Indexed OCR Text
Pages 421-440
اَلْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي صِفَةِ قُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْبَطْشِ . وَعَنِ أَبْنِ إِسْحَاقَ ( الْفَصْلُ العَاشِرِ ) ؛ من البابِ الثَّاني ( في ) بيان ما ورد في ( صِفَةِ قُوَّتِهِ ) القوَّةُ: واحدة القوى، مثل غرفة وغرف، وكان تام القوَّة في أعضائه (وَّر)، كما أنَّه تام القوَّة في حقوق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، مراقبٌ لحدوده حافظٌ لها ؛ لا يخاف في الله لومة لائم ، وقد جاءتِ الأخبار الدَّالة على قوَّته البدنيّة . فقد أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) ؛ عن محمد بن الحَنَفَيَّة مرسلاً ، ورواه أبو الشَّيخ من رواية أبي جعفر معضلاً؛ كما قال المناوي ، ما (١) ذكره المُصَنَّفُ في قوله: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ شَدِيدَ البَطْشِ) ؛ أي : القوّة عند الاحتياجِ إلى ذلك ، قد أعطي قوَّةً أربعينَ في البَطْشِ والجِماعِ ؛ كما في خبر الطَّبرانيِّ عن ابن عَمْرو . ولأبي الشَّيخ عن علي: كان من أشَدِّ النَّاسِ بأساً . ومع ذلك فَلَم تَكُنِ الرَّحْمَةُ مَنزُوعَةً عن بَطْشِهِ ، لِتَخَلُقِهِ بأخلاقِ الهِ ، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد ؛ ليس(٢) فيه شيء من الرّحمة واللُّطف . ( وَعَنْ ) محمد ( بْنِ إِسْحَاقَ) بن يَسار المُطَّلبيِّ مولاهم، لأنَّ جده يساراً من سَبْيٍ عينِ التمرِ ، فهو مطَّلبيٍّ بالولاء ، وهو من أهل المدينة المنوّرة ، وكان إماماً في (١) مفعول (أخرج ابن سعد) وما عطف عليه . (٢) جملة ليس وما معها خبر (( ليس)) التي قبلها. ٤٢١ .- وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ شَدِيدُ الْقُؤَّةِ يُحْسِنُ الصِّرَاعَ ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ مِنَ الْبِلاَدِ لِلْمُصَارَعَةِ فَيَصْرَعُهُمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ : (( يَا رُكَانَةٌ؛ أَلاَ تَّقِ اللهَ وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟ )). فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَلْ مِنْ شَاهِدٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِكَ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَكَ إِنْ صَرَعْتُكَ، أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ )). قَالَ: نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ لَهُ: ((تَهَيَّأْ لِلْمُصَارَعَةِ )). فَقَالَ: تَهَيَأْتُ. فَدَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المغازي والسِّير، له كتاب ((السِّيرَةُ النَّبَويَّة)» التي هذَّبَها ورواها عنه ابن هشام ، وله كتاب ((الخلفاء)) وكتاب ((المبتدأ)) وكان من حُفَّاظِ الحديث ، وزار الإسكندرية وسكن بغدادَ فماتَ بها سنة : - ١٥١ - إحدى وخمسين ومائة ؛ رحمه الله تعالى . ( وَ) عَنْ (غَيْرِهِ) في كتاب ((السِّيرَة النََّويَّةِ)): ( أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ) هو رُكانة ( شَدِيْدُ القُوَّةِ يُحْسِنُ الصِّرَاعَ) - بكسر الصاد مصدر ؛ صارع مصارعة وصراعاً - ( وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُوْنَهُ مِنَ الْبِلَادِ لِلمُصَارَعَةِ فَيَصْرَعُهُمْ) - بابُهُ نَفَعَ - ( فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي شِعْبٍ) - بالكسر - الطريق أو في الجَبَل ( مِنْ شِعَابٍ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَهُ رَسُوْلُ اللهِّهِ، فَقَالَ لَهُ: ((يا رُكَانَةُ؛ أَلَا تَتَّقِ اللهَ وَتَقْبَلُ ما أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟))) ، فتؤمِنَ باللهِ ورسولِهِ ، أو كما قال له رسول الله وَله . ( فَقَالَ ) أيُّ : رُكانَةُ (لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ؛ هَلْ ) لَكَ (مِنْ شَاهِدٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِكَ ) فيما تقوله؟ ( فقال: ((أَرَأَيْتَكَ )، أي : أخبرني ( إِنْ صَرَعْتُكَ؛ أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟))) - بهمزة الاستفهام - . ( قَالَ: نَعَمْ يَا مُحمَّدُ ) ، وصريح هذا أن السّائل له في المصارعة المصطفى ◌َّ﴿، وفي رواية البلاذري: أَنَّ السَّائِلَ رُكَانَةُ، فيحتمل أن كلاً منهما توارَدَ مع الآخَر في السُّؤالِ . ( فَقَالَ لَهُ: ((تَهَيَّأُ للْمُصَارَعَةِ)). فَقَالَ: تَهَيَأْتُ. فَدَنَا) مِنْهُ (رَسُوْلُ الله وَلِّم ٤٢٢ فَأَخَذَهُ ، ثُمَّ صَرَعَهُ . قَالَ: فَتَعَجَّبَ رُكَانَةُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ الإِقَالَةَ وَأَلْعَوْدَ ، فَفَعَلَ بِهِ ثَانِياً وَثَالِئاً، فَوَقَفَ رُكَانَهُ مُتَعَجِّباً، وَقَالَ : إِنَّ شَأْنَكَ لَعَجِيبٌ . فَأَخَذَهُ ثُمَّ صَرَعَهُ ، قَالَ : فَتَعَجَّبَ رُكَانَةُ مِنْ ذَلِكَ ) ؛ لأنَّه كان مستحيلاً عنده أنَّ أحداً يصرعُه . ( ثُمَّ سَأَلَهُ الإِقَالَةَ) مِمَّا تَوَافَقًا عليه، وهو الإِيمان إِن صرعه ، ولم تكن الموافَقَةُ بينهما على قطيع من الغنم كما قد يُتَوَهَّمُ ، لأنَّ المعاقَدَةَ على الغَنَم إِنَّما كانت مع ابنه يزيدَ؛ كما في (( الإصابة)). ( والْعَوْدَ) إلى المصارعَةِ ( فَفَعَلَ بِهِ ) ذلك ( ثانِياً وثَالِئاً. فَوَقَفَ رُكَانَةُ مُتَعَجِّباً؛ وَقَالَ: إِنَّ شأْتَكَ لَعَجِيْبٌ)؛ رواه الحاكم في (( المستدرك))؛ عن أبي جعفر عن أبيهِ محمد بْنِ رُكَانَةَ . ورواه أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، من روايةٍ أبي الحسنِ العسقلاني ؛ عن أبي جعفر بن محمد بن رُكانة؛ عن أبيه: أنَّ ركانة صارع النَّبيَّ وَّرِ ... الحديث. وكذا أخرجه البيهقي ؛ من روايةٍ سعيد بن جبير التَّبعي المشهور . قال في (( الإصابة)) : ركانةُ بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المُطَّلِيُّ . روى البلاذري أنَّهُ قَدِمَ مِن سَفَرٍ فَأُخبِر خَبَرَ النَّبِيِّ وَّهِ بِمَّة قبل الإسلام، وكان أشدَّ النَّاسِ، فقال: يا محمَّد ؛ إنْ صَرَغْتَني آمنتُ بِكَ !. فصرعه فقال : أشهد أنَّك ساحر. ثم أسلم بَعْدُ، وأطعمه النَّبِيُّ وَِّ خمسين وَسْقاً، وقيل : لَقِيَهُ في بعض جبالِ مَّة ؛ فقال : يا ابْنَ أخي بلغني عنك شيء ، فإِن صرعتني علمت أنَّك صادقٌ ، فصارعه فصرعه ، وأَسلم رُكَانَةُ في فتح مكَّةَ ، وقيل : عقب مصارعته ، ومات في خلافةِ معاوية . قال الزُّبَير : وقال أبو نُعَيْم : في خلافة عثمان ، وقيل : عاش إلى سنة : - ٤١ - إِحدى وأربعين . انتهى باختصار . ٤٢٣ وَقَدْ صَارَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ غَيْرَ رُكَانَةَ، مِنْهُمْ أَبُو الأَسْوَدِ الْجُمَحِيُّ ، وَكَانَ شَدِيداً ، بَلَغَ مِنْ شِدَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ، وَيَتَجَاذَبُّ أَطْرَافَهُ عَشَرَةٌ لِيَنْزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ ، فَيَتَفَرَّى الْجِلْدُ، وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ عَنْهُ ، فَدَعَا رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَارَعَةِ ، ( وَقَدْ صَارَعَ النَِّيُّ وَّهِ جَمَاعَةً غَيْرَ رُكَانَةَ؛ مِنْهُمْ ) ابنه يزيد بن رُكَانَةَ ؛ قال أبو عمر بن عبد البر: له ولأبيه صحبة ورواية ، روى عنه ابْنَاهُ عليٍّ ، وعبد الرَّحمنِ ، وأبو جعفر البَاقِرِ. وأخرج ابنُ قَانِعٍ من طريقٍ يزيد بن أبي صالحٍ ؛ عن علي بن يزيدَ بن ركانة : أنَّ أباه أخبره أنَّ رسولَ اللهِّهِ دعا رُكانة بأعلى مكَّة؛ فقال: ((يَا رُكَانَةُ، أَسْلِمْ)). فأبى، فقال: ((أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ هُذِهِ الشَّجَرَة - لشجرة قائمة - فَأَجَابَتْنِي ! تُجِيْيُنِي إِلَى الإِسْلاَمِ ؟ )) . قال : نعم . فذكر عن ابن عباس قال : جاء يزيدُ بن ركانة إلى النَّيِّ وَّه ومعه ثلثمائة من الغنم، فقال: يا محمَّد ؛ هل لك أن تصارعني !! قال: (( وَمَا تَجْعَلُ لِي إِنْ صَرَعْتُكَ؟ )). قال : مائةً من الغنم ، فصارعه فصرعه . ثم قال : هل لك في العَوْدِ، قال: (( وَمَا تَجْعَلُ لِي؟)) قال: مائةً أخرى، فصارعه فصرعَهُ، وذكر الثالثة، فقال: يا محمد ؛ ما وَضَعَ جنبي في الأرض أحدٌ قَبْلَكَ ، وما كان أحدٌ أبغضَ إِليَّ منك، وأنا أشْهَدُ أنْ لاَّ إِله إلاَّ الله وأنَّك رسولُ الله . فقامَ عَنْهُ ورد عليه غَنَمَهُ ؛ ذكره في (( الإصابة)) ، قد صارع ركانة وابنه جميعاً . ومنهم ( أَبُو الأَسْوَدِ الْجُمَحِيُّ) - بضمِّ الجيم وفتح الميم ومهملة - ؛ نسبة إلى جُمَحٍ : بَطْنٌّ من قريش ، كما قاله السُّهيليُّ ، ورواه البيهقيُّ . ( وَكَانَ شَدِيْداً، بَلَغَ مِنْ شِدَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ البَقَرَةِ، وَيَتَجَاذَبُ أَطْرَافَهُ عَشَرَةٌ لِيَنْزِعُوْهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَفَزَّىَ الجِلْدُ)؛ أي : ينشَّقُ ويَتَقَطَّعُ ( وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ)، أي: يتحرك، (عَنْهُ، فَدَعَا) هو (رَسُوْلَ اللهِنَّهِ إِلَى الْمُصَارَعَةِ؛ ٤٢٤ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي .. آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْمِنْ . وَأَمَّا قُوَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِمَاعِ : فَقَدْ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ؛ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ . وقَالَ : إِنْ صَرَعْتَنِّيْ آمَنْتُ بِكَ. فَصَرَعُهُ رَسُوْلُ اللّهِوَِّ فَلَمْ يُؤْمِنْ ) ، وفي قِصَّتِهِ طُولٌ . ( وَأَمَّا قُوَّةُ رَسُوْلِ اللهِّهِ عَلَى الجِمَاعِ! فَقَدْ ) أُعطي الحدَّ الكثيرَ الزَّائِد على العادَةِ من أمر الجِماع وقُوَّةِ البَاءَةِ ، وأُعْطِيَ القُدْرَةَ على قُوَّةِ الشَّهْوَةِ بِكَثْرَةِ الجِماعِ . ( قَالَ أَنَسَرُ ) بنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللهِوَّهِ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) فيما رواه اَلْبُخَارِيُّ في ((صحيحه))؛ من طريق هشام ؛ عن قَتَادَةَ بْنِ دعامة ، و(( النَّسائيُّ)) في ((سُنَنَّه)): ( أَنَّهُ كَانَ) رسول الله (وَّهِ يَدُوْرُ عَلَى نِسَائِهِ )؛ أي: يُجَامِعُهُنَّ ( فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ )، المراد بها الزَّمَنُ القَليلُ؛ لا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةِ (مِنَ اللَّيْلِ ) ؛ أي : مرة ( والنَّهارِ ) ؛ أي: تارة، ( وَهُنَّ)؛ أي: مجموعهن (إِحْدَى عَشْرَةَ) - بسكون الشِّين وتكسر - ؛ تِسْعٌ زوجاتُهُ، وماريةُ وريحانةُ سَرِيَّتَاهُ، وتمام الحديث : قال قتادة: قلت لأنس: أَوَ كان يُطيقُه ؟! قال: كنا نتحدَّثُ أنه أعطي قوَّةً ثلاثين . انتهى. ووقع عند الإسماعيليِّ؛ من رواية أبي موسى عن معاذٍ بن هشام: ((أربعينَ )) بدل (( ثلاثين)) ؛ قال الحافظ ابن حجر : وهي شاذَّة من هذا الوجه . وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعِ : بالسَّمَاحِةِ ، والشَّجَاعَةِ ، وكَثْرةِ الجِماعِ، وشِدَّةِ البَطْشِ)) . رواه الطَّبراني في (( الأوسط )). ٤٢٥ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنِيعِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَىْ تِسْعِ نِسْوَةٍ فِي صُحْوَةٍ . وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مَرْفُوعاً: (( أَتَانِي جِبْرِيلُ بِقِدْرٍ فَأَكَلْتُ مِنْهَا ، فَأُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً فِي الْجِمَاعِ)) . ( وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْعِ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وََّ كَانَ يَطُوْفُ عَلَىْ تِسْعِ نِسْوَةٍ فِي ضَحْوَةٍ ) . ( وَ) أَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ في ((طبقاتِهِ)) برجال الصَّحيح لَكِنَّهُ مرسل؛ قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى ؛ عن أسامة بن زيد ؛ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) - بضمِّ السيِّن مصغراً - المدني أبي عبد الله الزُّهري ((مولاهم). تابعيٌّ صغير ثقة مفتٍ ، عابدٌ إمامٌ كبيرٌ ، قدوة ممن يُستشفى بحدِیثه ، وينزل القطر من السَّماءِ بذكره . ويقال: لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة . وأنَّه مات وهو ساجدٌ . ويقال : إن جبهته نُقُبَتْ من كثرة السُّجود ، روى عن ابن عمرَ وغيره ، وعنه مالك وطبقته ، روى له السَِّةُ ، مات سنة : اثنتين وثلاثين ومائة هجرية رحمه الله تعالى . ( مَرْفُوْعاً ) ؛ مرسلاً : ( أَتَانِيْ جِبْرِيْلُ بِقِذْرٍ ) - بكسر فسكون -: إناء يطبخ فيه ؛ مؤنََّة . ( فَأَكَلْتُ مِنْهَا ) ؛ بإذن ، إذ وَضْع الطعام إذنٌّ، وظاهره أنَّها من الجنَّةِ ، ولا مانع أنَّ طعامها يخرج إلى الدُّنيا ، لكنَّه يسلب الخصوصيّة في حقِّ غير نبيّنا ، (فَأُعْطِيْتُ قُوَّةَ) - أي: قدرة - (أَرْبَعَيْنَ رَجُلاً) من رجال أهل الجنّةِ ( فِي الْجِمَاعِ ). قيّد به ! ليدلَّ على أنَّ القوَّة في غيره أَوْلى ، إذ هو محل العجز غالباً ، لا سيما عند الكِبَر، وحديث القِدْرِ هذا صحيحٌ مرسلٌ ، ووصْلُهُ ضعيفٌ ، ولم يعلم ما في القِدْرِ ، وزَعْم أنه هريسة !! لا يصحُّ ، لأنَّ أحاديث الهريسة كلَّها واهية ، بل قال ابن ناصر : إنَّها موضوعة ، وقال غيره: ضعيفة جدّاً، وقال الذَّهبيُّ: واهية . انتهى ((زرقاني)) . ٤٢٦ وَعَنْ طَاؤُوسِ وَمُجَاهِدٍ : ( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ (عَنْ) أبي عبد الرحمن ( طَاؤُسٍ ) - يقرأ بواوين ، قيل: وبهمز - قال الصاغاني: والاختيار أن يكتب ((طاؤُس)) علماً بواو واحدة کـ « داود » . قال ابن مَعِينٍ : لُقِّبَ بذلك! لأَنَّ كان طاوُس القراء . وهو ابنُ كيسانَ اليماني ، همداني من بني حمير (( مولاهم)»، أصْلُه من الفرس ، وأمُّه مولاة لقومٍ من حمير ، وكان مسكنه مدينة الجَنَد - بفتح الجيم ويفتح النون - : بلدة معروفة باليمن ، ويتردّد مع ذلك إلى صنعاء ، وربما أقام بها مدَّةً . وهو من كبار الثَّابعين والعلماء والفضلاء والصَّالحين ، بل هو أحد الأَبدال ، أدرك خمسينَ من الصحابةِ وصحبهم وأخذ عنهم ، وروى عن أبي هريرة ، وابن عبَّاسٍ ، وعائشةَ، وعليّ بن أبي طالب وابن عمرَ ، ومعاذ بن جبلٍ ، وزيد بن ثابتٍ ، وغيرهم رضي الله عنهم . قال الزمخشري : كان خَلْق طاوُس يحكي خَلْق الطاوس . وذكر ابن الجوزي في كتاب ((صَفوةِ الصفوة )): أنَّه صلَّى الصُّبحَ بوضوء العِشاءِ أربعين سنة . روى عنه ابنه عبد الله ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، وعطاء ، وابن المنكدر ، والزهري ، وغيره ممن لا يُحْصَوْنَ كثرةً ، واتفقوا على جلالته وفضيلته ، ووفودِ علمه وصلاحه وحفْظِهِ وتَِّهِ ، وكان معظّماً عند سائر النَّاسِ . وكان كثيرَ الحجِّ إلى بيتِ الله تعالى، يقال: إنَّه حجَّ أربعين حِجَّة ، وكانت وفاته بمكّة يوم الثَّروية ؛ سنة : ستِّ ومائة ، وقد بلغ عمره بضعاً وتسعين سنة رحمه الله تعالى . ( وَ) عن ( مُجَاهِدٍ) مرسلاً، وهو أبو الحجَّاجِ مجاهد بن جبر المكي المخزومي ((مولاهم)) وهو تابعيٌّ إمامٌ؛ متَّفَق على جلالته وإمامَتِهِ . ٤٢٧ أُعْطِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً فِي الْجِمَاعِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : قُوَّةَ بِضْعٍ وَأَرْبَعَيْنَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَةِ . وَعَنْ زَئِدِ بْنِ أَرْقَمَ سمع ابن عمر وابن عباس ، وجابراً وأبا سعيد ، وأبا هريرة ، وغيرهم من الصَّحابة ، ومن التَّابعين طاوُساً وابن أبي ليلى وآخرينَ . روى عنه طاوُس وعكرمةُ ، وعمرو بن دينار ، وأبو الزُّبيرِ ، والأعمش وخلائق لا يُحصَون . واتفقوا على إِمامته وجلالته وتوثيقه ، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث ، ومناقِه كثيرةٌ مشهورَةٌ ، مات وهو ساجدٌ سنة : إحدى ومائة ؛ وعمره ثلاث وثمانون سنة . وقيل غير ذلك ، رحمه الله تعالى ؛ ( أُعْطِيَ نََّ قُوَّةَ أَرْبَعِيْنَ رَجُلاً فِي الجِمَاعِ ) . ولا ينافيه رواية الصَّحيح السَّابقة ((قوَّة ثلاثين)) ، لجواز أنَّهم تحدثوا بذلك قبل بلوغهم الزِّيادة . (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ) أنَّهُ أعطي ( قُوَّةَ بِضْعٍ ) - بكسر الباء - : من الثلاثة إلى التّسعة، ( وأَرْبَعِيْنَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ) . رواها الحارث بن أَبي أُسَامَة . وفي ((الحِلْية)) لأَبي نُعَيْم عن مجاهد : قوَّة أربعين رجلاً، كلّ رجل من رجال أهل الجنّةِ . وروى التِّرمذيُّ: ((إنَّ رِجَالَ أَهْلِ الجنَّةِ ؛ قُوَةُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِقُوَّةٍ سَبْعِينَ رَجُلاً)). وصَحّحَهُ ؛ وروى ((بِقُوَّةِ مائَةِ رَجُلٍ )) . وقال : صحيحٌ غريب ؛ قلت : فعلى هذا كان صابراً عنهن غاية الصَّبر، لكثرة الاشتياق إليهنَّ. انتهى ((شرح الشفاء )) لملاعلي قاري . ( وَ) روى الإِمام أحمد، والنَّسائي، وصحَّحه الحاكم ؛ ( عَنْ ) أبي عمرو : (زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيِّ . غزا مع رسول الله ◌َّهِ سبع عشرة غزوة ، استُصْغِرَ يوم أحدٍ ، وكان يتيماً في ٤٢٨ رَفَعَهُ: ((إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّهِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِثَّةٍ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ » . حجر عبد الله بْنِ رَوَاحَةَ ، وسار معه في غزوة مُؤْتَةً . رُوِيَ له عن رسول الله وَ ﴿ سبعون حديثاً؛ اتفق البخاريُّ، ومسلم على أربعةٍ ، وانفرد البخاريُّ بحديثين ، وانفرد مسلم بستةٍ ، روى عنه أنس بن مالك ، وابن عباس ، وخلائقُ من التابعين . نزل الكوفة وتوفِّي بها سنة : ستٍّ وخمسين . وقيل : ثمانٍ وستين ، رضي الله تعالى عنه (رَفَعَهُ) إلى رسول الله وَّةَ: ( ((إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ لَيُعْطَىْ قُوَّةَ مِائَةٍ ) - في رواية الطَّراني: مائة رجل - ( فِي الأَكْلِ والشُّرْبِ والجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ )) ) عطفُ سَبَبٍ علىْ مُسَبَّبٍ ، لأنَّ الجِمَاعِ يتسبَّب عن الشَّهْوَة . وخَصَّها !! لأنَّ ما عداها راجع إِليها ، إِذ الملبَسُ والمَسْكَنُ من الشَّهوةِ ، ولا يَرِدُ أَنَّ كثرة الأَكل والشُّرب فِي الدُّنيا مُجْمَعٌ عَلَىْ ذَمِّها ، لأنَّه لِمَا ينشأ عنها من فُتور وتوانٍ وتناقُلٍ عن العِبادةِ، ومن أمراضٍ؛ كتُخَمَةٍ وقُولَنْجٍ ، وأهلُ الجَنَةِ مأمونون من ذلك كُلُّه ، إذ كل ما فيها لا يشبه شيئاً ممَّا في الدُّنيا إلاَّ في مجرَّد الاسم، ألا ترى أنَّه زاد في رواية الطَّبرانيِّ في ((الكبير)) برجال ثقاتٍ: ((حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيْضُ مِنْ جِلْدِهِ ، فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ)) !! انتهى ((زرقاني)). خاتمة: قال في ((المواهب)): لَمَّا كان عليه الصَّلاة والسلام ممَّن أُقْدِرَ عَلى القوّة في الجماع ، وأعطي الكثير منه ؛ أبيح له من عدد الحرائر ما لم يُبَحْ لغيره ، وهو الزيادة على أربع . قال ابن عبّاس : تزوَّجوا؛ فإنَّ أَفضل هذه الأمّة أكثرُها نِساءً . رواه البخاريُّ ؛ يشير إِليه وَّه، وقيّد بهذه الأمَّة !! ليخرجَ مثل سُلَيْمَانَ عليه الصلاة والسلام، فإنَّه كان أكْثَر نساءً من المصطفىْ رَّد . قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني : والذي يظهر أن مرادَ ابنِ عبَّاس بالخير: الشَّيِ نَّهِ، وبالأمَّة أَخِصَّاء أَصحابه، وكأنَّه أشار إلى أن ترك التزؤُّج ٤٢٩ مرجوحٌ، إِذْ لو كان راجحاً ما آثر النبيُّ نَّ غيره، وكان - مع كونه أخشى لله تعالى وأعلمَهم به ؛ كما صحَّ في الحديث - يكثر التزوُّج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطّلع عليها الرِّجال؛ وقد جاء عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - من ذلك الكثير الطيِّب ، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة ، بكونه كان لا يجد ما يتمتع به من القوت غالباً ، وإن وجد ؛ فكان يؤثر بأكثره ويصوم كثيراً ويواصل ، والصوم يضعفُ النكاح ، بل هو له وجاءٌ ، ومع ذلك فكان يدور على نِسائه في السّاعة الواحدة ، ولا يطاق ذلك إلاَّ مع قوَّة البدن !! وقوَّةُ البدن تابعةٌ لما يقوم به من استعمال المقوِّيات من مأكول ومشروب ، وهي عنده - عليه الصلاة والسلام - نادرة قليلة جدّاً ؛ أو معدومة أصلاً . وقال بعض العلماء في حكمة زيادته على أربع: لما كان الحُرُّ لفضله على العبد يستبيح من النِّساء أكثر ممَّا يستبيح العبد ؛ وجب أن يكون النَّبِي ◌َّ لفضله على جميع الأمَّة يستبيح من النِّساء أكثر ممَّا تستبيحه الأمَّة ، ولزيادة فضله على جميع الخلق لم يتقيَّد ما أُبيح له بعدد ، ولم يُقصَر ما يباح له على ضعف ما يباح للحرِّ فقط . قالوا : ومن فوائد ذلك زيادةُ التَّكليف في القيام بهنَّ مع تحمُّل أَعباء الرِّسالة ، فيكون ذلك أعظمَ لمشاقِّه وأكثرَ لأَجره . ومنها : أنَّ النّكاح في حقِّه عبادةٌ مطلقاً . ومنها : نقل محاسنه الباطنة ، فقد تزوج عليه الصلاة والسلام أمَّ حبيبة بنت أَبي سفيان ؛ وكان أبوها في ذلك الوقت عدوه ويحاربه ، وتزوَّج صفيّة بنت حيي ؛ وقد قتل أباها وعمّها وزوجها في غزوة خيبر ، فلو لم يطّلعن من بواطن أحواله على أنَّه أكمل خلق الله تعالى ؛ لكانت الطباع البشريّة تقتضي نُفْرتهنَّ عنه ، وميلهن إلى آبائهنَّ وقرابتهِنَّ، فكان في كثرة النِّساءِ عنده بيانٌ لمعجزاته ، ولمعرفة كماله باطناً ، كما عرف منه الرِّجال كمالَه ظاهراً ، وهذه حكم ونكات لا تتزاحم ، بل كلُّ مَن ظهر له شيء منها أبداه. انتهى كلام ((المواهب)) مع شيء من الشَّرح. ٤٣٠ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةٍ لِبَاسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِرَاشِهِ وَسِلاَحِهِ وَفِهِ سِنَّهُ فُصُولٍ ( الْبَابُ الثَّالِثُ فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ لِبَاسٍ رَسُوْلِ اللهِ تَّـ)؛ من قميص وإزار وعمامة وغيرها . ( وَ) في صفة ( فِرَاشِهِ ) - بكسر الفاء - ومنه خاتمه ونعله ، ( وَ) في صفة (سِلاَحِهِ)؛ من سيفٍ أو رمحٍ أو حربةٍ وغيرها ، ( وَفِيْهِ ) أي : هذا الباب ( سِنَّةُ فُصُوْلٍ ) يأتي بيانها . ٤٣١ اَلْفَصْلُ الأَوَّلُ فِي صِفَةٍ لِبَاسِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَعِمَامَةٍ وَنَحْوِهَا (الفَصْلُ الأَوَّلُ ) من الباب الثَّالث (فِي) بيان ما ورد في (صِفَةٍ لِبَاسِهِ وََّ). في ((الصحاح)) وغيره : إنَّ اللِّباس بوزن كتاب: ما يُلبَس، وكذا الملبَسُ بوزن المذْهَب ، واللِّبْسُ بوزن حِمْل ، واللَّبُوْسُ بوزن صَبُور . واللِّباس تعتريه الأحكام الخمسة : فيكون واجباً ؛ كاللِّباس الذي يستُر العورَةَ عن العيون . ومندوباً ؛ كالثَّوب الحسن للعيدين ، والثَّوب الأبيضٍ للجمعة ومحرماً ؛ كالحرير للرجال . ومكروهاً ؛ كلبس الخَلَقِ دائماً للغنيِّ. ومباحاً؛ وهو ما عدا ذلك . وقوله ( مِنْ قَمِيْصٍ ) : هو اسم لما يُلْبَسُ من المَخيطِ الذي له كُمَّانٍ وَجَيْبٌ ، يُلبس تحت الثِّياب ولا يكون من صوفٍ؛ كذا في ((القاموس))، مأخوذ من التَّقمُّصِ ، بمعنى : التَّقُلُّب، لِتَقَلُّبِ الإِنْسان فيه ، وقيل : سمي باسم الجِلْدَةِ الَّتي هي غلاف القلب ، فإنَّ اسمَها القميصُ، ( وإِزَارٍ ) : وهو ما يَستُرُ أسفل البَدَنِ ، ( وَرِدَاءٍ ) : وهو ما يستر أعلاه ، ( وقَلَنْسُوَةٍ ) - بفتح القاف واللَّم وسكون النُّون وضمِّ المهملة وفتح الواو - : غشاءٌ مُبَطَّنٌ يستر الرأسَ ، فهي من ملابِسِ الرَّأس ، كالبرنس الذي تغطى به العِمَامَة من نحو شمس ومطر . قال ابن العربي : القَلَنْسُوَةُ من لِبَاسِ الأَنبياء والصَّالحين السَّالكين ، تصون الرَّأْسَ وتُمَكِّنُ العِمَامَةَ وهي من السُّنَةِ، وحُكمها أنْ تكون لاطية لا مَقْبِية، إلاَّ أنْ ٤٣٢ قَالَ الْقَاضِيْ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي ((الشِّفَا)): يفتقر الرَّجل إِلى أن يحفظ رأسه عمَّا يخرج منه من الأَبْخِرَةِ ؛ فيقبُّها ويثقب فيها ، فيكون ذلك تطبُّباً . انتهى ( مناوي ) . (وَعِمَامَةٍ ): كلُّ ما يُلفُّ على الرَّأس. والعِمَامَةُ سُنة، لا سيَّما للصَّلاة وبقصد التجمُّلِ ، لأخبار كثيرة فيها ؛ جمعها بعضهم في مؤلف سماه ((الدِّعامة)) ، وتحصل السُّنة بكونها على الرَّأس؛ أو على قَلَنْسُوَةٍ، ففي الخبر: (( فَرْقُ مَا بَيْنَا وَبَيْنَ المُشْرِكِيْنَ العَمَائِمُ عَلَى القَلانِسِ » . وأما لبس القَلَنْسُوَةِ وحدها فهو زِيُّ المُشْركين، وما ورد مما يفيد: أنَّهَ وَّل كان يلبس القلنسوة وحدَها !! فلعلَّه حين يكون في البيت . ( وَنَحْوِهَا)، أي : المذكورات کجبّةٍ وبُردٍ . ( قَالَ ) الفقيه الإمام ( القَاضِيْ ) أبو الفضل ( عِيَاضٌ ) - بكسر العين المهملة وفتح المثنَّة ، وبعدها ألفٌ وضادٌ معجمة - ابن موسى بن عياض اليَخْصُبيّ السُّبتيّ الغرناطيّ المالكيّ ، صاحب التَّصانيف الجليلة ، المتبخّر في العلوم النَّقْليَّة والعقليّة ، المتوفّى سنة : - ٥٤٤ - أربع وأربعين وخمسمائة ؛ في جمادى الآخرة بمرَّاكش - وقد تقدمت ترجمته - ( رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي ) كتاب ((الشِّفَا))) الَّذي كلُّه حسنات ، وقد شوهدت بركَتُهُ حتى لا يقع ضرر لمكان كان فيه ، ولا تَغْرقُ سفينةٌ كان فيها ، وإذا قرأه مريضٌ أو قرىء عليه شفاهُ الله تعالى ، وقد جَرَّبَهُ بعضهم وكان ابتُلي بمرض فقرأه فعافاه الله تعالى منه ، وقال في ذلك : أَمْسَىْ بِمَنْ أمْسَى بِهِ مَكْتُوبا مَا بِالكِتَابِ هَوَايَ لكِنَّ الهَوَىُ شَغَفَأَ بِها لشُمُولِهَا المَحْبُوبَا كالدَّارِ يَهْوَى العَاشِقُونَ بِذِكْرِها فَحَوَىْ الشِّفاءَ وأَدْرَكَ المَطْلُوبَا أَرْجُوْ الشِّفاءَ تَفَاؤُلاً بِاسْمِ الشِّفَا لاسِيَّمَا ظَنٌّ يَصِيحُ مُجِيبًا وِقَدْرِ حُسْنِ الظَّنِّ يَنْتُفِعُ الفَتَّى وقد ذكر القاضي عياض الكلام الآتي في (( الشفاء)) أثناء الضَّرب الثَّالث مما ٤٣٣ ( أَنْظُرْ سِيرَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلُقَهُ فِي الْمَالِ .. تَجِدْهُ قَدْ أُوِيَ خَزَائِنَ الأَرْضِ وَمَفَاتِيحَ الْبِلاَدِ، وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ؛ وَلَمْ تَحِلَّ تدعو إليه ضرورة الحياة قائلاً: ( أَنْظُرْ سِيْرَةَ نِبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وٍَّ ) ؛ أي: طريقَتَهُ وهَذْيَهُ ( وخُلُقَهُ) - بضمَّتين أو ضمٍّ فسكون - أي: سجيتُهُ الشريفة، ( فِي أَلمَالِ ) ؛ أي : في حَقِّ أخذه وعَطائِهِ ، وامتناعِهِ عن التلُّس بوجوده وبقائه ، (تَجِدْهُ) - بالجزم ؛ أي : تعلمه - ( قَدْ أُوْتِيَ خَزَائِنَ الأَرْضِ ) ؛ أي : عُرضت عليه ( وَمَفَاتِيْحَ الْبِلاَدِ ) ؛ أي: أُعْطِيتْ له، كما ورد في الحديث الصحيح في ((مسلم)): (( بَيّنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيْتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ ؛ فُضِعَتْ في يدي )) . وَفي كتاب ((الوفا))؛ عن جابرٍ رضي الله تعالى عنه مسنداً قال : سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((أُتِيتُ بِمَقَالِيدِ الدُّنْيَا عَلَى فَرَسِ أَبْلَقَ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ مِنْ سُنْدُسٍ)) وإليه أشَارَ الصَّرصريّ رحمه الله تعالى بقوله : بُعِثَتْ مَقَالِيدُ الكُنُوزِ جَمِيْعُهَا تُهْدَىْ إِلَيْهِ عَلَىْ سَراةِ حِصَانِ فَلَهُ اسْتَقَامَ الزُّهدُ عَنْ إِمْكَانٍ جُعِلَتْ عَلَيْهِ قَطِيْفَةٌ مِنْ سُنْدُسٍ ومثله ثابتٌ من طرق عديدة ، وهذا يدل على أنَّ الله تعالى أعطاه ذلك حقيقةً . وخزائنُ الأرض : دَفَائِنُهَا وَمَعَادِنُهَا، بأَنْ يطلعَهُ الله تعالى عليها ، ويجعل الملائكة المؤكَّلين بها طوع يده . فإنَّ السُّلطان خزيْنَتُهُ بيد خازنها حاضر مطيع لديه ، فهذا معنى كونها في يده عرفاً . وأمَّا المفاتيح !! فإنْ كانت بمعنى الخَزَائن ؛ فكذلك، وإن كانت جمع مفتاح بمعنى آلةِ الفَتْحِ !! فإعطاؤها إرسالها ؛ كما هو ظاهر الحديث السَّابق . وقيل : إنَّه كنايةٌ عن فتح البلادِ عليه وعلىْ أُمَّتِهِ بَعْدَه ، وَجِبَايةِ أموالِها إِليهم ، واستخراجٍ كنوزها لديهم ، وتلويحٌ بالتوصُّل إِليها كما يُتَوَصَّلُ بالمفاتيح إلى ما أغلق عليه من أبوابها . انتهى شرح ((الشِّفا)) للخفاجيّ والقاري . ( وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ)؛ لزيادة الفضيلة، (وَلَمْ تَحِلَّ) بصيغة المجهول ٤٣٤ لِنَبِّ قَبْلَهُ، وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلاَهُ الْحِجَازِ وَأَلْيَمَنُّ وَجَمِيعُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ المناسب لـ ((أحلت))، أو بفتح أوَّله وكسر ثانيه؛ أي: والحال أنَّها لم تُبَح ( لِنَبِيِّ قَبْلَهُ) ، إذ جاء في الآثار أنَّهم كانوا يجمعونَ الغنائمَ فتأتي نار من السَّماء فتأكلها ، وفي حديث مسلم : ((لَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا ، وَذَلِكَ لأنَّ الله تعالىْ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيِّبَهَا لَنَا )). والغنيمة : ما يؤخذ من الكفّار ، وكذا الفيء . وفَرَّقَ الفقهاء بينهما ؛ بأنَّ الفيء : ما يَحْصُلُ بلا قتالٍ ولا إِيجافِ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ، والغَنيمةُ : مَا حَصَل بقتالٍ . وقد يستعمل كلٌّ منهما لما يعمُّ الآخر كما فيما نحن فيه ( وَفُتِحَ عَلَيْهِ فِي حَيَّاتِهِ وَّرَ بِلادُ الحِجَازِ)، وهي مكةُ ، والمدينةُ، والطائفُ، واليمامةُ، وخيبرُ وقراها ، وطرقها الممتدَّةُ بينها . وقيل : غيرُ ذلك ، وقيل : المدينةُ نِصْفُها حجازيٌ ونصفُها تهاميٌّ ، والحجاز بمعنى الحاجز . وسُمِّتْ هذهِ البلادُ بالحجازِ !! لأَنَّها تحجز بينَ نَجْدٍ وَتهامَة ، أَو بين اليمنِ والشَّامِ . وقيل غير ذلك . ( وَالِيَمَنُّ) - بالرفع والجر - وسُمِّي به !! لِكَوْنه عن يمين الكَعْبة لمن وقف بالباب ووجهه لخارج ، وهو المعتبرُ لكونه بمنزلة المِنبر . ( وَجَمِيْعُ جَزِيْرَةٍ) - فعيلة - من جَزْر الماء ؛ وهو انكشافه ورجوعه ، ضِدُّ المَدِّ . وجزيرة ( العَرَبِ ) : ما بين أقصىُ عدن إلى ريفِ العراقِ طولاً ، ومِنْ جُدَّةً وما والاها ومن ساحل البحر إلى أَطراف الشَّامِ عرضاً ؛ عند الأصمعي . وقال أبو عبيدة من حفر أبي موسى الأشعريّ إلى أقصى اليمنِ طُولاً، ومن رملٍ قبرس إلى مُنقطع السَّماوة عرضاً . وسميتْ جزيرة !! لأنَّ بحر فارس وبحر الحبشة ودجلة والفرات أحاطت بها ، وقال مالك : جزيرة العرب الحجازُ واليمنُ واليمامة ، وما لم يبلغه ملك فارس والروم . وقيل : جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن ، ولعل هذا معنى قول مالك . ٤٣٥ وَمَا دَانَى ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَجُلِبَ إِلَيْهِ مِنْ أَخْمَاسِهَا وَجِزْيَتِهَا وَصَدَقَاتِهَا مَا لاَ يُجْبَى لِلْمُلُوكِ إِلَّ بَعْضُهُ، وَهَادَنَهُ ( وَمَا دَانِى ذَلِكَ) ؛ أي : ما قارب بلادَ الحجاز وجزيرةَ العرب ( مِنَ الشَّامِ ) - بالهمز السَّاكن وإبداله ألفاً ، ويقال بفتح الشِّينِ والمدِّ ؛ على وزن فعال ، وهو يذكَّر ويؤنَّثُ . والمشهور أنَّ حد الشَّام مِنَ العريش إِلى الفُراتِ طُولاً، وقيلَ : إِلى نابلس . وعرضاً من جبل طيّ من نحو القِبْلَةِ إِلى بحر الرُّوم وَمَا سامتَ ذلك من البلاد ، وقد دخله النَّبِي وََّ، إلاَّ أنَّه لم يدخل دمشق، بل بلغ إلى بُصرى ( مدينة حوران ) . قال ابن عساكر في ((تاريخه)): دخل الشَّام عشرةُ آلافِ عينٍ رأتْ رسول · 醬动 ( وَالعِرَاقِ ) ؛ أي : عراق العرب، وهو إقليم معروفٌ، وفيه مدنٌ عظيمةٌ وقرىّ، وطوله من تكريتَ إِلى عَبَّادان وهي قرية ، ولذا قيل في المثل (( ما وراء عبَّادان قرية))؛ وعرضه من القادِسِيَّة إلى حلوان، ودجلة حدُّه: جانبها الأيمن للعراق ؛ واليسار لفارس . ويدخل في حدود العراق البصرة والكوفة . أمَّا عراق العجم ! فهو إقليم خراسانَ . ولفظ ((العراق)) عربي ، وقيل : فارسي معرب، وقيل : سُمِّي عراقاً لكثرة عروق أشجارهِ ، ( وَجُلِبَ )، أي: جِيء، وفي بعض نسخ (( الشِّفاء)): وجُبِيَتْ ( إِلَيْهِ مِنْ أَخْمَاسِهَا) في الغنيمةِ ، ( وَجِزْيَتِهَا ) مِنْ أَهلِ الذِّمَّة ، (وَصَدَقَاتِهَا ) من أغنياء الأمَّة ( مَا لاَ يُجْبَى)، أي: ما لا يؤتى به ( لِلْمُلُوكِ إِلَّ بَعْضُهُ) ، أي : لكثرته مع زيادة بركته ، روي: أن أعظم مالٍ أُتَيَ به إلى النَّبِي ◌َّهِ من مال الجزية ما قَدِمَ عليه من البحرين ، وقدرُهُ مائةُ ألفِ درهمٍ وثمانونَ ألف درهم . (وَهَادَنَهُ)، أي: صالحه، - وفي نسخة صحيحة من ((الشفاء)): وهادَتْه ٤٣٦ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الأَقَالِيمِ - بالتاء الفوقيّة - بمعنى: أهدت إليه ◌َِّ ـ (جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوْكِ الأَقَالِيْم ) هدايا فقبلَها منهم ، والأقاليم جمع إقليم كقِنْديل ، وذلك لأن المتقدمين قسموا الأرض سبعة أقسامٍ ، سمَّوا كل قسم منها إقليماً ، كما يعلم من فن مساحة الأرض المسمَّى جغرافياً ، وحد كل إقليم وما فيه من البلدان مفصّلٌ في كتب الهيئة والمساحة . وقيل : أراد بالأقاليم النَّواحي والبلدان ، وإنْ كانت من إقليم واحد أو إقليمين من السَّبعة بطريق المجاز ، وهو بهذا المعنى مستعملٌ أيضاً ، كما يقال : أقاليم مصر فسمَّوا كلَّ ناحية إِقليماً . والهديّة : ما يُبعث بلا عوضٍ إلى المُهدَى إِليه إكراماً . وممن هاداه - رَ﴾ - المقوقسُ ملكُ القِبْطِ ، أهدى له جاريتين وكسْوة وبغلة بيضاء وهي دُلْدُل . وهاداه فروة بن عَمرو الجُذَاميّ ((عامل قيصر)) ، بعدما تبرع بِالإِسلام ، وأهدى له بغلةً بيضاءَ تسمَّى فضة ، وفرساً وأثواباً وقَبَاءً مِنْ سُنْدُسٍ ، ولما بلغ ذلك قيصر حبَسَهُ مَّةٍ طويلةً ، ثم أرسل يقول له : ارجع لدينك أطلقك وأعيدُ لك مُلْكَكَ. فَأَبِىُ ؛ وقال: لا أفارق دينه، وإِنَّك لتعلم أنَّه حقٌّ، ولكن ضَنَنْتَ بِمُلْكِكَ ، فقال: صدق والإِنجيل . ومنهم أكيدر دومة ؛ كما في (( البخاري )) . وأما هدايا غير الملوك التي كانت تَصِلُ مع الوفودِ ! فكثيرةٌ لا تحصى كما يُعلم من السِّير ، وأهدى له الرُّهبانُ أيضاً كراهبٍ نجرانَ . ولا منافاة بين قَبُولِهِ هديَّة مَن لم يُسْلِمْ مِنْهُمْ كالمقوقس ، وردِّه بعض هدايا المشركين؛ وقوله : ((إنا لا نقبل زيد المشركين)) - أي عَطِيَّتَهُمْ !! لأنه كان يقبل الهديَّةَ ممَّن يرجو إسلامَهُ استئلافا له ؛ لما فيه من المصلحة للمسلمين ، ويردُّ هديّة غيره . ٤٣٧ فَمَا أَسْتَأْثَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلاَ أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَماً، بَلْ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، وَأَغْنَى بِهِ غَيْرَهُ، وَقَوَّى بِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيْ أُحُدَاً ذَهَبأَ بَبِيتُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّ دِينَاراً أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ)) . ثمَّ إنَّ قَبَول النَّبِيِ وَ الهديّة مِن خصائصهِ، لانتفاء الثُّهمة في حقِّه ◌ََِّ، ولا يجوز لغيره من الحكّام . ( فَمَا أَسْتَأْثَرَ ) ؛ أي: ما انفرد وما استبدَّ وما اختصَّ ( بِشَيْءٍ مِنْهُ) دون أصحابه ، لرؤيته أنَّه أحقُّ به كما يفعله الملوك فيما يليق بها . ( وَلاَ أَمْسَكَ مِنْهُ دِرْهَماً ) ؛ أي : لم يُبْقِ لنفسه منه شيئاً ، ولم يجعله عنده أو في يده . ( بَلْ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ ) ؛ أي : أنفقه في مواضعه من أنواع الخير وأصناف البِرِّ ( وَأَغْنَى بِهِ غَيْرَهُ) من الجند والمؤلّفة قلوبهم ، لغناهُ بربِّه واستغنائِهِ بقلبه ، ( وَقَوَّى بِهِ المُسْلِمِينَ ) بصرفه في مهمَّاتهم وقضاء حاجاتهم ، وفيما ينصرهم على أعدائهم ، ودفع بلائهم ، وكان يعطي عطاءَ مَن لا يخاف الفقر . ( وَقَالَ)؛ أي: النَّبِيُّ ◌َّ في حديث صحيح رواه البخاري ، ومسلم ، مسنداً ؛ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - : ( ((مَا يَسُرُّني ) - أي: لم يجعلني في سرور وفرحٍ - ( أَنَّ لِي أُحُداً ذَهَباً ) ، أي : مثل أحد أو نفس أحد يكون ملكاً لي وهو ذهب حقيقةً. وقوله ((ذَهَباً))! تمييز، أي: من ذهب، و((أُحُد)): - بضمَّتين وقد تسَكَّن حاؤه - : اسم جبل معروفٍ قريبٍ مِنَ المدينةِ المنوّرة . سُمِّي به !! لتوخُّده وانقطاعه عمَّ هناكَ مِنَ الحِبَالِ، وقالِنَِّ فيه: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ )) . ( يَبِيْتُ عِنْدِي مِنْهُ) ؛ أي : من مقدار أحد ذهباً ، ( دِينارٌ إِلاَّ دِيْنَاراً) - بالنَّصب على الاستثناء ، وبالرّفع على البدل: روايتان - ( أَرْصُدُهُ) - بفتح الهمزة وضمِّ الصَّاد ، من الرصد ، ويجوز ضمُّ الهمزة وكسر الصَّاد المهملة ؛ من الإِرصاد - أي : أحفظه منتظراً (ل)،قضاء ( دَيْنِي) - بفتح الدَّال المهملة وسكونِ المثنّة التحتيّة ٤٣٨ وَأَتَتْهُ دَنَانِرُ مَرَّةً ، فَقَسَمَهَا، وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، فَدَفَعَهَا لِبَعْضٍ نِسَائِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ نَوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَمَهَا، وَقَالَ : ((الآنَ أَسْتَرَحْتُ)). وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي نَفَقَةِ عِيَالِهِ ، والنُّون ، وإرصادُه للدَّين !! إمَّا لأنَّ صاحبَه غائبٌ، أو لأنَّه لم يَحِلَّ أجلُهُ . وفيه دليل على جواز الاستقراض ، وأَنَّه لا ينبغي أن يكون المرء مستغرقاً في الدين حتى لا يجد له وفاءً . (وَأَتَتْهُ دَنَانِرُ مَرَّةً) وهي كثيرة ( فَقَسَمَهَا ) ، أي: على من استحقَّها ، ( وَبَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ) ؛ أي: قليلة يسيرة، - وفي نسخة من ((الشِّفا)): ((سِتَّةٌ)) - ( فَدَفَعَهَا لِبَعْضِ نِسَائِهِ ) نظراً إلى حدوث حاجة لهنَّ إليها - وفي رواية: ((فَرَفَعَهَا بَعْضُ نِسَائِهِ » - بالراء - وهو إمَّا بأمره ، وإما على عادة النِّساء في حفظ المال لأمر المعاش وغيره . ( فَلَمْ يَأْخُذْهُ نُوْمٌ حَتَّى قَامَ وَقَسَمَهَا ) ؛ اتكالاً على كرم ربِّه عند الاحتياج إليها ، (وَقَالَ: ((الآنَ أَسْتَرَحْتُ))) أي: حصل الرَّاحة لقلبي المعتمد على رزق ربِّي. وفيه دلالة واضحة على ما كان عليه من التقلّل من الدُّنيا ، وملازمة الفاقة في أيَّام حياتِه إلى أوان مماته ، كما يدل عليه ما بعده ، وإنَّما لم يأخذه النَّوم حتى قسمها !! لخوفه أن يَفْجَأَهُ الأجل قبل تفريقها، فانظر هذا مع أنه غُفِرَ له وَّ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر بعدما عصمه الله تعالى ، انظره مع أشقياء هذا الزَّمان ، وصرفهم بيت المال في هوى أنفسهم، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون. انتهى ((شرح الشهاب الخفاجي)). ( وَمَاتَ وَدِرْعُهُ) - مُؤَنَّة - وهي الزردته ( مَرْهُونَةٌ ) ، أي : عند يهوديٍّ وهو أبو الشَّحم . قال ابن الجوزي: إنَّ الَّتي رهنها وجَّهِ هي ((ذات الفُضول )) ( فِي نَفَقَّةِ عِيَالِهِ ) ، جمع عَيْلٍ ، وهو : من تلزمه نفقتُهُ ، وكانت مرهونةً إلى سنةٍ في ثلاثين صاعاً من شعير على ما في ((البخاريّ)) و((الترمذي)) و((النَّسائي))، وفي ((البزَّار)): أربعين. وفي ((مصنف عبد الرزاق)): وسق شعير وهو ستُّون صاعاً. ويمكن الجمع بتعدُّد الواقعةِ . ٤٣٩ وَأَقْتَصَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ عَلَى مَا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ ضَرُورَتُهُ ، وَزَهِدَ فِيمَا سِوَاهُ . فَكَانَ يَلْبَسُ مَا وَجَدَهُ ، فَيَلْبَسُ فِي الْغَالِبِ الشَّمْلَةَ ، ومنه عُلِمَ جَوازُ معاملةِ الكُفَّار ؛ مع أن كسبهم لا يخلو من خبث ، وجواز الرَّهن على الثمنِ المؤجَّلِ ، وقِيلَ : إنَّ افْتَكها قَبْلَ وفاتِه ، لكن الأَصحَّ خلافُه ، الصريح حديث ابن عباس: تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٌّ . ولا ينافي ذلك خبر: ((نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)) !! لأنه محمول على غير الأنبياء . وكان له ◌ِمَ﴿ عدَّة أذْراع: ((ذَاتُ الفُضُولِ)). سميت بها ! لطولها، أهداها له سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه لمَّا خرج رسول اللهِوَّهِ لبدرٍ، وذَاتُ الحَوَاشِي، ودِرْعَانِ أصابهما من بني قَيْنُقَاعَ ((السَّعديَّة)) و((فضَّة)) ، ويقال: إنَّ السَّعديةَ كانت درع داودَ عليه الصلاة والسلام التي لَبِسَها لِقَتَالِ جَالوتَ، و((البتر))، و(( الحريق )) . فهذه سَبْعٌ . ( وَأَقْتَصَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ ) - بفتح الكاف وكسرها - أي : من أجلها أو في حقِّها ( عَلَى مَا تَدْعُوْهُ إِلَيْهِ ضَرُورَتُهُ ) ، أي : على مقدار قليل لا بدَّ له منه ، ممَّا تقتضيه الحاجة الضَّروریة إِلَيْهِ . ( وَزَهِدَ) - بِكَسْرِ الهاء بصيغة الماضي، معطوف على (( اقتصر)) أي: لم يرغب ( فِيمَا سِوَاهُ) ، أي : ما سوى مقدار الضَّرورة . ( فَكَانَ يَلْبَسُ ) - بفتح الياء المثنّة وفتح الباء الموخَّدة - ( مَا وَجَدَهُ) حاضراً عنده بلا تكلُّفٍ، ( فَلْبَسُ فِي الغَالِبِ الشَّمْلَةَ) - بفتح المعجمة وسكون الميم - وما يُشتمل به من الأكسيّةِ الَّتي يُلتحفُ بِهَا كما في ((الفتح)). وقيل: يختصُّ بِمَا لَهُ هُدبٌ . وقال ابن دريد : كساء يُؤْتَزَرُ بِهِ وهي البُردَةُ ، وتَسْوِيَةُ العوامِّ ما يلفتُّ على الرَّأس ((شملةٌ )) اصطلاحٌ حادث . ٤٤٠