Indexed OCR Text

Pages 461-480

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً
ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ .
صحابيُّ مشهور ، وكان من خدم المصطفى وَّر ، وأسلم عام الخندق ، وأخرج
له السنَّة، وروي له عن رسول الله وَ له مائة وستَّة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاريُّ
ومسلمٌ منها على تسعة ، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بحديثين . قيل :
إنه أحصن ألف امرأة في الإسلام ، وولاه عمر بن الخطاب البصرة مدَّة ، ثم نقله
عنها فولاَه الكوفة ، فلم يزل عليها حتى قُتِلَ عُمر ، فأقرَّ عليها عثمان ثم عزله ،
وشهد اليمامة وفتح الشَّام ، وذهبت عينه يومَ اليرموك ، وشهد القادسيّة ، وشهد فتح
نهاوند ، واعتزل الفتنة ، وشهد الحكمين ، ثم استعمله معاوية على الكوفة ، فلم
يزل عليها حتى توفِّي بها سنة خمسين ، قالوا : هو أوَّل من وضع ديوان البصرة ،
وهو أحد دهاة العرب ( رَضِيَ اللهُتَعَالَى عَنْهُ) . وهم أربعة كما قيل :
مِنَ العَرَبِ العَربَاءِ قَدْ عُدَّ أَرَبَعٌ دُهَاةٌ فَمَا يُؤْتَىْ لَهُمْ بِشَبِيْهِ
زِيَادٌ هُوَ المَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِيْهِ
مُعَاوِيَةٌ عَمْرُو بْنُ عاصٍ مغيرةٌ
( أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ لَبِسَ ) ؛ أي : في السَّفر ، قالوا : وكان ذلك في غزوة تبوك .
( جُبَّةً) - بضمّ الجيم وتشديد الموحدة - ( رُؤْمِيَّةٌ ) ؛ نسبة للروم .
قال الحافظ ابن حجر : وفي أكثر روايات (( الصحيحين)) وغيرهما جبَّة شَاميّة ؛
نسبة للشَّام !! ولا تناقض؛ لأن الشَّام كانت يومئذ مساكن الرُّوم ، وإنَّما نسبت إلى
الرُّوم أو إلى الشَّام لكونها من عمل الرُّوم الَّذين كانوا في الشَّام يومئذ ، وهذا يدلُّ
على أنَّ الأَصل في الثِّاب الطَّهارة؛ وإن كانتْ من نسيج الكفَّار، لأنَّه وَّ لم يمتنع
من لبسها مع علمه بمَن جُلبت من عندهم ؛ استصحاباً للأَصل .
( ضَيَّقَةَ الكُمَّيْنِ ) بيان لقوله (( رُومِيّة))؛ أي : بحيث إذا أراد إخراج ذراعيه
لغسلهما تعسَّر ، فيعدل إِلى إخراجهما منْ ذيلها ، ويؤخذ منه - كما قاله العلماء - :
أَنَّ ضِيقَ الْكُمَّيْنِ مستحبٌ في السَّفَرِ ؛ لا في الحضر ، وإِلاَّ ! فكانت أكمام الصَّخْبِ
بطاحاً ؛ أي : واسعةً .
٤٦١

وَ( الْجُبَّةُ): ثَوْبَانِ بَيْنَهُمَا حَشْوٌ، وَقَدْ تُقَالُ لِمَا لاَ حَشْوَ لَهُ إِذَا
كَانَتْ ظِهَارَتُهُ مِنْ صُوفٍ .
وَكَانَ كُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّسْغِ، وَلَبِسَ الْقَبَاءَ
وَالْفَرَجِيَّةَ ، وَلَبِسَ جُبَّةً ضَيَّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي سَفَرِهِ .
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا :
(وَالجُبَّةُ) من الملابس معروفة، والجمع جُبَب، كـ: ((غرفة وغرف))؛ قاله
في ((المصباح)). وقيل: هي (ثَوْبَانِ بَيْنَهُمَا حَشْوٌ، وَقَدْ تُقَالُ لِمَا لاَ حَشْوَ لَهُ إِذَا
كَانَتْ ظِهَارَتُهُ) - بالكسر - : ما يظهر للعين ، وهو خلاف البِطَانة ( مِنْ صُوْفٍ.
وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كَانَ كُلُّهُ نَّهِ إِلَىُّ
الرُّسْغِ ) - بضمِّ الرَّاء وسكون السِّين المهملة ، آخره غين معجمة - بوزن قُفْل،
وهو : مَفْصِل ما بين الكَفِّ والسَّاعد من الإِنسان ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك .
(وَبِسَ ) وَّهَ (الْقَبَاءَ) - بفتح القاف والموحدة، ممدوداً -: هو الثَّوب
المشقوق من أمام كالجبّة المعهودة، ( وَ) لَبِسَ ( الْفَرَجِيَّةَ، وَلَبِسَ جُبَّةً) شاميَّة
(ضَيََّةَ الكُمَّيْنِ فِي سَفَرِهِ)؛ كما في ((الصَّحيحين)) وغيرهما، وقد تقدَّم آنفاً .
( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))؛ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ) الصديق
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ) امرأة الزُّبير بن العوَّام .
أسلمت قديماً بعد سبعة عشر إِنساناً ، وهي أسنُّ من عائشة ، وهي أُخْتُها
لأَبيها، وكان عبد الرّحمن بن أبي بكر أخو أسماء شقيقَها. سمَّاها رسول الله وَل
((ذاتَ النِّطاقين))، لأنَّها صنعت لِلنَّبِ نَّهِ ولأبيها سُفْرة لَمَّا هاجَرا؛ فلم تجد
ما تشدّها به؛ فشقَّت نطاقها وشدَّت به السُّفرة، فسمَّاها النَّبِيُّ وَّمِ ذاتَ النطاقين.
هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزُّبير ، فولدته بعد الهجرة ، فكان
أوَّل مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة من المهاجرين ، وبلغت أسماء مائة سنة لم
يسقط لها سنٌّ ، ولم ينكر من عقلها شيء .
٤٦٢

أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً طَيَالِسَةِ كَسْرَوَانِيَّةً، لَهَا لِبْنَةُ دِيْبَاجٍ ، وَفَرْجَاهَا
مَكْفُوفَانِ بِالدِّیَاجِ ،
روي لأسماءَ عن رسول الله وَ ل ل ستة وخمسون حديثاً .
وتوفِيت بمكَّة في جمادى الأولى سنة : - ٧٣ - ثلاث وسبعين ، بعد قتل ابنها
عبد الله بيسير رضي الله تعالى عنها . وذلك فيما رواه عنها عبد الله مولاها قال :
( إِنَّهَا أَخْرَجَتْ ) إِلينا ( جُبَّةَ) بإضافة حبة إلى ( طَيَالِسَةِ ) - لا بالتنوين - ، وهي
نوع من الثِّياب لها عَلَم .
والطيالسة: جمع طَيْلَسَان - بفتح اللام على المشهور -. ( كِسْرَوَانِيَّةً) - بكسر
الكاف وفتحها والسِّين ساكنة والرَّاء مفتوحة - نسبة إلى كسرى ملك الفرس - بكسر
الكاف وفتحها - ؛ فهما في كسروانية على اللغتين في المنسوب إليه ، (لَهَا لِبْنَةُ)
- بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة - أي : رقعة ( دِيْبَاجٍ ) في جيب القميص(١) ،
والدِّيباج - بفتح الدال وكسرها - : جمعه ديابيج ، وهو عجمي معرَّب ، وهو نوع
من ثياب الإبريسم، ( وَفَرْجَاهَا مَكْفُوْفَانٍ ) - وفي رواية : وفرجيها مكفوفين ؛
بالنَّصب : مفعول لفعل محذوف ، أي : ورأيت فرجيها مكفوفين . وفي رواية :
وفروجها مكفوفة - ( بِالدِّيْتَاجِ ) ؛ أي : عمل على جيبها وكُمَّيْها وذيلها وفرجيها
كُفاف من حرير ، وكُفَّة كل شيء - بالضمّ -: طرفه وحاشيته . قاله الزرقاني على
((المواهب)).
وقال الأبِّي ؛ نقلاً عن القاضي عياض : الفرج في الثوب : الشقُّ في أسفله من
خلف وأمام ، وإنَّما يكون في الأقبية من ملابس العجم . ومعنى مكفوفين : جُعل
منهما كُفَّة - بالضمِّ - : وهو ما يكفُّ به جوانبها، وكل شيء مستطيل كُفَّةٌ
- بالضمّ -. قال الخطابي: والمكفَّف بالحرير: ما اتّخذ جيبه منه ؛ وكان لذيله
وأكمامه كفاف منه . قال السَّيِّد العلاَّمة محمّد بن أحمد عبد الباري الأهدل في (( نشر
(١) هي المعروفة في زماننا بـ( القَبَّة).
٤٦٣

قَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَلَمَّا قُبِضَتْ .. قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا ،
الأعلام)): يحلّ تطريفٌ، - أي: تسجيف - للكُمَّين والطَّوق ، والجيب،
والذَّيل ؛ بالحرير قدر العادة الغالبة لأمثاله في تلك النّاحية ؛ وإنْ جاوز أربع
أصابع ، فإِنْ جاوز العادة ! حَرُمَ .
ويحلُّ تطريز وترقيع قدر أربع أصابع مضمومة معتدلة ، ولو تعدَّد ؛ فالأصح
الجوازُ بشرطِ أن لا يزيد المجموع على ثمان أصابع ؛ وإِنْ زاد على طرازين ، فلو
كان في طرفي العمامة عَلَمٌ كل واحد منهما أربع أصابع ؛ جاز ، وإلاَّ! فلا .
والتطريز : جعل الطراز الذي هو حرير خالص مركباً على الثَّوب . أما التَّطريز
بالإبرة ! فكالنسج ، فيعتبر الأكثر وزناً منه ومما طرز فيه ، وكذا يعتبر الوزن أيضاً في
الأردية الثَّمينة المنسوج فيها حاشية من حرير ؛ وإن زادت على أربع أصابع ، أخذاً
مما ذكروه في تعريف الطراز .
والظّاهر أنَّ الحظاية المعروفة التي تركَّب في طرف العمامة يجري فيها تفصيل
الطراز ، فإن كان عرضها أربع أصابع فأقلَّ؛ حلَّت ، وإلاَّ! فلا . هذا إذا كانت
الحظاية حريراً خالصاً ، أما إذا نسج معها كَتَّانٌ أو قطن ؛ فيعتبر فيها مع الثَّوب
الوزن . انتهى كلام السيد في ((نشر الأعلام)).
( قَالَتْ) أي؛ أسماء : ( هَذِهِ جُبَّةُ رَسُوْلِ اللهِبَرَ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا، فَلَمَّا قُبِضَتْ) عائشة، أي ؛ ماتت رضي الله تعالى عنها ( قَبَضْتُهَا )
- بضمِّ المثنَّة الفوقيّة - أي : أخذت الجبّة المذكورة .
( وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَلْبَهُهَا) - بفتح الموحدة - مضارع لَبِس - بكسر الموخَّدة - من
اللِّباس، فإن كان من اللَّبس-بفتح اللام -بمعنى الخلط؛ فيقال فيه: لَيَس- بفتح الباء- في
الماضي، يَلْبِس - بكسر الموحدة - في المضارع، قال تعالى ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا
﴾ [الأنعام] . وقد نظم حاصلَ هذا بعضهم فقال :
يَلْبِسُونَ
لِعَيْنِ مُضَارِعٍ فِي لُبْسِ ثَوْبٍ أَتَىْ فَتْحٌ وَفِي المَاضِي بِكَسْرٍ
٤٦٤

فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَىْ نَسْتَشْفِي بِهَا .
وَمَعْنَى ( اٌلِّبْنَةِ ) : رُقْعَةٌ فِي جَيْبِ الْقَمِيصِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَ؛ فَمَرَّةً شَمْلَةٌ،
وَمَرَّةً بُرْدَ حِبَرَةٍ يَمَانِيَّةٍ ، وَمَرَّةً جُبَّةَ صُوفٍ، مَا وَجَدَ مِنَ الْمُبَاحِ لَبِسَ .
وَفَي خَلْطِ الأُمُورِ أَتَىْ بِعَكْسٍ لِعَيْنِهِمَا فَخُذْهُ بِغَيْرِ عُسْرٍ
( فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَىْ) - وفي روايةٍ: لِلْمَرِيضِ مِنَّا إِذَا اشْتَكَى - (نَسْتَشْفِيْ)
- نطلب الشفاء - ( بِهَا ) لمخالطتها لعرقه وملابستها لبدنه، (وَمَعْنَى اللِّبْنَةِ ) - بكسر
اللَّم وإِسكان الموحدة - ( رُقْعَةٌ ) ؛ أي : قطعة من حرير ( فِي جَيْبِ القَمِيْصِ ) ولو
جديداً ، وليس المراد أنَّها جعلت فيه لإصلاح خلله . وفيه من الفقه : جواز لُبْسٍ
ما له فرجان ، وأنَّه لا كراهة فيه ، وأنَّ المراد بالنَّهي عن الحرير المتمَخِّض منه ،
وأنَّه ليس المراد تحريم كلِّ جزء منه، بخلاف الخمر والذَّهب ، فإنَّه يحرم كلُّ جزء
منهما، وعلى الرِّجال في الذَّهب؛ قاله النَّووي في ((شرح مسلم)) .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) للعارف الشَّعراني، و((إحياء علوم الدِّين)) للإمام
الغزاليّ رحمهما الله تعالى :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ لّهِ يَلْبَسُ مَا وَجَدَ)؛ من غير قيد، ( فَمَرَّةٌ) يلبَس ( شَمْلَةً ،
وَمَرَّةً) يلبس ( بُرْدَ) - بضم أوَّله وسكون الرَّاء - مضافاً إلى ( حِبِرَةٍ) - بوزن عِنْبَّة -
( يَمَانِيَّةٍ )؛ وهو الثَّوب الَّذي فيه خطوط، (وَمَرَّةً) يلبَس ( جُبَّةَ صُوْفٍ ) بالإضافة .
( مَا وَجَدَ مِنَ المُبَاحِ لَبِسَ ) قال العراقيُّ : روى البخاريُّ ؛ من حديث سهل بن
سعد : جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِيُرْدَةٍ ، قال سهل : هَلْ تَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ هِيَ الشَّمْلَةُ؛ مَنْسُوجٌ
فِي حَاشِيَتِهَا، وفيه: فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لِإِزَارُهُ ... الحديث.
ولابن ماجه؛ من حديث عبادة بن الصامت: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ صلَّى فِي شَمْلَةٍ
قَدْ عُقِدَ عَلَيْهَا . وفيه الأَخْوَصُ بنُ حَكِيمٍ مختلفٌ فيه .
وللشَّيْخَيْنِ؛ من حديث أنس: ((كَانَ أَحبُّ الثَّابِ إِلىْ رَسُولِ اللهِوَ أَنْ يَلْبَسَهَا
٤٦٥

وَ( الشَّمْلَةُ ) : كِسَاءٌ صَغِيرٌ يُؤْتَزَرُ بِهِ .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا
عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كِسَاءً
الحِبَرَةَ))، ولهما؛ من حديث المغيرة: ((وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ ضَيْقَةُ الْكُمَّيْنِ » .
انتهى ((شرح الإِحياء)).
وقد تقدَّم ذلك بزيادة : ( وَالشَّمْلَةُ) - بفتح المعجمة وسكون الميم - :
ما يُشتمل به من الأكسية التي يُلتحف بها؛ كما في ((الفتح))، وقيل: يختصُّ بمالَهُ
هدب . وقال ابن دريد : ( كِسَاءٌ صَغِيْرٌ يُؤْتَزَرُ بِهِ ) ؛ وهي البردةُ ، وتسمية العوامُّ :
ما يُلفُّ على الرأس شملةً ؛ اصطلاحٌ حادث .
( وَ) أخرج البخاريُّ في فرض الخمس وفي اللُّباس، ومسلم ، وأبو داود ،
والترمذي، وابن ماجه، والترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَبِي مُؤْسَى
الأَشْعَرِيِّ ) : عبد الله بن قيس ، الصحابي المشهور ، الكوفي .
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ مَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إِلى المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ هَاجَرَ إِلى
الحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ لهِ مَعَ أَصحَابِ السَّفِيْتَيْنِ بَعْدَ نَتْحِ خَيْبَرَ ، فَأَشْهَمَ
لَهُمْ مِنْهَا .
ولأبي موسى مع حُسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ومالطيار:
هاجر ثلاث هجرات ؛ هجرة من اليمن إلى رسول الله وَله بمَّة، وهجرةٌ من مكَّة
إلى الحبشة، وهجرةٌ من الحبشة إلى المدينة المنوَّرة، واستعمله النَّبِيُّ ◌َِّ على
((زبيد)) و((عدن)) وساحل اليمن، واستعمله عمر على ((الكوفة)) و((البصرة)).
روي له عن رسول الله وَ له ثلاث مئة وستون حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم على
خمسين ، وانفرد البخاري بخمسة عشر ، وانفرد مسلم بخمسة عشر .
وتوفِّي بِمَّة ، وقيل : بالكوفة سنة: خمسين ، أو إحدى وخمسين (رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا ) أمُ المؤمنين (عَائِشَةُ) - الصِّدِّيقة بنت الصديق ،
وقد تقدمتِ ترجمتها - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا كِسَاءً) - بكسر أوله ـ من صوف
٤٦٦

مُلَبَّداً وَإِزَاراً غَلِيظاً؛ فَقَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي هَذَيْنِ . وَ( الْكِسَاءُ): مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ. وَ(الْمُلَبَّدُ ):
الْمُرَقَّعُ. وَ(الإِزَارُ): مَا يَسْتُرُ أَسْفَلَ الْبَدَنِ. وَ( غِلَظُهُ ):
( مُلَبَّداً) - بتشديد الموحدة بصيغة اسم المفعول - أي: مرقَّعاً ، كما قاله النووي في
((شرح مسلم)).
( وَإِزَاراً) - بكسر الهمزة -: الملحفة، يذكَّر ويؤنَّث؛ فيقال: هو الإِزار ،
وهي الإِزار ، وربما أُنَّث بالهاء ، والمراد هنا : ما يَسْتُرُ أسفل البَدَنِ ، ويقابله
الرِّداءُ : وهو ما يستر أَعلى البدن، (غَلِيْظاً ) ، أي : خَشِناً ، صفة للإزار ، وفي
رواية عند مسلم موصولة ، وعند البخاريِّ تعليقاً: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ إِزَاراً غَلِيْظاً
مِمَّا يُصْنَعُ بِاليَمَنِ ، وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَهَا المُلَبَّدَةِ.
( فَقَالَتْ: قُبِضَ) - بصيغة المجهول - ونائب الفاعل قوله (رَسُوْلُ اللهِهِ )؛
أي : أماته الله تعالى وهو ( فِي هَذَيْنِ ) ؛ أي : الكساء والإزار المذكورين ،
وأرادت أنَّهما كانا لباسه وقت مفارقته للدُّنياِِّ، مع ما فيهما من الرّثاثة
والخشونة ، فلم يكترث ◌َّه بزخرفة الدنيا، ولا بمتاعها الفاني، مع أنَّ ذلك كان
بعد فتح الفتوح وفي قوَّة الإسلام وكمال سلطانه .
ويؤخذ من ذلك : أنَّه ينبغي للإِنْسان أن يجعل آخر عمره مَحَلاً لترك الزِّينة .
( وَالِكِسَاءُ) - بكسر الكاف :- ( مَا يَسْتُرُّ أَعْلَى البَدَنِ ) ؛ وهو الرداء ، ضدّ
الإزار ، وجمعه : أكسية ؛ بلا همز .
(وَالمُلَبَُّ ) - بضمِّ الميم وفتح اللَم وتشديد الموحدة المفتوحة - قال ابن الأثير
في ((النهاية)): هو (المُرَفَّعُ) - بضمُّ الميم وفتح الرَّاء وشَدِّ القاف - يقال: لَبَّدتُ
القميص ألبده ، ولَبَدْتُه بالشَّخفيف ، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر القميص : اللِّبدة
- بالكسر - . وقيل : الملبّد الذي ثخن وسطه وصفق ، حتى صار يشبه اللَّيْدة- بالكسر -.
( وَالإِزَارُ) - بكسر أوَّله ـ: ( مَا يَسْتُرُ أَسْفَلَ البَدَنِ)؛ ضدُ الرِّداء، (وَغِلَظُهُ)
٤٦٧

خُشُونَتُهُ .
وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءٌ مُلَبَّدٌ يَلْبَسُهُ وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا
عَبْدٌ ، أَلْبَسُ كَمَا يَلْبَسُ الْعَبْدُ)).
- بكسر الغين المعجمة وفتح اللاَّم -: ( خُشُوْنَتُهُ) .
وفي الحديث ندبُ حفظ آثار الصَّالحين والتَّبرك بها ؛ من ثيابهم ، ومتاعهم ،
فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها حفظت هذا الكساء والإزار اللَّذين قبض فيهما
للتبرُّك بهما .
فائدة: ذكر ابن الجوزي في ((الوفا)) بإِسناده ؛ عن عروة بن الزُّبير قال : كان
طول رداء رسول اللّهِ وَّ﴿ل أربعةَ أذرعٍ، وعرضُه ذراعين ونصفاً.
ونقل ابن القيِّم عن الواقديّ: أن رداء رسول اللهِوَ الِ بُرْدٌ طولُه ستّة أذرعٍ في ثلاثة
أذرعٍ وشبر، وإزاره من نسج عُمَان طولُه أربعة أذرع وشبر في ذراعين . انتهى
(( جمع الوسائل )) .
( وَ) في ((المواهب)) و((الإحياء)): (كَانَ لَهُ وَّةِ كِسَاءٌ مُلَبَّدٌ ) ؛ أي :
مرقَّع ، أو ما ثخن وسطه حتى صار كاللَّبد، ( يَلْبَسُهُ وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، أَلْبَسُ
كَمَا يَلْبَسُ العَبْدُ))). قال في ((المواهب)): رواه الشَّيخان. قال الزرقاني: لم أره
فيهما ولا في أحدهما بهذا اللَّفظ في مظانِّه! فليراجع .
وقال في (( شرح الإحياء)): قال العراقي: روى الشَّيخان ؛ من رواية أبي بردة
عن أبيه أبي موسى قال : أخرجت إلينا عائشة كساءً ملبداً وإزاراً غليظاً ؛ فقالت :
في هذين قبض رسول الله وَة . وقد تقدم .
وروى البخاريُّ من حديث عمر: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ )). ولعبد الرزاق في
((المصنف)) من رواية أيوب السختياني مرفوعاً معضلاً: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا
يَأْكُلُ العَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ العَبْدُ )) .
قلت : وروى تمام وابن عساكر من حديث ابن عمر : (( مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَانْتُعَلَ
٤٦٨

وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِسَاءٌ أَسْوَدُ، فَوَهَبَهُ ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُ
سَلَمَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْكِسَاءُ الأَسْوَدُ ؟ فَقَالَ:
(( كَسَوْتُهُ ))، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ بَيَاضِكَ عَلَى سَوَادِهِ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَنَّعُ بِرِدَائِهِ تَارَةٌ وَيَتْرُكُهُ
بِمَخْصُوفٍ ... )) الحديثُ. وفيه: (( أَنَا عَبْدٌ بْنُ عَبْدٍ ، آكُلُ أَكْلَةَ العَبْدِ ، وَأَجْلِسُ
جِلْسَةَ العَبْدِ ... )) الحديث. انتهى كلام ((شرح الإحياء )) ملخصاً . وهو يؤيد كلام
الزرقاني رحمه الله تعالى .
( وَ) في ((الإِحياء)): ( كَانَ لَهُ ◌ََّ كِسَاءٌ أَسْوَدُ فَوَهَبَهُ) لآخر ، ( فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ
سَلَمَةَ) - رضي الله تعالى عنها - : ( بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيْ ) يا رسول الله؛ ( مَا فَعَلَ ذَلِكَ
الكِسَاءُ الأَسْوَدُ؟ فَقَالَ: ((كَسَوْتُهُ))، فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطُّ) كان (أَحْسَنَ مِنْ
بَیَاضِكَ عَلَى سَوَادِهِ ) .
قال في ((شرح الإحياء )): قال العراقي: لم أقف عليه من حديث أمِّ سلمة .
ولمسلم من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - : خرج النّبِيُّ وَّهِ وعليه مِرْط
مرخّل أسود. ولأبي داود ، والنَّسائي: صنعت للنبي ◌َّهِ بردة سوداء من صوف
فلبسها .. الحديث، وزاد فيه ابن سعد في ((الطَّبقات)): فذَكَرَتْ بياض النَّبِيِّ ◌َله
وسوادها . ورواه الحاكم بلفظ : جُبة ، وقال : صحيح على شرط الشَّيخين .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشَّعراني - رحمهُ الله تعالى - :
( كَانَ) رسول الله (وَ يَتَقَنَّعُ بِرِدَائِهِ). قال الوليُّ العراقيُّ في (( شرح تقريب
الأسانيد )): التقنُّع معروف؛ وهو تغطية الرَّأس بطرف العمامة، أو برداء ، أو نحو
ذلك .
وقال ابن الحاجِّ في ((المَدْخل)): وأما قناع الرجل !! فهو أن يغطّي رأسه بردائه
ويردّ طرفه على أحد كتفيه . انتهى . واحترز به عن قناع المرأة ؛ فإنَّها خرقة لطيفة
تجعلها على رأسها . (تَارَةً) - التارة: المرَّة، وجمعها تارات - ( وَيَتْرُكُهُ) - أي:
٤٦٩

أُخْرَى ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ: الطَّيْلَسَانَ .
التقنُّع - تارة ( أُخْرَى، وَ) التقتُّع قال السيوطي: (هُوَ) التَّطَيْلس. وقال
الشَّعراني: الرِّداء: هوَ ( الَّذِي يُسَمَّى فِي العُرفِ: ((الطَّيْلَسَانُ))) - بفتح الطَّاء
واللَّم على الأشهر الأفصح - بزنة (( فيعلان))، وحكى القاضي عياض والنَّووي
والمجد (١): كسرَ اللَّم وضمَّها، وفيه لغة: الطَّالسان بالأَلف ، حكاها ابن
الأعرابي .
اعتراض ابن القيم والتعقُّب عليه
قال ابن القيم: ولم يُنْقُل عنه وَِّ أنَّه لبسه ، ولا أحد من أصحابه ، بل ثبت في
((صحيح مسلم)) من حديث النَّواس بن سمعان عن النَّبِيِّ وَّرِ: أنَّه ذكر الدَّجَّال
فقال: ((يَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفاً مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيَّالِسَةُ » .
ورأى أنس جماعة عليهم الطَّيالسة فقال : ما أشبههم بيهود خيبر !.
قال : ومن ها هنا كرهه جماعة من السّلف والخلف ؛ لما روى أبو داود ،
والحاكم؛ أنَّه قال: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)). وفي ((التِّرمذيِّ)): ((لَيْسَ مِنََّ
مَنْ تَشَبََّ بِغَيْرِنَا )) .
وأمَّا ما جاء في حديث الهجرة أنَّه وَ ير جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه متقنّعاً
بالهاجرة! فإنّما فعله وَّر تلك السَّاعة ليختفي بذلك ؛ للحاجة . ولم يكن عادته
التقنُّع، وقد ذكر أنس عنه ◌َِّ: أنَّه كان يكثر القناع، وهذا إنَّما كان يفعله
للحاجة ؛ من الحرِّ ونحوه. انتهى كلام ابن القيِّم؛ نقله في ((المواهب)).
وتعقّبه بقوله: أمَّا قوله: إِنَّه وَّهِ إِنَّما فعل ذلك للحاجة ؛ فیردُّ عليه حديث
سهل بن سعد: أنَّه ◌َ ﴿ كان يكثر القناع. رواه البيهقي في (( الشعب))، والتِّرمذيُّ.
والبيهقيِّ في ((الشعب)) أيضاً، وابن سعد في ((طبقاته))؛ من حديث أنس
(١) الفيروز أبادي .
٤٧٠

بلفظ: يكثر التقنع. فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم أنَّه لم ينقل عنه وَلِّ أنَّه
لبسه .
الطیلسان ثوب لا يؤدّی شکره
وفي ((طبقات)) ابن سعد مرسلاً: ذُكر الطّيلسان لرسول اللهِوَّ﴾ فقال: ((هَذَا
ثَوْبٌ لاَ يُؤَدَّى شُكْرُهُ » . وفيه أحاديث كثيرة .
وأما قوله : ولا أحد من أصحابه ! فيردُّه ما أخرجه التِّرمذيُّ وصحَّحه ،
والحاكم في (( المستدرك)) بسندٍ على شرط الشَّيخين ؛ عن مرَّة بن كعب - أو
كعب بن مرة - قال: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يذكر فتنة فقرَّبها، فمرَّ رجل مقنَّع في
ثوب - وفي لفظٍ: ((بردائه)) - فقال: ((هذا يومئذ على الهدى)). فقمت فإذا هو
عثمان بن عفَّنَ - رضي الله تعالى عنه - ؛ فهذا صحابي من أَجِلاَّء الصَّحابة تقنَّع ،
ورآه المصطفی کذلك وأقرّه !
وروى أبو يعلى وابن عساكر: صعد النَّبِيُّ وَ ◌ّ المنبر ؛ وأصحابه تحت المنبر ،
وأبو بكر مقنَّع في القوم. فهذا خير الصحابة تقنَّع بحضرة المصطفى وَّ، وأقرَّه !
وروى ابن عساكر : أنَّ عمرَ تقنَّع في خلافته يوم عيد .
وأخرج سعيد بن منصور في (( سُننه))؛ عن أبي العلاء قال : رأيت الحسن بن
علي يُصَلِّي وهو مقنّع رأسه .
وأخرج ابن سعد ؛ عن سليمان بن المغيرة قال : رأيت الحسن بن عليٍّ يلبس
الطَّيالسة .
وأخرج ابن سعد أيضاً ؛ عن عمارة بن زاذان قال : رأيت على الحسن بن علي
طيلساناً أندقيّاً . فهؤلاء أربعة من الصَّحابة تطيلسوا .
وأما التَّابعون ! فثبت عن طاوُس ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري
- أخرجه عنهم ابن سعد -، ومسروق ، وإبراهيم النَّخعي ، وسعيد بن المسيب
- عند ابن أبي شيبة - ، ومحمَّد بن واسع - عند ابن عساكر -، وميمون بن مهران
٤٧١

- عند ابن الإمام أحمد في « زوائد الزهد » - وروى البيهقي ؛ عن خالد بن حراش
قال : جئت مالك بن أنس ؛ إِمام دار الهجرة ، فرأيت عليه طيلساناً ، فقلت :
يا أبا عبد الله ؛ هذا شيء أحدثتَه أم رأيتَ النَّاس عليه؟ قال: لا؛ بل رأيت النَّس
عليه . والاثار عن السَّلف فى ذلك كثيرة .
وأما ما ذكره ابن القيِّم من قصَّةِ اليهود الخارجين مع الدَّجال ويهود خيبر ؛ فقال
الحافظ ابن حجر : إنَّما يصلح الاستدلال به في الوقت الَّذي تكون فيه الطَّيالسة من
شعارهم ، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة ، فصار ذلك داخلاً في عموم المباح ،
وقد ذكره العزّ بن عبد السَّلام في أمثلة البِدْعة المباحةِ . وقد يصير من شعار قوم ؛
فيصير تركه من الإخلال بالمروءة ؛ فيرتقي عن الإِباحة إِلى الطَّلبِ .
وقيل : إنَّما أنكر أنس ألوان الطَّيالسة ؛ لأنَّها كانت صفراء ، وقد صحَّ النَّهي عن
الصفرة .
انتهى كلام ((المواهب)) مع شيء من الشرح .
قال المناوي في شرح ((الشمائل)): وقد كثر كلام النَّاس في الطَّيلَسان،
والحاصل أنَّه قسمان :
١ - محنَّك : وهو ثوبٌ طويلٌ عريضٌ قريبٌ من الرِّداء ، مربّع ، يجعل فوق
العمامة ، يغطّي أكثر الوجه ، ثم يدار طرفه - والأولى اليمين من تحت الحنك - إلى
أن يحيط بالرَّقبة جميعها ، ثمَّ يلقى طرفاه على المنكبين .
و ٢ - مُقوّر: وهو ما عدا ذلك، فيشمل : المدوَّر، والمثلَّث ، والمربَّع ،
والمسدول ؛ وهو ما يرخى طرفاه من غير ضمِّهما أو أحدهما ؛ ومنه : الطَّرحة
المعتادة لقاضي القضاة الشَّافعي المختصَّة به .
والأوَّل - يعني: المحنَّك - مندوب اتفاقاً ، ويتأكَّد لصلاة وحضور جمعة وعيد
ومجمع . والثَّاني - يعني: المقوّر بأنواعه - مكروه، لأنه من شعار أهل الذِّمّة.
انتهى .
٤٧٢

وقال الشُّيوطي : كُل مَن وقع في كلامه من العلماء كراهةٌ للطيلسان وكونه شعاراً
لليهود ؛ إنَّما أراد المقوَّر الَّذي على شكل الطرحة ؛ يرسل من وراء الظّهر والجانبين
من غير إدارة تحت الحَنْكِ ، ولا إلقاء لطرفيه على الكتفين .
وأما المربَّع الذي يدار من تحت الحنك ويغطي الرَّأس وأكثر الوجه ويجعل
طرفاه على الكتفين ! فلا خلاف أنه سنة. انتهى. نقله الزرقاني على ((المواهب)).
قال المناوي في شرح (( الشَّمائل)): ووقع في أكثر الأحاديث التعبير عن
التَّطَيلس بالتقنُّعُ ، وعن الطَّيلسان بالقناع .
ومن ثمَّ قال الحافظ ابن حجر في مجيء المصطفى وَّ لبيت الصِّدِّيق متقنّعاً
- أي : مطيلساً رأسه - : هذا أصْلُ لبس الطَّيلسان. قال: والتقتُّع: تغطية الرَّأسِ
وأكثرِ الوجه برداءٍ أو غيره ، وصرَّحوا بأنَّ القِنَاعَ الَّذي يحصل به التقنُّعُ الحقيقيُّ: هو
الرداءُ، وهو يسمَّى ((طيلساناً))، كما أن الطَّيلسان قد يسمَّى ((رداءً)).
ومن ثمَّ قال ابن الأثير: الرِّداء يسمَّى الآن ((طيلساناً)). فما على الرَّأس مع
التَّحنيك: الطَّيلسان الحقيقي، ويسمَّى ((رداءً)) مجازاً. وما على الأكتاف : هو
الرِّداء الحقيقي، ويسمَّى ((طيلساناً)) مجازاً. وصحَّ عن ابن مسعود - وله حكم
المرفوع - : ((الَّقَنُّعُ مِنْ أَخْلاَقِ الأَنْبِيَاءِ)). وفي خبر أَنَّ: ((التَّقَنُّعَ بِاللَّيْلِ رِئْبَةٌ)) .
وفي خبر : ((لاَ يَتَقَنَّعُ إِلَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ الحِكْمَةَ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ)) . وأخذ من ذلك:
أنَّه ينبغي أن يكون للعلماء شعارٌ مختصٌّ بهم؛ ليُعرَفوا فيُسأَلُوا ويُمتَثَل ما أَمروا به
ونهوا عنه .
وللطَّلسانِ فوائدُ جليلةٌ: فيها صلاح الظَّاهر والباطن ؛ كالاستحياء من الله
والخوف منه ، إذ تغطية الرّأس شأن الخائف الآبق الَّذي لا ناصر له ولا معين ،
ولجمعه للفكر لكونه يغطّي أكثر الوجه ، فتندفع عن صاحبه مفاسدُ كثيرة ، وتجتمع
همَّته ؛ فيحضر قلبه مع ربِّه ويمتلىءُ بشهوده وذكره ، وتُصان جوارحه عن
المخالفات ، ونفسه عن الشَّهوات ، وهذه أسباب لإِفاضة أنواع الجلالة والمهابة ،
ولذلك قال بعض الصُّوفية : الطّلسان الخلوة الصُّغرى . انتهى .
٤٧٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبُ مَا يَلْبَسُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَا نُسِجَ
مِنَ الْقُطْنِ، وَرُبَّمَا لَبِسُوا مَا نُسِجَ مِنَ الصُّوفِ وَأَلْكَتَّانِ .
وَلَبِسَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّعَرَ الأَسْوَدَ . وَلَبِسَ مَرَّةً بُرْدَةً مِنَ
الصُّوفِ .. فَوَجَدَ رِيحَ الضَّأْنِ فَطَرَحَهَا .
( وَ) في ((زاد المعاد)) لشمس الدِّين ابن القيِّم: (كَانَ) رسول اللهِ (وَِّ غَالِبُ
مَا يَلْبَرُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ) معطوف على الضمير المستتر في يلبس ، والشَّرط موجود ،
على حدٍّ قول صاحب ((الأَلفيّة)):
وَإِنْ عَلىُ ضَمِيْرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلْ
( مَا نُسِجَ ) - أي: الثِّياب المنسوجة - ( مِنَ القُطْنِ) ؛ قميصاً أو رداءً أو غيرهما .
والقطن - بضمٌّ فسكون ، ويضمَّتين - شجرٌ معروف، قد يعظم ويبقى عشرين سنة .
( وَرُبَّمَا لَبِسُوا مَا نُسِجَ مِنَ الصُّوْفِ) لمزيد تواضعه، ولأنَّ لبسه من سنَنِ الأنبياءِ.
قال ابن مسعود : كان الأنبياء يركبون الحمير ، ويلبسون الصُّوف ، ويحتلبون
الشَّاة. رواه أبو داود الطَّيالسيّ. وعنه بَّه قال: ((كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ
صُوْفٍ، وُكُمَّةُ صُوْفٍ، وَجُبَّةُ صُوْفٍ ، وَسَرَاويلُ صُوْفٍ، وَكَانَتْ نَعْلَاَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ
مَيْتٍ )). رواه الترمذيُّ وقال: غريب. والحاكم وصححَّه على شرط البخاريِّ
كلاهما ؛ عن حميد الأعرج ؛ عن عبد الله بن الحارث ؛ عن ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه. والكُمَّة - بضمِّ الكاف وتشديد الميم - : القلنسوة الصغيرة . انتهى .
( وَ) ما نسج من ( الكَتَّانِ) - بفتح الكاف وتشديد المثنَّة الفوقيّة آخره نون -
عربي معروف ، وسمِّ بذلك !! لأنَّه يكتنُ، أي : يسوَدُّ إذا ألقي بعضه على
بعض ، والثِّياب المنسوجة من الكَثَّان معتدلة الحرِّ والبرْدِ واليبوسة ، ولا تلزق
بالبدن ، ويقل قملها .
( وَ) في ((كشف الغمَّةِ)) للعارف الشَّعراني: (لَبِسَ) رسول اللهِ (عِِّ الشَّعَرَ
الأَسْوَدَ )، وقد تقدَّم بيانه، ( وَلَبِسَ مَرَّةً بُرْدَةً مِنَ الصُّوْفِ ؛ فَوَجَدَ رِيْحَ الضَّأْنِ
فَطَرَحَهَا ) . فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: صنعت للنبي وَّل بردة سوداء ،
٤٧٤

وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاوِيلُ ،
فلبسها ، فلما عرق فيها ؛ وجد ريح الصُّوف فقذفها . وكانت تعجبه الرِّيح الطيِّية .
أخرجه أبو داود ، والنّسائي في « سننه»، وذكره البغوي في (( المصابيح)).
( وَ) في ((كشف الغمَّةِ)) أيضاً: (كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ سَرَاوِيْلُ)؛ قال ابن
سيده : فارسيّ معرّب ؛ يذكَّر ويؤنَّث . ولم يعرف أبو حاتم السجستاني التذكير ،
والأشهر عدم صرفه . قال الحافظ ابن حجر: والتأنيث أكثر ؛ ففي ((القاموس)):
فارسية معرَّبة ، وقد تذكَّر، جمعها سراويلات، أو جمع « سِروال ، وسِراولة ،
وسِرويل )) - بكسرهنَّ - وليس في الكلام فعويل غيره ، والسَّراوين - بالنّون - : لغة
في السَّراويل، والشِّروال ـ بالشين -: لغةٌ. وفي ((المصباح)): الجمهور على أن
السَّراويل أعجميّة ، وقيل : عربيّة ؛ جمع سروالة تقديراً ، والجمع سراويلات.
واختُلف ؛ هل لِسَها النبي ◌ِِّ أم لا ؟! فجزم بعض العلماء بأنَّه عليه الصلاة
والسلام لم يلبسه ، ويستأنس له بما جزم به النَّوويُّ في ترجمة عثمان بن عفَّان رضي
الله تعالى عنه من كتاب (( تهذيب الأسماء واللغات)) أنَّه رضي الله عنه لم يلبس
السَّراويل في جاهليّة ولا إسلام إلاَّ يوم قتله . فإنَّهم كانوا أحرص شيء على
اتباعه ێ .
لكن قد ورد في حديث عند أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جداً ؛ عن
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت السوق يوماً مع رسول الله وَّ فجلس إلى
البَزَّازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم ، وكان لأَهل السّوق وزَّان يزن ، فقال له
رسول الله وَ﴾: ((اَّزِنْ وَأَرْجِحْ)).
فقال الوزَّان : إنَّ هذه الكلمة ما سمعتها من أحد !!. قال أبو هريرة : فقلت
له : كفى بك من الوهن والجفاء في دينك أن لا تعرف نبيَّك ! فطرح الميزان .
ووثب إِلى يد رسول اللهِ وَ ﴿ يريد أن يقبّلها، فجذب يده وَِّ منه، وقال :
(( يَا هَذَا؛ إِنَّمَا تَفْعَلُ هَذا الأَعَاجِمُ بِمُلُوكِهَا، وَلَسْتُ بِمَلِكِ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ))،
فوزن وأَرجح، وأخذ رسول اللّهِ وَّرِ السَّراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله
٤٧٥

عنه، فقال: ((صَاحِبُ الشَّيْءٍ أَحَقُّ بِشَيْئِهِ أَنْ يَحْمِلَهُ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَعِيْفاً يَعْجِزُ عَنْهُ
فَيُعِيْنُهُ أَخُوْهُ المُسْلِمُ)) .
قال : قلت : يا رسول الله؛ وإنك لتلبس السَّراويل؟ قال: ((أَجَلْ! فِي السَّفَرِ
وَالحَضَرِ ، وَبِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِالسَّتْرِ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئاً أَسْتَرَ مِنْهُ » .
وكذا أخرجه ابن حبَّن في ((الضُّعفاء))؛ عن أبي يعلى، ورواه الطَّبراني في
((الأوسط))، والدَّار قطني في ((الأَفْراد))، والعقيلي في ((الضُّعفاء))؛ ومداره على
يوسف بن زياد الواسطيّ وهو واهٍ لا يحتمل تفرُّده ، بل بالغ ابن الجوزيّ فذكر
الحديث هذا في ((الموضوعات))، وتعقَّه السُّيوطي ، واقتصر الحافظ ابن حجر
وغيره على أنَّه ضعيفٌ .
لكنْ صَحَّ شِرَاءُ النَّبِيِّوَّ للسَّراويل من غير هذا الطَّريق ؛ فقد روى أحمد ،
وأصحاب ((السُّنن الأربعة))، وصحَّحه ابن حبَّان؛ عن سويد بن قيس قال: جلبت
أنا ومخرفَةُ العبدُ بزّاً من هجر، فأتينا مكَّة، فجاءنا رسول الله وَّر ونحن بمنى،
فساومنا سراويل ، فبعناه منه، فوزن ثمنه ؛ وقال للوزَّان: ((زِنْ وأَرْجِخْ)).
وروى النَّسائِيُّ وأحمد ؛ عن أبي صفوان مالك بن عميرة الأسديّ : أنَّه باع من
النَّبِّ وَّ قبل أن يهاجر رجل سراويلَ، فلمَّا وزن له أَرجح له. وهذه القصَّة غير الَّتي
في حديث أبي يعلى ؛ لأنَّها بعد الهجرة ، إذ أبو هريرة إنَّما جاء في خيبر .
قال في ((الإصابة)): مالك بن عَميرة - بفتح العين - وقيل عمير - مصغَّراً بلا
هاء - حديثه يشبه حديث سويد بن قيس ، فقيل إنَّهما واحد اختلف في اسمه .
انتهى .
وفي ((الهدي النبوي)) لابن القيِّم: والظَّاهر أنَّه وَلِّ إنَّما اشتراه ليلبسه ، وقد
روي أنَّه ليس السَّراويل ، وكانوا يلبسونه في زمانه ، وبإذنه ، قال أبو عبد الله
الحجازيُّ في حاشيته على ((الشفاء)): وما قاله في ((الهدي)) من أنَّه ◌َو لبس
السَّراويل !! قالوا سبق قلم. انتهى. من (( المواهب)) مع زيادة من شرح الزرقاني.
٤٧٦

وَلَبِسَ النَّعْلَ الَّتِي تُسَمَّى : النَّاسُومَةَ .
وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلاَءَةٌ مَصْبُوغَةٌ بَالزَّعْفَرَانِ ، تُنْقَلُ
مَعَهُ إِلَىْ بُيُوتٍ أَزْوَاجِهِ، فَتُرْسِلُهَا مَنْ كَانَ نَائِماً عِنْدَهَا إِلَى صَاحِبَةِ
النَّوْبَةِ ، فَتَرُّثُّهَا بِأَلْمَاءِ ، فَتَظْهَرُ رَائِحَةُ الزَّعْفَرَانِ ، فَيَنَمُ مَعَهَا فِيهَا .
( وَلَبِسَ) وَِّ (الثَّعْلَ الَّتِي تُسَمَّى) في العرف ( النَّاسُومَةَ): هي ما له سير يستر
بعض الأصابع ممَّا يلي أصولَها ، وبعضَ ظهر القدمِ من تلك الجِهَةِ .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشّعراني رحمه الله تعالى :
( كَانَ لِهِوَلِ مُلَاءَةٌ) - بالضمِّ والمدِّ -: الإزار، يقال: تَمَلأْتُ: لبستُ
الملاءة، وتصْغير الملاءة: مُلَيْئة. ورد في الحديث: (( وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيّتين)) ؛
تصغير ((ملاية))؛ مثناة مخفّفَة الهمز. والملاءة: قيل إِنَّها مرادفة للرَّيطة
- بالفتح -. وقيل : الملاءة الملحفة ذات اللَّفقين ، فإن كانت ليست ذات لفَقين ؛
فهي رَبطة. انتهى ((شرح القاموس)). (مَصْبُوغَةٌ بِالزَّعْفَرَانِ ) معروف ، يقال :
زعفرت الثَّوب : صيغته بزعفران ، فهو مُزَعْفَر - بالفَتْحِ اسم مفعول - ( تُنْقَلُ مَعَهُ إِلَى
بُيُوْتِ أَزْوَاجِهِ ) بالنَّوبة، ( فَتُرْسِلُهَا مَنْ كَانَ نَائِماً عِنْدَهَا إِلَى صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ ؛ فَتَرَّشُهَا
بِالمَاءِ ) ، الظَّاهر أنَّ القصد برشِّها التَّبريد، لأنَّ قطر الحجاز في غاية الحرِّ ،
ويحتمل أنَّها ترشُّها بماءٍ ممزوج بنحو طيب كما يفعله النِّساء الآن ، أو لأَجل أنْ تظهر
رائحة الزَّعفران منها ؛ كما قال : ( فَتَظْهَرُ رَائِحَةُ الزَّعْفَرَانِ ) منها إذا رُشَّت بالماء ،
( فَيَنَامُ مَعَهَا ) - أي: مع صاحبةِ النَّوبةِ - ( فِيْهَا) ؛ أي : الملاءة.
روى الخطيب في ((تاريخه)) بسندٍ ضعيف؛ عن أنسٍ بنِ مالكِ: أن النَّبِيَّ وَّل
كان له ملحفة مصبوغة بالورس والزَّعفران ، يدور بها على نسائه ، فإذا كانت ليلة
هذه رشَّتها بالماء ، وإذا كانت ليلة هذه رشَّتها بالماء . انتهى .
وفيه حِلُّ لبس المزعفَر والموَرَّس ، ويعارضه بالنسبة للمزعفر حديث
الشَّيخين : نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. وبه أخذَ الشَّافعيُّ ، ولا فرق بين ما صبغ قبل
٤٧٧

وَكَانَتْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْحَفَةٌ مَصْبُوغَةٌ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَرُبَّمَا
صَلَّى بِالنَّاسِ فِيهَا وَحْدَهَا، وَرُبَّمَا لَبِسَ الْكِسَاءَ وَحْدَهُ وَمَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا صَلَّى بِاللَّيْلِ فِي الإِزَارِ ، وَأَرْتَدَى
بِبَعْضِهِ مِمَّا يَلِي هُذْبَهُ، وَأَلْقَى الْبَقِيَّةَ عَلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ ، فَيُصَلِّي كَذَلِكَ.
النَّسْجِ وبعده . وأما المُؤَرَّس! فذهب جمعٌ من أصحابه لحِلِّهِ ؛ تمسُّكاً بهذا الخبر ،
المؤيّد بما صحَّ : أنَّه كان يصبغ ثيابه بالورس؛ حتَّى عمامته . لكن ألحقه جمع
بالمزعفر في الحرمة. انتهى (( مُناوي )) .
( وَ) في ((كشف الغمة)) و((الإحياء)): (كَانَتْ لَهُ بِهِ مِلْحَفَةٌ) - بكسر
الميم - : المُلاءة الَّتي تلتحف بها المرأةُ ( مَصْبُوْغَةٌ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَرُبَّمَا صَلَّى بِالنَّاسِ
فِيْهَا وَحْدَهَا ) . قال العراقيُّ: روى أبو داود ، والتِّرمذيُّ؛ من حديث قيلة بنت
مخرمة قالت: رأيت النَّبِيَّ وَّهِ وعليه أَسمال ملاءتين كانتا بزعفران . قال التِّرمذيُّ:
لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد الله بن حَسَّان . قلتُ : ورواته موثَّقون.
ولأبي داود ؛ من حديث قَيْسٍ بْنِ سَعدٍ : « فاغتسل ، ثمَّ ناوله أبي سعدٌ ملحفةً
مصبوغةً بزعفران أو ورس ، فاشتمل بها ... )). الحديث . ورجاله ثقات .
(وَرُبَّمَا لَبِسَ) بَّهِ (الكِسَاءَ وَحْدَهُ وَمَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ) . قال العراقي : رواه ابن
ماجه ، وابن خزيمة؛ من حديث ثابت بن الصَّامت: أن النَّبِي وَِّ صَلَّى في
بني عبد الأشهل وعليه كِسَاء متلفِّفٌ به ... الحديث. وفي رواية البزَّار : في
كساء . انتهى شرح ((الإحياء)).
( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ وَهَ رُبَّمَا صَلَّى بِاللَّيْلِ فِي الإِزَارِ وَارْتَدَى بِبَعْضِهِ مِمَّا
يَلِيْ هُذْبَهُ) - بضم الهاء وإسكان الدال ــ: طرف الثوب، (وَأَلْقَى البَقِيَّةَ عَلَى بَعْضٍ
نِسَائِهِ ، فَيُصَلِّي كَذَلِكَ ) .
قال العراقيُّ : روى أبو داود ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : أنَّ
النَّبِيَّ وََّ صلَّى في ثوب بعضه عَليَّ. ولمسلم: كان يصلِّي مَن اللَّيْلِ وأَنَا إلى جنبه ،
٤٧٨

وَكَانَتْ ثِيَابُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهَا مُشَمَّرَةً فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ،
وَكَانَ إِزَارُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ ،
وأَنَا حائض ، وعَلَيَّ مِرْط وعليه بعضه إلى جنبه .
وللطَّبراني في ((الأوسط ))؛ من حديث أبي عبد الرَّحمن حاضنِ عائشةَ رضي
الله عنها: رأيت النَّيَّ نَّهِ وعائشةَ يصلِّيان في ثوب واحد، نصفه على النَّبِيِّ وَّل
ونصفُه عَلى عائشة . وسنده ضعيف .
( وَ) في ((كشف الغمة)) و((إحياء علوم الدين)): (كَانَتْ ثِيَابُهُ وَلِ كُلُّهَا
مُشَمَّرَةً فَوْقَ الكَعْبَيْنِ ) - مثنى كعب - ، واختلف فيه أئمة اللُّغة ؛ فقال أبو عمرو بن
العلاء ، والأصمعي ، وجماعة : هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى السَّاق
والقدم ، فيكون لكل قدم كعبان ؛ عن يمنتها ويسرتها ، وقد صرَّح بهذا الأزهري
وغيره . وقال ابن الأعرابي وجماعة : هو المفصل بين السَّاق والقدم . وقيل غير
ذلك .
( وَكَانَ إِزَارُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ ) ، قال العراقي : روى أبو الفضل
محمَّد بن طاهر في كتاب ((صفوة التصوُّف))؛ من حديث عبد الله بن بُشْر: (( كانت
ثياب رسول الله ◌َ ﴿ إِزاره فوق الكعبين ، وقميصه فوق ذلك ، ورداؤه فوق ذلك ))
وإسناده ضعيف .
وللحاكم وصححه ؛ من حديث ابن عبّاس : كان يلبس قميصاً فوق
الكعبين ... الحديث ، وهو عند ابن ماجه بلفظ : قميصاً قصير اليدين والطُول .
وسندهما ضعيف .
وللتّرمذيِّ في ((الشمائل))؛ من رواية الأشعث قال: سمعت عمَّتي تحدِّث عن
عمِّها؛ فذكر النَّبِيَّ وَّر، وفيه: فإذا إزاره إلى نصف ساقَيْه.
ورواه النَّسائي وسمَّى الصَّحابي : عبيد بن خالد ، واسم عمة الأشعث : رهم
بنت الأسود . ولا تُعرَف !! انتهى .
٤٧٩

وَكَانَ قَمِيصُهُ مَشْدُودَ الأَزْرَارِ، وَرُبَّمَا حَلَّ الأَزْرَارَ فِي الصَّلاَةِ
وَغَيْرِهَا .
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي
بِالْمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي.
( وَكَانَ قَمِيْصُهُ مَشْدُوْدَ الأَزْرَارِ ) - واحدها: زِرِّ بالكسر - (وَرُبَّمَا حَلَّ الأَزْرَارَ
فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا ). قال العراقي: رواه أبو داود ، وابن ماجه، والتِّرمذيُّ في
((الشَّمائل))؛ من رواية معاوية بن قُرَّة بن إياس قال: أتيت النَّبيَّ نَّهِ فِي رَهْطٍ من
مُزَينة ، فبايعناه ، وإن قميصَه لمطلَقُ الأزرار . وقد تقدَّم .
وللبيهقيِّ من رواية زيد بن أسلم قال : رأيت ابن عمر يصلِّي محلولَ أزراره،
فسألته عن ذلك ؟ فقال: رأيت رسول الله ◌َ لا يفعله.
وللطَّبراني ؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف :
دخلت على رسول الله وَ ل﴿ وهو يصلي محتبياً محلَّل الأَزرار.
( وَ) أخرج التّرمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل))، والنسائي في ((السنن))؛
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ) - ويقال ابن خلف المحاربيّ ، ويقال : عَبيد ؛ بفتح أوله ،
ويقال عبيدة ؛ بفتح العين وزيادة هاء . وذكره ابن عبد البرِّ : بضمِّ أوله وبالهاء ؛
صحابيٌّ يعدُّ في الكوفيِينَ - (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) له حديث في إسبال الإِزار ، ذكره
في ((الإِصابة)).
( قَالَ : بَيَّا أَنَا أَمْشِي بِالمَدِيْنَةِ ؛ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي ) ، أي : فاجأني كون إِنسان
خلفي بين أزمنة كوني أَمشي في المدينة. فـ(( بين))(١): ظرف للفعل الذي دلَّت
عليه ((إذا)) الَّتي للمفاجأة، وأصلها: ((بين))، فأشبعت فتحتها فتولَّدت الألف ، وقد
تزاد فيها ((ما))، فيقال: بينما . ولا تضاف ((بينا)) و ((بينما)) إلا إلى اثنين فصاعداً ،
(١) هكذا في الأصل !! والصواب : بينا؛ بالألف .
٤٨٠