الهيتمي: وكان إِزاره وَ ل﴿ أَربعةَ أذرع وشبراً ؛ في عرض ذراعين وشبر ، وكان طول ردائه ستّة أذرع ؛ وعرضه ثلاثة أذرع وشبراً ، أو شبرين . ٥٠٠