Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
قال : أخبرنا على بن محمد ، عن الحسن بن دينار ، عن معاوية بن قُرّةَ ،
قال: قال الحسين : والله لَيَعتَدُنّ على كما اعْتَدَتْ (١) بنو إسرائيل فى السبت .
قال : أخبرنا على بن محمد ، عن جعفر بن سليمان الضبعى ، قال : قال
الحسين بن على : والله لا يدعونى حتى يستخرجوا هذه العَلَقَة من جوفى ، فإذا
فعلوا ، سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فَرَمِ الأُمة ، فقدم العراق
فقتل بنينوى (٢) يوم عاشوراء سنة إحدى وستين (٣).
قال : أخبرنا على بن محمد ، عن عامر بن أبى محمد ، عن الهيثم بن
موسى، قال : قال العريان بن الهيثم : كان أبى يَتَبَدَّى (٤) فينزل قريبا من الموضع
الذى كان فيه معركة الحسين ، فكنا لا نبدوا إلا وجدنا رجلًا من بنى أسد هناك ،
فقال له أبى : أراك ملازما هذا المكان ، قال : بلغنى أن حُسينا يقتل هاهنا ، فأنا
أخرج لَعَلّى أصادفه فأقتل معه ، فلما قتل الحسين ، قال أبى : انطلقوا ننظر ، هل
الأسدى فيمن قُتْلَ فأتينا المعركة فَطَوّفْنا فإذا الأسدى مقتول .
مقتل الحسين بن على
صلوات الله عليهما وسلامه
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا ابن أبى ذئب ، قال : حدثنى
عبد الله بن عمير مولى أم الفضل .
قال : وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر بن على ، عن أبيه .
قال : وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار السّعدى ، عن أبيه .
قال : وحدثنى عبد الرحمن بن أبى الزناد ، عن أبى وَجْزَة السعدى ، عن على
ابن حسين .
(١) أورده الطبری ج ٥ ص ٣٨٥
(٢) نينوى : ناحية بسواد الكوفة منها كربلاء التى قتل فيها الحسين .
(٣) أورده الطبرى ج ٥ ص ٣٩٤ نقلا عن ابن سعد . والفَرّم : خرقة الحيض .
(٤) يَتَبَدَّى : أى يخرج إلى البادية .

٤٢٢
قال : وغير هؤلاء أيضا قد حدثنى .
قال محمد بن سعد : وأخبرنا علی بن محمد ، عن یحیی بن إسماعيل بن أبى
المهاجر ، عن أبيه .
وعن لوط بن يحيى الغامدى ، عن محمد بن نَشْر (١) الهَمْدَانِىّ، وغيره .
وعن محمد بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عمير .
وعن هارون بن عيسى ، عن يونس بن أبى إسحاق ، عن أبيه .
وعن يحيى بن زكريا بن أبى زائدة ، عن مجالد ، عن الشعبى .
قال ابن سعد : وغير هؤلاء أيضا قد حدثنى فى هذا الحديث بطائفة فكتبت
جوامع حديثهم فى مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته وبركاته .
قالوا : لما بايع معاوية بن أبى سفيان الناسَ ليزيد بن معاوية ، كان حسين بن
علىّ بن أبى طالب ممن لم يبايع له ، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه
إلى الخروج إليهم فى خلافة معاوية ، كل ذلك يأتى . فَقَدِم منهم قوم إلى محمد
ابن الحنفية ، فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأتى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا
عليه وقال : إنّ القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويُشِيطُوا (٢) دماءنا، فأقام حسين
على ما هو عليه مِنَ الهُمُوم ، مَرّةً يريد أن يسير إليهم ، ومَرّة يُجْمِع الإقامة ، فجاءه
أبو سعيد الخُدْرِىّ فقال : ياأبا عبد الله إنى لكم ناصح وإنى عليكم مُشْفِقٍ ، وقد
بلغنى أنه كَاتَتَك قومٌ من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج
فإنى سمعت أباك رحمه الله يقول بالكوفة : والله لقد مَللتهم وِأَبْغَضْتُهم ، وملّونى
وأبغضونى وماتَلَوْت منهم وفاء ، ومَن فاز بهم فاز بالسهم الأخْيَب والله ما لهم
نِيّات ولا عَزْم أمْر ، ولا صَبْر على السيف .
قال : وقدم المُسَيَّب بن نَجَبَةَ الفَزَارِىُّ وعِدّة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن
فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأى أخيك فقال : إنى أرجو أن
يعطى الله أخى على نيتهِ فى حُّه الكَفّ ، وأن يعطينى على نِيَتى فى حتّىّ جهاد
الظالمين .
(١) بفتح النون وسكون المعجمة قيده ابن حجر فى التقريب ص ٥١٠ ، ومثله لدى ابن ناصر
الدين فى توضيح المشتبه ج ١ ص ٥٣٠ . وقد تصحف ((نَشْر)) فى الأصلين والمطبوع إلى ((بشير)).
(٢) أى : يسفكوا .

٤٢٣
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية : إنى لست آمن أن يكون حسين مُرْصِدًا
للفتنة ، وأظن يومكم من حسين طويلا .
فكتب معاوية إلى الحسين : إن من أعطى الله صَفَقَة يمينه وعهده لجدیر
بالوفاء، وقد أَنبِئْتُ أن قومًا من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق
مَنْ قد جَرّبْت ، قد أفسدوا على أبيك ، وأخيك ، فاتق الله ، واذكر الميثاق فإنك
متى تَكِدْنى أُكِدْك .
فكتب إليه الحسين : أتانى كتابك وأنا بغير الذى بلغك عنى جدير ،
والحسنات لَا يَهْدى لها إلا الله وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافا، وما أظن
لى عند الله عذرا فى ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر الأمة .
فقال معاوية : إِنْ أَثَونا بأبى عبد الله إلا أسدًا.
وكتب إليه معاوية أيضا فى بعض ما بلغه عنه : إنى لأظن أن فى رأسك نزوة
فوددت أنى أدركتها فأغفرها لك .
قال : أخبرنا علىّ بن محمد ، عن جويرية بن أسماء ، عن مسافع بن شيبة ،
قال : لقى الحسين معاوية بمكة عند الرَّدْم (١) ، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به ، ثم
سَارّه حسين طويلًا وانصرف ، فزجر معاوية راحلته فقال له يزيد : لا يزال رجل قد
عرض لك فأناخ بك ، قال : دعه فلعلّه يطلبها من غيرى فلا يُسَوّغْه فيقتله (٢).
رجع الحديث إلى الأول :
قالوا : ولما حُضِرَ معاوية ، دعا يزيد بن معاوية فأوصاه بما أوصاه به وقال :
انظر حسين بن عليّ بن فاطمة بنت رسول الله وَله، فإنه أحب الناس إلى الناس
فصِلْ رَحِمَه ، وارفق به يصلح لك أمره ، فإن يك منه شئ فإنى أرجو أن يكفيكه
الله بمن قتل أباه وخذل أخاه (٣) .
(١) موضع بمكة يقال له ردم بنى جمح ، كانت فيه حرب بينهم وبين محارب بن فهر فقتلت بنو
محارب بنى جمح أشد القتال ، فسمى ذلك الموضع الردم ، بما رُدِم عليه من القتلى يومئذ ( البكرى ) .
(٢) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٢٩٥
(٣) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٢٩٥

.'
٤٢٤
وتوفى معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين ، وبايع الناس ليزيد ، فكتب
یزید مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامرى - عامر بن لؤى - إلى الوليد بن عتبة
ابن أبى سفيان وهو على المدينة ، أن ادع الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ،
وليكن أول مَن تبدأ به الحسين بن على ، فإن أمير المؤمنين عهد إلىّ فى أمره الرفق به
واستصلاحه ، فبعث الوليد بن ◌ُتبة من ساعته - نصف الليل - إلى الحسين بن
علىّ وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد ، فقالا :
نصبح وننظر ما يصنع الناس ، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو
يقول : هو يزيد الذى تَعرف ، والله ما حَدَثَ له حَزْم ولا مروءة ، وقد كان الوليد
أَعْلَظَ للحسين فشتمه الحسين ، وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ، فقال الوليد : إِنْ
هِجْنا (١) بأبى عبد الله إلا أَسَدًا.
فقال له مروان أو بعض جلسائه : اقتله قال : إنّ ذاك لدم مضنون فى بنى
عبد مناف .
فلما صار الوليد إلى منزله ، قالت له امرأته أسماء ابنة عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام : أسببتَ حُسَينًا ؟ قال : هو بدأ فَسَبَّنى ، قالت : وإن سبك حسين
تَسُبّه، وإِنْ سَبّ أباك تسبّ أباه !! قال : لا .
وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة ، فأصبح الناس فغدوا
على البيعة ليزيد ، وطُلِبَ الحسين وابن الزبير فلم يُوجَدَا ، فقال المِسْورَ بن
مَخْرَمة: عَجِلَ أبو عبد الله ، وابن الزبير الآن يَلْفِتُه ويزْجِيه إلى العراق ليخلو بمكة .
فقدما مكة ، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب ، ولَزِمَ ابن الزبير الحِجْر
ولبِسَ المَعَافِرى ، وجعل يحرض الناس على بنى أمية ، وكان يغدو ويروح إلى
الحسين ، ويشير عليه أن يَقْدَمَ العراق ويقول : هم شيعتك وشيعة أبيك .
وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول : لا تفعل . وقال له عبد الله
ابن مطيع : أى فداك أبى وأمى مَتِّعنا بنفسك ولا تَسِر إلى العراق فوالله لئن قتلك
هؤلاء القوم ليتخذُنّا خَولًا وعبيدا .
(١) كذا فى الأصلين ، ومثله لدى المزي ج ٦ ص ٤١٥ وهو ينقل عن ابن سعد وفى المطبوع.
((أهجنا)).

٤٢٥
ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة بالأبواء منصرِفَيْن
من العمرة ، فقال لهما ابن عمر : الله أُذكِّر كما ، إِلَا رجعتما فدخلتما فى صالح
ما يدخل فيه الناسُ ، وتنظرا ، فإن اجتمع الناس عليه لم تَشُذًّا ، وإن افتُرِق عليه
کان الذی تُریدان (١).
وقال ابن عمر لحسين: لا تخرج فإن رسول الله صل﴾ خيّره الله بين الدنيا
والآخرة فاختار الآخرة ، وإنّك (٢) بضعة منه ولاتنالها - یعنی الدنيا فاعتنقه وبكى
وودّعه . فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن على بالخروج ، ولَعَمْرى لقد رأى
فى أبيه وأخيه ◌ِبْرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغى له أن
لا يتحرك ما عاش ، وأن يدخل فى صالح ما دخل فيه الناس فإن الجماعة خير .
وقال له ابن عباس (٣) : أين تريد يا بن فاطمة ؟ قال : العراق وشيعتى فقال:
إنى لكاره لوجهك هذا ، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم
سَخْطَةٌ ومَلّة لهم ، أذكرك الله أن تغرر بنفسك .
وقال أبو سعيد الخدرى : غلبنى الحسين على الخروج ، وقد قلت له : اتق
الله فى نفسك والزم بيتك فلا تخرج على إِمَامِك .
وقال أبو واقد الليثى : بلغنى خروج حسين فأدركته بِمَلَلَ ، فناشدته الله أن
لا يخرج ، فإنه يخرج فى غير وجه خُروج ، إنما يقتل نفسه ، فقال : لا أرجع .
وقال جابر بن عبد الله : كلّمت حسينًا فقلت : اتق الله ولا تضرب الناس
بعضهم ببعض ، فوالله ما حُمِدتم ما صنعتم فعصانى .
وقال سعيد بن المسيِّب : لو أن حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له .
وقال أبو سَلَمة بن عبد الرحمن : قد كان ينبغى لحسين أن يعرف أهل العراق
ولا يخرج إليهم ، ولكن شجّعه على ذلك ابن الزبير .
(١) مختصر تاريخ دمشق ج ٧ ص ١٣٩
(٢) کذا فی (ح) ومثله لدى المزي ج ٦ ص ٤١٦ وهو ينقل عن ابن سعد ، وكذا فى مختصر
تاريخ دمشق ج ٧ ص ١٣٩. ورواية: ث ((وأنت))
(٣) عباس: تحرف فى المطبوع إلى ((عياش)).

٤٢٦
وكتب إليه المِسْوَر بن مَخْرَمَة : إياك أن تغتر بكتب أهل العراق ، ويقول لك
ابن الزبير : الْحَقْ بهم فإنهم ناصروك ، إياك أن تبرح الحَرَم ، فإنهم إن كانت لهم
بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك ، فتخرج فى قوة وعُدة ،
فجزاه خيرا وقال : أستخيرُ الله فى ذلك .
وكَتَبَتْ إليه عَمْرةُ بنت عبد الرحمن : تعظّم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره
بالطاعة ولزوم الجماعة ، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه وتقول : أشهد
لحدّثثنى عائشة أنها سمعت رسول الله وَله يقول: يقتل حسين بأرض بابل ،
فلما قرأ كتابها قال : فَلابُدَّ لى إذًا من مَصرعى ومضى .
وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال : يا ابن عم ، إنّ
الرحم تظأرنى (١) عليك (٢)، وما أدرى كيف أنا عندك فى النصيحة لك ؟ قال:
ياأبا بكر ما أنت ممن يُشْتغشّ ولا يُتَّهُم ، فقل . فقال : قد رأيت ما صنع أهل
العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك مَنْ قد
وَعَدَك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره ، فأذكرك الله فى
نفسك ، فقال : جزاك الله يابن عم خيرًا ، فلقد اجتهدت رأيك ، ومهما يقض الله
من أمر يكن ، فقال أبو بكر : إنا لله ، عند الله نحتسب أبا عبد الله ! .
وكتب عبد الله بن جعفر بن أبى طالب إليه كتابًا يحذّره أهل الكوفة ، ويناشده
الله أن يشخص إليهم ، فكتب إليه الحسين : إِنّى رأيت رؤيا ، ورأيت فيها رسول الله
وَلَه، وأمرنى بأمر أنا ماضٍ له، ولستُ بمخبر بها أحدًا حتى أُلاقى عملى.
وكتب إليه عَمرو بن سعيد بن العاص : إنى أسأل الله أن يلهمك رُشدك ، وأن
يصرفك عَمّا يُرْدِيك ، بلغنى أنك قد اعتزمتَ على الشخوص إلى العراق ، فإنى
أعيذك بالله من الشقاق ، فإن كنتَ خائفًا ، فأقبل إلىّ فلك عندى الأمان والبر
والصلة ، فكتب إليه الحسين : إنْ كنتَ أردتَ بكتابِك إلىّ برّى وصِلَتى فجزيت
خيرًا فى الدنيا والآخرة ، وإنه لم يشاقق مَن دعا إلى الله وعَمِلَ صالحًا وقال إننى
(١) كذا فى (ح) ومثله لدى المزي ج ٦ ص ٤١٨ وهو ينقل عن ابن سعد ورواية ث
((تضارنى)) .
(٢) عليك : ساقط من المطبوع .

٤٢٧
من المسلمين ، وخير الأمان أمان الله ، ولم يؤمن بالله من لم يَخَفْه فى الدنيا ،
فنسأل الله مخافة فى الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده .
وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى
مكة. ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فَمنّوه الخلافة ، وعندك منهم
خِبْرة وتجربة. فإن كان فَعَلَ فقد قَطَعَ واشِجَ القرابة ، وأنت كبير أهل بيتك
والمنظور إليه، فاكففه عن السعى فى الفرقة .
وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى مَنْ بمكة والمدينة من قريش :
على عُذَافِرَةٍ فى سيرها قُحَمُ
يا أيها الراكبُ الغادِى لِطَيِِّه
بينى وبين حسين اللّه والرّحِمُ
عهدُ الإِله وما تُؤْفَى بِهِ الذّمَمُ
أُمّ لَعَمْرِى حَصَانٌ عَفّةٌ كَرَمُ
بِنْتُ الرسولِ وخيرُ النّاسِ قد عَلِمُوا
من قَومكمْ لَهُمُ فِى فَضْلها قِسَمُ
والظنّ يصْدُقُ أحيانًا فينْتَظِمُ
قَتْلَى تَهادَاكُمُ العِقْبَانُ والرّخَمُ
وَمَسِّكوا بحال السّلْمِ واعتصمِوا
من القرون وقد بادثَ بها الأُمَمُ
فِرُبَّ ذِى بَذَخْ زَلَّتْ به القَدَمُ
أبلغ قريشًا على نَأَىْ المزار بها
وموقف بفناء البيت أنْشُدُهُ
عَنّيْتُمُ (١) قَوْمَكم فخرًا بأُمَّكُمْ
هى التى لا يُدَانِى فَضْلَها أحدُ
وفضلها لَكُمْ فَضْلٌ وغَيرُكُمْ
إنّى لأَعَلَمُ أَوْ ظَنَّا كَعَالِمِهِ
أَنْ سَوف يتْرُكُكُم ما تَدُّعونَ بها
یاقومنا لا تُشِئُوا الحرب إذ سکنت
قد غزّتِ الحربُ من قد كان قبلكم
فأنْصِفوا قومكم لا تَهْلَكوا بَذَخًا
قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : إنى أرجو أن لا يكونٍ خروج الحسين
لأمر تكرهه ، ولست أَدَع النصيحة له فيما يجمع الله به الأَلْفَة ويطْفِىء به
النّائِرَة (٢) .
ودخل عبد الله بن عباس على الحسين: فكلَّمه ليلًا طويلًا (٣) وقال: أنشدك
(١) لدى الطبرى ج ٨ ص ٢٠٢: ((عنَّفتم، ولدى المزى وهو ينقل عن ابن سعد ((غنيتم)).
(٢) لدى المزى ج ٦ ص ٤٢٠ ((الثائرة)) ونَأَرَتْ نائِرةٌ فى الناس - نَأْرًا: هاجت هائجة .
(٣) كذا فى (ح) ومثله لدى المزي ج ٦ ص ٤٢٠ وهو ينقل عن ابن سعد. ورواية ث ((فكلمه
طويلا )) ومثلها فى المطبوع .

٤٢٨
الله أن تهلك غدًا بحال مَضْيَعَة ، لا تأت العراق ، وإن كنْتَ لابد فاعلًا فأقم حتى
ينقضى المَوْسِم ، وتلقى الناس ، تعلم على ما يَصْدُرون ، ثم ترى رأيك ، وذلك
فى عشر ذي الحجة سنة ستين .
فأبى الحسين إلا أن يمضى إلى العراق ، فقال له ابن عباس : والله إنى لأظنّك
ستقتل غدًا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله إنى
لأخاف أن تكون الذى يُقَاد به عثمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
فقال الحسين : أبا العباس إنك شيخ قد كَبِرْت .
فقال ابن عباس : لولا أن يُزْرِى ذلك بى أو بك لنَشَّبت يَدَى فى رأسك،
ولو أعلم أنا إذا تناصينا (١) أقمتَ ، لفعلتُ ، ولكن لا أخَال ذلك نافعى .
فقال له الحسين : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى أن تُشْتَحَل بى -
يعنى مكة - قال : فبكى ابن عباس وقال : أقررتَ عَين ابن الزبير فذلك الذى سَلّى
بنفسی عنه .
ثم خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مُغْضَب ، وابن الزبير على الباب ،
فلما رآه قال : يابن الزبير قد أتى ما أحببت ، قرَّت عينك ، هذا أبو عبد الله يخرج
ويتركك والحجاز .
يا لَكِ مِنْ قُبَّرَةِ بِمَعْمَرٍ
حَلَا لَكِ الجُ فَبِيضِى وَاصْفِرِى
ونَقِّرِى ما شِئْتٍ أَنْ تُنَقِّرِى
وبعث حسين إلى المدينة ، فقدم عليه من خَفّ معه من بنى عبد المطلب ،
وهم تسعة عشر رجلًا ، ونساء وصبيان من أخواته وبناته ونسائهم ، وتبعهم محمد
ابن الحنفية فأدرك حسينًا بمكة ، وأعْلَمَه أن الخروج ليس له برأى يومه هذا ، فأبى
الحسين أن يقبل . فحبس محمد بن على وَلَده فلم يبعث معه أحدًا منهم ، حتى
وَجَدَ الحسين فى نفسه على محمد ، وقال: تَوْغَبُ بولدك عن موضع أصَابُ فيه؟!
(١) تناصينا: أخذ كل منا بناصية الآخر، ولدى المزى وهو ينقل عن ابن سعد ((تناحينا)).

٤٢٩
فقال محمد : وما حاجتى أن تصابَ ويُصَابُون معك ، وإن كانت مصيبتك
أعظم عندنا منهم ! وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم ،
فخرج متوجهًا إلى العراق فى أهل بيته وستين شيخا من أهل الكوفة ، وذلك يوم
الاثنين فى عَشْرِ ذِى الحجة سنة ستين .
فكتب مروان إلى عُبيد الله بن زياد ، أما بعد : فإن الحسين بن علىّ قد توجه
إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله وَ لته، وبالله ما أحد
يُسلِّمه الله أحب إلينا من الحسين ، فإياك أن تهيّج على نفسك مالا يسده شئ
ولا تنساه العامّة ولا تَدَعْ ذِكْرَه ، والسلام .
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص . أما بعد : فقد توجه إليك الحسين
وفى مثلها تُعتق أو تكون عبدًا تسترق كما تسترق العبيد (٥)
قال : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ،
قال : حدثنى ◌َبَطَة بن الفرزدق - وهو فى الطواف وهو مع ابن شبرمة - قال :
أخبرنى أبى، قال: خرجنا محُجاجًا، فلما كنا بالصِّفاح (١) إذا نحن بركب عليهم
التَّلَامِق(٢) ومعهم الدُّرق ، فلما دنوت منهم إذا أنا بحسين بن علىّ ، فقلت : أى
أبو عبد الله . قال : فرزدق ما وراءك ، قال : أنت أحب الناس والقضاء فى
السماء، والسيوف مع بنى أمية . قال: ثم دخلنا مكة فلما كُتّا بمنى قلت له :
لو أتينا عبد الله بن عمرو فسألناه عن حُسين وعن مخرجِهِ فأتينا منزله بمنى ، فإذا
نحن بصبية له سود مولّدين يلعبون قلنا أين أبوكم ؟ قالوا فى الفشطَاط يتوضأ . فلم
نلبث أن خرج علينا من فشطَاطه . فسألناه عن حسين فقال : أَمَا إنه لا يَحِيكُ فيه
السلاح . قال : فقلت له : تقول هذا فيه وأنت الذى قاتلته وأباه ، فسبتى فسببته ،
ثم خرجنا حتى أتينا مَاءً لنا يقال له : تِعْشَار (٣) ، فجعل لا يمر بنا أَحَدٌ إلا سألناه
(*) إلى هنا ينتهى نقل المزى عن ابن سعد .
(١) لدى ياقوت ( الصفاح ) موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة ،
وهناك لقى الفرزدق ، الحسين بن على لما عزم على قصد العراق .
(٢) اليلامق : جمع يلمق : وهو القباء المحشو .
(٣) ماء لبنى ضبة بالدهناء .

٤٣٠
عن حسين ، حتى مر بنا ركب فناديناهم : ما فعل حسين بن على ؟ قالوا : قُتِلَ ،
فقلت : فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل .
قال سفيان : ذهب الفرزدق إلى غير المعنى أو قال الوجه ، إنما قال :
لا يَحِيْكُ فيه السلاح ولا يضره القتل مع ماقد سبق له (١).
قال : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحمیدی ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا
شيعىّ لنا يقال له العلاء بن أبى العباس ، عن أبى جعفر ، عن عبد الله بن عمرو ،
أنه قال فى حسين [ حين ] خرج: أَمَا إِنَّه لا يحيك فيه السلاح (٢) .
قال : أخبرنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا معاوية بن عبد الكريم ، عن
مروان الأصفر ، قال : حدثنى الفرزدق بن غالب ، قال : لما خرج الحسين بن
على رحمه الله ، لقيت عبد الله بن عمرو فقلت له : إنّ هذا الرجل قد خرج فما
ترى ؟ قال : أرى أن تخرج معه فإنك إن أردتَ دنيا أصبتها وإن أردتَ آخرة
أصبتها، قال: فَرَحِلْتُ نحوه ، فلما كنتُ فى بعض الطريق بلغنى قتله ، فرجعتُ
إلى عبد الله بن عمرو فقلت : أين ما قلتَ لى ؟ قال : كان رأيا رأيته .
قال : أخبرنا علىُّ بن محمد ، عن الهُذَلِى ، أن الفرزدق قال : لقيت حسينًا
فقلت : بأبى أنت ، لو أقمتَ حتى يصدر الناس لرجوت أن يَتَقَصّف أهل الموسم
معك . فقال : لم آمنهم ياأبا فراس ، قال : فدخلت مكة فإذا فسطاط وهيئة فقلت
لمن هذا؟ قالوا : لعبد الله بن عمرو بن العاص فأتيته ، فإذا شيخ أحمر ، فسلمت
فقال : من ؟ قلت : الفرزدق . أترى أن أنصر حسينا ؟ قال: إِذَا تُصِيب أجرًا
وذُخْرًا قلت : بِلا دُنْيا؟ فأطرق ثم قال: يابن غالب لَتَتِمَّن خلافة يزيد ، فانْظُرَنّ ،
فكرهت ما قال . قال : فَسَبَبْت يزيد ومعاوية قال : مَوْ قَبَّحك الله ، فغضبت
فَشَتَمْتُه وقمتُ ، ولو حضر حَشَمُه لأوجعونی ، فلما قضيت الحج رجعت فإذا عِيرٌ
فَصَرَخْتُ ألا ما فعل الحسين ؟ فردوا عَلَىّ ألا قُتِل .
قال : أخبرنا علىُّ بن محمد ، عن جويرية بن أسماء ، وعلى بن مُدْرِك ، عن
(١) الطبری ج ٥ ص ٣٨٦
(٢) ابن عساكر ج ٥ ورقة ٦٧ ومابين الحاصرتين منه.

٤٣١
إسماعيل بن يسار ، قال : لقى الفرزدق حسينا بالصّفَاح فسلم عليه ، فوصله
بأربعمائة دينار ، فقالوا : ياأبا عبد الله ، تعطى شاعرًا مُجْتَهِرا قال : إن خير
ما أمضيت من مالك ما وَقَيْتَ به عرضك ، والفرزدق شاعر لا يُؤْمَن .
فقال قوم : لإسماعيل : وما عسى أن يقول فى الحسين ، ومكانه مكانه ،
وأبوه وأمه مَن قد علمت ، قال : اسكتوا فإن الشاعر ملعون ، إن لم يقل فى أبيه
وأمه قال فى نفسه .
قال : أخبرنا علىّ بن محمد ، عن حُبّاب (١) بن موسى ، عن الكلبى ، عن
بحير بن شداد الأسدى ، قال : مر بنا الحسين بالثعْلَبِيّة (٢) فخرجت إليه مع أخى ،
فإذا عليه محبّة صفراء لها جيب فى صدرها ، فقال له أخى : إنى أخاف عليك ،
فضرب بالسوط على عيبة قد حَقَبَها وقال : هذه كتب وجوه أهل المصر .
قال : أخبرنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا جعفر بن سلیمان ، عن یزید
الرِّشْك ، قال : حدثنى مَنْ شَافَةَ الحسين ، قال : رأيت أبنية مضروبة بفلاة من
الأرض فقلت : لِمَنْ هذه ؟ قالوا : هذه لحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن ،
قال : والدموع تسيل على خدّيه ولحيته ، قال : قلت : بأبى وأمى يابن رسول
الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التى ليس بها أحد ؟ قال : هذه كتب أهل الكوفة
إلىّ ولا أراهم إلّ قاتلىّ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا الله حرمة إلّا انتهكوها فيسلّط
الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فَرَم الأمة - يعنى مقنعتها .
ثم رجع الحديث إلى الأول :
قالوا : وقد كان الحسين قدّم مسلم بن عقيل بن أبى طالب إلى الكوفة ،
وأمره أن ينزل على هانئ بن عروة المرادى ، وينظر إلى اجتماع الناس عليه ويكتب
إليه بِخَبَرِهم ، فقدم مسلم بن عقيل الكوفة مستخفيا ، وأتته الشيعة ، فأخذ بيعتهم ،
وكتب إلى حسين بن على : إنى قدمت الكوفة فبايعنى منهم إلى أن كتبت إليك
(١) كذا فى الأصلين، وتحت حاء الكلمة علامة الإهمال للتأكيد . وفوقها كلمة (صح) فى
نسخة المحمودية . وفى المطبوع ((جناب)).
(٢) من منازل طريق مكة من الكوفة .

٤٣٢
ثمانية عشر ألفا فعجّل القدوم فإنه ليس دونها مانع . فلما أتاه كتاب مسلم أغذّ
السّير حتى انتهى إلى زُبَالة (١) ، فجاءت رُسُل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء
مائة ألف ، وكان النعمان بن بشير الأنصارى على الكوفة فى آخر خلافة معاوية
فهلك وهو عليها ، فخاف يزيد أن لا يُقْدِمَ النعمانُ على الحسين ، فكتب إلى عبيد
الله بن زياد بن أبى سفيان وهو على البصرة ، فضم إليه الكوفة ، وكتب إليه بإقبال
الحسين إليها ، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها ، فأقبل عبيد الله بن
زياد على الظهر سريعًا حتى قدم الكوفة ، فأقبل متعممًا متنكرًا حتى دخل السوق ،
فلما رأته السّفلة وأهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه وهم يظنون أنه حسين ،
وذاك أنهم كانوا يتوقعونه ، فجعلوا يقولون لعبيد الله : يابن رسول الله ، الحمدُ لله
الذى أراناك . وجعلوا يقبّلون يده ورِجْله ، فقال عبيد الله: لشدّ ما فَسَدَ هؤلاء.
ثم مَضَى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين ثم صعد المنبر وكَشفَ عن وجهه
فلما رآه الناس مالَ بعضهم على بعض وأقشعوا عنه (٢).
وبَنَّى عبيد الله بن زياد تلك الليلة بأهله أم نافع بنت عمارة بن عُقْبة بن أبى
مُعَيْط ، وأتى تلك الليلة برسول الحسين بن على قد كان أرسله إلى مُسلم بن عقيل
يقال له : عبد الله بن بقطر ، فقتله . وكان قَدِمَ مع عبيد الله من البصرة شريك بن
الأعور الحارثى وكان شيعة لعلىّ ، فنزل أيضًا على هانئ بن عروة ، فاشتكى
شريك، فكان عبيد الله يَعوده فى منزل هانئ ، ومُسلم بن عقيل هناك لا يعلم به .
فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلاً يقتلونه إذا دخل عليهم وأقبل عبيد الله فدخل
على شريك يسأل به ، فَجعل شريك يقول :
ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها
اسقونى ولو كانت فيها نفسى . فقال عبيد الله: ما يقول؟ قالوا: يَهْجر (٣)،
وتحشحش القوم فى البيت ، فأنكر عبيد الله ما رأى منهم ، فَوَثَب فخرج ودعا
(١) منزل بطريق مكة من الكوفة .
(٢) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٢٩٩ نقلا عن ابن سعد .
(٣) يهجر : يهذى .

٤٣٣
مولى لهانئ بن عروة كان فى الشرطة فسأله فأخبره الخبر ، فقال: أولا (١) ، ثم
مضى حتى دخل القصر وأرسل إلى هانئ بن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين
سنة فقال : ما حملك على أن تُجير عدوّى وتنطوى عليه ؟ فقال : يابن أخى إنه
جاء حَقٌّ هو أَحَقُّ من حَقِّك وَحَقِّ أهل بيتك ، فوثب عبيد الله وفى يده عَنَزَة
فضرَبَ بها رأس هانئ حتى خرج الزُجّ واغترز فى الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله
مكانه (٢) .
وبلغ الخبرُ مُسْلِمَ بن عقيل ، فخرج فى نحو من أربعمائة من الشيعة ، فما بلغ
القصر إلّا وهو فى نحو ستين رجلا ، فغربت الشمس واقتتلوا قريبا من الرحبة ، ثم
دخلوا المسجد وكَثَرَهُمْ (٣) أصحاب عبيد الله بن زياد ، وجاء الليل فهرب مسلم
حتى دخل على امرأة من كِتْدَة يقال لها : طوعة ، فاستجارَ بها ، وعلم بذلك
محمد بن الأشعث بن قَيْس فأخبر به عبيد الله بن زياد ، فبعثَ إلى مسلم فجئ به
فأنّبه وبكّته وأمر بقتله ، فقال : دَعنى أوصى . قال : نعم . فنظر إلى عمر بن سعد
ابن أبى وقّاص فقال: إن لى إليك حاجة وبينى وبينك رَحِم ، فقال عبيد الله :
انظر فى حاجة ابن عمك . فقام إليه فقال : يا هذا إنه ليس هاهنا رجل من قريش
غيرك ، وهذا الحسين بن على قد أظلك فأرسل إليه رسولًا فلينصرف ، فإن القوم
غرّوه وخدعوه وكذبوه ، وإنه إن قتل لم يكن لبنى هاشم بعده نظام ، وعلىّ دَيْن
أخذته منذ قدمت الكوفة فاقضه عنى ، واطلب جثتى من ابن زياد فَوَارها ، فقال له
ابن زياد : ما قال لك ؟ فأخبره بما قال . فقال : قل له : أمّا مالك فهو لك
لا نمنعك منه وأما حُسين ، فإن تَرَكَّنَا لم تُرِدُه ، وأما جئته فإذا قَتلناه لم نبال
ما صُنِعَ به (٤) .
ثم أمر به فقتل ، فقال عبد الله بن الزَّيْر الأسدى فى ذلك (٥) .
(١) كذا فى ث، ورواية ح ((أَوْلَى)).
(٢) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٢٩٩ نقلا عن ابن سعد.
(٣) لدى الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٢٩٩ وهو ينقل عن ابن سعد ((وكثُر عليهم)).
(٤) الطبری ج ٥ ص ٣٧٦
(٥) الطبرى ج ٥ ص ٣٧٩، والمسعودى : مروج الذهب ج ٣ ص ٦٩ ، ومختصر تاريخ دمشق
لابن منظور ج ٢٧ ص ٦٠ . ويقال : قاله الفرزدق .
[ ٢٨ - الطبقات الكبير جـ ٦ ]

٤٣٤
إلى هانئ فى السوقِ وابنٍ عقيلٍ
إن كُنْتٍ لا تَدْرِين ما الموتُ فانْظُری
تَرَى جَسَدًا قد غَيَّرَ الموتُ لَونَه
أصابَهما أمرُ الإمامِ فأصبحا
ونَضْحَ دمٍ قد سَالَ كُلَّ مَسِيلٍ
أحاديثَ من يَهوى بكلِ سبيلٍ
وآخرَ يَهوى من طَمار قتيل
تَرَىْ بَطَلَّا قد هشّم السيفُ رَأَسَه
وقد طَلَبَتْهُ مَذْحِجٌ بقتيلٍ
أيركبُ أسماءُ الهماليجَ (١) آمنًا
فإِنْ أَنتُمُ لم تثأروا بأخيكمُ
فكونوا بَغَايَا أُرْضِيَت بقليلٍ
يعنى أسماء بن خَارِجة الفَزَارى ، كان ◌ُبيد الله بن زياد بعثه وعمرو بن
الحجّاج الزبيدى إلى هانئ بن ◌ُروة ، فأعطياه العهود والمواثيق ، فأقبل معهما حتى
دخل على عبيد الله بن زياد فقتله .
قال : وقضَى عمر بن سعد دَيْن مُسلم بن عَقِيل ، وأخذ جثته فكفّنه ودفنه ،
وأرسل رجلًا إلى الحسين فحَمَله على ناقة وأعطاه نفقة ، وأمره أن يبلّغه ما قال
مُمسلم بن عقيل ، فلقيه على أربع مراحل فأخبره .
وبعثَ عُبيد الله برأس مُسلم بن عقيل وهانئ بن عُروة إلى يزيد بن معاوية (٢).
وبلغ الحُسين قَتْلُ مسلم وهانئ فقال له ابنه على الأكبر : ياأبه ، ارجع فإنهم
أهل [العراق ] (٣) وغَدْرهم، وقِّة وفائهم، ولا يَفون لك بشئ. فقالت بنو عقيل
لحسين : ليس هذا بحين رجوع ، وحرَّضُوه على المضى .
فقال حسين لأصحابه : قد تَرون ما يأتينا ، وما أرى القوم إلّ سَيخذلوننا ،
فمن أحبَّ أن يرجع فليرجع ، فانصرفَ عنه [ الذين ] صاروا إليه فى طريقه وبقى
فى أصحابه الذين خرجوا مَعَهُ مِنْ مَكّة (٤) ونُفَيْرٌ مِنْ صَحْبِهِ فى الطريق ، فكانت
خیلهم اثنين وثلاثين فرسًا .
(١) لدى المسعودى فى مروج الذهب: ((أيترك أسماء الهماليج آمنا)) والهماليج جمع هملاج:
من البراذين . فارسى معرب .
(٢) الطبری ج ٥ ص ٣٨٠
(٣) أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام حوادث سنة ٦١ هـ، نقلا عن ابن سعد ومابين حاصرتين منه .
(٤) أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام حوادث سنة ٦١ هـ ، نقلا عن ابن سعد . ومابين حاصرتين
منه . وانظره لدى الذهبى أيضا فى سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠٠ نقلا عن ابن سعد .

٤٣٥
قال : وجمع ◌ُبيد الله المقاتلة وأمر لهم بالعطاء، وأعطى الشُرّطَ، ووجّه
حصينَ بن تميم الطَّهْوى إلى القادسية ، وقال له : أقم بها فمن أَنْكَوْتَه فخذه ،
وكان حسين قد وجّه قيس بن مسهر الأسدى إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه
قتله، فأخذه حصين فوجّه به إلى عبيد الله ، فقال له عبيد الله : قد قتل الله مسلما
فأقم فى الناس فاشتم الكذاب ابن الكذاب ، فصعد قيس المنبر فقال : أيها الناس
إنى تركت الحسين بن على بالحاجر ، وأنا رسوله إليكم وهو يستنصركم فأمر به
عبيد الله فطرح من فوق القصر فمات (١) .
ووجه الحصين بن تميم : الحر بن يزيد اليربوعى من بنى رياح فى ألف إلى
الحسين وقال : سايره ولا تَدَعه يرجع حتى يدخل الكوفة وجَعْجِعْ به . ففعل ذلك
الحر بن يزيد .
فأخذ الحسين طريق العُذَيْب (٢) حتى نزل الجوف مسقط النجف (٣) مما
يلى المائتين (٤) ، فنزل قصر أبى مقاتل، فَخَفَقَ خَفْقَة ثم انتبه يسترجع ، وقال :
إنى رأيتُ فى المنام آنفا فارسًا يسايرنا ويقول: القومُ يَشْرُون والمنايا تَشْرِى إليهم ،
فعلمتُ أنه نُعى إلينا أنفسنا ، ثم سار حتى نزل بكربلاء فاضطرب فيه (٥) .
ثم قال : أى منزلٍ نحن به ؟ قالوا : بكربلاء . فقال : يوم كربٍ وبَلَاء ، فوجه
إليه عبيد الله بن زياد عمر بن سعد بن أبى وقّاص فى أربعة آلاف ، وقد كان
استعمله قبل ذلك على الرّى وهَمذان ، وقطع ذلك البعث معه ، فلما أمره بالمسير
إلى حسين تأتى ذلك وكَرِهَه واستعفى منه، فقال له ابن زياد: أَعْطِى الله عهدًا لئن
لم تَسر إليه وتُقدم عليه ، لأعزلنك عن عَملك ، وأَهدم دارك ، وأضرب عنقك،
فقال : إذًا أفعل ، فجاءته بنو زهرة ، قالوا : ننشدك الله أن تكون أنت الذى تَلِى
هذا من حسين ، فتبقى عداوة بيننا وبين بنى هاشم .
(١) الطبری ج ٥ ص ٣٩٥
(٢) العذيب : ماء بين القادسية والمغيثة .
(٣) مكان بظهر الكوفة .
(٤) المائتين: هما سعادة ولؤلؤة، كذا لدى ياقوت ولم يزد على ذلك. ثم ذكر فى ( اللؤلؤة )
أنها ماء بسماوة كلب ، ولم يذكر ( سعادة ) .
(٥) أورده الذهبى فى تاريخه نقلا عن ابن سعد .

٤٣٦
فرجع إلى عبيد الله فاستعفاه فأبى أن يُعْفِيه ، فصمّم وسار إليه . ومع حسین يومئذ
خمسون رجلاً ، وأتاهم من الجيش عشرون رجلًا ، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر
رجلًا، فلما رأى الحسين عمر بن سعد ، قد قَصَدَ له فيمن مَعَه قال: ياهؤلاء اسمعوا
يرحمكم الله مالنا ولكم؟ ما هذا بكم يا أهل الكوفة ؟ قالوا : خِفْنا طرح العطاء قال :
ما عند الله من العطاء خير لكم . يا هؤلاء : دعونا فلنرجع من حيث جئنا .
قالوا : لا سبيل إلى ذلك قال : فدعونى أمضى إلى الرّى فأجاهد الدّيْلم . قالوا :
لا سبيل إلى ذلك . قال : فدعونى أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يَدِى فى يَدِه ،
قالوا : لا ، ولكن ضع يَدَكَ فى يَدِ عبيد الله بن زياد . قال : أما هذه فلا . قالوا : ليس
لك غيرها . وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهَمّ أن يُخلِّى عنه ، وقال: والله ما عرض
لشئ من عملى وما أرانى إلا مخل سبيله يذهب حيث شاء، فقال (١) شِمْر بن ذى
الجوشَن الضبابى إِنك والله إن فعلت وَفَاتَك الرجل لا تستَقِيلها أبدًا، وإنما كان هِمّةُ
عبيد الله أن يثبت على العراق ، فكتب إلى عمر بن سعد :
الآن حين تَعلْقَتْه حِبَالُنا يَرْجُو النجاة وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٢)
فناهِضْه وقال لشِمْر بن ذى الجوشن : سر أنت إلى عمر بن سعد فإن مضى
لما أمَرْتُه وقاتل حسينا ، وإلا فاضرب عنقه وأنت على الناس .
قال : وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسللون إلى حسين من الكوفة ، فبلغ
ذلك عبيد الله فخرج فعسكر بالنخيلة ، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث ،
وأخذ الناسَ بالخروج إلى النخيلة وَضَبَطَ الجسر ، فلم يترك أحدًا يجوزه ، وعقد
عبيد الله للحصين بن تميم الطَّهْوِى على ألفين ، ووجهه إلى عمر بن سعد ، مددًا
له، وقدم شِمْر بن ذى الجوشن الضبابى على عمر بن سعد بما أمره به عبيد الله
عشية الخميس لتسع خلون من المحرم سنة إحدى وستين بعد العصر ، فنودٍى فى
العسكر فركبوا ، وحسين جالس أمام بيته محتبيا ، فنظر إليهم قد أقبلوا فقال
للعباس بن على بن أبى طالب : الْقَهم فاسألهم ما بدا لهم . فسألهم ، فقالوا : أتانا
(١) فى الأصل ((قال)) والمثبت عن الذهبى فى السير وهو ينقل عن ابن سعد .
(٢) الطبرى ج ٥ ص ٤١١، وسير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠٠

٤٣٧
كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك ، فقال :
انصرفوا عنا العشية حتى ننظر ليلتنا هذه فيما عرضتم ، فانصرف عمر (١) .
وجمع حسين أصحابه فى ليلة عاشوراء ليلة الجمعة فحمد الله وأثنى عليه
وذكر النبى ◌ّليل وما أكرمه الله به من النبوة وما أنعم به على أمته وقال: إنى
لا أحسب القوم إلا مقاتلوكم غدًا وقد أذنت لكم جميعًا فأنتم فى حِلّ منى ، وهذا
الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوة فليضمَّ رجلاً من أهل بيتى إليه ، وتفرقوا
فى سوادكم حتى يأتى الله ﴿ بِالْفَتْجِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىّ
أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾ [ سورة المائدة : ٥٢ ]
فإن القوم إنما يطلبوننى فإذا رأونى لَهَوْا عن طلبكم .
فقال أهل بيته : لا أبقانا الله بعدك ، لا والله لا نفارقك حتى يصيبنا
ما أصابك، وقال ذلك أصحابه جميعا . فقال: أثابكم الله على ما تَنْؤُون
الجنة (٢) .
قال : أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيبانى ، عن سفيان ، عن أبى
الجخّاف ، عن أبيه ، أن رجلاً من الأنصار أتى الحسين فقال: إن عَلَىَّ دينًا فقال :
لا يقاتل معى من عليه دين (٣).
قال : أخبرنا على بن محمد ، عن أبى الأسود العبدى ، عن الأسود بن قيس
العبدى ، قال : قيل لمحمد بن بشير الحضرمى : قد أسر ابنك بثغر الرى ! قال :
عند الله احتسبه ونفسى ، ما كنت أحب أن يؤسر ، ولا أن أبقى بعده ، فسمع
قوله الحسين فقال له : رحمك الله أنت فى حِلّ من بيعتى فاعمل فى فكاك ابنك ،
قال: أكلتنى السباع حيا إن فارقتك قال : فاعط ابنك هذه الأثواب والبرود يستعين
بها فى فكاك أخيه ، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار .
رجع الحديث إلى الأول :
فلما أصبح يَوْمَه الذى قتل فيه رحمة الله عليه قال : اللهم أنت ثقتى فى كل
(١) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠١
(٢) الطبرى ج ٥ ص ٤١٨ - ٤١٩، وسير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠١
(٣) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠١

٤٣٨
کرب ، ورجائى فى كل شدة ، وأنت لى فى كل أمر نزل بى ثقة ، وأنت ولىّ كل
نعمة وصاحب كل حسنة .
ثم قال حسين لعمر وأصحابه : لا تعجلوا حتى أخبركم خبرى ، والله
ما أتيتكم حتى أتتنى كتب أَمَائِلكم ، بأن الشُنَّة قد أَميتت ، والنفاق قد نجم ،
والحدود قد عُطِّلت، فاقدم لعلّ الله تبارك وتعالى يصلح بك أمة محمد واله
فأتيتكم ، فإذا كرهتم ذلك فأنا راجع عنكم ، وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل
يصلح لكم قتلى أو يحل لكم دمى ؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن عَمِّه ؟ وابن
أول المؤمنين إيمانا؟، أَوَ لَيْس حمزة والعباس وجعفر عمومتى ؟ أو لم يبلغكم قول
رسول الله وَلٌ فِيَّ وفى أخى: هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟ فإن صدقتمونى
وإلا فاسألوا جابر بن عبد الله ، وأبا سعيد الخدرى ، وأنس بن مالك ، وزيد بن
أرقم . فقال شمر بن ذى الجوشن : هو يعبد الله على حرف إن كان يدرى
ما تقول (١) .
فأقبل الحر بن يزيد أحد بنى رِيَاح بن يربوع على عمر بن سعد فقال : أمقاتل
أنت هذا الرجل ؟ قال : نعم . قال : أما لكم فى واحدة من هذه الخصال التى
عرض رضًا؟ قال: لو كان الأمر إلىّ فعلت . فقال سبحان الله ما أعظم هذا ، أن
يعرض ابن بنت رسول الله وَل عليكم ما يعرض فتأبونه، ثم مال إلى الحسين
فَقَاتَل معه حتى قُتِل (٢).
ففى ذلك يقول الشاعر المتوكل الليثى :
لَنِعم الحر محر بنى رِيَاح ومحر عند مُختلف الرّماحِ
فَجَادَ بنفسه عند الصّباح
ونعم الحر ناداه حسين
وقال الحسين : أما والله ياعمر ليكونن لما ترى يوم يسوءك ، ثم رفع حسين
يده مَدًّا إلى السماء فقال : اللهم إن أهل العراق غرّونى وخدعونى، وصنعوا
بحسن بن على ما صنعوا ، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددًا (٣).
(١) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠١ - ٣٠٢
(٢) الطبری ج ٥ ص ٤٢٧
(٣) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠٢

٤٣٩
وناهض عمر بن سعد حسينا ، فكان أول من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد
يقال له : سالم ، فصل من الصف فخرج إليه عبد الله بن تميم الكلبى فقتله ،
والحسين جالس عليه جبة خز دكناء وقد وقعت النبال عن يمينه وعن شماله وابن
له ابن ثلاث سنين بين يديه فرماه عقبة بن بشر الأسدى فقتله ، ورمى عبد الله بن
عقبة الغنوى أبا بكر بن الحسين بن على فقتله ، فقال سليمان بن قَّة :
وَعِنْدَ غَنِىٌّ قطرة من دمائنا وفى أسَدٍ أخرى تُعَدّ وتُذْكَرُ
قال : ولبس حسين لأمته ، وأطاف به أصحابه يقاتلون دونه ، حتى قتلوا
جميعا ، وحسين عليه عمامة سوداء وهو مختضب بسواد يقاتل قتال الفارس
الشجاع (١) . .
قال : ودعا رجل من أهل الشام ، علىّ بن حسين الأكبر - وأمُّه ، آمنة بنت
أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفى ، وأمها بنت أبى سفيان بن حرب فقال : إن
لك بأمير المؤمنين قرابة ورحمًا فإن شئت أمناك وامض حيث ما أحببت فقال : أما
والله لقرابة رسول الله والتي كانت أولى أن ترعى من قرابة أبى سفيان ، ثم كَرّ عليه
وهو يقول :
أنا علىُ بن ◌ُحُسين بن عَلِئْ
نحن وبيتُ الله أَوْلَى بالنّبِئْ
مِنْ شَمِرٍ وعُمَر وابن الدّعِى (٢)
قال : وأقبل عليه رجل من عبد القيس يقال له مُرّة بن منقذ بن النعمان ،
فطعنه ، فحُمِل فَوضِع قريبًا من أبيه ، فقال له : قتلوك يابنى ، على الدنيا بعدك
العفاء ، وَضَمّه أبوه إليه حتى مات . فجعل الحسين يقول: اللهم دَعَوْنَا لينصرونا
فخذلونا وقتلونا ، اللهم فاحبس عنهم قَطْر السماء وامنعهم بركات الأرض
فإن متعتهم إلى حين ففرّقْهم شِيَعًا واجعلهم طرائِقَ قِدَدا ، ولا تُرْضِى الولاةَ عنهم
أبدا .
(١) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٨، وسير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠٢
(٢) نسب قريش ص ٥٧، ومروج الذهب ج ٣ ص ٧١، وسير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٠٢

٤٤٠
وجاء صبى من صبيان الحسين يشتدّ حتى جلس فى حِجْر الحسين ، فرماه
رجل بسهم فأصاب ثُغْرَةَ نَحْرِه فقتله ، فقال الحسين : اللهم إن كنتَ حبست عنا
النصر فاجعل ذلك لما هو خير فى العاقبة وانتقم لنا من القوم الظالمين (١).
قال : وخرج القاسم بن حسن بن على وهو غلام عليه قميص ونعلان ،
فانقطع شِشع نعله اليسرى ، فحمل عليه عمرو بن سعيد الأزدى فضربه ، فسقط
ونادى : ياعماه ، فحمل عليه الحسين فضربه فاتقاها بيده فقطعها من المرفق
فسقط وجاءت خيل الکوفیین لیحملوه وحمل عليهم الحسین فجالوا ووطئوه حتى
مات (٢) .
ووقف الحسين على القاسم فقال : عَزّ على عَمِّكَ أن تدعوه فلا يجيبك ،
أو يجيبك فلا ينفعك ، يَوْمٌّ كَثُرَ واتِرُه وقَلّ ناصِرُه ، وبعدًا لقوم قتلوك ، ثم أمر به
فحمل ورجلاه تخطّان فى الأرض حتى وضِعَ مع على بن حسين ، وعَطِشَ
الحسين، فاستسقى وليس معهم ماء فجاءه رجل بماء فتناوله ليشرب ، فرماه
حصين بن تميم بسهم فوقع فى فيه ، فجعل يتلقى الدّم بيده ويحمد الله ، وتوجه
نحو المُسناة يريد الفرات ، فقال رجل من بنى أبان بن دارم : حولوا بينه وبين
الماء، فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء ، وهو أَمَامَهُم . فقال حسين : اللهم
أظْمِه . ورماه الأبانى بسهم فأثبته فى حَنَكِه ، فانتزع السهم وتلقى الدم فملأ كَفّه
وقال : اللهم إنى أشكوا إليك ما فعل هؤلاء ، فما لَبِثَ الأبانی إلا قليلًا حتى رئی
وإِنَّه ليؤتى بالقُلّة أو العس، إنْ كَانَ لَيَرْوِى عِدّة ، فيشرَبَه فإذا نَزَعه عن فِيْه قال :
اسقونى فقد قتلنى العطش فما زال بذلك حتى مات (٣) .
وجاء شِمْر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين تَقّله ، فقال الحسين :
رخلی لکم عن ساعة مباح ، فامنعوه مِنْ مُهّالِکم وطَغَامِکم و کونوا فى دنياكم
أحرارا إذا لم يكن لكم دين ، فقال شِمْر: ذلك لك يابن فاطمة . قال : فلما قتل
أصحابُه وأهل بيته بقى الحسين عامّة النهار لا يُقْدِم عليه أحد إلا انصرفَ حتى
(١) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٨
(٢) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٨
(٣) الطبرى ج ٥ ص ٤٤٩ - ٤٥٠