Indexed OCR Text

Pages 141-160

اَلْفَصْلُ الثَّانِي
فِي أَسْمَائِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِعْلَمْ .. أَنَّ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاءً كَثِيرَةً .
( اَلْفَصْلُ الثَّانِيْ )
من الباب الأوَّل
( فِي ) ذكر بعض ( أَسْمَائِهِ )
جمع : اسم ؛ وهو كلمة وَضَعَتْها العرب بإزاء مسمَّىَ ، متى أُطلقت فُهِم منها
ذلك المسمَّى .
فعلى هذا لا بدَّ من مراعاة أربعة أشياء: ١ - الاسم، و٢ - المسمَّى - بفتح
الميم - ، و٣ - المسمِّي - بكسرها -، و٤ - التسمية.
فالاسم : هو اللفظ الموضوع على الذَّات لتعريفها وتخصيصها عن غيرها ؛
كلفظ (( زيد)».
والمسمَّى : هو الذاتُ المقصود تمييزُها بالاسم كشخص زيد .
والمسمِّي - بالكسر - : هو الواضع لذلك اللفظ .
والتسمية : هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات . والوضع : تخصيص لفظ
بمعنىّ إذا أُطلق فُهِم منه ذلك المعنى للعالم بالوضع .
( الشَّرِيْقَةِ) وذكر شيء من معانيها ( ◌ََّ) وشرَّف وكرَّم.
( إِعْلَمْ أَنَّ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ أَسَماءً كَثِيْرَةً) ، وكثرةُ الأسماء تدلُّ على شرف
المسمَّى ؛ للعناية به وبشأنه . ولذا ترى المسمَّيات في كلام العرب أكثر محاولة
واعتناء؛ كما في (( الشامية)) . يعني: أَنَّهم أكثر ما يحاولون في المسمَّيات تمييزها
بالأسماء الكثيرة المميزة لها والدالّة على شرفها ؛ لا سيما إذا لوحظت المناسبة بين
١٤١

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي (( التَّهْذِيبِ)): ( قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ
كلِّ اسم ومسمَّاه. وقد سمَّى الله تعالى نبيَّنا محمداً ◌َ ل﴿ بأسماء كثيرة في القرآن
العظيم وغيرِه من الكتب السماوية ، وعلى ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام .
( قَالَ الإِمَامُ) الحافظ وليُّ الله تعالى الشيخ محيي الدين ( النَّوَوِيُّ ) الشافعيُّ
صاحب التصانيف النافعة المباركة ( فِي) كتاب ( ((اُلتَّهْذِيْبِ)))؛ أي: (( تهذيب
الأسماء واللغات)): ( قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ ) هو أحد مراتبَ خمسةٍ لأهل الحديث ،
أوَّلها ١ - الطالبُ؛ وهو: المبتدىءُ، ثمَّ ٢ - المحدِّثُ؛ وهوَ: من تحمَّل روايته
واعتنى بدرايته ، ثمَّ ٣ - الحافظ ؛ وهو: مَن حفظ مائة ألف حديث متناً وإسناداً ،
ثمَّ ٤ - الحُجَّة ؛ وهو مَن حفظ ثلثمائة ألف حديث ، ثمَّ ٥ - الحاكم ؛ وهو: مَن
أحاط بجميع الأحاديث ، ذكره المُطَرِّزي .
فائدة: أخرج ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل))؛ عن الزُّهري :
لا يولد الحافظ إِلّ في كلِّ أربعين سنة . ولعل ذلك في الزمن المتقدِّم، وأما في
زماننا هذا؛ فقد عُدم فيه الحافظ ؛ كذا قاله الباجوري في (( حاشيته على الشمائل
الترمذية)) .
قال السيد عبد الحي الكتاني في (( فهرس الفهارس)) : وهو عجيبٌ ، لأن
الحافظ ما دام كما وصفه به الحافظ ابن الجزري : مَن رَوى ما يصل إليه ، ووعى
ما يحتاج إليه . انتهى . وكما وصفه به الخَفَاجيُّ ؛ مِن أنه : مَن أكثر مِن رواية
الحديث وأتقنها !! فغير منقطع ، ولم يُختَم بالسيوطي والسخاوي ؛ كما قيل .
فمن طالع واطّلع ، وتوسّع في تتبع تراجم الشاميين والمصريين واليمنيين
والهنديين والمغاربة من القرن التاسع إلى الآن لم يجد الزمانَ خلا عمَّن يتَّصف بأقلّ
ما يُشترط فيمن يُطلق عليه اسم الحافظ في الأعصر الأخيرة .
وغاية ما يُشترط فيه عندي الآن : أن يكون على الأقل قد اشتهر بالتعاطي
والإتقان لهذه الصناعة ؛ فأخذ فيها وأُخِذ عنه ، وأَذعن من يُعتبر إذعانه لقوله فيها ،
بعد تجريبه عليه : الصدق والتحرِّي فيما ينقل ويقول ، وبُعد الغور . وتمَّ له سماع
١٤٢

اَلْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَبْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ
مثل الكتب الستّة والمسانيد الأربعة على أهل الفن المعتبرين ، وعَرَف الاصطلاح
معرفة جيدة ، وَدَرس كتب ابن الصلاح وحواشيه ، وشروح الألفية وحواشيها ،
وترقَّى إلى تدوين معتبر في السُّنَّةَ وعلومها، وعُرف فيه بالإجادة قلمُه ، والاطلاع
والتوسعة مذهبه ، والاختيار والترجيح في ميادين الاختلاف نظرُه ، مع اتساع في
الرواية ؛ بحيث أخذ عن شيوخ إقليمه ما عندهم ، ثم شَره إلى الرواية عمَّن هم في
الأقاليم الأُخَر بعد الرحلة إليهم ، وعرف العالي والنازل ، والطبقات والخطوط
والوَفَيَات ، وحصَّل الأصول العتيقة ؛ والمسانيد المعتبرة ، والأجزاء والمشيخات
المفرَّقة ، وجمع من أدوات الفنِّ ومتعلَّقاته أكثر ما يمكن أن يحصل عليه ، مع ضبطه
وصونه لها ، واستحضاره لأغلب ما فيها ، وما لا يستحضره عَرَف المظانّ له منها
على الأقلِّ، ويشبُّ ويشيخ وهو على هذه الحالة من التعاطي والإدمان والانقطاع
له . فمن حصَّل ما ذُكر ، أو تحقَّق وصفه ونعته به ؛ جاز أن يوصف بالحفظ عندي
بحسب زمانه ومكانه . انتهى كلام الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالی .
قال : فلذلك أردتُ أن أُرشِدَك إلى مَن وقفتُ على وصفه من الأئمة المعتبرين
بالحفظ والإتقان ، وإنه من كبار محدِّثي الزمان ، ووُجد مع الحافظ ابن حجر وبعده
إلى الآن ، لتعلم أَنَّ فضل الله لا ينحصر بزمان ؛ أو مكان ؛ أو جهة من الجهات ،
فهو سبحانه يعطي بلا امتنان ؛ ولا تحجيرَ عليه من أهل الزمان .
ثم ذكر ثمانية وخمسين شخصاً بأسمائهم من أهل القرن التاسع والعاشر
والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، وترجم لجميعهم . رحمهم الله تعالى .
آمين .
( الْقَاضِيْ أَبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ ) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي
( المَالِكِيُّ)، وُلد في ((إِشبيلية)) سنة : - ٤٦٨ - ثمان وستين وأربعمائة ، ورحل
إلى المشرق ، وبرع في الأدب ، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين ، وصنَّّ كتباً
في الحديث والفقه، والأصول والتفسير، والأدب والتاريخ، وولي قضاء ((إِشبيلية)).
١٤٣

فِي كِتَابِهِ ((عَارِضَةُ الأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ)» : قَالَ بَعْضُ
الصُّوفِيَّةِ :
قال ابن بشكوال : هو ختام علماء الأندلس ، وآخر أئمَّتها وحُفَّاظها .
ومن مؤلفاته ((العواصم من القواصم))، و((عارضة الأحوذي شرح الترمذي))،
و((أحكام القرآن))، و((القبس شرح موطأ مالك بن أنس))، و(( الإنصاف في مسائل
الخلاف))، و((أعيان الأعيان)) وغيرها. ومات بقرب ((فاس)) سنة : - ٥٤٣ -
ثلاث وأربعين وخمسمائة ، ودفن بها . رحمة الله تعالى عليه . آمين .
( فِي كِتَابِهِ (عَارِضَةُ الأَخْوَذِيِّ فِي شَرْح ) جامع ( التِّزْ مِذِيِّ)) ) رحمه الله تعالى ،
( قَالَ بَعْضُ الصُّوْفِيَّةِ ): اعلم أن المسلمين بعد رسول الله وَِّ لم يَتَسَمَّ أفاضلُهم في
عصرهم بتسميةٍ عَلمٍ سوى صحبة الرسول الأعظم وَّر، إذ لا فضيلة فوقَها. فقيل
لهم (( الصحابة ))، ولمَّا أدركهم أهلُ العصر الثاني سُمِّ مَن صحب الصحابة
((التابعين)). ورأوا ذلك أشرفَ سِمَة. ثم قيل لمن بعدهم ((أتباع التابعين))، ثم
اختلفت الناس بعدهم وتباينت المراتب فيهم ، فقيل لخواصِّ الناس ممَّن لهم شِدَّة
عناية بأمر الدين ((الزُّهَّاد والعُبَّاد )) . ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق ،
فكل فريق اذَّعَوا أن فيهم زهاداً ، فانفرد خواصُّ أهل السنَّةَ المراعون أنفاسهم مع الله
تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم ((الصوفية)). ثُم التسمية
بـ((الصوفية)) غلبت على هذه الطائفة؛ فيقال ((رجل صوفي))، وللجماعة
((صوفية))، لأنَّ الحقَّ صافاهم وأخلص لهم النعم بما أطلعهم عليه، ومَن يتوصّل
إلى التصوُّف بالاكتساب والتشبُّه بهم يقال له ((متصوِّف))، وللجماعة
((المتصوفة)).
والتصوُّف اسم جامد ؛ كاللَّقب ، وقع على كلِّ مَن اجتمع قلبه وقتَ ذكره ،
وتفرَّق في أحوال أسباب فكره ، وتزايدت أشواقه عند السماع ، وخفيت حقائقه عند
الاجتماع . ولهم فيه تعاريف كثيرة . والقول بأنه مشتقٌّ من الصَّفا، أو من لبس
الصوف ، أو من الصف الأوَّل ؛ يُخوِجُ إلى تكلُّف ، مع عدم الشاهد على ذلك في
١٤٤

اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفُ أَسْمٍ، وَلِلنَّبِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفُ أَسْمٍ) أَنْتُهَى.
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بْنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ لِي أَسْمَاءَ، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ،
معظم الأقوال ؛ وإن كان معانيها لا يخلو عنها الصوفي باعتبار رسمه وحاله .
واعلم أن حقيقة الصوفيِّ : مَن له جِدٌّ وصدق وإخلاص في متابعة سيِّد المرسلين
وإمام المرشدين ؛ عليه وعلى إخوانه صلوات رَبّ العالمين . انتهى .
من (( شرح الرسالة القشيرية )) وحواشيها .
( اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفُ أَسْمٍ، وَلِلنَِّّ وَّهِ أَلْفُ أَسْمٍ. أَنْتَهَى ) كلام النووي المنقولُ
عن ابن العربي رحمهم الله تعالى. قال الشَّاميُّ: والذي وقفتُ عليه من ذلك
خمسمائة اسم ، مع أن في كثير منها نظراً . أو المراد الأوصاف ؛ لا أنَّها كلَّها أعلام
وضعَت له . انتهى .
( وَ) روى البخاريُّ ومسلم؛ (عَنْ جُبَيْرٍ) - بضم الجيم وموحدة،
مصغَّراً - ( ابْنِ مُطْعِمٍ بنِ عَدِيٍّ ) بن نوفل القرشي النوفلي الصحابي العالم
بالأنساب ، أسلم بين الحديبية والفتح ، وقيل : في الفتح . وتوفي سنة : سبع
وخمسين - أو ثمان، أو تسع وخمسين - هجرية. ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ بََّ: ((إِنَّ لِيْ أَسْمَاءً) - كذا رواه الأكثر عن الزُّهري عن شعيب ؛ عند
الشيخين . ومَعْمَر ويونس وعُقَيل وسفيان بن عيينة ؛ عند مسلم والترمذيّ . ورواه
مالك في ((الموطأ))؛ عن الزهري، ومن طريقه أخرجه البخاريُّ أيضاً بلفظ: ((لِي
خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ)) ولم ينفرد بها مالك ، بل تابعه محمد بن ميسرة عن الزهري . أخرجه
البيهقي وأشار إليه عياض، فـ ((خَمْسَةُ )) زيادة ثقة غيرُ منافية ؛ فيجبُ قبولها .
ولهذا تعقّب الحافظ وغيره مَن زعم أنَّها من الراوي كما يأتي. انتهى. ((زرْقاني
على ((المواهب)))).
( أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ ) - أفعل من الحمد، قُطِعَ مُتَعَلِّقُهُ للمبالغة . وبدأ
١٤٥

وَأَنَا أَلْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ أَلْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ أَلَّذِي يُحْشَرُ
النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ ،
بهما !! لأنهما أشهر أسمائه، وقَدَّم محمَّداً !! لأنه أشهرُهما - ( وَأَنَا أُلمَاحِيْ)
- بحاء مهملة - ( الَّذِيْ يَمْحُو اللهُ بِيَ اَلْكُفْرَ ) أي : يزيله ، لأنه بُعث والدنيا مظلمةٌ
بغياهب الكفر؛ فأتى وَلِّ بالنور الساطع حتَّى محاه .
قال القاضي عياض : أي : من مكة وبلاد العرب ، وما زُوي له من الأرض
ووعد أَنَّه يبلغ ملك أمته . قال : أو يكون المحوُ عامّاً بمعنى الظهور والغلبة
﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [٣٣/ التوبة].
وفي (( الفتح )) : استُشْكِل بأنه ما انمحى من جميع البلاد .
وأُجيب بحمله على الأغلب ، أو على جزيرة العرب ، أو أنَّه يمحى بسببه أولاً
فأوَّلاً ، إلى أن يضمحلَّ في زمان عيسى ، فإنَّه يرفع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وتُعُقِّب بأن الساعة لا تقوم إلاَّ على شرار الناس .
ويُجاب بجواز أن يرتدَّ بعضهم بعد موت عيسى، وترسل الريح اللّيّنة فتقبِض
روح كلِّ مؤمن ومؤمنة ؛ فحينئذ فلا يبقى إِلا الشِّرار .
( وَأَنَا أُلحَاشِرُ الَّذِيْ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ ) بكسر الميم وبتخفيف الياء ؛
بالإِفراد ، و[ قَدَمَيَّ ] بتشديد الياء مع فتح الميم على التثنية ، روايتان.
وفي معنى القَدَم قولان: الأثرُ، أو الزمان. فعلى الأوَّل معنى ((على
قدمي)) : على أثري. أي: أنَّه يحشرُ قبل الناس . ويرجِّحُه روايةُ نافع بن جبير
(( بُعِثْتُ مَعَ السَّاعَةِ » .
وعلى الثاني معنى ((على قدميَّ)) أي : وقتَ قيامي على قدميَّ؛ بظهور علامات
الحشر ، إشارة إلى أنَّه لا نبي بعده ؛ ولا شريعة .
واستشكل التفسير باقتضائه أَنَّه محشورٌ ؛ فكيف يُفَسَّر به حاشر اسم فاعل ؟ ! .
وأجيب : بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافةٌ ؛ وهي تصحُّ بأدنى ملابسة ، فلما
١٤٦

وَأَنَا الْعَاقِبُ أَلَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ)).
وَعَنْ حُذَيْفَةَ .
كان لا أمَّة بعد أمته ، لأنَّه لا نبيَّ بعدَه ؛ نُسب الحشر إليه لوقوعه عَقِبَهُ . أو معناه
أول مَن يُحشر ؛ كحديث: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ)) ، أو على مشاهدتي
قائماً لله شاهداً على الأُمم ، وقيل : معنى القَدَم السبب .
( وَأَنَا أَلْعَاقِبُ ) زاد يونس في روايته عن الزهري : ( أَلَّذِيْ لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ ))) وقد
سمَّاه الله رؤوفاً رحيماً . قال البيهقي: ((وقد سمّاه)) مدرجٌ من قول الزهري . قال
الحافظ : وهو كما قال . وكأنه أشار إلى ما في آخر سورة براءة(١) ، وأما قوله :
((الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ)) . فظاهره الإدراج أيضاً ، لكن في رواية ابن عيينة عند
الترمذي وغيره؛ بلفظ (( الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ )) . انتهى.
وجزم السيوطي على ((الموطأ)) بأنه مدرج من تفسير الزهري لرواية الطَّبَراني
الحديثَ من طريق معمر إلى قوله: (( وَأَنَا العَاقِبُ )). قال معمر: قلتُ للزُّهري :
ما العاقب ؟! قال : الذي ليس بعده نبي . قال أبو عبيد : قال سفيان : العاقبُ آخر
الأنبياء . انتهى .
ولا ينافيه رواية « بَعْدِي)) بياء المتكلم !! لأنَّها قد تردُ على لسان المفسِّر حكايةً
عن لسان مَن فَسَّر كلامه إذا قويَ تفسيره عنده ؛ حتَّى كأنَّ نطق به . وفي رواية
نافع بن جبير : فإنَّه عقب الأنبياء . قال الحافظ : وهو محتمِلٌ للرفع والوقف .
انتھی .
( وَ) روى التِّرمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ) أبي عبد الله (حُذَيْقَةَ) بنِ
[ اليمان : ] حِسْل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جِرْوَة بن الحارث بن مازن بن
قطيعة بن عبس بن بغيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن
(١) من قوله تبارك وتعالى ﴿لَقَدْ جَآءُ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ لَِ﴾.
١٤٧

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : لَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضٍ
طِرُقِ الْمَدِينَةِ؛ فَقَالَ: (( أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ،
نزار بن مَعدٍّ بن عدنان العبسي ؛ حليف بني عبد الأشهل ؛ من الأنصار .
قالوا: واليمان لقب ((حِسل)) لُقِّب به . لأنه أصاب دماً في قومه فهرب إلى
المدينة ، فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسمَّاه قومه ((اليمان))، لأنَّه
حالف الأنصار ؛ وهم من اليمن .
أسلم حذيفة وأبوه، وهاجرا إلى رسول الله وَل﴿ وشَهِدا جميعاً أُحُدا (١) وقُتل أبوه
يومئذ ؛ قتله المسلمون خطاً فوهب لهم دمه ، وأسلمت أمُّ حذيفة وهاجرت .
وكان صاحبَ سرِّ رسول الله وَّهِ فِي المنافقين يَعلمُهم وحدَه، وكان كثير السؤال
لرسول الله له عن أحاديث الفتن والشرّ ليجتنبها.
وتوفي بالمدائن سنة : - ٣٦ - ست وثلاثين ، بعد قتل عثمان بن عفان رضي الله
تعالى عنهما بأربعين ليلة ، ولم يُدرك حذيفة وقعةَ الجمل ، لأنَّها كانت في جمادى
الأولى سنة : -٣٦ - ست وثلاثين. (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ)؛ وعن والده ووالدته ،
وعن الصحابة أجمعين . آمين .
( قَالَ: لَقِيْتُ النَِّيَّنَّهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ المَدِيْنَةِ) - أي: سِكَكها - (فَقَالَ: (( أَنَا
مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ) أي: سببها . قال تعالى ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
﴾ [الأنبياء] . فقد رحم الله جميعَ المخلوقات ، لأمنهم به من
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
الخسف والمسخ وعذابِ الاستئصال ، وما بُعِثَ به سببٌ لإسعادهم ، وموجبٌ
لصلاح معاشهم ومعادهم ، فبُعث رحمةً لأمَّته ، ورحمةً للعالمين ، ورحيماً بهم ،
ومترخِّماً مستغفراً لهم ، وجعل أمته مرحومة ؛ ووصفها بالرحمة ، وأمرها بالتراحم
وحضَّ عليه؛ فقال: ((إِنَّ الله يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))، وقال: ((الرَّاحِمُونَ
(١) وإنما لم يشهدا بدراً !! لأن كفار قريش حينما عارضوهما في طريق الهجرة أخذوا منهما عهداً
ألا يقاتلا مع محمد [*]، فاستشار حذيفة رسول الله رضي الله فأمره بأن يبر عهده.
١٤٨

وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَأَنَا الْمُقَفِّي، وَأَنَا الْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ اٌلْمَلَاحِمِ)).
يُرْحَمْهُمُ الرَّحْمُنُ، إِرْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ » ... إلى غير
ذلك . فكانت الرحمة في هذه الأُمَّة أكثرَ من غيرها من الأمم . وبالجملة فقد ظهر
على يد النبي ◌َّ ما لم يظهر على يد غيره .
(وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ ) أي : الآمر بها بشروطها المقررَّة ، أو كثير التوبة إلى الله تعالى،
كثير الرجوع إليه ؛ ((إِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي أَلْيَوْمِ سَبْعِيْنَ مَرَّةً ؛ أَوْ مِائَةَ
مَرَّة )).
( وَأَنَا المُقَفِّي) - بكسر الفاء على أنَّه اسم فاعل، أَو [المُقَفَّى] بفتحها على أنَّه
اسم مفعول -. فمعناه على الأوَّل: الذي قفَّى آثارَ مَن سبقه من الأنبياء ، وتبع
أطوار مَن تقدَّمه من الأصفياء . قال تعالى ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِّةٌ﴾
[٩٠/ الأنعام] أي : في أصل التوحيد ومكارم الأخلاق ؛ وإن كان مخالفاً لهم في الفروع
اتفاقاً . ومعناه على الثاني: الذي قَفَّى به على آثار الأنبياء وختم به الرسالة ، قال
تعالى ﴿ ثُمَّ قَفَّيِّنَا عَلَى ءَاتَّارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ [٢٧/ الحديد]. وفي ذلك من الفضل له وَّ أنَّه
وقف على أحوالهم وشرائعهم ؛ فاختار الله له من كلِّ شيء أحسنَه ، وكان في
قصصهم له ولأمته عِبَرٌ وفوائد .
( وَأَنَا أُلْخَاشِرُ ، وَنَبِيُّ أُلمَلاَحِمِ))) - بفتح الميم وكسر الحاء المهملة - جمع
الملحمة ؛ وهي : الحرب ذات القتل الشديد ، وسُمِّيت بها !! لاشتباك الناس فيها
كالشُّدى واللُّحمة في الثوب . وقيل : لكثرة لحوم القتل فيها .
وسُمِّي (( نَبِيّ الملاحم !! )) لحرصه على الجهاد ومسارعته إليه ، ولم يجاهد
نبيٌّ وأمَّتُه ما جاهد المصطفى ◌َّهِ وأمَّتُه .
أو سُمِّي ((نبيّ الملاحم !! )) لأنه سببٌ لتلاحمهم واجتماعهم .
قال الخَطَّبي: فإن قيل: كيف الجمع بين كونه ((نَبِيّ الرحمة)) و(( نَبِيّ
@﴾ [الأنبياء]؛
الملاحم))؛ لاسيما مع قوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَنَكَ إِلََّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ (
١٤٩

وَمَعْنَى ( الْمُقَفِّي) : الْمُتَّبِعُ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَكَانَ آخِرَهُمْ
وَخَاتِمَهُمْ. وَ( الْمَلاَحِمُ) هِيَ: الْحُرُوبُ .
فَفِي تَسْمِيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيَّ الْمَلاَحِمِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُعِثَ
بِهِ مِنَ الْقِتَالِ بِالسَّيْفِ . وَلَمْ يُجَاهِدْ نَِيٌّ وَأُمَّتُهُ قَطُ مَا جَاهَدَ
ومع قوله ◌َُّ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)) !! ؟
فالجواب: أن بعثه وَّليه بالحرب والسيف من وجوه الرحمة ، لأن الله تعالى أيَّد
رسله عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات ، وجرت عادته تعالى في الأمم السابقة أنهم
إذا كَذَّبوا عُوجلوا بالعذاب المستأصِل إثر التكذيب ، واستُؤْنِيءَ (١) بهذه الأمة ؛ ولم
يعاجَلوا بالعذاب المستأصِل، وأمرَ بجهادهم ليرتدعوا عن الكفر، ولم يُجاحُوا(٢)
بالسيف ، لأن للسيف بقية ، وليس للعذاب المستأصِل بقية .
ومن وجوه الرحمة: ما صحَّ أنَّه وَّهِ جاءه مَلَك الجبال؛ فقال: إن شئتَ
أطبقتُ عليهم الأخشبين . فقال: ((أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ منْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يُؤَخِّدُهُ ؛
وَلاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً » .
ومن وجوه الرحمة أيضاً : أنَّ اللهَ تعالى وضع عن أمَّته الإِصر والأغلال التي
كانت على الأمم قبلها . قال العلماء : وإنما اقتصر على هذه الأسماء !! لأنها
معلومةٌ للأمم السابقة ؛ بكونها في كتبهم .
( وَمَعْنَى المُقَفِّي) - بكسر الفاء ؛ وفتحها - : ( المُتَبِعُ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ ) في
أصل التوحيد ومكارم الأخلاق ، ( وَكَانَ آخِرَهُمْ وَخَاتِمَهُمْ ) ؛ لكونه قَفَّى آثارهم .
( وَأُلمَلاَحِمُ) - بفتح الميم وكسر الحاء المهملة - (هِيَ: أُلْحُرُوبُ ، فَقِيْ
تَسْمِيَّهِ بِّهِ ((نَبِيَّ اُلمَلاَحِمِ)) إِشَارَةٌ إِلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنَ الْقِتَالِ بِالسَّيْفِ ) المُشعِر بكثرة
الجهاد مع الكفار في أيامَ دولته ، ( وَلَمْ يُجَاهِدْ نَبِيٌّ وَأُمَّتُهُ قَطُّ مَا جَاهَدَ ) المصطفى
(١) استُؤْخِر .
(٢) من الجوح : الهلاك والاستئصال .
١٥٠

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ . وَأَلْمَلاَحِمُ الَّتِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمَّتِهِ
وَبَيْنَ الْكُفَّارِ .. لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهُ ؛ فَإِنَّ أُمَتَهُ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ فِي أَقْطَارِ
الأَرْضِ عَلَى تَعَاقُبِ الأَعْصَارِ إِلَى أَنْ يُقَاتِلُوا الأَعْوَرَ الدَّجَّالَ .
وَفِي ((اٌلْتَّهْذِيبِ)) : ( سَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ رَسُولاً ،
نَبِيّاً ، أُمِّيّاً ، شَاهِداً، مُبَشِّراً، نَذِيراً، دَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ ،
﴿وَ﴿ وَأُمَّتُهُ) ، ونُصر بالرعب وأُحلَّت له الغنائم .
واستَشعر نقضَ هذا النفي بنحو قتالِ يوشع الجبّارين ، وقتالِ داود جالوت ،
وحمل الإسرائيلي السلاحَ ألف شهر في سبيل الله ؛ فأشارَ للجواب بقوله :
( وَأَلِمَلاَحِمُ الَّتِي وَقَعَتْ وَتَقَعُ بَيْنَ أُمَّتِهِ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا قَبْلَهَ ) ◌َِ ، ( فَإِنَّ
أُمَّتَهُ) لا يزالون ( يُقَاتِلُوْنَ الْكُفَّارَ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ ) - جمع قُطر - بضم القاف -
هو : الناحية ۔ ( عَلَى تَعَاقُبِ الأَغْصَارِ ) ۔ جمع عصر ؛ وهو الدهر ۔ والجهاد ماضٍ
ومستمرٌّ فِي أُمَّته منذ بعث الله نبيَّهِ وَّهِ (إِلَىْ أَنْ يُقَاتِلُوا) - أي: أُمَّتُهُ - ( اْلأَغْوَرَ
الدَّجَّالَ ) لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، فاستمرارهُ منهم ودوامُه لم يوجد
لغيرهم ، فإنَّ قتالَ مَنْ قبلهم ؛ وإن حصل فيه شدَّة ، لكنه مضى وانقطع .
( وَفِيْ («التَّهْذِيْبِ)) ) للإمام النووي رحمه الله تعالى: ( سَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي
القُرْآنِ ) في سورة الأعراف ( رَسُوْلاً نَبِّ أُمَّاً) ؛ في قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِىِّ الْأُتِىَ﴾ [١٥٧ / الأعراف]، وفي قوله ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ الْأَيِّ﴾
[١٥٨/ الأعراف] والأمّيُّ: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نُسبَ: إِمَّا لِلْأُمِّ ؛ لأنه باقٍ على
حالته التي ولد عليها، أو لـ(( أُمّ القرى)) وهي: مكة ، لكونه ولد بها ؛ قاله الصاوي.
وسمَّاه في سورة الأحزاب : (شَاهِداً) على مَن أُرسل إليهم، (مُبَشِّراً) مَن
صدَّقه بالجنة ، ( نَذِيْراً) منذراً مَن كذَّبه بالنار ، ( دَاعِياً إِلَى اللهِ ) : إلى طاعته ؛
( بِإِذْنِهِ ) : بأمره .
والحكمةُ في الإِذن : تسهيلُ الأمر وتيسيرُه ، لأنَّ الدخول في الشيء من غير إذن
١٥١

وَسِرَاجاً مُنِيراً، وَرَؤُوفاً رَحِيماً، وَمُذَكِّراً، وَجَعَلَهُ رَحْمَةٌ
متعذِّرٌ، فإذا حصل الإذن سَهُل وتيسر. ومن هنا أخذ الأشياخ استعمالَ الإجازة
للمريدين ، فمن أجازه أشياخه بشيء من العلم والإرشاد ؛ فقد سَهُلت له الطريق
وتيسَّرت ، ومن لم تحصل له الإِجازة وتصدّر بنفسه ؛ فقد عطّل نفسه وغيره ،
وانسدَّت عليه الطرق ؛ قاله الصاوي .
( وَسِرَاجاً مُنِيْراً)؛ أي: مَثَلُه في الاهتداء، فهو ◌َّهِ تُّقتبس منه الأنوار الحسيَّة
والمعنوية ، قال تعالى ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ
بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا !
﴾ [الأحزاب] (وَ) سمَّاه الله تعالى في سورة التوبة (رَؤُوْفاً):
شديد الرحمة ؛ ( رَحِيْماً): يريد لهم الخير. قال تعالى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
﴾ [التوبة] . قال الحسن بن المفضَّل: لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين
١٢٨
زَّحِيمٌ
من أسمائه تعالى إِلَّ للنبيِ وَّ فسمَّاه ((رَؤُوْفاً رحيماً))؛ وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ
لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (®﴾ [البقرة].
( وَ) سمَّاه ( مُذَكِّراً) في سورة الغاشية في قوله تعالى ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ
مُذَكِرٌ ﴾﴾ [الغائية] (وَجَعَلَهُ رَحْمَةً) للعالمين، ورحمة مهداة، قال تعالى ﴿ وَمَآ
[الأنبياء] فهو رحمة لجميع الخلق : المؤمن
أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
بالهداية ، والمنافق بالأمان من القتل ، والكافر بتأخير العذاب عنه .
وروى الحاكم ؛ عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - رفعه: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ
مُهْدَاةٌ)). وللطبراني: ((بُعِثْتُ رَحمَةً مُهدَاةٌ )) ، قال ابن دحية : معناه : أن الله بعثني
رحمة للعباد لا يريد لها عوضاً ، لأن المُهدِي إذا كانت هديَّتُه عن رحمة لا يريد لها
عوضاً . انتهى .
وقال أبو بكر بن طاهر - رحمه الله تعالى -: زَيَّن الله تعالى محمداً وَل بزينة
الرحمة ، فكَوَّنَه وجميعَ شمائله وصفاته رحمةً على الخلق ، وحياته رحمة ، وموته
رحمة، كما قال ◌َّ: ((حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ))، وكما قال ((إِذَا أَرَادَ
اللهُ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطاً وَسَلَفاً)) . انتهى ؛ قاله الزرقاني .
١٥٢

وَنِعْمَةً وَهَادِياً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ: وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
( وَ) جعله (نِعْمَةً) - بالكسر -: الحالة الحسنة. فهو ◌َّه النعمة العظمى على
العالم ؛ لكونه رحمة للعالمين ونوراً . قال سهل بن عبد الله التُّستَري - في قوله
تعالى ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِلَا تُخْصُوهَاً﴾ [٣٤/ إبراهيم] - قال: نعمته محمد نَّ. وقال
تعالى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [٨٣/ النحل) يعني: يعرفون أنَّ محمداً نبيٌّ
بالمعجزات الظاهرات ثم يكذِّبُونه ؛ ◌ِناداً وافتراءً . وهذا التفسير مرويٌّ عن
مجاهد، والسُّدِّي؛ وقال به الزجَّاج. انتهى ((زرقاني)).
( وَ) جعله (هَادِياً ◌َّي) أي: دالاً، وداعياً ؛ أي : ذا دَلالة ودعاء، لأنه اسم
فاعل من هَدَى ؛ هداية . وأَصل معنى الهداية : الدلالة بلطفٍ لما يوصل ، أو
الموصلة - على الخلاف المشهور - .
وهي أنواع: ما يعمُّ كلَّ مكلَّف من العقل والعلومِ الضروريَّة ، ودعاؤه إيَّاهم
على أَلْسِنة رسله ، والتوفيق الذي يختصُّ به مَن اهتدى ، والتي في الآخرة في قوله
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ [٤٣/ الأعراف] ولا يقدر الإنسان يهدي إِلا بالدعاء ؛ أي :
الدعوة. ومنه قوله ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٥﴾ [الرعد] أي: داع. وتُطلق على خَلْق
الاهتداء ؛ وهو التوفيق ، وذلك مختصٌّ بالله، ولذا قال ﴿لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾
[٥٦/ القصص]. انتهى ((زرقاني)).
و ( قَالَ ) ؛ أي النووي أيضاً ؛ في كتاب (( التهذيب )» بعد ما سبق -:
( وَعَنْ ) أبي العبَّاس عبدِ الله ( بْنِ عَبَّاسٍ ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي
المكي الصحابي ابن الصحابي (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا) ابنِ عمِّ رسول الله ◌ُِّ ، حبر
الأمة، وبحر العلوم ، وترجمان القرآن ، دعا له رسول الله و * بالحكمة ، وحَنگه بريقه
حين ولد ؛ وهم في الشّعْب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهو أحد العبادلة الأربعة ،
وأحد المكثرين في الرواية ، وكانت تُشَدُّ إليه الرِّحال ، ويُقصد من جميع الأقطار .
١٥٣

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِسْمِي فِي الْقُرْآنِ:
مُحَمَّدٌ ، وَفِي الإِنْجِيلِ : أَحْمَدُ ، وَفِي الثَّوْرَاةِ : أُحِيدُ ،
رُوي له عن النبي ◌َّر ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا؛ اتفق
البخاري ومسلم منها على خمسةٍ وتسعين ، وانفرد البخاريُّ بمائة وعشرين ، ومسلمٌ
بتسعة وأربعين. وتوفي رسول الله وَ الر ؛ وهو ابن ثلاثَ عشرةَ سنة .
وكانت وفاته بالطائف سنة : ثمان وستين . وصلَّى عليه محمد بن الحنفية ،
وقال : اليوم ماتَ ربَّانِيُّ هذه الأمَّة . رحمه الله تعالى ورضي عنه . آمين.
( قَالَ ) ؛ أي : ابنُ عباس ؛ فيما أخرجه ابن عدي وابن عساكر بسند واهٍ عنه .
( قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((اِسْمِي فِي القُرْآنِ: مُحَمَّدٌ، ) هو في الأصل اسم
مفعول الفعل المضاعف ؛ وهو حَمَّدَ ، سمِّي بذلك إلهاماً من الله تعالى ، ورجاءً
لكثرة الحمد لَهُ . ولذلك قال جدُّه ( لما قيل له: لِمَ سَمَّتَ ابنك محمداً ؟ وليس من
أسماء آبائك ولا قومك !! ) : رجوتُ أن يُحمد في السماء والأرض . وقد حقَّق الله
رجاءه ، فإنَّ الله حمده حمداً كثيراً بالغاً غايةَ الكمال ، وكذلك الملائكة والأنبياء
والأولياء في كلِّ حال ، وأيضا يحمده الأوَّلون والآخِرون وهم تحتَ لوائه يوم القيامة
عند الشفاعة العظمى .
( وَفِي الإِنْجِيْلِ: أَحْمَدُ ، ) هو في الأصل أَفعل تفضيل ، سُمِّي بذلك !! لأنه
أحمدُ الحامدين لربِّه. ففي ((الصحيح)): أنه يُفتح عليه يوم القيامة بمحامدَ لم يُفتح
بها على أحد قبله . ولذلك يُعقد له لواء الحمد ، ويُخصُّ بالمقام المحمود .
وبالجملة : فهو أكثر الناس حامديَّة ومحموديَّة، فلذلك سُمِّي ((أحمد))
و((محمد)). ولهذين الاسمين الشريفين مَزِيَّة على سائر الأسماء ؛ فينبغي تحرِّي
التسمية بهما .
( وَفِي النَّوْرَاةِ أُحِيْد ، ) - بهمزة مضمومة ، ثم حاء مهملة مكسورة ؛ فمثناة
تحتية ساكنة ، ثم دال مهملة - هكذا ضبطه بعضهم على وزن الفعل فهو عربي .
١٥٤

وَإِنَّمَا سُمِّيتُ أَحِيدُ لأَنِّي أُحِيدُ أُمَّتِي عَنْ نَارِ جَهَنَّمَ )) .
وَزَادَ نَقْلاً عَنِ ابْنِ عَسَاكِرَ :
والمشهور ضبطه [ أَحْيَد ] - بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة
التحتية ؛ على وزن اسم التفضيل -، وبه ضبطه البرهان في (( المقتفى)). قال
الشُّمُنِّي : وهو المحفوظ . وهو غير عربي .
( وَإِنَّمَا سُمِّيْتُ ((أَحِيدُ )) لأَنِّي أُحِيْدُ أُمَّتِيْ عَنْ نَارِ جَهَنَّمَ )) ) ؛ أي : أدفعُهم
وأُباعدهم عنها بشفاعتي . أو لأنَّه حادَ عن الطريق الباطل ، وعَدَل بأمَّتِّه إلى سبيل
الحق . وهو غير منصرف ؛ للعلمية والعُجمة على الثاني ، أو وزن الفعل مع العلمية
على الأول . نقله الشامي ؛ عن البلقيني .
(وَزَادَ) - أي: النووي في ((التهذيب)) - (نَقْلاً عَنْ) ((تاريخ دمشق)) للإمام
علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي الدمشقي أبي القاسم ( ابْنِ
عَسَاكِرَ ) ؛ أحد أكابر حفاظ الحديث ومَن عُني به ؛ سماعاً وجمعاً ، وتصنيفاً
واطلاعاً ، وحفظاً لأسانيده ومتونه ، وإتقانه لأساليبه وفنونه . وقد أكثر في طلب
الحديث من الترحال والأسفار ، وجاز المدن والأقاليم والأمصار ، وهو رفيقُ
أبي سعد بن السَّمعاني (صاحب ((الأنساب))) في رحلاته .
وكان(١) ولادةُ ابن عساكر في دمشق سنة : - ٤٩٩ - تسع وتسعين وأربعمائة
هجرية .
وصنَّّ ((تاريخ الشام الكبير )) في ثمانين مجدداً ، فحاز فيه قَصَب السبق . ومَن
نظر فيه وتأمَّله رأى ما وصفه فيه وأَصَّله ، وحكم بأنه فريدُ دهره في التواريخ ، وأَنَّه
الذروةُ العلياء من الشماريخ . وقد اختصره الشيخ عبد القادر بدران بحذف الأسانيد
والمكرَّرات، وسَمَّى المختصر ((تهذيب تاريخ ابن عساكر)). وطُبع من
((التهذيب)) نحو سبعة أجزاء.
(١) يجوز تذكير الفعل وتأنيثه إذا كان الفاعل مؤنثاً مجازياً .
١٥٥

اُلْفَاتِحَ ، وَطَلهَ ،
٠٠
وله غيره من المؤلفات في الحديث. وغيره؛ مثل: ((أطراف الكتب الستة))،
و((المعجم المشتمل لشيوخ النبل))، و(( كشف المغطّى في فضل الموطّا))،
و (( تبيين الامتنان في الأمر بالاختتان)). وكتاب (( أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً ؛
من أربعين مدينة))، و((تاريخ المزة))، و((معجم الصحابة))، و((معجم النسوان))،
و(تهذيب المُلتَمَس من عوالي مالك بن أنس))، و(( معجم أسماء القرى
والأمصار ))، و(( تبيين كذب المفتري في ما نُسب إلى أبي الحسن الأشعري)).
وكانت وفاته في الحادي عشر من رجب الحرام سنة : - ٥٧١ - إحدى وسبعين
وخمسمائة ، وعمره : اثنان وسبعون سنة . وحضر السلطان صلاح الدين جنازته ،
ودفن بمقابر باب الصغير . رحمه الله تعالى . آمين .
( ((الْفَاتِحَ ) في حديث الإسراء ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ؛ من
طريق الربيع بن أنس: قول الله تعالى له فيما خاطبه به ليلة المعراج: (( وَجَعَلْتُكَ
فَاتِحاً وَخَاتِماً)). وفي حديث أبي هريرة أيضاً في الإِسراء قوله ◌َّه حين أثنى على
ربه : (( وَجَعَلَنِي فَاتِحاً وَخَاتِماً))، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان
مرتجاً ، وفتح أمصار الكفر ، وفتح أبواب الجنة ، وفتح به أَغْيُناً عُمياً وآذاناً صُمّاً
وقلوباً غُلفاً، وفَتَح به طُرُق العلم النافع ، وطرق العمل الصالح ؛ فسلكهما
المؤمنون . وفتح به الدنيا والآخرة ، والقلوبَ والأسماع والأبصار ، وقد يكون
المراد بـ((الفاتح)): المُبَدَّأ، أي: المقدَّم في الأنبياء والخاتم لهم . كما قال عليه
الصلاة والسلام: ((كُنْتُ أَوَّلَ النَِّيْنَ فِي الخَلْقِ وَآخِرَهُمْ في الْبَعْثِ)) . انتهى ؛ من
((المواهب)).
(وَطّه) روى الحافظ النّقَّاش؛ عنه عليه الصلاة والسلام: ((لِي فِي القُرْآنِ
سَبْعَةُ أَسْمَاءِ : مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ ، وَيَاسِيْنُ ، وَطَهَ، وَأَلْمُزَّمِّلُ، وَالمُدَّثِّرُ ، وَعَبْدُ
اللهِ )) وهذا إِن صحَّ ؛ فيفيد أنَّ خمسةً في حديث جبير بن مطعم السابق الواقع في
بعض الروايات ، المرادُ منها : الحصر المقيَّد ؛ لا المطلق .
١٥٦

وَيَاسِينَ ،
وقد روى ابن عدي في ((الكامل))؛ عن جابر وغيره مرفوعاً: ((إِنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي
عَشَرَةَ أَسْمَاء)) فذكر الخمسة التي في حديث جبير ؛ وزاد: (( وَأَنَا رَسُولُ الرَّحْمَةِ ،
وَرَسُولُ الثَّوْبَةِ، وَرَسُولُ المَلاَحِمِ ، وَأَنَا الْمُقَفِّي؛ قَفَّيْتُ النَِّيْنَ عَامَّةً، وَأَنَا قُثَمُ)) :
والقثم : الكامل الجامع .
وروى ابنُ مردويه، وأبو نعيم في ((الدلائل))؛ عن أبي الطفيل رَفَعَهُ: ((لِي
عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ رَبِّي: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَلْفَاتِحُ ، وَأُلخَاتِمُ ، وَأَبُو
اٌلْقَاسِمِ، وَالْحَاشِرُ، وَالْعَاقِبُ، وَأَلمَاحِي، وَيَاسِيْنُ، وَطَهَ)). قيل: معنى طه :
يا رجل . وقيل : هو اسم الله . وقيل معناه : يا إنسان . وقيل معناه : يا طاهر ؛
يا هادي ، وقيل معناه: يا مطمع الشفاعة للأمة ، ويا هادي الخلق إلى الملَّة .
( وَيَاسِيْن)، روي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: ((لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةُ
أَسْمَاء)) ... الحديث السابق آنفاً الذي رواه ابن مردويه وأبو نعيم ؛ عن أبي
الطُّفَيَل ، لكن ضعَّفه ابن دحية ؛ وتبعه السيوطي بأنَّ فيه أبا يحيى وَضَّاعٌ ، وسيف بن
وهب ضعيف . قال الشامي : ولیس کذلك ، فإن أبا يحيى التيميَّ اثنان :
١ - إسماعيل بن يحيى الوضَّاع المجمع على تركه ؛ وليس هو الذي في سند
هذا الحديث !! .
و٢ - إسماعيل بن إبراهيم التيمي ، كذا سُمِّيَ هو وأبوه في رواية ابن عساكر ؛
وهو - كما قال الحافظ في (( التقريب)) - ضعيف. انتهى. أي: لاَ وَضَّاع ، فيكون
في سنده ضعيفان ، فهو ضعيفٌ فقط . ورواه البيهقيُّ ؛ عن محمد بن الحنفية
مرسلاً؛ فيُعتَضَد. انتهى ((زرقاني)).
وقيل: معنى ياسين: (( يا إنسان)) بلغة طي ؛ قاله ابن عباس والحسن .
وقيل : يا محمد ؛ قاله ابن الحنفية والضَخَاك . وقيل : يا رجل ؛ قاله أبو العالية .
وعن أبي بكر الوراق : يا سيِّد البشر . وعن جعفر الصادق : أنه أراد يا سيِّد ؛
مخاطبةً للنبي وَّر، وفيه مِن تعظيمه وتمجيده ما لا يخفى. انتهى ((مواهب)).
١٥٧

وَعَبْدَ اُللهِ ،
( وَعَبْدَ الله)، سمَّاه الله تعالى به في أشرف مقاماته صريحاً؛ في قوله ﴿ وَأَنَّهُ لَّاً
قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [١٩/ الجن]. أو معنىَ؛ كبقية الآيات لإضافة ((عبد)) فيها إلى ضميره
تعالى، فساوى في المعنى ((عبد الله)) فلا يرد : أنّه لم يسمِّه به إلاَّ في آية واحدة .
قال تعالى ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيّبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُوا بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ،﴾ [٢٣/ البقرة].
﴾ [١/ الفرقان]، وقال ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ
﴿ تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [١/ الكهف]، فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه ،
وفي مقام التحدِّي بأن يأتوا بمثله، وقال تعالى ﴿ وَأَنَُّ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [١٩/ الجن]
فذكره في مقام الدعوة إليه بالعبودية ، وقال تعالى ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾
[١/ الإسراء]، وقال ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ﴾ [١٠/ النجم]. ولو كان له اسم أشرفَ منه لسمَّاه به
في تلك الحالات العلية !!.
ولمَّا رفعه الله تعالى إلى حضرته السنيّة، وَرَقَّهُ إلَى أَعْلَى المعالي العلوية ،
أَلْزَمَهُ - تشريفاً له - اسمَ العبودية . وقد جمع بين صفتها ظاهراً وباطناً ؛ فكان يجلسُ
للأكل جلوسَ العبد ، وكان يتخلَّى عن وجوه الترفُّعات كلِّها في مأكله وملبسه ومبيته
ومسكنه ، كما يأتي تفصيلُ ذلك كلِّه في شمائله ؛ إِظهاراً لظاهر العبودية فيما يناله
العيان، صدقاً عمَّا في باطنه مِن تحقّق العبودية لربِّه، تحقيقاً لمعنى ﴿ وَلَّذِى جَّءَ
بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ﴾ [٣٣/ الزمر].
ولما خُيّر بين أن يكون نبيّاً ملكاً ، أو نبيّاً عبداً ؛ اختار أن يكون نبيّاً عبداً ،
فاختار ما هو الأتمُّ، فكان ◌َله يقولُ - كما في (( الصحيح))؛ من حديث عمر - :
((لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيْسَىُ، وَلكِنْ قُولُوا (عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه))).
فأثبتَ ما هو ثابتٌ له من العبودية والرِّسالة ، وأسلم لله ما هو له ؛ لا لسواه . وليس
للعبد إِلّ اسمُ العبد، ولذا كان ((عبد الله)) أحبَّ الأسماء إلى الله؛ كما قال ◌َّر:
((أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ)). رواه مسلم. انتهى
((مواهب)).
١٥٨

وَخَاتِمَ الأَنْبِيَاءِ . وَقَالَ الْقُسْطُلأَنِيُّ فِي ((الْمَوَاهِبِ)) ، وَأَلْبَاجُورِيُّ فِي
((حَاشِيَةِ الشَّمَائِلِ)): ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ (( شَوْقُ الْعَرُوسِ وَأُنْسُ
النُقُوسِ )) ، وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الدَّامَغَانِيُّ نَقْلاً عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ
( وَخَاتِمَ الأَنْبِيَاءِ ) ؛ هو اسم مستقلٌّ في العدِّ ؛ وإن كان بمعنى خاتم النبيين .
(وَقَالَ ) العلاَّمة الحافظ أبو العبَّاس: أحمد بن محمد شهاب الدين ( القُسْطُلاَِّيُّ )
المصريُّ الشافعي رحمه الله تعالى؛ ( فِي («المَوَاهِبٍ ) اللَّدُنيَّة بالمِنَحِ المُحَمَّدِيَّةِ )).
الذي كلُّه حسناتٌ ، ( وَ) الإِمام العالم العامل برهان الدين : إبراهيم بن محمد بن
أحمد ( ألبَاجُوْرِيُّ) شيخُ الجامع الأزهر؛ (فِي «حَاشِيَةِ الشَّمَائِلِ)) ) الترمذية
المسماة ((المواهب اللدنيّة على الشمائل المحمديّة)) (ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ (( شَوْقُ
العَروسِ، وَأُنْسُ النُّفُوسِ))؛ وَهُوَ) الإمام أبو عبد الله: ( حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) بن
إبراهيم ( الدَّامَغَانِيُّ) - بفتح الميم والمعجمة - نسبة إلى ((دامغان)) : مدینة من بلاد
((قومس )) المتوفّى سنة : -٤٧٨ - ثمانٍ وسبعين وأربعمائة هجرية، رحمه الله تعالى،
من مؤلفاته كتاب ((الزوائد والنظائر وفوائد البصائر))، و(( شوق العروس وأُنس
النفوس))، وكذا ذكره الحافظ ابن الجوزيٍّ في كتاب ((التّبصرة))؛ (نَقْلاً عَنْ ) أبي
إسحاق ( كَعْبِ الأَحْبَارِ ) التابعيِّ المشهور ابنِ ماتع بن هينوع - ويقال : هيسوع -
ويقال : عمرو بن قيس بن معن بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن
جمهر بن قطن بن عوف بن زهير بن أيمن بن حِمْيَر بن سبأ الحميري .
أدرك النبيَّ ◌َّهِ؛ ولم يره ، وأسلم في خلافة أبي بكر ، وقيل : في خلافة عمر
رضي الله تعالى عنهما . وصحب عُمَر وأكثر الرواية عنه ، ورَوَى أيضا عن صهيب ،
وروَى عنه جماعة من الصحابة ؛ منهم ابن عُمر ، وابن عبّاس ، وابن الزبير ، وأبو
هريرة ، وخلائق من التابعين ؛ منهم ابن المسيّب .
وكان يسكن حمص ، ذكره أبو الدرداء ، فقال : إِن عنده علماً كثيراً . واتفقوا
على كثرة علمه وتوثيقه . ولا عبرةَ بكلام مَن طعن فيه ؛ كابن كثير في (( البداية )).
وكان قبل إسلامه على دين اليهود ، وكان يسكن اليمن .
١٥٩

أَنَّهُ قَالَ : اِسْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَنَّةِ: عَبْدُ
اُلْكَرِيمِ، وَعِنْدَ أَهْلِ النَّارِ : عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعَرْشِ: عَبْدُ
اُلْحَمِيدِ، وَعِنْدَ سَائِرِ الْمَلاَئِكَةِ: عَبْدُ الْمَجِيدِ ، وَعِنْدَ الأَنْبِيَاءِ: عَبْدُ
اُلْوَهَّابِ ، وَعِنْدَ الشَّيَاطِينِ : عَبْدُ اَلْقَهَّارِ ،
وتوفِّي في خلافة عثمان سنة : اثنتين وثلاثين ؛ وقد جاوز المائة ، ودفن
بحمص متوجُّهاً إلى الغزو. وما وقع في ((الكشاف)) وغيرِه « أنَّه أدرك زمن
معاوية)) !! فلا عبرةً به . وروى له السنَّة ؛ إِلا البخاري ، فإنَّ له فيه حكايةً لمعاوية
عنده . ومناقبه وحِكَمُهُ وأحواله كثيرة مشهورة . رحمه الله تعالى آمين .
( أَنَّهُ قَالَ ) - فيما تلقَّاه من الكتب السابقة ؛ لأنَّه حبرُها - :
( اسْمُ النَّبِيِّ بَّهِ عِنْدَ أَهْلِ الجَنَّةِ ((عَبْدُ الكَرِيْمِ)) )، لأنَّ الذي أوصلهم إليها
فتكرَّم الله عليهم فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ؛ ولا خطر على قلب بشر :
هو المصطفى ◌َله بشفاعته في فصل القضاء الذي تنصَّل منه الرؤساء ، ولأنَّ الذي
ابتدأَ فتح بابها لهم ، ولأنَّ تكُّم الله عليه فيها لا يضارعُه شيءٌ .
( وَعِنْدَ أَهْلِ النَّارِ ((عَبْدُ الجَبَّارِ)) ) لأنَّ جَبَرهم وقهرهم بالخلود فيها ؛
لمخالفته ◌َ *، ومخالفةِ مَن قبله، لأنَّ تكذيب واحدٍ تكذيبٌ للجميع ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح
١٠﴾ [الشعراء] .
الْمُرْسَلِينَ
(وَعِنْدَ أَهْلِ العَرْشِ ((عَبْدُ الحَمِيْدِ)) ) لحمده على إسرائه إليه ، وحمدهم على
رؤيته وَخلو عنده .
( وَعِنْدَ سَائِرِ المَلائِكَةِ ((عَبْدُ المَجِيْدِ)) )، لأنَّ كُلاّ منهم يمجِّدُ الله تعالى ويعبده
بنوع، وجَمَعَها الله كلَّها له ◌َلِتِ .
( وَعِنْدَ الأَنْبِيَاءِ ((عَبْدُ الوَهَّابٍ)))، لأنَّ الله تعالى وهبهم النبوّة والآياتِ
البينات ، ثم وهبه ما وهبهم ورفعه عليهم درجات .
( وَعِنْدَ الشَّيَاطِيْنِ ((عَبْدُ القَهَّارِ)) ) ؛ لأنه قهرهم وأذلَّهم ببعثته ، ومنعهم من
استراق السمع وغير ذلك .
١٦٠