Indexed OCR Text

Pages 221-240

وَاسِعَ الْجَبِينِ ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ ؛ سَوَابِغَ فِي غَيْرٍ قَرَنٍ ،
( وَاسِعَ الجَبِيْنِ ) ؛ أي: ممتدَّ الجبين طولاً وعرضاً، وسَعَة الجبين محمودةٌ
عند كلِّ ذي ذوق سليم، والجبين - كما في ((الصحاح )) - فوقَ الصُّدغ ؛ وهو :
ما اكتنفَ الجبهة من يمين وشمال ، فهما جبينان ، فتكون الجبهةُ بين جبينين ،
وبذلك تعلم أن ((أل)) في (( الجبين )) للجنس ، فيصدق بالجبينين كما هو المراد .
( أَزَجَّ الخَوَاجِبِ ) بمعنى مقوَّس الحاجبين مع وفور الشعر وطوله في طرفه
وامتداده ، أو دقيقهما مع طول ، لأن الزَّجَج - بزاي وجيمين محرَّكة - : استقواس
الحاجبين مع طول ؛ كما في ((القاموس)). أو دِقَّة الحاجبين مع سبوغهما إلى مؤخّر
العين؛ كما في (( الفائق)).
وإنَّما قيل: ((أزج الحواجب))؛ دون ((مزجَّج الحواجب)) !! لأنَ الزجج
خِلْقة والتزجيج صَنعة ؛ والخلقة أَشرف . وعليه قوله :
وَمِقْلَةً وَحَاجِباً مُزَجَّجَا
وقوله :
وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَأَلعُيُونَا
أي : صَنعن ذلك بدليل عطف العيون عليه .
والحواجب : جمع حاجب ؛ وهو : ما فوق العين بلحمه وشعره ، وهو صفة
غالبة . أو هو الشعر الذي على العظم وحده ، وسُمِّي به لمنعه الشمس عن العين ،
ووضع الحواجب موضع الحاجبين !! لأن التثنية جمع ؛ أو للمبالغة في امتدادهما
حتَّى صارا كالحواجب .
( سَوَابِغَ) - بالسين والصاد والسين أفصح - جمع سابغة ؛ أي : كوامل ، وهو
حال من الحواجب ، لأنه في المعنى فاعلٌ ؛ أي : دقّت وتقوَّست حال كونها سوابغ
- أي - كاملات . والأظهر أنَّ منصوب على المدح ( فِي غَيْرِ قَرَنٍ ) - بالتحريك ؛
مصدر قولك : رجل أقرنُ - أي : مقرون الحاجبين . وهو مكمل للوصف
٢٢١

بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ ،
المذكور ، والمراد أنَّ حاجبيه قد سبغا حتَّى كادا يلتقيان ولم يلتقيا .
والقَرَن غير محمود عند العرب ويستحبون البَلَج ، وهو الصحيح في
صفته وَ ﴿، بخلاف ما روته أُمّ معبد حيث قالت في صفته: أَزَجُ أَقْرَنُ .
ويمكن أن يُجمع بينهما على تقدير صحَّة رواياتها : بأن يقال : كان بين حاجبيه
فُرجة دقيقة لا تتبين إلاَّ للمتأمل ، فهو غيرُ أقرن في الواقع ؛ وإن كان أقرنَ بحسب
الظاهر، فكأنه جَمع من لطافة العرب وظَرافة العجم وَّر .
وفي بعض الروايات ((في غير قرن)). ففي بمعنى ((من))، و(( غير)) بمعنى
(( لا))، أي : بلا قرن ، وهو حال أيضاً من الحواجب على الترادف ؛ أو التداخل ،
والتداخل هو الأحسن .
( بَيْنَهُمَا ) ؛ أي : الحاجبين ، وفيه تنبيهٌ على أن الحواجب في معنى
الحاجبين .
( عِزْقٌ ) أجوف يكون فيه الدم - وهو بكسر العين - والعَصَب غير أجوف . وهذا
حال من الحواجب . وتَركُ الواو في الجملة الاسمية جائز .
( يُدِرُّهُ الْغَضَبُ ) ؛ من الإِدرار - على الرواية الصحيحة - أي : بين الحاجبين
عِرق يصيِّره الغضب ممتلئاً دماً ؛ كما يصير الضرع ممتلئاً لبناً . وفي ذلك دليل على
كمال قوَّته الغضبية التي عليها مدارُ حماية الديار وقمع الأشرار . والجملةُ صفة
((عرق)).
( أَقْنَى ) - بقاف فنون مخففة - أي : طويل الأنف . يقال رجل أقنى وامرأة
قنواء . ( العِرْنِيْنِ ) - بكسر العين المهملة وسكون الراء وكسر النون الأولى - قيل:
هو ما صلُب من الأنف . وقيل : الأنف كله ، وهو المناسب هنا . والمراد أنَّه طويل
الأنف مع دقَّة أرنبته ، ومع حدب في وسطه ، فلم يكن طوله مع استواء ، بل كان في
وسطه بعض ارتفاع ، وهو وصف مدح .
٢٢٢

لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ، يَحْسِبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَقَلْهُ أَشَمَّ ، کَثَّ اللَّحْيَةِ، سَهْلَ
اُلْخَدَّيْنِ ، ضَلِيعَ الْفَمِ ،
( لَهُ نُوْرٌ يَعْلُوْهُ ) الظاهر أنَّ الضميرين راجعان إلى العِزْنِين ، لأن ما بعده من
تتمات صفات الأنف، ويحتمل أنَّه عائد للنبي وَّر؛ لأنَّه الأصل ، وكذا الضمير في
قوله بعده (« يحسبه مَن لم يتأمَّلهُ أشمّ » .
والنور : قال السعد التفتازاني : أَجود تعريفاته : كيفيةٌ تدركها الباصرة أولاً ،
وبواسطتها تدرك سائر المبصرات .
( يَحْسِبُهُ) - بكسر السين وفتحها - أي: يظن النبي ◌َِّ (مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ): يمعن
النظر فيه . والتأمّل إعادة النظر في الشيء مرَّة بعد أخرى حتى يعرفَه ويتحقَّقه .
( أَشَمَّ) مفعول ثان لـ (( يحسبه )) .
والشَّمَم - بفتحتين - : ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها ، ومع إشراف
الأرنبة قليلاً. وحاصل المعنى: أنَّ الرائيَ له بَّهِ يظنُّهُ أشمَّ لحسن قناه ولنور علاه ،
ولو أمعن النظر لحَكَم بأنه غيرُ أشمّ .
( كَثَّ) - بتشديد المثلثة، وفي رواية . كثيف ــ ( اللِّحْيَةِ ) ، وفي أخرى :
عظيم اللحية، وعلى كلِّ؛ فالمعنى أنَّ لحيَّتَه ◌َله كانت عظيمةً غليظة .
واللِّحية - بكسر اللام على الأفصح -: الشّعر النابت على الذَّقَن ، وهو مجتمع
اللحيين ( سَهْلَ الخَذَّيْنِ ) غير مرتفع الوجنتين ، وهو بمعنى خبرِ البزار والبيهقي
( كان أسيل الخدين ) ، وذلك أعلى وأغلى وأحلى عند العرب .
( ضَلِيْعَ الفَمِ ) - بضاد معجمة مفتوحة - : عظيمهُ . وقيل : واسعهُ .
والعرب تتمدح بسَعَة الفم وتذُ بضيقه ، لأنَّ سعته دليلٌ على الفصاحة .
قال الزمخشري : والضليعُ في الأصل الذي عظُمت أضلاعه ووفرت ؛ فأجفر
جنباه ، ثم استعمل في موضع العِظَم ؛ وإن لم يكن ثَمَّ أضلاع . انتهى .
ومَن فسر ضليعه بعظيم الأسنان !! ففي كلامه نظر من وجهين :
٢٢٣

أَشْنَبَ، مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ ، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ، كَأَنَّ عُنُقُهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي
صَفَاءِ الْفِضَّةِ ،
الأول : أنَّ إضافته إلى الفم تمنع منه ، لأنها تقتضي أنَّ المرادَ عظيم الفم ؛
لا عظيم الأسنان .
والثاني : أن المقام مقام مدح ، وليس عظمُ الأسنان بمدح ؛ بخلاف عظم
الفم .
( أَشْتَبَ ) - بشين معجمة ونون بعدها موحدة - أي : أبيض الأسنان مع بريق
وتحديد فيها ( مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ ) ؛ بصيغة اسم المفعول من التفليج - بالفاء والجيم -
أي : منفرجها، وهو خلاف متراصِّ الأسنان . والفَلَج : انفراج ما بين الثنايا . وفي
((القاموس)): مفلَّج الثنايا: منفرجها. وظاهره اختصاصُ الفَلَج بالثنايا.
ويؤيده : إضافته إلى الثَّنِيَّتين في خبر ابن عبّاس الآتي ، وما قاله العصام من
(( أَنَّه يَحتمل أنَّ المرادَ الانفراجُ مطلقاً)) !! يردُّه أن المقام مقامُ مدح ، وقد صرح
جمع من شُرَّاح ((الشفاء)) وغيرهم بأن انفراج جميع الأسنان عيبٌ عند العرب :
والألصُّ ضد المفلج فهو متقارب الثنايا . والفلج ، أبلغ في الفصاحة ، لأنَّ اللسان
يتّسع فيها .
( دَقِيْقَ) - بالدال، وفي رواية: بالراء - ( المَسْرُبَّةِ ) - بفتح الميم وسكون
السين المهملة وضمِّ الراء - : الشعر المستدِقُّ ما بين اللَّة إلى السُّرة ، ووصفها
بالدقَّة للمبالغة .
( كَأَنَّ) - بتشديد النون - ( عُنْقَهُ) - بضمَّتين ويسكَّن - (جِيْدُ دُمْيَةٍ ) ؛ أي :
كأن عنقَه الشريف عنقُ صورة متَّخذة من عاج ونحوه ( فِي صَفَاءِ الفِضَّةِ ) فالجِيد
- بكسر الجيم وسكون المثناة التحتية - : العُنق ، والدُّمية - بضم الدال المهملة
وسكون الميم بعدها مثناة تحتية - : الصورة المتَّخذة من عاج ونحوه .
فشبّه عنقَه الشريف بعنق الدُّمية في الاستواء والاعتدال ؛ وحسن الهيئة
والكمال؛ والإشراق والجمال، لا في لون البياض، بدليل قوله (( في صفاء
٢٢٤

مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ .
بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ ،
الفضة)) !! لبُعد ما بين لون العاج ولون الفضة من التفاوت .
وقد بُحث فيه بأن في أنواع المعادن ما هو أحسنُ نضارة من العاج ونحوه ،
كالبلور ، فِلِمَ آثر العاج ؟ وأجيب بأن هذه الصورة قد تكون مألوفةً عندهم ؛ دون
غيرها ، لأن مصورها يبالغ في تحسينها ما أمكنه .
( مُعْتَدِلَ الخَلْقِ ) - بفتح الخاء المعجمة - : أي : معتدل الصورة الظاهرة
بمعنى أن أعضاءه متناسبةٌ غيرُ متنافرة . وهذا الكلامُ إجمال بعد تفصيل بالنسبة لما
قبله ، وإجمال قبل التفصيل بالنسبة لما بعده . وهذه الفقرة بالنصب والرفع ،
والنصبُ أظهر .
( بَادِنٌ ) أي : سمين سِمَناً معتدلاً ، بدليل قوله فيما تقدم (( لم يكن
بالمطهَّم » .
فالحقُّ أنَّه لم يكن سميناً جدّاً ؛ ولا نحيفاً .
وفي ((جمع الوسائل)): قال الحفني: قوله ((بادن)) روايتنا إلى هنا بالنصب ،
ومن هنا إلى آخر الحديث بالرفع . ويحتمل - كما قيل - أن يكون قولُه (( بادنَ))
منصوباً كما يقتضيه السياق ، ويكتفى بحركة النصب عن الألف كما هو رسم
المتقدمين . ويؤيده ما وقع في ((جامع الأصول)): بادناً - بالألف - وكذا في
((الفائق))، وكذا في (( الشفاء)) للقاضي عياض .
ولما كانت البدانة قد تكون من الأعضاء ؛ وقد تكون من كثرة اللحم والسِمَن
المفرط المستوجب الرخاوة البدن وهو مذموم ؛ أردفه بما ينفي ذلك فقال :
( مُتَمَاسِكٌ) يمسك بعض أجزائِه بعضاً من غير تَرَجْرُج ، وقيل : معناه ليس
بمسترخي البدن ، حتَّى أنه في السنِّ الذي شأنه استرخاء البدن كان كالشاب . ولذلك
قال الغزالي : لحمُه متماسك يكادُ يكون على الخَلق الأول فلم يضرَّه السنُّ .
٢٢٥

سَوَاءٌ الْبَطْنُ وَالصَّدْرُ ، عَرِيضُ الصَّدْرِ ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ اَلْمَنْكِبَيْنِ ،
ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ ...
( سَوَاءٌ) - بفتح السين والواو والألف - ( البَطْنُ وَالصَّدْرُ) برفع ((سواء))
منوناً، ورفع ((البطن)) و((الصَّدر)) ، وفي بعض النسخ: سواءُ البطنِ والصدرِ ؛
برفع (( سواء)) غير منون، وجرِّ البطن والصدر على الإضافة . والمعنى : أن بطنه
وصدرَه الشريفين مستويان لا ينتأ أحدهما عن الآخر ؛ فلا يزيد بطنه على صدره ؛
ولا يزيد صدره على بطنه .
( عَرِيْضُ الصَّذْرِ ) ؛ كالمؤكّد لقوله (( سواء البطن والصدر))، وكون الصدر
عريضاً مما يُمدح به في الرجال .
( بَعِيْدُ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ ) رُوي بالتكبير والتصغير ، والمراد بكونه ( بعيد ما بين
المنكبين ): أنَّه عريضُ أعلى الظهر كما تقدَّم. و(( ما)) موصولة.
( ضَخْمُ الكَرَادِيْسِ ): غليظها عظيمها . قال في ((الصحاحِ)): الضخم الغليظ
من كلِّ شيء. وفي (( المصباح )): الضخم العظيم ، وضَخُمَ عَظَمَ . ومن كلامهم :
و
العِظَم أساس البدن .
( أَنْوَرُ المُتَجَرَّدِ ) - بكسر الراء المشددة ؛ على أنَّه اسم فاعل ، وبفتحها على أنه
اسم مكان ، قيل : وهو أشهر ، بل قيل : إنه الرواية - .
والمعنى أنَّه نيِّر العضو المتجرِّد عن الشعر ؛ أو عن الثوب ، فهو على غاية من
الحُسْن ونصاعة اللون. وعُلم من ذلك أنَّه وَضَع ((أفعل)) موضع ((فعيل))؛ كما
قاله جمع .
( مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَةِ وَالشُّرَّةِ) ((ما)) موصولة؛ أو موصوفة، واللَّة - بفتح
اللام وتشديد الباء - : النُّقُرة التي فوقَ الصدر، أو موضعُ القلادة منه، والسُّرَّة
- بضم أوَّلِهِ المهملة -: ما بقي بعد القطع، والذي يُقطع سُرِّ. قال في
((الصحاح)). تقول: عرفت ذلك قبل أن يقطع سُرّك، ولا تقل سُرَّتك. لأنَّ السرة
لا تقطع، وإنما هي الموضع الذي قطع منه السُّرُّ - بالضم -. والمعنى : وَصْل
٢٢٦

بِشَعْرِ يَجْرِي كَأَلْخَطُ ، عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَأَلْبَطْنِ مَا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرُ
الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ ،
ما بين لَبَّته وسُرَّته ( بِشَعْرِ ) جار ومجرور متعلق بموصول .
( يَجْرِيْ ) ؛ أي : يَمتد ذلك الشعر ، فشُبِّه امتدادُه بجريان الماء ؛ وهو امتداده
في سيلانه ( كالخَطِّ ) ؛ أي : خطِّ الكتابة . ورُوي كالخيط ، والتشبيه بالخطّ
أبلغُ، لإشعاره بأن الشعرات مشبهة بالحروف ، وهذا معنى ((دقيقِ المَسْرُبة)) الذي
مرَّ الكلام عليه . وفي رواية لابن سعد : له شعر مِن لَبَّته إلى سُرَّته يجري كالقضيب
ليس في بطنه ولا صدره ؛ أي : ما عدا أعاليه . أخذاً مما يأتي شعرٌ غيره .
(عَارِي ) - أي : خالي - ( الثَّذْيَيْنِ ) - بفتح المثلثة: وسكون الدال ـ .
( وَ) عاري ( البَطْنِ) من الشعر ( مَا سِوَى ذَلِكَ) الخطِّ. وفي رواية: ممَّا
سوى ذلك . وهي أنسبُ وأقرب ؛ أي : سوى محلّ الشعر المذكور ، أما هو !!
ففيه الشعر الذي هو المَسْرُبة .
والمعنى : لم يكن على ثدييه وبطنه شعر غير مسرُبته .
ويؤيِّدُه ما وقع في حديث ابن سعد : لَهُ شعر من لبَّته إلى سُرَّته ، يجري
كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعرٌ غيره . قال بعضهم : ولا شعرَ تحت إبطيه ،
ولعله أخذه من ذكر أنس وغيره (( بياض إِبطيه )). وردّه المحقق أبو زرعة بأنه لا يلزم
من البياض فقد الشعر ، على أنه صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينتف شعر
إبطيه ؛ كما في (( جمع الوسائل)).
( أَشْعَرُ )؛ أي : كثير شعر ( الذِّرَاعَيْنِ ) - بكسر الذال ــ تثنية ذراع من المرفق
إلى الأصابع . ( وَ) أشعر ( أُلمَنْكِبَيْنِ ) تثنية مَنْكِب - بفتح الميم وكسر الكاف ـ :
مجتمع رأس الكتف والعضد ، ( وَ) أشعر ( أَعَالِي) جمع أعلى ( الصَّدْرِ ) ؛ أي :
أن شعر هذه الثلاثة غزير كثير . وهذا من تتمة الصفتين المارتين . والأشعر ضدُّ :
الأجرد، وهو أفعل صفة لا أفعل تفضيل. وفي (( القاموس)): الأشعر كثير الشعر
٢٢٧

طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ .
رَحْبُ الرَّاحَةِ ، شَئْنُ الْكَفَّيْنِ وَاَلْقَدَمَيْنِ ،
وطويله . وفي أكثر الشروح : أي كثيره . وقيل : طويله ، والمقام يحتملهما والله
أعلم .
( طَوِيْلُ الزَّنْدَيْنِ ) - بفتح الزاي وسكون النون وبالدال المهملة ؛ تثنية زَنْد
كَفَلْس - : ما انحسر عنه اللحم من الذراع ، وله رأسان : الكوع والكرسوع .
قال في (( القاموس)): الكوع - بالضمِّ -: طرف الزَّنْد الذي يلي الإبهام.
والكاع طرف الزند الذي يلي الخنصر ، وهو الكرسوع - بالعين المهملة - كما في
(( القاموس )) ولبعضهم :
لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
فَعَظْمٌ يَلِي الإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي
بِيُوعٍ، فَخُذْ بِالعِلْمٍ وَأَحْذَرْ مِنَ الغَلَطْ
وَعَظْمٌ يَلِي إِنْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ
والزَّند مذكَّرٌ. قال الأصمعي: لم يُرَ أحدٌ أعرضَ زنداً من الحسن البصري ،
كان عرضُ زنده شبراً .
( رَحْبُ الرَّاحَةِ ) واسعُ الكفِّ حسًا ومعنى. ولله درُّ حسان بن ثابت الصحابي
رضي الله عنه حيث قال :
لَهُ رَاحَةٌ لَوْ أَنَّ مِعْشَارَ جُودِهَا عَلَى الْبَرِّ كَانَ الْبَرُّ أَنْدَى مِنَ الْبَحْرِ
وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَىْ أَجلُّ مِنَ الذَّهْرِ
لَهُ مِمَمٌ لاَ مُنْتَهَىْ لِكِبَارِهَا
والرواية بفتح الراء في ((رَحب))، ويجوز الضمُّ في اللُّغة. وقيلَ: رَحْب
الراحة دليلُ الجود ، وضيقُها دليل البخل ، والرَّاحة : بطنُ الكفِّ مع بطون
الأصابع ، وأصلها من الرَّوْح ؛ وهو الاتساع .
( شَغْنُ أَلْكَفَّيْنِ وَاَلْقَدَمَيْنِ ) ، سبق معناه، وأَنَّه فَشَّره ابن حجر العسقلاني بغليظ
الأصابع والراحة، وهو المتبادر ، ويؤيِّدُه روايةُ ((ضخم الكفين والقدمين)). قال
ابن بَطَّال: كانت كفُّه وَِّ ممتلئةً لحماً ، غير أنَّها مع غاية ضخامتها كانت ليِّنة ؛ كما
٢٢٨

سَائِلُ الأَطْرَافِ، خُمْصَانُ الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ يَنْبُو عَنْهُمَا
اُلْمَاءُ ؛
ثبت في حديث أنس: ما مَسَسْتُ خزًّا؛ ولا حريراً ألينَ من كفِّ رسول الله وَيهِ .
( سَائِلُ الأَطْرَافِ ) - بالسين المهملة وبهمز مكسور بعد ألف وفي آخره لام -
أي : ممتدُّ الأصابع طويلُها طولاً معتدلاً بين الإفراط والتفريط ، فكانت مستوية
مستقيمة ؛ وذلك مما يُتمدّح به .
(خُمْصَانُ ) - بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الميم كعثمان ، وبضمتين وبفتح
فسكون - ( الأَخْمَصَيْنِ ) - بفتح الميم بلفظ التثنية - والأخمص من القدم : الموضع
الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء ؛ مأخوذ من الخَمَص - بفتحتين - ، وهو :
ارتفاع وسط القدم عن الأرض . والخُمْصان المبالَغ فيه ؛ أي : أن ذلك الموضع من
أسفل قدميه شديدُ التجافي عن الأرض؛ كذا في (( النهاية )) . ولم يرتضِ ابنُ
الأعرابي جعل الصيغة للمبالغة . وقال : إذا كان معتدلَ الخَمَص ؛ لا مرتفعه جداً
ولا منخفضه كذلك ؛ فهو أحسن ، بل غيره مذموم . انتهى .
ورُجِّح مقالُ ابن الأعرابي لأنه الأنسبُ بأوصافه ؛ إذ هي في غاية الاعتدال .
ولا يعارضه خبرُ أبي هريرة رضي الله عنه: ((إِذَا وَطِىءَ بِقَدَمِهِ وَطِىءَ بِكُلِّهَا ،
لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ )) !! لأنَّ مرادَه سلبُ نفي الاعتدال، فمن أَثبت الأخمصَ أراد أنَّ في
قدميه خَمَصاً يسيراً ، ومَن نفاه نفى شِدَّته .
( مَسِيْحُ القَدَمَيْنِ ) أي : أملسُها مِن ظهرهما لوجود الخموصة في بطنها .
ومستويهما : لَيِّنُهُما بلا تكشُّر ؛ ولا تشقُّق جِلدٍ بحيث ( يَنْبُو ) على وزن : يدعو ؛
أي : يتباعد ويتجافى ( عَنْهُمَا أَلمَاءُ) ؛ أي : إذا صُبَّ عليهما الماء مرَّ سريعاً
لملاسَتِهما ولِينهما ، وكان غليظ أصابعهما. يقال: نبا الشيءُ تجافى وتباعد وبابه
((سَمَا))؛ كما في ((المختار)).
وروى الإمام أحمدُ وغيره أنَّ سَبَّابَتي قدمَيْه ◌َ لَّ كانتا أطولَ من بقيّة أصابعهما.
٢٢٩

إِذَا زَالَ .. زَالَ قَلْعاً ، يَخْطُو تَكَفِّياً وَيَمْشِي هَوْناً ،
وما اشتهر من إطلاق ((أنَّ سَبَّابَتَيْهِ كانتا أطولَ من وُسْطاه)) !؟ غَلَط، بل ذلك خاصٌ
بأصابع رجليه ؛ كما قاله بعض الحفاظ .
( إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعاً) ؛ أي : إذا مَشَىُ رَفَع رجليه بقوّة كأنَّه يقلع شيئاً من
الأرض ؛ لا كمشي المختال . وقلعاً حال ؛ أو مصدر على تقدير مضاف ؛ أي :
زوال قلع ؛ وفيه خمسة أوجه: ٣/١ - فتح أوَّله مع تثليث ثانيه ؛ أي : فتحه وكسره
وسکونه ، و٥/٤ - ضمّ أوَّله مع سکون ثانیه وفتحه .
والقَلْع - في الأصل - : انتزاع الشيء من أصله، أو : تحويله عن محلّه .
وكلاهُما صالح لأن يرادَ هنا ، لأنَّه يرفع رجله بقوَّة ويحوّلُها كذلك .
( يَخْطُو ) - بوزن: يعدو - ؛ أي: يمشي (تَكَفِّياً) - بكسر الفاء المشددة
بعدها ياء - ؛ أي : مائلاً إلى سَنن المشي ؛ لا إلى طرفيه . وهذه الجملة مؤكِّدة
لمعنى قوله ((زال قلعاً ».
( وَيَمْشِيْ هَوْناً) - بالنون كـ ((ضرباً))، نعت لمصدر محذوف ؛ أي : مشياً
هوناً ، أو حال - ؛ أي : هيّاً في تُؤَدةٍ وسكينة . وهذه الجملة قيل : إنَّها تفتُّن في
العبارة حيث عبَّر عن المشي بعبارتين فِراراً من كراهة تكرارِ لفظه . وقيل : تتميم
لكيفية مشيه وَّه، فقوله ((إِذَا زال زال قلعاً)» بيانٌ لكيفيّة رفع رجليه عن الأرض ،
وقوله ((ويمشي هوناً)) بيانٌ لكيفية وضعهما على الأرض .
وبهذا عُرف أنَّه لا تدافع بين الهون والتقلُّع والانحدار ، والهون : الرفق
واللين. فكان ◌َّ يمشي برفق ولين، وتثبُّتٍ ووقار، وحلم وأناة ، وعفاف
وتواضع ، فلا يضربُ برجله ، ولا يخفق بنعله . وقد قال الزُّهري : إنَّ سرعة
المَشي تُذهب بهاء الوجه . يريد الإسراع الخفيف، لأنه يُخِلُّ بالوقار ، إذ الخير في
الأمر الوسط .
وهذه الصفة قد وصف الله تعالى بها عباده الصالحين بقوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [١٣ / الفرقان]. ولا يخفى أنَّه ◌َّر أثبت منهم في ذلك،
٢٣٠

ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى .. كَأَنَّمَا يَنْحَطُ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا اُلْتَّفَتَ ..
اُلْتَّفَتَ جَمِيعاً، خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى
السَّمَاءِ ،
لأن كلَّ كمال في غيره فهو فيه أكملُ .
( ذَرِيْعُ المِشْيَةِ ) - بكسر الميم - أي: واسع الخطو خِلْقَة؛ لا تكلُّفاً . قال
الراغب : الذريع : الواسع . يقال : فرس ذريع ؛ أي : واسع الخطو ، فمع
كونه وَّ كان يمشي بسكينة كان يمدُّ خطوَه حتَّى كأن الأرض تُطوى له.
( إِذَا مَشَىْ) - يصحُّ أن يكون ظرفاً لقوله (( ذريع المشية))، ولقوله - ( كَأَنَّمَا
يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ) ؛ أي : محلٌّ منحدر ، والاحتمال الثاني هو المتبادر .
(وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ) عطف على الجملة الشرطية الأولى. أعني ((إذا زال زال
قَلْعاً )). لأنَّ ما بعدها من لواحقها.
(جَمِيْعاً) على وزن ((فعيل))، وفي بعض الروايات ((جمعاً)) على وزن ((ضرباً))،
وهو منصوب على المصدر ؛ أو الحال ، أراد أنَّه لا يسارق النظر ، ولا يلوي عنقه
يمنة ويسرة إذا نظر إلى الشيء ، وإنما يفعل ذلك الطائشُ الخفيف ، ولكن كان يُقبل
جميعاً ويُدبر جميعاً ؛ أي: بجميع أجزائه لمَّا أن ذلك أليقُ بجلالته ومهابته .
(خَافِضُ ) - بالرفع - خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو خافض ( الطَّرْفِ ) - بفتح
الطاء وسكون الراء -: هو العين، وأما الطَرَف - بالتحريك - فهو آخر الشيء.
فطرف الحبل آخره . والمراد أَنَّه خافضُ البصر ، لأن هذا شأن المتأمِّل المشتغل
بربِّه ، فلم يزل مطرقاً متوجِّهاً إلى عالم الغيب ؛ مشغولاً بحاله ، متفكِّراً في أمور
الآخرة ، متواضعاً بطبعه .
ثم أردف ذلك بما هو كالتفسير له ؛ أو التأكيد ، فقال :
(نَظَرُهُ) ، أي: مطالعته ( إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ) ، أي : أكثر ، أو زمن نظره
إليها أطول؛ أي: أزيد وأمدُ ( مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ )، والمراد أنَّ نظره إلى الأرض
٢٣١

جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاَحَظَةُ ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ ،
حالَ السكوت وعدم التوجُّه إلى أحدٍ أطول من نظره إلى السماء ، فلا ينافي ما ورد
من حديث أبي داود؛ عن عبد الله بن سَلاَم قالَ: ((كان ◌َّ إذا جلس يتحدَّث يُكثر
أن يرفع طَرْفه إلى السماء . مع أنَّه قد يَحتمل أنَّ الرفع محمولٌ على حال توقُّعه انتظارَ
الوحي في أمر يُنزل إليه . وقيل : الأكثر لا ينافي الإكثار ؛ وإنما كان نظرُه إلى
الأرض أطولَ لكونه أجمعَ للفكرة ؛ وأوسع للاعتبار ؛ لاشتغاله بالباطن وإعمال
جَنانه في تدبير ما بُعث بسببه ، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربِّه ، أو أنَّه بُعث لتربية أهل
الأرض ؛ لا لتربية أهل السماء .
والنظر - كما في ((المصباح)) - : تأمُّل الشيء بالعين.
والأرضُ - كما قال الراغب - : الجرم المقابل للسماء . ويُعبَّر بها عن أسفل
الشيء كما يُعبر بالسماء عن أعلى الشيء. والطول: الامتداد. يقال (( طال
الشيء)): امتدَّ. وأطال الله بقاءك: مَذَّه ووسّعه .
( جُلُّ نَظَرِهِ ) - بضم الجيم واللام المشددة - أي : معظم نظره إلى الأشياء
لاسيما إلى الدنيا وزخرفها ( المُلاَحَظَةُ)؛ أي: النظر باللَّحاظ - بفتح اللام -
وهو : شِقُّ العين مما يلي الصُّدغ .
وأما الذي يلي الأنف !! فالموق ، ويقال له : الماق . فلم يكن نظرُه إلى
الأشياء كنظر أهل الحرص والشَّرَه ، بل كان يلاحِظُها في الجملة ؛ امتثالاً لقوله
تعالى ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [١٣١/ طه] الآية.
( يَسُوْقُ أَصْحَابَهُ ) ؛ أي : يقدِّمهم بين يديه ويمشي خلفهم ؛ كأنه يسوقُهم ،
لأنَّ الملائكة كانت تمشي خلفَ ظهره. روى الدارمي بإِسناد صحيح أنَّهُ وَ ◌ِّ قال:
((خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلاَئِكَةِ)) . وأخرج أحمد ؛ عن جابر رضي الله عنه قال: كان
أصحابُ النبي ◌َّ يمشون أمامه، ويَدَعُون ظهره للملائكة. انتهى.
ولأن مِن كمال التواضع أن لا يدعَ أَحداً يمشي خلفه ، وإيماءً إلى مراعاةٍ
٢٣٢

وَيَبْدُرُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلاَمِ .
أضعفِهم ؛ فيتأخَّرُ عنهم رعايةً للضعفاء وإعانة للفقراء ، لأن شأن الولي مع المولَّى
عليهم أن ينظر إليهم ، ويربِّي مَن يستحق التربية ، ويعاتب من تليقُ به المعاتبة ،
ويؤدِّب مَن يناسِبُه التَّأديبُ، ويكمِّل من يحتاج إلى التكميل، وإنما تقدَّمهم في قصّة
جابر ؛ كما قال النووي !! لأنَّه دعاهم إليه ، فكان كصاحب الطعام إذا دعا طائفة
يمشي أمامهم .
( وَيَبْدُرُ) - بضم الدال؛ من باب (( نصر)) بمعنى : يسبق ويبادر ، وفي
نسخة : ويبدأ - ( مَنْ لَقِيَهُ) حتَّى الصبيان؛ كما صَرَّح به جمعٌ في الرواية عن أنس
( بِالسَّلاَمِ) : بالتسليم ، والمعنى أنَّه كان يُبَادرُ ويسبق مَن لقيه مِن أُمَّته بتسليم
التحية ؛ لأنَّه من كمال شِيَم المتواضعين ؛ وهو سيِّدُهُم .
وليست بداءته بالسلام لأجل إِيثار الغير بالجواب الذي هو فرض ؛ وثوابه أجزل
من ثواب السنة ؛ كما قاله العصام ، لأنَّ الإيثار في القُرَبِ مكروهٌ ؛ كما بيَّه النووي
في ((المجموع)) في ((باب التيمم)) أتمّ بيان، ووضَّحه ناظم ((القواعد الفقهية)) مع
شرحها للجرهزي ؛ تبعاً للسيوطي في (( الأشباه )).
وفي هذه الأفعال السابقة عن المصطفى وَّهُ من تعليم أمَّته كيفيةَ المشي ، وعدمَ
الالتفات ، وتقديم الصحب ، والمبادرة بالسلام ؛ ما لا يخفى على الموفَّقين لفهم
بعض أسرار أحواله حتى العادِيَّة ؛ نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنِّه وكرمه .
آمين .
تنبيه: من فضائله وَ ل﴿ أنَّ الحقَّ سبحانه ذكر أعضاءه عضواً عضواً في التنزيل ،
وذكره بجملته ؛ فذكر وجهه في ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [١٤٤/ البقرة]، وعينيه في
﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ﴾ [١٣١/ طه]، ولسانه في ﴿فَإِنَّمَا يَتَرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ [٩٧/ مريم]، ويده
وعنقَه في ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [٢٩/ الإسراء]، وصدره وظهره في ﴿أَلَّ
نَشْرَحْ﴾ [١ / الشرح]، وقلبه في ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُّ * عَلَى قَلِكَ﴾ [١٩٣-١٩٤/ الشعراء]،
﴾ [القلم] ؛ ذكره المناوي رحمه الله .
وجملته في ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ:
٢٣٣

وَمَعْنَى ( اٌلْفَخْمِ ): الْعَظِيمُ فِي نَفْسِهِ. وَ( الْمُفَخَّمِ ) : الْمُعَظّمُ عِنْدَ
غَيْرِهِ . وَ( الْمُشَذَّبِ ) : الظَّاهِرُ الْطُولِ مَعَ نَحَافَةٍ. وَ( رَجِلِ الشَّعْرٍ ) :
مُسْتَرْسِلُهُ. وَ( الْعَقِيقَةِ ): شَعْرُ الرَّأْسِ. وَ(وَفَرَهُ): جَعَلَهُ وَفْرَةً ، وَهِيَ
الشَّعَرُ النَّازِلُ عَنْ شَخْمَةِ الْأُذُنِ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ . وَ( أَزْهَرَ ) :
مُشْرِقُ اللَّوْنِ ، نَّرُهُ. وَ( أَزَجِّ الْحَوَاجِبٍ ) : مُقَوَّسُهَا مَعَ طُولٍ .
( وَمَعْنَى الفَجْم)؛ في قوله ((فخماً)): ( العَظِيْمُ فِي نَفْسِهِ. وَ) معنى
( المُفَثَّمِ ) ؛ في قوله (( مُفَخَّماً)): ( المُعَظِّمُ عِنْدَ غَيْرِهِ ) حتَّى الكُفَّار ، وما وقع من
بعضهم من رميه بالحجارة ونحو ذلك !! إنما هو من العناد في الكفر مع اعتقاد
عَظَمته و تفخيمه .
( وَ) معنى ( المُشَذَّبٍ) - بميم مضمومة فشين معجمة ؛ فذال معجمة مشدّدة
مفتوحتين فباء موحدة ، على صيغة اسم المفعول ؛ من التشذيب - : ( الظَّاهِرُ
الطُّوْلِ مَعَ نَحَافَةٍ ) ؛ أي : نقص في اللحم .
( وَ) معنى (رَجِلِ) - بكسر الجيم ؛ أفصح من فتحها وسكونها - : (الشَّعَرِ)
- بفتح العين وسكونها - ( مُسْتَرْسِلُهُ) .
(وَ) معنى (العَقِيْقَةِ) - بقافين على المشهور -: (شَعْرُ الرَّأْسِ) سُمِّي ((عقيقة)) !!
تشبيهاً بشعر المولود قبل أن يُحلق ، فإذا حُلق ونبت ثانياً زال عنه اسم العقيقة ،
وربما سُمِّي الشعر ((عقيقة)) بعد الحلق ؛ على الاستعارة ، ومنه هذا الحديث .
( وَ) معنى (وَفَرَهُ: جَعَلَهُ وَفْرَةً) ؛ أي : مجموعاً. ( وَهِيَ ) أي : الوفرة :
( الشَّعْرُ النَّازِلُ عَنْ شَخْمَةِ الأُذُنِ؛ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى المَنْكِبَيْنِ ) - على ما سبق -.
( وَ) معنى ( أَزْهَرَ ) اللون: ( مُشْرِقُ اللَّوْنِ؛ نَّرُهُ ) في كلِّ أجزاء بدنه .
( وَ) معنى ( أَزَجّ الحَوَاجِبِ: مُقَوَّسُهَا مَعَ طُوْلٍ ) في طَرَفه - على ما في
((القاموس)) -. وفي ((الصحاح)): دِقَّة الحاجبين بالطول. وفي ((الأساس)):
الدقّة والاستقواس . ويمكن الجمع .
٢٣٤

وَ(السَّوَابِغِ): الْكَامِلاَتُ. وَ( أَقْنَى الْعِرْنِينِ ) : طَوِيلُ الأَنْفِ
مَعَ دِقَّةٍ أَرْنَتِهِ ، فِي وَسَطِهِ بَعْضُ أَرْتِفَاع .
وَ( الأَشَمِّ): مُرْتَفِعُ قَصَبَةِ الأُنْفِ. وَ( الأَشْنَبِ ): أَنْيَضُ
الأَسْنَانِ مَعَ بَرِيقٍ وَتَحْدِيدٍ فِيهَا .
وَ( الْمُفَلَّجِ ): مُنْفَرِجُ الثَّنَيَا .
وَ(الدُّمْيَةِ ) : صُورَةٌ مِنْ رُخَامٍ وَنَحْوِهِ. وَ( أَلْبَادِنِ): السَّمِينُ
سِمَناً مُعْتَدِلاً .
( وَ) معنى (السَّوَابِغ) - بالسين والصاد ؛ والسين أعلى، جمع سابغة - :
( أُلكَامِلاَتُ ) ؛ أي : غزيرَات الشعر، حتَّى أنَّ مَن لم يتأمَّلها يظنُّهُ أَقْرَنَ ، وفي نفس
الأمر لا قَرَن. ( وَ) معنى ( أَثْتَىْ ) - بقاف فنون مخفَّفة مفتوحة - (الْعِرْنِيْنِ )
- بكسر المهملة وسكون الراء وكسر النون الأولى - : ( طَوِيْلُ الأَنْفِ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَتِهِ ؛
فِيْ وَسَطِهِ بَعْضُ أَرتِفَاعٍ ) ، فالعِرنِين : الأنف ، وأوَّله حيث يكون الشم ، وجمعه :
عَرَانين . والقَنَا : طولُ الأنف ودِقَّة أرنبته وحدب في وسطه .
( وَ) معنى ( اُلأَشَمُّ: مُزْتَفِعُ قَصَبَةِ الأَنْفِ ) مع استواء أعلاها وإشراف الأرنبة
قليلا . ( وَ) معنى ( الأَشْنَبُ) - بشين معجمة فنون فموحدة - : ( أَبْيَضُ الأَسْنَانِ مَعَ
بَرِيْقٍ وَتَحْدِيْدٍ فِيْهَا ) .
( وَ) معنى ( المُفَلَّج) - بصيغة اسم المفعول -: ( مُنْفَرِجُ النََّايَا ) ؛ جمع :
ثَنِيَّة ، أي: بين ثناياه فرجة لطيفة. والثَّنايا: هي الأسنان الأربع التي في مقدَّم
الفم ؛ ثنتان من فوق ، وثنتان من تحت . والرُّباعيات : أربعُ أسنان بجانب الثنايا .
وسيأتي أنَّه كان أفلحَ الثنيّين .
( وَ) معنى ( الدُّمْيَةُ) - بضم الدال المهملة وإسكان الميم وتحتية مفتوحة - :
( صُورَةٌ) منقوشة ( مِنْ رُخَامٍ وَنَحْوِهِ) كالعاج ، وكانوا يبالغون في تحسين عنقها .
( وَ) معنى ( أَلْبَادِنُ) - بالدال المهملة -: (أُلسَمِيْنُ سِمَناً مُعْتَدِلاً) بلا إِفراط.
٢٣٥

وَ(الْمُتَجَرَّدِ): الْعُضْوُ الْعَارِي عَنِ الشَّعَرِ . وَ( اللَّةِ ): النُّقْرَةُ
أَلَّتِي فَوْقَ الصَّدْرِ . وَ(الرَّحْبِ ): الْوَاسِعُ. وَ( سَائِلِ الأَطْرَافِ ) :
طَوِيلُهَا طُولاً مُغَتَدِلاً. وَ(خُمْصَانِ الأَخْمَصَيْنِ ): مُتَجَافِيهِمَا عَنِ
الأَرْضِ . وَ( الأَخْمَصُ ) : الْمَوْضِعُ الَّذِي لاَ يَمَنُّ الأَرْضَ عِنْدَ
اُلْوَطْءِ مِنْ وَسَطِ اٌلْقَدَم .
( وَ) معنى ( المُتَجَرَّدُ) - بجيم وراء مشددة مفتوحتين -: ( أُلعَضْوُ العَارِيْ عَنِ
الشَّعْرِ ) ؛ أو الثوبِ .
( وَ) معنى (اللَّهُ) - بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة المفتوحة -: ( النُّقْرَةُ
الَّتِي فَوْقَ الصَّدْرِ ) ، أي : المنحر ، وهي المتطامن الذي فوق الصدر وأسفل الحلق
من الترقوتين ، وفيه تُنْحَر الإِبل .
( وَ) معنى ( الرَّحْبُ) - بفتح الراء وإسكان الحاء -: ( أَلوَاسِعُ)
( وَ) معنى (سَائِلِ الأَطْرَافِ) - بالسين المهملة وبهمز مكسور بعد ألف ؛ وفي
آخره لام - : (طَوِيْلُهَا طُوَلاً مُعْتَدِلاً ) بين الإفراط والتفريط .
( وَ) معنى ( خُمْصَانِ )؛ بضمِّ المعجمة وفتحها مع سكون الميم فيها
( الأَخْمَصَيْنِ ) - بفتح الميم بصيغة التثنية - : ( مُتَجَافِيْهِمَا عَنِ اُلأَرْضِ ) ، ليس
بالأرحِّ الذي يمُّها أخمصاه. والأَرَحُ: بالراء والحاء المهملة المشددة .
( وَ) معنى ( الأَخْمَصُ) بزنة ((الأحمر)) - كما قال الزرقاني ، وابن الأثير - :
( المَوْضِعُ الَّذِْ لاَ يَمَنُ الأرْضَ عِنْدَ الوَطْءِ ) ؛ أي: المشي ( مِنْ وَسَطِ القَدَمِ ) ؛
وهو ما رَقَّ من أسفلها ؛ مأخوذٌ من الخَمَص - بفتحتين - ؛ وهو : ارتفاع وسط
القدم عن الأرض، يقال منه: خَمِصَ القدمُ خَمَصاً؛ من باب (( تعب )) ، فالرَّجُل
أخمص ، والمرأة خمصاء ، والجمع خُمْص ؛ مثل أحمر وحمراء وحُمْر ، لأنه
صفة، وسُمِّي أخمَصاً !! لضموره ، والخُمْصان : المبالغة فيه، أي : أنَّ ذلك
المحلَّ من بطن قدميه شديدُ التجافي عن الأرض - على ما سبق ما فيه - .
٢٣٦

و( اُلْمَسِيحَ): اَلأَّمْلَسُ. وَ( يَنْبُو ): يَتَبَاعَدُ .
وَ(إِذَا زَالَ .. زَالَ قَلْعاً): إِذَا مَشَىُ .. رَفَعَ رِجْلَيْهِ بِقُوَّةٍ.
وَ( ذَرِيعِ الْمِشْيَةِ): وَاسِعُ الْخَطْوِ خِلْقَةً لاَ تَكَلُّفاً .
وَ( الْمُلَّحَظَةِ ): النَّظَرُ بِاللَّحَاظِ ؛ وَهُوَ : شِقُّ أَلْعَيْنِ مِمَّا يَلِي
الصُّدْغَ . وَ( يَسُوقُ أَصْحَابَهُ ) : يُقَدِّمُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ .
وَ( يَبْدُرُ ) : يَبْتَدِىءُ .
( وَ) معنى ( أُلمَسِبْحُ) - بميم مفتوحة فسين مهملة مكسورة ، فمثناة تحتية
ساكنة فحاء مهملة آخره - : ( أُلاَمْلَسُ ) .
( وَ) معنى ( يَنْبُو) - على وزن يدعو - : ( يَتَبَاعَدُ ) ، ويتجافى .
( وَ) معنى ( إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعاً) - بفتح القاف وسكون اللام -: أنه ( إِذَا مَشَى
رَفَعَ رِجْلَيْهِ ) رفعاً ( بِقُوَّةٍ ) ؛ لا كمشي المختال .
( وَ) معنى ( ذَرِيْعُ) - بوزن سريع - ( اٌلِمِشْيَةِ) - بكسر الميم -: ( وَاسِعُ الخَطْوِ
خِلْقَةً؛ لاَ تَكَلُّفاً)؛ أي: مع كون مشيه بسكينة كان يمدُّ خطوهُ حتَّى كأن الأرض تُطوی له.
( وَ) معنى ( المُلاَحَظَةُ): مفاعَلَة من اللَّحظ؛ وهو: ( النَّظَرُ بِاللَّحَاظِ )
- بفتح اللام -: (وَهُوَ: شِقُّ أَلعَيْنِ مِمَّا يَلِي الصُّدْغَ)، يقال: لَحَظَهُ ولَحَظ إليه ؛
أي: نظر إليه بمؤخِّر العين ، وأما الذي يلي الأنف !! فالموق والماق ، واللِّحاظ
- بالكسر مصدر - : لاحظته إذا راعيتَه . والصُّدغ : ما بين العين والأذن .
( وَ) معنى ( يَسُوْقُ أَصْحَابَهُ: يُقَدِّمُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ) ويمشي خلفهم كأنه يسوقهم .
( وَ) معنى (يَبْدُرُ)؛ كينصُر: (يَبْتَدِىءُ) ويسبِقُ. قال في ((الصحاح)):
بدر إِلى الشيء: أسرع، وتبادر القوم: تسارعوا. وفي ((المصباح)): بدرتْ منه
بادرةٌ : سبقه غضبه . انتهى .
( وَ) روى الترمذيُّ في ((الشمائل))، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))،
والدارمي في («مسنده))، و((البيهقي))؛ كلهم عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال :
٢٣٧

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَجَ الثَّنِيََّيْنِ ، إِذَا تَكَلَّمَ
رِيءَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ
اُلْبَشَرِ قَدَماً .
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ أَفْلَجَ الَّنِيََّيَّنِ ) تثنية: ثنيّة - بتشديد الياء - ، والأفلج من
الفَلَج ؛ أي : بعيد ما بين الثنايا والرباعيات . قال الطيبي : الفلح هنا : الفرقُ ،
بقرينة إضافته إلى الثنايا ، فاستعمل الفلج مكان الفرق ، إِذ الفلج : فرجةٌ بين الثنايا
والرباعيات ، والفرق : فرجة بين الثنايا . انتهى .
لكن ظاهر كلام ((الصحاح)): أنَّ الفَلَج مشتركٌ بينهما! وعليه فلا حاجة إلى
ما قاله الطيبي .
وفي الفم أربعُ ثنايا ، وهي الأسنان التي في مقدَّم الفم ؛ ثنتان من أعلى ،
وثنتان من أسفل ، فمراده بالثنيتين الجنس ، وإِلاَّ! فهي أربع - كما علمت - .
والرباعيات : أربعُ أسنان بجانب الثنايا . يعني: أنَّ بين ثَنِيَتَيه فرجةً لطيفة .
وذلك يدلُّ على الفصاحة والقدرة على الكلام ، وتعدُّه العرب جمالاً .
(إِذَا) هي ومدخولُها (تَكَلَّمَ) خبرٌ ثان لـ((كان)) ( رِيْءَ) - بكسر الراء - بِزِنَةً
قِيْلَ ؛ على الأفصح ، ويقال : بضمِّ الراء وكسر الهمزة - وبُني للمجهول !! إشارة
إلى أن الرؤية لا تختصُّ بأحدٍ ؛ دون أحد ، ولذا لم يقلْ إِذا تكلّم يخرج ( كالثُّوْرِ ) ؛
أي: شعاع مثله، فالكاف بمعنى ((مثل)) ، فلا حاجة لتقدير شيء.
( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ) ، إمَّا مِنَ الثنايا نفسها ، أو من داخلِ الفم وطريقُه من
بينها ؛ معجزةٌ له، وهو نورٌ حسِّيٌّ، ووَهِم مَن قال : معنوي . والمرادُ ألفاظه
بالقرآن أو السنة ، لأنه خلافُ الظاهر المتبادر من قوله ((رِنِىءَ)).
( وَ) روى ابن سعد في ((طبقاته))؛ عن عبد الله بن بُرَيدة مرسَلاً - كما في
(( المواهب)) و(( الجامع الصغير)) - ؛ قال :
( كَانَ) رسول الله (وَِّ أَحْسَنَ الْبَشَرِ قَدَماً) - بفتحتين - ؛ وهي: من الإنسان
معروفة ، وهي أُنثى ، وتصغيرها قُدَيْمة ، والجمع أقدام .
٢٣٨

وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَم ؛ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَمَا نَسِيتُ طُولَ إِصَّبَعِ قَدَمِهِ السَّابَةِ عَلَى سَائِرِ أَصَابِعِهِ . رَوَاهُ
الإِمَامُ أَحْمَدُ
( وَ) في ((المواهب اللدنية بالمِنح المحمدية)): (عَنْ مَيْمُوْنَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ ) - بفتح
الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة بزنة ((جعفر)) - الثقفية، صحابيّة صغيرةٌ لها
حديث ، ابنةُ صحابي رضي الله تعالى عنهما ، حديثها عند أهل الطائف ؛ لا عند أهل
البصرة؛ كما ادَّعى ابن عبد البر. نَّه عليه في ((الإصابة)). إِلاَّ أنْ يُجاب بأن مرادَه
يزيد بن هارون راويه عن أهل الطائف ، لأنه بصريٍّ واسطي ، وأصحابُ الحديث
يقولون: لم يَرْوِ هذا غير أهل البصرة ويريدون واحداً من أهلها؛ كما في ((الألفية)).
( قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِن ◌َّهِ فَمَا نَسِيْتُ طُوْلَ إِصْبَعٍ قَدَمِهِ السَّبَّابَةِ ) ؛ بدل من
((إِصبع)) ؛ أي : ما نسيتُ طول كلِّ أصبع من أصبعي قدميه السبابتين (عَلَى سَائِرٍ )
- أي : باقي - ( أَصَابِعِهِ.
رَوَاهُ) إمام السُّنَّةَ ( الإِمَامُ) البارع المجمع على جلالته وإمامته ، وورعه
وزهادته وحفظه ، ووفور علمه وسيادته : أبو عبد الله ( أَحْمَدُ ) بن محمد بن
حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيَّان - بالمثناة - ابن عبد الله بن
أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن
علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها
موحدة - ابن أَفْصى - بالفاء والصاد المهملة - ابن دَعْمى بن جديلة بن أسد بن
ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان ؛ الشيباني ؛ المروزي ، ثم البغدادي .
خرج من ((مَرْو )) حَمْلاً ، وولد ببغداد ، ونشأ بها إلى أن توفي .
ودخل مكة والمدينة ، والشام واليمن ، والكوفة والبصرة والجزيرة ، وسمع
من خلق كثير ؛ منهم : يحيى القطان ، وابن عيينة ، وابن مهدي ، وعبد الرزاق .
وروى عنه شيخه عبد الرزاق ، وعلي ابن المديني ، والبخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، وخلائِق .
٢٣٩

وَغَيْرُهُ .
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة : - ١٦٤ - أربع وستين ومائة ، وتوفي
ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة : - ٢٤١ - إحدى وأربعين
ومائتين هجرية ، وعمره سبع وسبعون سنة تقريباً .
ودُفن ببغداد ، وقبره مشهور معروف يُتبرَّكُ به . وأحواله ومناقبه أكثر من أن
تحصر ، وقد أُفردت بالتأليف . رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه وأنواره وأسراره .
آمين .
( وَغَيْرُهُ) ؛ أي : غير أحمد ؛ كالطبراني في حديث طويل .
قال في ((المواهب)): وقد اشتهر على الألسنة أن سَبَّابة النبي ◌َّ كانت أطولَ
من الوسطى . قال الحافظ ابن حجر : وهو غَلَط ممَّن قاله ، وإنما ذلك في أصابع
رجليه! وقال شيخنا الحافظ السخاوي في (( المقاصد الحسنة)): حديث سبابة
النبي ◌َّ﴿ وأنها كانت أطولَ من الوسطى !! أشتهر هذا على الألسنة كثيراً، وسلفُ
جمهورهم الكمالُ الدميري ، وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة . انتهى
ملخصاً .
هذا؛ وقد اشتهر في المدائح قديما وحديثاً أن النبي ◌َّلو كان إذا مشى على
الصخر غاصت قدماه فيه وأثرت . وأنكره السيوطي ، وقال : لم أقف له على أصل
ولا سند ، ولا رأيت مَن خرَّجه في شيء من كتب الحديث !! وكذا أنكره غيره ،
لكن صاحب ((المواهب)) ذكر في (( الخصائص)) في بعض نسخه تقويتَه بما
حاصله : أنَّه ما خُصَّ نبي بمعجزة أو كرامة إلاَّ ولنبينا محمد بن سير مثلها ، وأثر قدمي
إبراهيم بالمقام بمكّة متواتر ، وفيه يقول أبو طالب :
وَمَوْطِىءُ إِبْرَاهِيْمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ عَلَىْ قَدَمَيْهِ حَافِياً غَيْرَ نَاعِلِ
وفي البخاري حديث تأثير ضرب موسى في الحجر ستاً أو سبعاً ، إذ فَرَّ بثوبه
حين اغتسل . انتهى . إلاَّ أن مثل هذا لا يدفع إِنكار وروده . والمثْلِيَّة التي لنبينا إمَّا
من جنسها ؛ أو بغيرها أعلى أو مُسَاوٍ ! كما نَصُّوا عليه .
٢٤٠