Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١٠
ما ناظرتُك إن شاء الله بما تكره . وقد بعثتُ بِشْر بن صَفْوان ، وعبد الله بن
عَجْلان وخالد بن سالم ينظرون فى ذلك ، فإن وجدوه حقًّا ردّوا إلى الناس الثمر
الذى أُخذ منهم وأخذوا بسعر ما باع أهل الأرض عليهم ، ولا يدّعون شيئًا ممّا
بلغنى إلّ نظروا فيه ، فلا تغرض لهم .
أخبرنا علىّ بن محمد، عن حمّاد بن سلمة ، عن يونس بن عُبيد أنّ رجلاً من
الأنصار أتَى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين أنا فلان بن فلان قُتل جدّى
يوم بدر وقُتل أبى يوم أَحُدٍ . فجعل يذكر مناقب آبائه . فنظر عمر إلى عَنْبَسَة بن
سعيد وهو إلى جنبه فقال : هذه والله المناقب لا مناقبكم مَشْكِن ودَيْر
الجماجم :
تلكَ المَكارِمُ لا تَعْبانِ مِنْ لبنِ شِيبا بماءٍ فَعادا بَعْدُ أَبْوالا
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن بشر بن عبد الله بن عمر قال : كتب عمر بن
عبد العزيز إلى حُميد بن سلمة: أمّا بعد فأصْلح الذى بينك وبين الله واعلم أنّى قد
أشركتُك فى أمانةٍ عظيمة فإن ضيّعتَ حقًّا من حقوق الله كنتَ أهْون خلقه عليه
ثمّ لا يُغْنى عنك عمر من الله شيئًا .
أخبرنا علىّ بن محمد عن خالد بن يزيد ، عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد
العزيز إلى العمال فى النياحة واللهو : بلغنى أن نساء من أهل السفه يخرجن عند
موت الميّت منهنّ ناشرات شعورهنّ يَنُحْنَ كفعل أهل الجاهليّة ، وما رُخّصّ
للنساء فى وضْع ◌ُمرهنّ منذ أَمرن أن يضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ، فتقدّموا فى
هذه النياحة تقدّمًا شديدًا ، وقد كانت هذه الأعاجم تلهو بأشياء زيّنها الشيطان
لهم ، فازْجر مَنْ قِبَلك من المسلمين عن ذلك ، فلعمرى لقد أنى لهم أن يتركوا
ذلك مع ما يقرءون من كتاب الله ، فازْجر عن ذلك الباطل واللهو من الغناء
وما أشبهه فإن لم ينتهوا فنكّلْ من أتى ذلك منهم غير متعدٍّ فى النكال .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن أبى أيوب ، عن خُليد بن عَجْلان قال : كان عند
فاطمة بنت عبد الملك جوهر ، فقال لها عمر : من أين صار هذا إليك ؟ قالت :
أعطانيه أمير المؤمنين . قال : إمّا أن تردّيه إلى بيت المال وإما أن تأذنى لى فى

٣٨٢
فراقك (١) فإنّى أكره أن أكون أنا وأنت وهو فى بيت . قالت : لا بل أختارُك على
أضعافه لو كان لى . فوضعتْه فى بيت المال . فلمّا ولى يزيد بن عبد الملك قال
لها : إن شئتِ رددتُه عليك أو قيمته . قالت : لا أريده ، طبتُ به نفسًا فى حياته
وأرجع فيه بعد موته ! لا حاجة لى فيه . فقسمه يزيد بين أهله وولده (٢) .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن لوط بن يحتى الغامدى قال : كان الولاة من بنى
أميّة قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون عليًّا، رحمه الله ، فلمّا ولى عمر أمسك عن
ذلك فقال كُثَيْر عَزّة الخُزاعى :
بِرِيًّا ولم تَتَبَعْ مقالةً مُجْرِمِ
وَلیتَ فلمْ تَشتم عليًّا ولم تُخِفْ
تَبِيُّنُ آيَاتِ الهُدَى بالتّكَلّمِ
تكَلّمْتَ بالحَقّ المُبينِ وإنّما
فعلتَ فأضْحِى راضيًا كُلّ مسلمٍ (٣)
فصَدّقتَ معروفَ الذى قلتَ بالذى
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن إدريس بن قادم قال : قال عمر بن عبد العزيز لميمون
ابن مِهْران : يا ميمون كيف لى بأعوان على هذا الأمر أثقُ بهم وآمنُهم ؟ قال:
يا أمير المؤمنين لا تشغل قلبك بهذا فإنّك سوق وإنّما يُحْمَل إلى كلّ سوق ما ينفق
فيها ، فإذا عرف الناس أنّه لا ينفق عندك إلاّ الصحيح لم يأتوك إلاّ بالصحيح (٤).
أخبرنا علىّ بن محمد عن خالد بن يزيد بن بِشْر، عن أبيه قال : سُئل عمر بن
عبد العزيز عن علىّ وعثمان والجَمَل وصِفّين وما كان بينهم فقال : تلك دماء كفّ
الله يدى عنها وأنا أكره أن أغمس لسانى فيها .
أخبرنا علىّ بن محمد عن خالد بن يزيد بن بشر ، عن أبيه قال : أصاب
المسلمون فى غزوهم الصائفة غلامًا من أبناء الروم صغيرًا فبعث أهله فى فدائه ،
فشاور فيه عمر فاختلفوا عليه فقال: ما عليكم أن نفديه صغيرًا ولعلّ الله أن يُمْكِنَ
منه كبيرًا . فقدوه بمال عظيم ثمّ أَخذ أسيرًا فى آخر خلافة هشام فقُتل .
(١) ث ((وإما أن تأذنينى فى فراقك)) ومثله فى طبعة ليدن. وجاء بحواشيها ((المتوقع: تأذنى
لی)). والمثبت لدى ابن الجوزى فى سيرة عمر ص ١٢٧، وتاريخ الخلفاء للسيوطى ص ٢٣٢
(٢) ابن الجوزى فى سيرة عمر ص ١٢٧، والسيوطى فى تاريخ الخلفاء ص ٢٣٢
(٣) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٥ ص ١٤٧ نقلا عن ابن سعد .
(٤) أورده ابن الجوزى فى سيرة عمر ص ٨٩ نقلا عن ابن سعد .

٣٨٣
أخبرنا علىّ بن محمد عن عمرو بن جَبَّلة ، عن محمد بن الزّبير الحَنْظلى
قال: رأى عمر بن عبد العزيز رجلًا يكتب على الأرض بسم الله الرحمن الرحيم ،
فنهاه وقال : لا تَعُدْ .
أخبرنا علىّ بن محمد عن أبى يعقوب بن زيد قال : أجاز عمر بن عبد العزيز
عبد الحميد بن عبد الرحمن ، وكان عامله على العراق ، بعشرة آلاف درهم .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبة قال : كتب عمر بن
عبد العزيز إلى سليمان بن أبى كريمة : إنّ أحقّ العباد بإجلال الله والخَشْية منه مَن
ابتلاه بمثل ما ابتلانى به ، ولا أحد أشدّ حسابًا ولا أهون على الله إن عصاه منی
فقد ضاق بما أنا فيه ذرعى وخفت أن تكون منزلتى التى أنا بها هلاكًا لى إلاّ أن
يتدار كنى الله منه برحمة ، وقد بلغنى أنّك تريد الخروج فى سبيل الله فأحبّ
يا أخى إذا أخذتَ موقفك أن تدعو الله أن يرزقنى الشهادة فإنّ حالى شديدة
وخطرى عظيم ، فأسأل الله الذى ابتلانى بما ابتلانى به أن يرحمنى ويعفو عنى .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن خالد بن يزيد بن بشر ، عن أبيه قال : كان من
خاصّة عمر بن عبد العزيز ميمون بن مِهْران ، ورَجاء بن حَيْوة ، ورِياح بن عُبيدة
الکندی ، و کان قوم من دون هؤلاء عنده ، عمرو بن قيس ، وعون بن عبد الله بن
عُثْبَة ، ومحمد بن الزبير الحَنْظَلى .
أخبرنا علىّ بن محمد عن مَسْلَمة بن محارب وغيره قال : خرج بلال بن أبى
ثُودة وأخوه عبد الله بن أبى ثُودة إلى عمر بن عبد العزيز فاختصما إليه فى الأذان
فى مسجدهم فارتاب بهما عمر فدسّ إليهما رجلًا يقول لهما : أرأيتما إن كلّمتُ
أمير المؤمنين فولاًكما العراقَ ما تجعلان لى ؟ فبدأ الرجل ببلال فقال له ذلك
فقال: أعطيك مائة ألف . ثمّ أتَى أخاه فقال له مثل ذلك . فأخبر الرجل عمر فقال
لهما : الحقا بمصركما . وكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن : لا تولّ بلالاً
بلالَ الشرّ ولا أحدًا من ولد أبى موسى شيئًا .
وقال بعضهم : كتب لا تولّ بُلَيِّلَ الشرّ. صغّر بلالاً .
أخبرنا علىّ بن محمد عن عَوانة بن الحكم الكلبى قال : مات سليمان بن
عبد الملك بدابِق واستُخلف عمر بن عبد العزيز ، فخطب عمر الناسَ فقال : والله

٣٨٤
ما أردتُها ولا تمنّيتُها ، فاتّقوا الله وأعطوا الحقّ من أنفسكم ورُدّوا المظالم ، فإنّى
والله ما أصبحتْ بى موجدة على أحد من أهل القبلة إلاّ موجدة على ذى إسراف
حتى يردّه الله إلى قَصْد . قال وكتب إلى مَسْلَمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول ،
وأرسل إلى الناس بالإذن والقفول .
أخبرنا علىّ بن محمد عن عبد الله بن عمر الثعلبى أحد بنى ضِبارى بن عُبيد
ابن ثعلبة بن يربوع ، والمثنى بن عبد الله قالا : كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم
أن یکتب إلیه بسیرة عمر ، فکتب إلیه سالم : إنّ عمر کان فی غیر زمانك ومع غیر
رجالك ، إنّك إن عملتَ فى زمانك ورجالك بمثل ما عمل به عمر فى زمانه
ورجاله كنتَ مثل عمر وأفضل .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : قاد الناس
الخيل إلى سليمان بن عبد الملك فمات قبل أن يُجْريها فاستحيا عمر من الناس
فأجرى الخيل التى جمعت ، ثمّ أعطى آخر فرس جاء لم يخيّب أحدًا ، ثمّ لم يُجْرِ
فرسًا حتى مات .
أخبرنا علىّ بن محمد ، عن مَسْلَمة بن محارب قال : كتب عمر إلى عدىّ :
إنّ العُرَفاء من عشائرهم بمكان فانظر عرفاء الجند فمن رضيتَ أمانته لنا ولقومه
فأقْبِتْه ومن لم تَرْضَه فاستبدلْ به من هو خير منه ، وأبلغ فى الأمانة والورع .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن علىّ بن الحسن بن شقيق قال : حدّثنا عبد
الله بن المبارك عن أبى المُنيب عن الحسن بن أبى العَمَرّطة قال : رأيتُ عمر بن
عبد العزيز قبل أن يُشْتخلف فكنتَ تعرف الخير فى وجهه ، فلمّا استُخلف رأيت
الموت بين عينيه .
: أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عبد الرحمن بن مهدىّ ، عن مالك بن
أنس قال : لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة قال : يا مزاحم نخشى أن
نكون ممن نفت المدينة .
أخبرنا عتّاب بن زياد ، عن عبد الله بن المبارك قال : أخبرنى أبو الصبّاح
قال: حدّثنى سهل بن صدقة مولى عمر بن عبد العزيز قال : حدّثنى بعض خاصّة
آل عمر بن عبد العزيز أنّه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا فى منزله بكاء عاليًا

٣٨٥
فسأل عن ذلك البكاء فقيل إنّ عمر قد خيّر جواريه ، قال : قد نزل بى أمر قد
شغلَنا عنكنّ فمن أحبّ أن أعْتِقه ومن أمسكتُه لم يكن منى إليه شئ ؛ فبكين يأسًا
منه (١) .
أخبرنا عتّاب بن زياد ، عن عبد الله بن المبارك ، عن إبراهيم بن نشيط قال :
حدّثنى سليمان بن حُميد اليَزَنى، عن أبى عبيدة بن ثُقبة بن نافع القُرَشى أنّه دخل
على فاطمة بنت عبد الملك فقال لها : ألا تخبرينى عن عمر بن عبد العزيز ؟
فقالت : ما أعلم أنّه اغتسل من جنابة ولا من احتلام مذ استخلفه الله حتى
قبضه (٢) .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن محمد بن عيسى ، عن أبى الحُوّارىّ قال :
حدّثنا هشام أنّ فاطمة بنت عبد الملك بعثت إلى رجل من الفقهاء فقالت : إنّى
أخاف أن لا يسع أمير المؤمنين ما يصنع . قال : وما ذاك ؟ قالت : ما كان من
أهله بسبيل منذ ولى . فلقى الرجل عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلغنى شئ أخاف
أن لا يسعك . قال : وما ذاك ؟ قال : أهلك لهم عليك حقّ ، فقال عمر : وكيف
يستطيع رجل أن يأتى ذلك وأمرٌ أمّةٍ محمد فى عنقه ، أللهُ سائله عنها يوم القيامة ؟
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنا عمر بن حفص قال : حدّثنا شيخ
قال : لما ولى عمر بن عبد العزيز بدابق خرج ذات ليلة ومعه حرسیّ فدخل
المسجد فمرّ فى الظلمة برجل نائم فعثر به فرفع رأسه إليه فقال : أمجنون أنت ؟
قال : لا . فهمّ به الحرسىّ ، فقال له عمر: مَهْ إنّما سألنى أمجنون أنت فقلت لا .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن سفيان قال : قال رجل لعمر بن
عبد العزيز: لو تفرّغتَ لنا ، فقال عمر : وأين الفراغ ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلاّ
عند الله .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن سفيان قال : قال عمر بن عبد العزيز :
أريحونى فإنّ لى شأنًا وشئونًا .
(١) الزهد : لابن المبارك ص ٣١١
(٢) المصدر السابق .
[٢٥ - الطبقات الكبير جـ ٧ ]

٣٨٦
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا فُضيل عن السرىّ بن يحتى
أنّ عمر بن عبد العزيز حمد الله ثمّ خنقتْه العبرة ، ثمّ قال : أيّها الناس أصلحوا
آخرتكم تَصْلح لكم دُنْياكم ، وأصْلِحوا سرائرکم تَصْلح لكم علانيتكم . والله إنّ
عبدًا ليس بينه وبين آدم أب له إلّ قد مات إنّه لمُعْرَق له فى الموت .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن أبى محمد ، عن مطرّف بن مازن قال :
حدّثنا رياح بن زيد أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عُزوة : إنّك تردّد إلىّ الكتب
فنفّذْ ما أكتب به إليك من الحقّ فإنّه ليس للموت ميقات نعرفه .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عبد الله بن خِراش أخى العوّام بن
حَوْشَب، عن مَزْيَد بن حَوْشَب أخى العوّام قال : ما رأيتُ أخْوَف من الحسن
وعمر بن عبد العزيز كأنّ النار لم تُخْلَقْ إلاّ لهما .
حدّثنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنى هشام بن المفضّل قال : أخبرنا
أشعث عن أرطاة بن المنذر قال : كان عند عمر بن عبد العزيز نفر يسألونه أن
يتحفّظ فى طعامه ويسألونه أن يكون له حرس إذا صلّى لئلاّ يثور ثائر فيقتله ،
ويسألونه أن يتنحّى عن الطاعون ، ويخبرونه أنّ الخلفاء قبله كانوا يفعلون ذلك .
قال لهم عمر: فأين هم ؟ فلمّا أكثروا عليه قال : اللهمّ إن كنتَ تعلم أنى أخاف
يومًا دون القيامة فلا تُؤمّنْ خوفى .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عبد الرحمن بن مهدىّ قال : أخبرنا محمد
ابن أبى الوضّاح عن خصيف عن مجاهد قال : أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى
أنّه سيحتاج إلينا فما خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه .
قال : وقال خصيف : ما رأيتُ رجلًا قطّ خيرًا من عمر بن عبد العزيز .
أخبرنا زُهير بن حرب ، عن الوليد بن مسلم قال : سمعتُ محمد بن عَجْلان
أنّ الولاة قبل عمر بن عبد العزيز كانوا يجرون على إجمار مسجد رسول الله ،
وَخَّر، للجُمَع وتطبيبه فى شهر رمضان من العُشْر والصدقة . فلمّا ولى عمر بن
عبد العزيز كتب بقَطْع ذلك وبمَحْوِ آثار ذلك الطيب من المسجد .
قال ابن عجلان : فأنا رأيتهم يغسلون آثار ذلك الطيب بالماء والملاحف .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن عُبيد بن الوليد قال : سمعتُ أبى يذكر أنّ

٣٨٧
عمر بن عبد العزيز كان يسخّن له فى مطبخ العامّة ماء يتوضّأ به وهو لا يعلم ، ثمّ
علم بعد ذلك فقال : كم لكم منذ أَسخنتموه ؟ فقالوا : شهر أو نحوه . قال فألقى
فى مطبخ العامّة لذلك حطبًا .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عُبيد بن الوليد ، عن أبيه أنّ عمر بن
عبد العزيز كان إذا سمر فى أمر العامّة أسرج من بيت مال المسلمين ، وإذا سمر فى
أمر نفسه أسرج من مال نفسه ، قال : فبينا هو ذات ليلة إذ نعس السراج فقام إليه
ليُضْلحه ، فقيل له : يا أمير المؤمنين إنّا نكفيك ، فقال : أنا عمر حين قمتُ وأنا
عمر حین جلستُ .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنى محمد بن عُبيد قال : حدّثنی
إبراهيم السّكّرى قال : كان بين موالٍ لسليمان بن عبد الملك وبين موالٍ لعمر بن
عبد العزيز كلام ، فذكر ذلك سليمان لعمر ، فبينا هو يكلّمه إذ قال سليمان لعمر :
كذبتَ ، فقال : ما كذبتُ منذ علمتُ أنّ الكذب شَين لصاحبه .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنی عَنَْسة بن سعيد قال : أخبرنا
أبو بكر عن أبى يحتى القتّات عن مجاهد قال : قدمتُ على عمر بن عبد العزيز
فأعطانى ثلاثين درهمًا وقال : يا مجاهد هذه من عطائی .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن ضمرة ، عن حفص بن عمر قال : احتبس
عمر بن عبد العزيز غلامًا له يحتطب عليه ويلقط له البَغْر ، فقال له الغلام : الناس
كلّهم بخيرٍ غيرى وغيرك . قال : فاذهب فأنت حرّ .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عبد الملك بن قُريب قال : حدّثنا إسحاق
ابن يحبّى قال : قدمتُ على عمر بن عبد العزيز فى خلافته فوجدتُه قد جعل
للخُمس بيت مال على حدة ، وللصدقة بيت مال على حدة ، وللفئ بيت مال
على حدة .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن عمر بن حفص ، عن عمرو بن ميمون
قال: ما زلتُ ألطف أنا وعمر فى أمر الأمّة حتى قلتُ له : يا أمير المؤمنين ما شأن
هذه الطوامير التى يُكتب فيها بالقلم الجليل يُمَدّ فيها وهى من بيت مال
المسلمين؟ فكتب فى الآفاق أن لا يُكْتَبنّ فى طومار بقلم جليل ولا يُمَدّنّ فيه .
قال فكانت كتبه إنّما هى شبر أو نحوه .

٣٨٨
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن يحتى بن أبى غَنيّة ، عن حفص بن عمر بن
أبى الزّبير قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم : أمّا بعد فكتبتَ
تذكر أنّ القراطيس التى قِبَلَك قد نفدتْ وقد قطعنا لك دون ما كان يُقطعٍ لمن
كان قبلك ، فأدِقّ قلمك وقارب بين أسطرك واجمع حوائجك فإنّى أكره أن أُخْرج
من أموال المسلمين مالا ينتفعون به .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن محمد بن مُصْعَب عن شيخ من أهل المدينة
أنّه سمعه يحدّث عن عبد الله بن دينار قال : لم يرتزق عمر من بيت مال
المسلمين شيئًا ولم يرزاه حتى مات .
أخبرنا الحكم بن موسى قال : حدّثنا سَبرة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة
قال : حدّثنى أبى ، عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز يومًا : والله لوددتُ
لو عدلتُ يومًا واحدًا وأنّ الله تَوَفّى نفسى. فقال له ابنه عبد الملك: وأنا والله
يا أمير المؤمنين لوددتُ لو عدلتَ فُواق ناقة وأنّ الله توفّى نفسك. فقال: ﴿اَللَّهُ
الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوْ﴾ [ سورة طه: ٩٨] فقال: الله الذى لا إلَهَ إلاّ هُوَ،
ولو محُشّتْ بى وبك القدور . فقال عمر : جزاك الله خيرًا .
أخبرنا سعيد بن عامر ، عن جويرية بن أسماء قال : قال عمر بن عبد العزيز :
إِنّ نفسى هذه نفس توّاقة ، وإنّها لم تُعْطَ شيئًا إلاّ تاقت إلى ما هو أفضل منه ، فلمّا
أَغْطيت الذى لا شئ أفضل منه فى الدنيا تاقت إلى ما هو أفضل من ذلك .
فقال سعيد : الجنّة أفضل من الخلافة (١) .
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال : حدّثنا أبو المليح ، عن ميمون قال: أقمتُ
عند عمر بن عبد العزيز ستّة أشهر ما رأيته غيّر رداءه ، إلاّ أنّه كان يُغْسَل من
الجمعة إلى الجمعة ويُتَبَّنُ (٢) بشئ من زعفران .
أخبرنا محمد بن محُميد العبدى ، عن أسامة بن زيد ، عن إسماعيل بن أميّة ،
٧٠
(١) أورده المزي ج ٢١ ص ٤٤٥ نقلا عن ابن سعد ..
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( تبن) وفى حديث عمر بن عبد العزيز (( أنه كان يَلْبَسُ رِداءٍ مُتَبًِّا
بالزعفران)) أى يشبه لونُه لونَ التِّبْن.

٣٨٩
عن أمّه ، عن أمّ ولد عمر بن عبد العزيز قالت : سألنى عمر دهنًا فأتيتُه به وبمشط
من عظام الفيل فردّه وقال : هذه ميتة . قلت : وما جعله ميتةً ؟ قال : ويحك من
ذبح الفيل ؟
أخبرنا مالك بن إسماعيل قال : حدّثنا جويرية بن أسماء ، عن إسماعيل بن
أبى حكيم قال : بعث عمر بن عبد العزيز إلىّ وإلى مزاحم صلاة الصبح قبل أن
يصلّى الغداة فأتيناه ولم يدّهن ولم يتهيّأ ، فقال : هذا عجلتم عن الدهن ، أيعجز
أحدكم أن يدعو بالمشط فيسرّح به لحيته ؟
أخبرنا حجاج بن نُصير قال : حدّثنا إسماعيل بن عيّاش قال : قلتُ لعمرو بن
المهاجر صاحب حرس عمر بن عبد العزيز : ما كان عمر يلبس فى بيته ؟ قال :
جبّة سوداء مبطّنة .
أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدّثنا جرير بن حازم ، عن يَعْلى بن حكيم
قال : كانت أردية عمر بن عبد العزيز ستّة أذرع وشبرًا فى سبعة أشبار .
أخبرنا عقّان بن مسلم قال : حدّثنا محمد بن مروان قال : أخبرنى عمارة بن
أبى حفصة أنّ مَسْلَمة بن عبد الملك دخل على عمر بن عبد العزيز فقال لأخته
فاطمة بنت عبد الملك ، وهى امرأة عمر بن عبد العزيز : إنى أرى أمير المؤمنين قد
أصبح اليوم مُفيقًا وأرى قميصه دَرِنًا فألْبسيه غير هذا القميص حتى نأذن للناس
عليه . فسكتت فقال : ألْبسى أمير المؤمنين غير هذا القميص ، فقالت : والله ما له
غيره (١) .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن عمر بن حفص قال : حدّثنا عمرو بن ميمون
قال : أتيتُ سليمان بن عبد الملك بهذه الحريرة فرأيتُ عنده عمر وهو كأشدّ
الرجال وأغلظهم عنقًا ، فما لبثتُ بعدما استُخلف عمر إلاّ سنة حتى أتيتُه فخرج
يصلّى بنا الظهر وعليه قميصٌ ثمنُ دينارٍ أو نحوه ومُلَيّة مثله وعمامة قد سدلها بين
كتفيه ، وقد نحل ودقّت عنقه .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق عن أبى سعيد مولى بنى هاشم قال : حدّثنا
(١) الذهبى تاريخ الإسلام وفيات سنة ١٠١

٣٩٠
أبو يعقوب قال : حدّثنى رجاء بن حَيْوة قال : كان عمر بن عبد العزيز من أعطر
الناس وألبس الناس وأخيلهم مشیةً ، فلمّا استخلف قوّموا ثيابه باثنى عشر درهمًا
من ثياب مصر ، كُمَّتُه وعمامته وقميصه وقباؤه وقُرْطَقه وخفّاه ورداؤه .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنا زيد بن الحباب قال : أخبرنى معاوية
ابن صالح قال : أخبرنى سعيد بن سويد أنّ عمر بن عبد العزيز صلّى بهم الجمعة
وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه ، فلما فرغ جلس وجلسنا
معه، قال : فقال له رجل من القوم : يا أمير المؤمنين ! إنّ الله قد أعطاك فلو
لبستَ وصنعتَ . فنكّس مليًّا حتى عرفنا أنّ ذلك قد ساءه ، ثمّ رفع رأسه فقال:
إنّ أفضل القصد عند الحِدّة (١) وأفضل العفو عند القدرة (٢).
أخبرنا عبد الله بن إدريس قال : سمعتُ أبى يذكر عن أزهر صاحب كان له
قال : رأيتُ عمر بن عبد العزيز بخُناصِرَة يخطب الناس وقميصه مرفوع (٣).
أخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : حدّثنا الأوزاعى ، عن عمرو بن مهاجر قال :
رأيتُ قُمُص عمر بن عبد العزيز وجبابه فيما بين الكعب والشراك .
أُخبرت عن عبد الرحمن بن مهدىّ قال: حدّثنى مُعَرِّف بن واصل قال :
رأيت عمر بن عبد العزيز قدم مكّة وعليه ثوبان أخضران (٤) .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق قال : حدّثنی عُبيد بن الوليد بن أبى السائب
الدمشقى قال : سمعتُ أبى يذكر أنّ عمر بن عبد العزيز كانت له جبّة خزّ غبراء
وجبّة خزّ صفراء وكساء خزّ أغبر وكساء خرّ أصفر ، فكان إذا لبس الجبّة الغبراء
(١) ث ((الجِدَة)) ومثله فى تاريخ دمشق ج ٥٤ ص ١٦٧، وتاريخ الخلفاء للسیوطی ص ٢٣٥
والمثبت من طبعة ليدن . وبحواشيها وقد آثرت هذه القراءة وإن كانت عدلت بالهامش بخط مغاير
متأخّرًا إلى ((الجدّه)) راجع النووى ص ٤٧١ س ٢ (أسفل ) حيث وردت الحدّة أيضا. وانظر النهاية
تحت ( حدّ) حيث وردت ((حِدّة)) فى حديث آخر ، وعرفت بقوله المضاء فى الدين والصلابة
والقصد إلى الخير ))
وفى القاموس : الجِدَّة - بالكسر - الاجتهاد فى الأمر. ولدى الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٥
ص ١٣٤ ((الجدة)).
(٢) تاريخ دمشق ج ٥٤ ص ١٦٧
(٣) سير أعلام النبلاء ج ٥ ص ١٣٥
(٤) المصدر السابق

٣٩١
لبس الكساء الأصفر وإذا لبس الجبّة الصفراء لبس الكساء الأغبر ، قال :: ثمّ ترك
ذلك (١).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا عمر بن موسى الأنصارى قال : قدمتُ
على عمر بن عبد العزيز فخرج علينا وعليه مِطْرَف أدكن ، قال : قلت لعمر : خَزّ
هو ؟ قال : ما أدرى .
أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن الربيع بن صُبيح قال : حدّثنى من رأى عمر بن
عبد العزيز يصلّى فى جبّة طيالسة ليس عليه إزار .
أخبرنا مَعْن بن عيسى قال : حدّثنا محمد بن هلال قال : رأيتُ عمر بن
عبد العزيز لا يُخْفى شاربه جدًّا ، يأخذ منه أخذًا حسنًا .
أخبرنا مَعْن قال : حدّثنا أبو الغُصْن قال : كنتُ أجد من عمر بن عبد العزيز
ريح المسك .
أخبرنا معن عن أبى الغُصْن ومحمد بن هلال أنّهما رأيا عمر بن عبد العزيز
وليس بين عينيه أثر السجود .
أخبرنا معن قال: حدّثنى أبو الغُصْن أنّه لم ير على عمر بن عبد العزيز على
المنبر سيفًا قطّ .
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيّوب قال : نُجْتُ أنّ عمر بن عبد العزيز ذُكر
له ذاك الموضع الرابع الذى عند قبر النبيّ ، عليه السلام ، فعرّضوا له به ، قالوا : لو
دنوت من المدينة ، قال : لأن يعذّبنى الله بكلّ عذاب إلّ النار أحبّ إلىّ من أن
يَعْلم أنى أُرى لذلك أهلًا .
أخبرنا عارم بن الفضل قال : حدّثنا حمّاد بن زيد ، عن أيّوب قال : قيل لعمر
ابن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أتيتَ المدينة فإن قضى الله موتًا دُفنتَ فى
موضع القبر الرابع مع رسول الله، وَله، وأبى بكر وعمر، قال: والله لأن
يعذّبنى الله بكلّ عذاب إلاّ النار فإنّى لا صَبْرَ لى عليه أحبّ إلىّ من أن يعلم الله من
قلبى أتّى أُرانى لذلك أهلاً .
(١) نفس المصدر .

٣٩٢
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن أبى محمد ، عن الوليد بن مسلم ، عن
الأوزاعى أنّ محمد بن المِقْدام سأل فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن
عبد العزيز : ما تُرَيْنَ بَدْىَ (١) مرض عمر الذى مات فيه ؟ قالت : أُرَى بَدْيَه أو مجلّه
الوَجَل .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَةَ ، عن
عبد المجيد بن سهيل قال : رأيتُ الطبيب خرج من عند عمر بن عبد العزيز فقلنا :
كيف رأيتَ بوله اليوم ؟ فقال : ما ببوله بأس إلاّ الهمّ بأمر الناس .
أخبرنا أحمد بن أبى إسحاق ، عن علىّ بن الحسن بن شقيق ، عن عبد الله
ابن المبارك قال : أخبرنا ابن لهيعة قال : وجدوا فى بعض الكتب تقتله خشيةُ الله ،
يعنى عمر بن عبد العزيز .
أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا داود بن خالد قال : حدّثنى محمد بن
قيس قال : حضرتُ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أوّل مرضه اشتكى لهلال
رجب سنة إحدى ومائة ، فكان شگؤُه عشرين يومًا فأرسل إلى ذمّىّ ، ونحن بدئْر
سِمعان ، فساومه موضع قبره فقال الذّمّىّ: يا أمير المؤمنين والله إنّها لخيرة أن
یکون قبرك فى أرضی ، قد حلّلتك . فأتى عمر حتى ابتاعه منه بدينارين ، ثمّ دعا
بالدينارين فدفعهما إليه (٢) .
أخبرنا محُميد بن عبد الرحمن الرّواسىّ ، ومحمد بن عبد الله الأسدى ، ومعن
ابن عيسى ، والعلاء بن عبد الجبّار قالوا : حدّثنا محمد بن مسلم الطائفى ، عن
إبراهيم بن مَيْسَرة أنّ عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره قبل أن يموت
بعشرة دنانير .
أخبرنا محمد بن معن الغفارى قال : أخبرنى شيخ من أهل مكّة قال : كانت
فاطمة بنت عبد الملك وأخوها مَسْلَمة عند عمر بن عبد العزيز ، فقال أحدهما
لصاحبه : لا نكون قد ثَقُلْنَا عليه . قال فخرجا وهو متحرّف على غير القبلة فقالا :
(١) بَدَيْتُ الشئَ وبَدَيتُ به : ابتدأت .
(٢) تاريخ الإسلام وفيات سنة ١٠١

٣٩٣
فقلّما لبثنا حتى عُدْنا وإذا هو موجّه إلى القبلة ، قال وإذا متكلّم يتكلّم لا نراه
يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة القصص: ٨٣].
أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا محمد بن مروان قال : أخبرنا عمارة بن
أبى حفصة ، أنّ مَسْلَمة بن عبد الملك دخل على عمر بن عبد العزيز فى مرضه
الذى مات فيه فقال له : من توصى بأهلك ؟ فقال: إذا نسيتُ الله فذكّرنى . ثمّ
عاد أيضًا فقال : من توصى بأهلك ؟ فقال: إنّ وَلِتِى فيهم الله ﴿ الَّذِى نَزَّلَ
الْكِتَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ﴾ (١) [سورة الأعراف: ١٩٦].
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا هشام بن الغاز ، عن سليمان بن
موسى قال : لما محُضر عمر بن عبد العزيز كتب إلى يزيد بن عبد الملك : أما بعد
فإيّاك أن تدركك الصّرْعة عند العِزّة فلا تقال العثرة ، ولا تُمَكّن من الرجعة ،
ولا يحمدك من خلّفتَ ، ولا يعذرك من تقدم عليه والسلام .
أخبرنا رَوْح بن عبادة قال : حدّثنا الحجّاج بن حسّان التيمى قال : حدّثنی
سالم بن بشير أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى يزيد بن عبد الملك حين حضره
الموت : سلام عليك، أمّا بعد فإِنّى لا أُرانى إلاّ لما بى ولا أُرى الأمر إلاّ سيُفضى
إليك، والله الله فى أمّة محمد النبيّ، وَّخليه، فتدُ الدنيا لمن لا يحمدك وتُفضى
إلى من لا يعذرك ، والسلام عليك .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى محمد بن عبد الرحمن بن أبى الزّناد
قال: أخبرنى عبد العزيز بن عمر قال : أوصى أبى أن يكفّن فى خمسة أثواب
◌ُوسُف .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن عبد العزيز، عن أبى بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم قال : أوصى عمر بن عبد العزيز أن يكفّن فى خمسة
أثواب ، منها قميص وعمامة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى خالد بن أبى بكر قال : أوصى عمر
(١) تاريخ دمشق ج ٥٤ ص ٢٠٣

٣٩٤
ابن عبد العزيز أن يكفّن فى خمسة أثواب منها قميص وعمامة ، وقال : هكذا كان
ابن عمر يكفّن من مات من أهله .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن مسلم بن جمّاز ، عن
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله قال : أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت
فدعا بشعر من شعر النبيّ، وَلَه، وأظفار من أظفاره وقال: إذا متّ فخذوا الشعر
والأظفار ثمّ اجعلوه فى كفنى . ففعلوا ذلك (١) .
أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن جعفر
ابن محمد ، عن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان قال : شهدتُ عمر بن
عبد العزيز قال لمولاة له : إنى أراكِ سَتَّلينَ حنوطى فلا تجعلى فيه مسكًا .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنی یحیی بن خالد بن دينار ، عن سفيان بن
عاصم قال : أوصى عمر بن عبد العزيز إذا حُضر أن يوجّه إلى القبلة على شقّه
الأيمن .
قال : أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال : حدّثنا أبى قال : سمعتُ المُغيرة
ابن حكيم قال : قالت لى فاطمة بنت عبد الملك : كنتُ أسمع عمر بن
عبد العزيز فى مرضه الذى مات فيه يقول : اللهمّ أَخْفِ عليهم موتى ولو ساعةً من
نهار. فلمّا کان الیوم الذی قُبض فیه خرجتُ من عنده فجلستُ فی بیت آخر بینی
وبينه باب وهو فى قبّة له ، فسمعتُه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ سورة القصص: ٨٣] ثمّ هدأ
فجعلتُ لا أسمع له حسًّا ولا حركة ، فقلت لوصيف كان يخدمه : انْظر أمير
المؤمنين أنائم هو ؟ فلمّا دخل عليه صاح فوثبتُ فدخلتُ عليه فإذا هو ميّت قد
استقبل القبلة وأغمض نفسه ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه (٢).
قال : أخبرنا عبّاد بن عمر الواشحى قال : حدّثنا مَخْلَد بن يزيد ، عن يوسف
ابن ماھَك ، عن رجاء بن حَيْوَة قال: قال لى عمر بن عبد العزيز فى مرضه: كن
(١) الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٥ ص ١٤٣ نقلا عن ابن سعد .
(٢) الزهد لابن المبارك ص ٣١١

٣٩٥
فيمن يغسلنى ويكفّننى ويدخل قبرى ، فإذا وضعتمونى فى لحدى فحُلّ العقدة ثمّ
انظر إلى وجهى فإنّى قد دفنت ثلاثة من الخلفاء كلّهم إذا أنا وضعته فى لحده
حللتُ العقدة ثمّ نظرتُ إلى وجهه فإذا وجهه مُسْوَدٌّ فى غير القبلة (١) .
قال رجاء : فكنتُ فيمن غسّل عمر وكفّنه ودخل فى قبره ، فلمّا حللتُ
العقدة نظرتُ إلى وجهه فإذا وجهه كالقراطيس إلى القبلة (٢).
أخبرنا عبّاد بن عمر الواشحى - مؤذّن مسجد سليمان بن حرب بالبصرة -
قال: حدّثنا مَخْلَد بن يزيد قال: لقيته منذ خمسين وكان نازلاً فى بنى غُيَر (٣)
وكان فاضلاً خيّرًا كبير السن .
عن يوسف (٤) بن ماهَك قال : بينما نحن نسوّى التراب على قبر عمر بن
عبد العزيز إذ سقط علينا رقّ من السماء فيه مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم ،
أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عمرو بن عثمان قال : مات عمر
ابن عبد العزيز لعشر ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين
سنة وأشهر . وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ، ومات بدَيْر سِمعان .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عمّى الهيثم بن واقد قال : وُلدتُ
سنة سبع وتسعين واستُخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من
صفر سنة تسع وتسعين ، فأصابنى من قَشْمه ثلاثة دنانير ، وتوفّى ، رحمه الله ،
بخُناصرة يوم الأربعاء لخمس ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة ، و کان شَكْؤُه
عشرين يومًا ، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام . ومات وهو ابن
تسع وثلاثين سنة وأشهر ، ودُفن بدير سمعان .
(١) سير أعلام النبلاء ج ٥ ص ١٤٣ نقلا عن ابن سعد .
(٢) المصدر السابق .
(٣) كذا فى ث. وفى طبعة ليدن بعد ((بنى)) عدة نقط. وبالحواشى ((الكلمة بعد : بنى - قد
طمست تماما . والأرجح أنها - عبد)) .
(٤) كذا جاء الكلام موصولا فى ث. وانتهى الخبر السابق بقوله ((كبير السن)) وجاء عقبها:
عن يوسف بن ماهك . وكذلك انتهى الخبر السابق لدى الذهبى ص ٢٠٥ وفيات سنة ١٠١ وهو
ينقل عن ابن سعد بقوله ((وكان فاضلا خيرا)) وجاء عقبه ((عن يوسف بن ماهك)). وفى طبعة ليدن
بعد ((كبير السن)) عدة نقط. وبالحواشى ( كبير السن: ورد بعدها فى الأصل : عن يوسف بن
ماهك. ومن المؤكد أن الناسخ قد أسقط عدة كلمات)).

٣٩٦
قال: وأخبرنا محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبى الزِّناد ، عن أبيه قال :
توفّى عمر بن عبد العزيز وهو ابن تسع وثلاثين سنة وخمسة أشهر .
قال : سمعتُ سعيد بن عامر قال : كان لعمر بن عبد العزيز يوم هلك تسع
وثلاثون سنة وأشهر .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : سمعتُ أبا بكر بن عيّاش
يقول: أَتَّى على عمر بن عبد العزيز تسع وثلاثون سنة .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : سمعتُ سفيان بن عُيَيْنَةً يقول : كان عمر
ابن عبد العزيز ابن أربعين سنة .
قال سفيان بن عيينة : وسألتُ ابنه كم بلغ من السنّ ؟ قال: لم يكن بلغ إلاّ
أربعين ، وملك سنتين وشيئًا .
قال : أُخبرت عن عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح قال : لما حضر
عمرَ بن عبد العزيز الموتُ أوصاهم وقال : احفْروا لى ولا تُعمِقوا فإنّ خير الأرض
أعلاها وشرّها أسفلها .
أخبرنا محمد بن يزيد بن خُنيس ، عن وُهيب بن الورد قال : بلغنا أنّ عمر بن
عبد العزيز لما توفّى جاء الفقهاء إلى زوجته يعزّونها به فقالوا لها : جئناك لنعزّيك
بعمر فقد عَمَّت (١) مصيبة الأمة فأخبرينا يرحمك الله عن عمر كيف كانت حاله
فى بيته ؟ فإن أعلم الناس بالرجل أهله .
فقالت : والله ما كان عمر بأكثركم صلاة ولا صيامًا ولكنى والله ما رأيت عبدًا
قط کان أشدَّ خوفًا لله من عمر ، والله إن كان لیکون فی المکان الذی إلیه ینتھی سرور
الرجل بأهله ، بينى وبينه لحاف ، فيخطر على قلبه الشئ من أمر الله فينتفض كما
ينتفض طائر وقع فى الماء ، ثم يَنْشِج ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول : والله لتخرجنَّ
[ نفسه] التى بين جنبيه ، فأطرح اللحاف عنى وعنه رحمة له وأنا أقول : يا ليتنا كان
بيننا وبين هذه الإمارة بعد المَشْرِقَينْ ، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها (٢).
(١) من هنا إلى ص ٥٨٨ أثناء ترجمة محمد بن الفضل برقم ٢٢٢٨ - أخلت به طبعة ليدن
نتيجة خرم فى المخطوطات التى اعتُمِد عليها فى تحقيق الكتاب .
(٢) تاريخ ابن عساكر ج ٥٤ ص ١٩١ ومابين حاصرتين منه .

٣٩٧
قال : أخبرنا سعيد بن عامر ، قال : حدّثنا جعفر بن سليمان قال : كان مالك
ابن دينار ربما ذَكَر عمر بن عبد العزيز فبكى ، وقال : لم يكن له أهل .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : سمعت أبا بكر بن عياش -
وذكر عمر بن عبد العزيز - قال: ليُخشَرَنَّ من دَيْر سمعان رجل كان يخاف ربه .
قالوا : وكان عمر بن عبد العزيز ثقة مأمونًا ، له فقه وعلم وورع ، وروى
حديثًا كثيرًا ، وكان إمام عدل . رحمه الله ورضى عنه .
١٨٢١ - عبد الله بن عَمرو
ابن عثمان بن عفّان بن أبى العاص بن أميّة بن عبد شمس ، وأمه حفصة بنت
عبد الله بن عمر بن الخطّاب ، وأمها صفيّة بنت أبى عُبيد بن مسعود الثقفى ،
وأمها عاتكة بنت أَسِيد بن أبى العِيص بن أميّة ، وأمها زينب بنت أبى عمرو بن
أميّة .
فَوَلَدَ عبدُ الله بن عمرو : خالدًا، وعبدَ الله ، وعائشةَ تزوجها سليمان بن
عبد الملك بن مروان ، فولدت له ، وأمهم أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام ، وأمها أم الحسن بنت الزُّبير بن العَّام ، وأمها أسماء بنت أبى بكر
الصّدیق .
وعبدَ العزيز بن عبد الله ، وأميَّةَ ، وأَمَّ عبد الله تزوجها الوليد بن عبد الملك
ابن مروان فولدت له ، وأمّ عثمان بنت عبد الله ، وأمهم أم عبد العزيز بنت عبد الله
ابن خالد بن أسيد بن العِیص بن أميّة . وَعَمْرو بن عبد الله ، وأمّ سعید تزوجها یزید
ابن عبد الملك بن مروان ، فولدت له . وأمها أم عمرو بنت أبان بن عثمان بن
عفان . ومحمدًا بن عبد الله وهو الدِّيباج ، والقاسمَ، ورقيَّةَ . وأمهم فاطمة بنت
حسين بن على بن أبى طالب ، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله بن
عثمان . ومحمدًا بن عبد الله الأكبر وهو الحازوق ، وأمه أم ولد . وأمَّ عبد العزيز
١٨٢١ - من مصادر ترجمته : تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٣٩٤

٣٩٨
بنت عبد الله تزوجها الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فولدت له، وأمها الخَلَال (١)
بنت بُخَيْت بن عبد الرحمن بن الأسود بن أبى البَخْتَرِى (٢) من بنى أسد بن
عبد العُزَّى . وعبد الله بن عمرو بن عثمان ، هو الذى يقال له المُطْرَف لجماله .
وتوفى عبد الله بن عمرو بمصر سنة ست وتسعين .
٠٠٠
١٨٢٢ - إبراهيم بنُ محمَّد
ابن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَّيْم بن مُرَّةٍ .
وأمه خولة بنت منظور بن زّان بن سَیَّار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال
ابن سُمَىّ بن مازن بن فَزَارة .
وكان إبراهيم أخا حسن بن حسن بن علىّ لأمه ، وكان أعرج ، وكان شريفًا
صارمًا ، وكان يسمى أسد قريش ، وأسد الحجاز ، وكانت له عارضة . ونفس
شريفة وإقدام بالكلام بالحق عند الأمراء والخلفاء ، وكان قليل الحديث .
فَوَّلَدَ إبراهيمُ بن محمد : عمرانَ ، وأمه زينب بنت عمرو بن أبى سلمة بن
عبد الأسد المخزوميّ ، ويعقوبَ بن إبراهيم ، وصالحًا ، وسليمانَ ، ويونسَ ،
وداودَ ، والتَسَعَ، وشعيبًا، وهارونَ، وأمَّ كلثوم ، وأمَّ أبان ، وأمهم أم يعقوب بنت
إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله ، وأمها لُبانة بنت العباس بن عبد المطلب .
وعيسى بن إبراهيم ، وإسماعيلَ ، وموسى ، ويوسفَ ، ونوحًا ، وإسحاقَ لأمهات
أولاد .
وإسماعيلَ الأكبر ، وأمّ أبيها تزوجها عمر بن عبد العزيز بن مروان فولدت له ،
وأمّ كلثوم بنت إبراهيم ، وأمهم أم عثمان بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى
ربيعة المخزوميّ ، وأمها أم كلثوم بنت أبى بكر الصدّيق .
(١) كذا فى ث، وتحت حاء الكلمة علامة الإهمال للتأكيد ، وفى طبعة زياد التى اعتمدت على
نفس المخطوطة ((جلال)) بالجيم المعجمة، وتبعه فى ذلك ((عطا)) فى طبعته.
(٢) البخترى: تحرف فى طبعة عطا إلى ((البحترى)) وهذا من أقوى الأدلة على أنه لم يطلع على
المخطوط .
١٨٢٢ - من مصادر ترجمته : الثقات ج ٤ ص ٥

٣٩٩
وقد روى إبراهيم بن محمد بن طلحة عن أبى هريرة ، وابن عمر ، وابن
عباس.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبى الزِّناد ، قال : حج
هشام بن عبد الملك وهو خليفة ، وخرج إبراهيم بن محمد بن طلحة تلك السنة ،
فوافاه بمكّة فجلس لهشام (١) على الحجر ، فطاف هشام بالبيت ، فلمَّا مرَّ
بإبراهيم صاح به إبراهيم أنشدك الله فى ظلامتى . قال : وما ظلامتك ؟ قال :
دارى مقبوضة . قال: فأين كنت عن أمير [المؤمنين ] (٢) عبد الملك؟ قال:
ظلمنى والله . قال : فأين كنت عن الوليد بن عبد الملك ؟ قال : ظلمنى والله .
قال : فأين كنت عن سليمان ؟ قال : ظلمنی والله . قال : فأين كنت عن عمر بن
عبد العزيز ؟ قال : رحمه الله ردّها علىَّ ، فلما ولى يزيد بن عبد الملك قبضها ،
وهى اليوم فى يدى وكلائك ظلمًا . قال : أما والله لو كان فيك ضرب
لأوجعتك. قال : فئ والله ضرب للسوط والسيف . فمضی هشام وتر که ، ثم دعا
الأبرش الكلبى ، وكان خاصًا به ، فقال : يا أبرش كيف ترى هذا اللسان ؟ هذا
لسان قريش لا لسان كلب ، إن قريشًا لا تزال فيهم بقيّة، ما كان فيهم مثل
هذا(٣) .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر، قال : حدّثنا عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد
ابن عَمَّار بن ياسر ، قال : جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام
المخزوميّ وهو عامله على المدينة، أن تَخُطَّ فرض آل صُهَيْب بن سنان إلى فَرْضٍ
(١) لدى المصعب فى نسب قريش ص ٢٨٣ ((وبقى إبراهيم بن محمد بن طلحة حتى أدرك
هشام بن عبد الملك ، فدخل عليه حين قدم هشام حاجا ، فتظلم من عبد الملك فى دار آل علقمة التى
بين الصفا والمروة ، وكان لآل طلحة شئ منها ، فأخذها نافع بن علقمة الكنانى ، فلم ينصفهم
عبد الملك مِن نافع بن علقمة ، وكان واليا لعبد الملك على مكة ، فقال له هشام بن عبد الملك : ألم تكن
ذكرتَ لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : بلى ، فترك الحقَّ وهو يعرفه !... )).
(٢) تكملة من نسب قريش .
(٣) أورده المصعب فى نسب قريش ص ٢٨٣، والفاسى فى العقد الثمين ج ٧ ص ٣٢٣ ، وابن
منظور فى مختصر تاريخ دمشق ج ٤ ص ١٢٢

٤٠٠
الموالى . ففزعوا إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة ، وهو عَريف بنى تَيْم ورأسها ،
فقال: سأجهد فى ذلك ولا أترك . فتشكّروا له ، وجزوه خيرًا (١) .
قال : وكان إبراهيم بن هشام يركب كل سبت إلى قُباء . قال : فجلس
إبراهيم بن محمد بن طلحة على باب دار طلحة بن عبد الله بن عوف بالبلاط ،
وأقبل إبراهيم بن هشام ، فنهض إليه إبراهيم بن محمد ، فأخذ بمعرفة دابته ،
فقال: أصلح الله الأمير ، حلفاء ولد صُهَيْب وصهيب من الإسلام بالمكان الذى
هو به . قال : فما أصنع جاء كتاب أمير المؤمنين فيهم ، والله لو جاءك لم تجد
بدًّا من إنفاذه . قال : والله إن أردت أن تحسن فعلت وما يرد أمير المؤمنين
قولك، وإنك لوالد فافعل فى ذلك ما يعرف . فقال: ما لك عندى إلاَّ ما قلت
لك. فقال إبراهيم بن محمد : واحدة أقولها لك ، والله لا يأخذ رجل من بنی تَيْم
درهمًا حتى يأخذ آل صهيب . قال : فأجابه والله إبراهيم بن هشام إلى ما أراد ،
وانصرف إبراهيم بن محمد . فأقبل إبراهيم بن هشام على أبى تُبيدة بن محمد بن
عمَّار وهو معه ، فقال : لا يزال فى قريش عِزّ ما بقى هذا، فإذا مات هذا ذَلَّت
قريش (٢) .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد قال: أُمر لأهل
المدينة بالعطاء فى خلافة هشام بن عبد الملك ، فلم يَتِمّ من الفئ . فأمر هشام أن
يتم من صدقات اليمامة ، فحمل إليهم . وبلغ ذلك إبراهيم بن محمد بن طلحة ،
فقال : والله لا نأخذ عطاءنا من صدقات الناس وأوساخهم حتى نأخذه من الفئ .
وَقَدِمَت الإبلُ تحمل ذلك المال ، فخرج إبراهيم وأهل المدينة ، فجعلوا يَرُدُّون
الإبل ، ويضربون وجوهها بأكِمَّتهم ، والله لاَ يَدْخلها وفيها درهم من الصدقة ،
فردت الإبل .
وبلغ هشام بن عبد الملك ، فأمر أن تُصرف عنهم الصدقة ، وأن يُحمل إليهم
تمام عطائهم من الفئ (٣).
(١) ابن عساكر فى تاريخه كما فى مختصر ابن منظور ج ٤ ص ١٢٤
(٢) المصدر السابق .
(٣) المصدر السابق .