Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
المدينة ، فنظرتُ إلى عُيَيْنَة مَجْمُوعَةٌ يداه إلى عُنُقِهِ بِحَبْلِ يَنْخُسُه غلمانُ المدينة
بالجَرِيد ويضربونه ويقولون: أى عَدّو الله أكفرتَ بالله بعد إيمانك ؟! فيقول : والله
ما كنتُ آمنتُ بالله. قال: وأَتِىَ بِقُرَّةَ بن هُبَيْرة فقال: يا خَلِيفةَ رسول الله ! والله
ما كفرتُ . واسأل عَمْرَو بن العاص فإِنّ لى عنده شهادة ليالى أَقْبلَ من عُمان
خرجتُ فى مائة من قومى خُفَرَاءَ له ، وقَبل ذلك ما أكرمت مَنزِلَهُ وَنَحَوْتُ له !
فسأل أبو بكر عَمْرًا فقال : نزلتُ به فَلَمْ أَرَ لضَيْفٍ خيرًا منه ! لَمْ يَتَرِكْ، وخرج معى
فى قومه خَفِيرًا. ثم ذكر عمرو ما قال قُرّة . فقال قُرّة : انْزَع يا عَمْرو ، فقال
عمرو: لو نَزَعتَ نَزَعتُ ، فلم يعاقبه أبو بكر بذلك وعفا عنه ، وكتب له أمانًا ،
وقَبِلَ من عُيَيْنَةَ وكتب لهُ أمانًا .
قال : أخبرنا محمد بن عمر، قال : حدثنى عبد الله بن وَابِصَة العَبْسىّ ، عن
أبيه ، عن جده ، قال : كنا مع خالد بن الوليد فى الرِّدَّة أعوانًا له، ثم رجع إلى
المدينة ومعه العرب رجعت العرب إلى أوطانها ، ورجعت عَبْس وطَيِّىء ومن كان
معه من أسَدٍ إلى منازلهم حتى جاءهم النفير إلى الشام ، فقدموا المدينة ، فجعل
أبو بكر يُفَرِّقُ الجيوشَ على ؤُلاَتِه وهم ثلاثةٌ: عَمْروُ بن العاص ، وَشُرَحْبِيل بن
حَسَنَةَ ، ويَزِيد بن أَبِى سُفْيان . فخرجوا معهم إلى الشام .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عبد الجبار بن عمارة ، عن
عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم ، قال: لمّا أَجْمَعَ أبو بكر عَلَى أَنْ
يبعثَ الجيوشَ إلى الشام كان أول مَن سَارَ مِنْ عُمَّاله عَمْرو بن العاص ، وأمرهُ أن
يسلك على أَيْلةَ عامدًا لِفِلَسْطِين ، فَقَدّم عمرو أمامه مُقَدِّمةً عليهم سعيد بن الحارث
السَّهْمِىُّ ، ودفع لواءهُ إلى الحجّاج بن الحارث السَّهمى ، وكان جُنْدُ عمرو الذين
خرجوا معه من المدينة ثلاثة آلاف ، فيهم ناسٌ كثير من المهاجرين والأنصار ،
وخرج أبو بكر الصّديق يمشى إلى جَنبٍ رَاحِلة عَمْرو بن العاص وهو يوصيه
ويقول: يا عَمرو ، اتق الله فى سِرِّ أمرك وعَلَانِيَتِهِ ، واستحييه فإنه يراك وَيَرَى
عَمَلك ، وقد رأيتَ تَقْدِيمى إياك على مَن هو أقدمٍ سَابِقَةً منك ومَن كان أغنى عن
الإسلام وأهله منك، فكن من عُمّال الآخرة ، وأَرِدْ بما تفعل وَجْهَ الله وكُنْ وَالِدًا
لمن معك ، ولا تَكْشِفَنَّ الناسَ عن أستارهم ، واكتَفِ بعلانيتهم، وكُنْ مُجِدًّا فى

٦٢
أمرك، واصدُقِ اللِّقاءَ إذا لاقيتَ وَلاَ تَجَبُن ، وتقدم فى الغلول وعاقب عليه ، وإذا
وَعْتَ أصحابَك فأَوْجز ، وأصلح نفسَك تَصْلح لك رَعِيْتُك فى وصيةٍ طويلةٍ
وعَهِدَ عهدهُ إليه يَعْمل به .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ،
أن أبا بكر قال لعمرو بن العاص: إِنِّى قد استعملتك على مَنْ مررت به من بَلِىّ
وعُذْرَةً وسائر قُضاعَةً ومن سَقَط هناك من العرب ، فاندُبهم إلى الجهاد فى سبيل
الله، ورغِّبهم فيه ، فمن تبعك منهم فاحْمِلْهُ وزوِّده وَرَافق بينهم ، واجعل كل قبيلة
على جدتها ومنزلتها .
قال: أخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدّثنا أُسَامَة بن زَيْد ، عن مُعَاذ بن
عبد الله بن حُبَيْب ، عن رجالٍ من قومه قال : بعث أبو بكر الصديق ثلاثة أمراء إلى
الشام : عمرو بن العاص ، ويزيد بن أبى سفيان ، وشُرَحْبِيل بن حَسَنَةً ، فكان
عمرو هو الذى يصلّى بالناس إذا اجتمعوا وإِنْ تفرقّوا كان كل رجلٍ منهم على
أصحابه . وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يَمُدَّ عَمْرو بن العاص ، فكان خالد
مَددًا لعَمرو ، وكان أمر الناس إلى عَمْرِو بن العاص يوم أجْنَادِين ويوم فِخْل وفى
حصار دمشق حتى فُتِحَتْ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى موسى بن محمد بن إبراهيم بن
الحارث التَّيِمِيّ ، عن أبيه ، قال : لما رأى عَمْرُو بنُ العاص كثرةَ الجُمُوع بالشام ،
كتب إلى أبى بكر يَذْكر أَمْرَ الروم وَمَا جَمَعُوا، ويَسْتَمِدُّه فَشَاوَرَ أبو بكر مَنْ عِنْدَهُ
من المسلمين، فقال عُمَرُ بن الخطاب، يا خليفةَ رسولِ الله، وَّه، اكْتُبْ إلى
خالد بن الوليد يَسِيرُ بِمَنْ معه إلى عمرو بن العاص فيكون له مددًا ففعل أبو بكرٍ
وكتب إلى خالد بن الوليد ، فلما أتاه كتاب أبى بكر قال : هذا عَمَلُ عُمَرَ حَسَدَنى
عَلَى فتح العراق وأن يكون على يدى، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلنى مَدَدًا لَعمرو بن العاص
وأصحابه فأكون كأحدهم ، فإن كان فَتْحْ شُرِكنا فيه أو أكون تحت يَدَى بعضهم ،
فإن كانَ فَتْت کان ذِكْره له دونی .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عبد الحميد بن عمران بن أبى

٦٣
أنس، عن المطلب بن السائب بن أَبِى وَدَاعَة ، قال : كتب أبو بكر الصديق إلى
عمرو بن العاص : إِنّى كتبتُ إلى خالد بن الوليد يَسِير إليك مَدَدًا لك ، فإذا قَدِمَ
عليك فَأَحْسِنْ مُصَاحَبَتَهُ وَلاَ تَطَاوَلْ عليه ولا تقطع الأمورَ دونه ، لتقدُّمى إياك عليه
وعلى غيره ، شاوِرْهم ولا تُخالفهُم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى سعد بن راشد ، عن عطية بن
قيس ، عن أبى العوَّام مؤذن بيت المقدس ، قال : سمعتُ عَبْدَ الله بن عَمْرو بن
العاص يُحدِّث فى بيت المقدس يقول : شهدنا أَجْنَادِين ونحن يومئذٍ عشرون ألفًا ،
وعلى الناس يومئذٍ عَمْرو بن العاص ، فهزمهم الله وتفرقوا ، فَفَاءت فِئة إلى فِخْل
فى خلافة عمر بن الخطاب ، فسار إليهم عمرو بن العاص فى الناس فنفاهم عن
فخل .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ،
قال : لما سار أَمَرَاء المسلمين إلى الشام فنزلوا بقرية يقال لها ثَادِن من قرى غزةَ مما
يلى الحجاز ، فلقيهم فيها بَطْريق من بطارقة الروم ، فأرسل إليهم أن يُخْرِجوا إليهِ
أَحَدَ القُوّاد ليكلِّمه ، قال : فتواكلوا ذلك ، وقال لعمرو بن العاص : أنت لذلك ،
فخرج إليه عمرو فلما انتهى إليه رَّب به وأجلسه معه على سريره ، ومَتِّ إليه
بقرابه العِيص بن إسحاق بن إبراهيم فى إسماعيل بن إبراهيم ، فكلّمه عَمْرو
وَدعاهم إلى الدخول فى الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون ، فأَتَّى ، وضَنَّ
بدينه فقال عمرو : قد أعذرت وَلَمْ يَبْقَ إلا السيف ، فافترقا واقتتلوا فكانت بينهم
معركة عظيمة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عبد الله بن جعفر ، عن
عبد الحكيم بن صُهَيب ، (" عن جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم ، قال: خرج
عمرو بن العاص إلى بَطْرِيق غَزَّة فى نُفَير (١) من أصحابه ، عليه قباءٌ عليه صدأ
( * - *) الخبر بسنده ونصه لدى ابن عساكر فى تاريخه - اختصار ابن منظورج ١٩ ص ٢٤٠ -
٢٤١
(١) رواية ابن عساكر ((فى نفر)).

٦٤
الحديد ، وعِمَامة سوداء ، وفى يده رمح ، وعلى ظهره تُرس ، فلما طلع عليه
ضحك وقال : ما كنتَ تصنع بحَمْلِ السلاح إلينا ؟ قال : خِفْتُ أَنْ أَلقى دُونك
فَأكون قد فَرَّطتُ فالتفت إلى أصحابه فقال بيده - عقد الأنملة على إبهامِه - ثم
قال : مرحبًا بك ، وأجلسه معه على سريره وحادثه فأطال ، ثم كلّمه بكلام كثيرٍ،
وحاجَّهُ عَمْرو ودعاهُ إلى الإسلام .
فلما سمع التَطْرِيق كلامه وبيانه وأَداءَه قال بالرومية يَا مَعْشَرَ الرُّومِ ، أَطِيعُونِى
اليومَ واعصونى الدهر ، هذا أميرُ القوم ، أَلاَ تَرَوْنَ أنى كلما كَلّمته كلمةً أجابنى
عن نفسه؟ لا يقول: أُشاور أصحابى وأَذْكُر لهم ما عرضتَ عَلَىَّ وليس الرأى إلا
أن نقتله قبل أن يخرج من عندنا ، فتختلف العرب بينها وَيَهِنُ (١) أَمْرُهُم ،
ويفتئون (٢) عن قتالنا . فقال مَنْ حَوْلَه مِنَ الروم : ليس هذا برأى .
وَكَانَ دَخَل مع عمرو بن العاص رجلٌ من أصحابه يعرف كلام الروم ، فألقَى
إلى عَمْرو ما قال الملك . ثم قال الملك : أَلاَ تخبرنى هل (٣) فى أصحابك مثلكُ
يُبين بيانَك ويُؤَدّى أداءك؟ فقال عَمْرو: أنا أَكَلُّ أصحابى لسانا وأدناهِم أدَاءٌ ، وفى
أصحابى مَنْ لو كلمتَه لعرفتَ أنى لستُ هناك قال: فأنا أُحِبُّ أَنْ تَبْعَثَ إِلَىّ
رأسَكم فى البيان والتقدم والأداء حتى أكلمه ، فقال عمرو : أَفعل .
وخرج عَمرو منٍ عنده . فقال البطريق لأصحابه: لَأَخَالِفِتَّكم ! لئن دخل عَلَىَّ
فرأيتُ منه ما يقول لأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ! فلما خرج عَمْرو من الباب كَبَّرَ وقال : لا أعود
لمثل هذا أبدًا، وأتى منزله فاجتمع إليه أصحابه يسألونه ، فَخَبَّرهم خبره وخبر
البطريق ، فأعظمَ القوم ذلك ، وحَمَدوا الله على ما رزق من السلامة .
وكتب عَمْرو بذلك إلى عُمَر ، فكتب إليه عمر : الحمد لله على إحسانه إلينا ،
وإيّاك والتغريرَ بنفسك أو بأحدٍ من المسلمين فى هذا وشبهه (٤) ، وبحسب العِلج
منهم ، يُكَلَّمَ فى مكان سواء بينك وبينه ، فتأمن غائلته ، ويكون أكسر له .
(١) ابن عساكر ((وينتهى)).
(٢) ابن عساكر ((ويعفَون من قتالنا)).
(٣) فى الأصل : عنك . والمثبت من ابن عساكر .
(٤) ابن عساكر (( أو شبهه)).

٦٥
فلما قرأ عَمْرو بن العاص كتابَ عُمَر ، رَخَم (١) عليه ثم قال : ما الأب البار
لولده بأَبَّ من عمر بن الخطاب برعيته !
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ،
قال : كانت رايةُ عَمْرو بن العاص يوم اليَوْمُوك يحملها ابنه عبد الله بن عَمْرو .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عمر بن محمد ، عن عَمرو بن
شُعَيب ، قال : كانت رايةُ عمرو بن العاص يوم اليَوْمُوك سَوْدَاءِ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنى
عبد الواحد بن أبى عون ، عن موسى بن عِمْران بن مَنَّح ، قال : لما رأى عَمرو بن
العاص يومَ اليَوْمُوكُ صَاحِبَ الرَّايةِ ينكشف بها ، أخذَها ، ثم جَعَل يَتَقَّدمُ وهو
يَصِيحُ : إِلَىَّ يا معشرَ المسلمين، فجعل يُطاعِن بها قُدُمًا وهو يقول : اصنعوا كما
أصنع! حتى إنه ليرفعها وَلَكَأنَّ عليها أَلْسِنَةُ الطَِّرِ (٢) مِنَ العَلَقِ *) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى يعقوب بن محمد ، عن
عبد الملك بن مُسلم ، عن يَعْلى بن شَدّاد ، عن أبيه ، قال : لما سمع المسلمون بمسير
عمر بن الخطاب إلى الجَابِيَّة، تلقاهُ الأمراءُ: أبو عُبَيْدة بن الجرّاح، وعَمْرو بن
العاص ، ويزيد بن أبى سفيان حتى لقوه من وراء الجابية إلى المدينة بقليل .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى المفضَّل بن فَضالة القَيْنِى ، عن
عَيَّاش بن عَبّاس القِتْبَانيّ . قال محمد بن عمر : وحدثنى من سمع صالح بن
كيْسان ، يخبر عن يعقوب بن عُتبة ، عن مشيخة من أهل مِصْر، أن عمرو بن
العاص كان واليًا لعمر بن الخطاب على فلسطين وما والاها ، فَتَدَبَ أصحابَه إلى
المسير إلى مصر ، فخرج بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف وخمسمائة ، وسار بغير أَمْرٍ
عُمر، وخَلَفَ ابنَه عبد الله بن عَمْرو على عمله ، فكتب معاوية بن أبى سُفْيان إلى
عُمَر بن الخطاب يخبره بمسير عمرو بن العاص إلى مصر فى أصحابه ، فلما ورد
(١) رواية ابن عساكر: تَرَجَّم. وفى القاموس (رحم): رَّم عليه ترحيمًا، وتَرَّم، والأولى
الفصحى .
(٢) ابن عساكر ((المطر)) والعَلَق : الدم.
[ ٥ - الطبقات الكبير جـ ٥ ]

٦٦
الكتاب عَلَى عُمَر شَقَّ عليه، فَدَعَا عُقْبَة بن عامر الجُهَنِيّ، فكتب معه إلى عَمْرو بن
العاص ، وقال انطلق فى طلب عَمرو فادفع إليه كتابى ، فَلَحِقه عُقْبةُ وهو ينظر إلى
أرض مصر، فَحَرَّكُ دَابَّتَه وَحِقَهُ عُقبةُ، فسألَهُ عَمْرو عن ماله وكيف تركه ؟
والكتاب فى يد عقبة لا يمد عَمْرو يده إليه حتى دخل أرض مصر ، فقال له بعض
مَن كان معه : هذه أرض مصر ، فقال : اللهم بارك لنا فى أرض مصر ، ونزل
فقال : هات كتاب أمير المؤمنين ، فقرأه على طمأنينة فدفعه إليه فقرأه فإذا فيه : بسم
الله الرحمن الرحيم :
أما بعد ، فإنه لم يَحضُرك رُشْدُك ولا ما كان يُنْسَبُ إليك من العقل والتجربة
بإقْدَامِكَ عَلَىَّ بما أقدمتَ به ، وقطع الأمور دونى بمن معك من المسلمين تسوقهم
حيث تريد ، وأقسِم بالله لولا أنى أظن أن ذلك على النظر منك للمسلمين، لَبَعَثْتُ
إليك من يُقدِمُك عَلَىَّ مَاشِيًا من حيث أدركك أو يَحْمِلك عَلَى أَوْعَرِ ما يَجِدُ من
المراكب ، فيكون ذلك أشد عليك من المشى ، تخرج فى نُفَير يسيرٍ ، ولعمرى
لو كان ثُكلُ أمك ما تقدمتَ بهم ، ويحك لَوْ أَتَّى ذُو أتىّ على من معك من
المسلمين بتغريرك بهم ، ألم تكن قد هَلَكْتَ وأَهْلَكْت ! فإذا جاءِكَ كتابى هذا ولم
تدخل أرض مصر فارجع بمن معك إلى عملك حتى يأتيك أمرى ، قال : فجعل
وَجْهُ عَمْرو يتغيّر وهو يقرأ الكتاب حتى كان آخر ذلك ، فقال : قد دخلنا أرض
مصر ، فانتهى إلى الفَرَمَا ، فوجدَ بها قومًا قد أعدُّوا للقتال ، فقاتَلهم فهزمهم،
ومضى قُدمًا حتى انتهى إلى الفُشْطَاط، فوجدَ قومًا قد أعدُّوا للقتال وخَنْدَقوا حول
حِصْنِهم ، فنزل من وراء خَندقِهم .
وبعثَ عُمَرُ بنُ الخطاب الزبير بن العوام مَدَدًا لعمرو بن العاص فى عشرة آلاف
من المسلمين ، فَقَدِمَ عليه وهو مُحَاصِرُهم ، وأقاموا أيامًا يقاتلون ثمّ هرب العدو ،
فدخلوا الحصن وغلقوهُ عليهم ، فقال الزبير: أما إذا صاروا إلى حصنهم فَلاَبَدَّ مِنْ
مُنَاهَضَتِهِم ، فأمر بِسُلَّم فَأَتِى به ونصبهُ على الحصن ثم صعد عليه فكبر وتبعه
المسلمون ، فدخل الحصن ودخل المسلمون على أثره فَفُتح عَنْوَةً ، واستباحوا
ما فيه، فعزل مغنمًا للمسلمين ، ثم صالحهم عَمْرو بن العاص على الجزية فى رقابهم
وعلى خَراج الأرض . ثم كتب إلى عمر بن الخطاب بما فتح الله عليه ، وبسلامته

٦٧
وَسَلاَمَةِ مَنْ معه من المسلمين مَعَ عُقبة بن عامر الجُهَنِىّ فَحمِدَ عمر بن الخطاب الله
على ذلك .
ثم كتب إلى عمرو بن العاص يَحْمَدُ الله على ما أبلاه وَأَبْلَى المسلمون ،
ويقول : قد كنت عندى غير حميدٍ ، فإياك إياك أن تفتاتَ علىّ بمثل هذا ، إلا أن
يكون أمرٌ يَحضُرك تخاف على المسلمين فيه فتناهضه بمن معك .
فكتب عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب : مِنْ عَمْرو بن العاص ، سلامٌ
إليك، فإنى أحمدُ إليك الله الذى لا إله إلا هو ، أما بعد : قرأت كتاب أمير
المؤمنين وما عَصَّبَنى من اللائمة وأضاف إِلَىَّ مِنْ سُوءِ التدبير ، فقد كان ما كان من
الافتيات عليك لما رجوت من الفرصة والنصر ، فرزق الله ذلك ، ورزق الله
السلامة، فنحمده على ذلك ، ولست بعائدٍ إلى ما خالفك ، ولا قوة إلا بالله ،
والسلام عليك ورحمة الله .
فأقام عمرو بن العاص بمصر ما أقام ، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه
فى مناهضة أهل الإسكندرية ، فكتب إليه عمر أن يسير إليهم بمن معه من
المسلمين ، فسار عمرو بن العاص فى سنة إحدى وعشرين ، وخلف على الفسطاط
خارجة بن حذافة العدوى ، وقدَّم بين يديه مُقَدّمةً عليهم عبد الله بن حُذافَة
السَّهْمِىّ ، وقد تجمع له ما دون الإسكندرية من الروم والقبط يقولون : لا يدخل
علينا الإسكندرية أبدًا .
وَزَحَفُوا إليه فَالْتَقَوا ، فقاتَلهم عَمرو قتالًا شديدًا حتى هزمهم الله ، وانتهوا إلى
الكِْيَون (١)، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى صَلَّى عَمْرو بن العاص يومئذ صلاة
الخوف، ثم مضى قدمًا حتى انتهى إلى الإسكندرية ، فأرسل إليهم المقوقس
صَالِحْنا وَمَادِّنا مُدَّة ننتهى إليها نحن وأنت وأكتب إلى صاحبى - يعنى ملك الروم
- وسأله مُوادَعَة سنة ، فَأَتَى عَمرو ، فقال: فشهرًا ، قال : ولا ساعةً من نهارٍ ، ثم
قاتلهم أشد القتال حتى فتحها عَنْوَةً ودخلها بالسيف وغَنِمَ ما فيها من الروم
وغيرهم الذين فى جوفها ، وجعل فيها رابطةً من المسلمين عليهم عبد الله بن
◌ُذَافة .
(١) الكِرْيَون : موضع قرب الإسكندرية ، أوقع به عمرو بن العاص بجيوش الروم .

٦٨
وبَعثَ عَمْرُو بن العاص معاوية بن حُدَيْج (١) إلى عمر بن الخطاب بفتح
الإسكندرية . قال : وبلغ قُسطنطين بن هرقل أَمْرَ الإسكندرية وَفَتْحِهَا فبعث خَصِيًّا
لهُ يُقال له : منويل فى ثلاثمائة مركب حتى دخلوا الإسكندرية ، فقتلوا من بها من
روابط المسلمين وهَرَبَ مَن هرب ، ونقض أهل الإسكندرية ، فبلغ عمرو بن العاص
الخبر فندب المسلمين فخرجَ فى خمسة عشر ألفًا من المسلمين ، ثم زحف إلى أهل
الإسكندرية ونصب عليها المجانِيق، وقاتلهم أشد القتال حتى فتحها عَنْوَةً وخَرَّب
جُدرَها ، وَرُئِى عمرُو بن العاص يخرب بيده .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عبد الله بن نافع ، عن عمرو بن
الحارث ، قال : كان عمرو بن العاص يبعث بجزية أهل مصر وخَراجها إلى عمر
ابن الخطاب كل سنة ، بعد حبس ما كان يحتاج إليه ، ثم إنه اسْتَبْطَأْ عَمْرَو بن
العاص فى الخراج فكتب إليه كتابًا يلومه فى ذلك ، ويُشدِّد عليه ويقول له فى
كتابه: فلا تجذع أبا عبد الله أن تُؤخذ بالحق وتُعطيه ، فإنّ الحق أَبْلَجِ ، فَذَرْنى
وما عنه تُلَجْلِج فقد بَرح الخفَا .
فكتب إليه عمرو بن العاص يجيبه على كتابه وكتب إليه : إنّ أهلَ الأرض
استنظروا إلى أن تدرك غَلَّتُهُم ، فنظرت للمسلمين وكان التَّرفقُ بهم خيرًا من أن
نخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه ، فينكسر الخراج ، وقد صدقتُ
والله أَمِيرَ المؤمنين والسلام .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى
سَبْرَة، عن موسى بن مُبَيْر ، عن شيوخ من أهل المدينة قالوا : كتب عُمر بن
الخطاب إلى عَمْرو بن العاص : أما بعد ، فإنى قد فرضت لمن قبلى فى الديوان
ولذريتهم ولمن وَرَدَ علينا بالمدينة من أهل اليمن وغيرهم ممن توجه إليك وإلى
البلدان ، فانظر من فرضتُ له ونزل بك ، فادرر عليه العطاءَ وعلى ذريته ، ومن نزل
بك ممن لم أفرض له فافرض له على نحوٍ ممّا رأيتنى فرضتُ لأشباهه ، وخُذ لنفسك
مائتى دينار ، فهذه فرائض أهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار ، ولم أبلغ بهذا أحدًا
(١) فى الأصل: ((خديج)) بالخاء المعجمة ، وصوابه من جمهرة الأنساب لابن حزم ص ٤٢٩
وأسد الغابة ج ٥ ص ٢٠٦ ، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ج ٣ ص ١٤٩

٦٩
من نُظَرائك غيرك ، لأنك من عمال المسلمين ، فألحقتك بأرفع ذلك ، وقد علمتُ
أَنّ مُؤَنَّا تَلْزَمُك ، فَوَفِّر الخراجَ وخذه من حَقِّهِ ثُم ◌ِفَّ عنه بعد جمعه ، فإذا حصل
إليك وجمعتَه أخرجتَ عطاءً المسلمين وذريتهم وما تحتاج إليه ممّا لابد منه ، ثم انظر
فيما فضل بعد ذلك فَاحْمِلْهُ إِلَىَّ، واعلم أنّ ما قبلك من أرض مصر ليس فيه
خُمشٌ ، وإنما هى أرض صلح وما فيها للمسلمين فىءٌ ، تبدأ بمن أغنى عنهم فى
تغورهم وأجزأ عنهم فى أعمالهم ، ثم تَفُضّ ما فَضَل بعد ذلك عَلَى مَنْ سَمَّى الله .
واعلم يا عَمْرو أن الله يراك ويرى عملك ويعلم من سريرتك ما يعلم من
علانيتك ، فليكن مُقْتَدِى بك فى سِيرَتِك وعملك ، فإنه قال تبارك وتعالى فى
كتابه: ﴿ وَأُجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [ سورة الفرقان: ٧٤ ] يريد أن يُقْتدى وأن
معك أهل ذمة وعهدٍ قد أوصى رسول الله، وَلّه، بهم، وأوصى بالقبط فقال:
اسْتَوْصُوا بالقبط خَيْرًا فإنّ لهم ذِمَّةً وَرَحِمًا، ورحمهم: أَنّ أَمَّ إسماعيل منهم . وقد
قال رسول الله، وَله: مَن ظَلَم معاهدًا وكلّفه فوق طاقتهِ فَأَنَا خصْمُهُ يوم القيامة ،
احْذَرْ يَا عَمْرو أن يكون رسول الله ، وََّ، لك خصمًا ، فإنه من خاصمه
خصمه، والله يا عمرو ، لقد ابتليتُ بولاية هذه الأمة ، وأنستُ من نفسى ضعفًا
وانتشرت رعيَّتِى، ورقَّ عظمى، فأسألُ الله أَنْ يقبضنى إليه غير مُفرطٍ ، والله إنى
لأخشى لومات حَمَلٌ بأقصى عملك ضياءًا ، أن أَسْأَلَ عنه يوم القيامة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا الوليد بن كثير ، عن يَزِيد بن أبِى
حَبِيب ، عن أبى الخَير ، قال : لما فتح المسلمون مصر ، بعث عَمْرُو بن العاص إلى
القُرى التى حولها ، الخيلَ تَطَؤُّهم ، فبعث عُقبةَ بن نافع بن عَبْد القَيْس (١) ، وكان
أَخَا العاص بن وائل لأمّه ، فدخلتْ خُيُولهم أرض النُّوبَة غزاةً ، غَزْوًا كصوائف
الروم ، فلقى المسلمون من الثُّوبة قتالًا شديدًا، لقد لاقوهم أول يومٍ ، فَرَشَقُوهم
بالنّبل ، حتى جُرِعَ عامتهم جراحاتٍ كثيرةٍ ، وحَدَق مَفْقُوءةٌ ، فَسمَّوهم رُماةَ
الحَدَق ، فلم يزالوا على ذلك حتى وَلَّى عثمان بن عفان عَبْدَ الله بن سعد بن أبى
(١) فى ث (قيس)) والمثبت عن ابن الأثير فى أسد الغابة وتاريخ ابن عساكر كما فى المختصر
والخبر لديه بسنده ونصه .

٧٠
سَرح مصر ، فسأله النُوبةُ الصُّلْحَ والموادعة ، فأجابهم إلى ذلك ، فاصطلحوا على
غير جِزْية ، على هدية ثلاثمائة رأس فى كل سنة ، ويُهدى إليهم المسلمون طعامًا
مثل ذلك (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا شُرَحْبِيل بن أَبِى عَوْن ، عن
عبد الله بن هُبَيْرة ، قال : لما فتح عَمْرُو بن العاص الإسكندريةَ سار فى جُنْدِه يريد
المغرب حتى قدم برقة فصالح أهلها على الجزية وهى ثلاثة عشر ألف دينار ، وأن
يبيعوا من أبنائهم من أَحَبّوا فى جِزْيتهم (٢).
قال محمد بن عمر: وكتب عَمْرُو بن العاصِ إلى عُمَرَ بن الخطاب يُخْبِرِهِ أَتّه
وَلَّى عُقْبَةَ بن نافع الفِهْرِى ، وأنه قد بلغ زَوِيلَةَ ، وأَنَّ ما بين بَرْقَةَ وزَوِيلَةَ سِلْم كلهم
قد أطاع مُسْلِمُهم بالصَّدَقَة ، وأَقَرَّ مُعَاهِدُهُم(٣) بالجِزْية . وقد وضعتُ على أهل
[ برقة ] صلحًا صالحتهم عليه، ووضعنا على زَوِيلَةً وما بينناوبين زَوِيلَةَ ما نراهم
يُطِيقُونه ، وقد أمرت عمالى أن يأخذوا الصدقات من أغنياء المسلمين فيردّوها على
فقرائهم ، وأَنْ تُؤْخَذَ الجزيةُ من أهل الذمَّة فتحمل إِلَىَّ ، ولا يقسم فيهم منها شىء،
وأمرتُ فى أرضيهم بمثل ما أمرتُ به فى عين أموالهم أن يؤخذ من المسلمين رُبع
عُشور مَا تَجَرُوا به ، ويُؤخذ من زروعهم العُشُور مّا سَقَتِ السماء ، ونصف العُشر
◌ِمّا سُقِى بالغَرْب (٤) ، ويؤخذ من أهل الذمة الصلح الذى صالحنا عليه (٥) ، ومن
لم يُصالِح وُضِع على أرضه ما تُطِيق وَمَا يَقْوَى عليه فكتب إليه عمر يُصَوِّبُ رأيه ،
وكتب إليه وإن رأيتَ ضَغْفًا فَخَفِّفْ عنهم، واحْمِلْ جِزْيَتَهم إلى بيت مال
المسلمين .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، عن شُرَحْبِيل بن أبى عون ، عن أبيه وعن أبى
(١) ابن عبد الحكم: فتوح مصر ص ١٧٠ و ١٨٨ وتاريخ ابن عساكر: مختصر ابن منظور
ج ١٧ ص ١٠٧
(٢) ابن عبد الحکم ص ١٧٠
(٣) البلاذرى : فتوح البلدان ص ٢٦٥ وابن عساكر ج ١٧ ص ١٠٨
(٤) الغَرْبُ : الدَّلْؤُ العظيمة .
(٥) البلاذرى : فتوح البلدان ص ٢٦٤ - ٢٦٥

٧١
بكر بن عبد الرحمن بن المِشْوَر بن مَخْرَمَة وغيرهما ، أَنَّ عَمْرَو بن العاص سار حتى
نزل أطرابلس فافتتحها ، وكتب إلى عمر بذلك ، وأن بين أطرابلس وإفريقية تسعة
أيام ، ويُخبرهُ بكثرة أموالها وأنها معادن ، إنما يَحثُون منها حثيًا ، فإِنْ رَأَى أميرُ
المؤمنين أن يأذن للمسلمين فى دخولها فعل . فكتب إليه عُمر : إنها ليست
بإفريقية، ولكنها مفرقة غادرةٌ ومغدورٌ بها ، لا يغذوها أحدٌ من المسلمين ما بقيتُ .
فلم يأذن له فى غزوها فكان عمرو بن العاص يبعثَ الجَرِيدَةَ من الخيلِ إلى أدنى
القرى بإفريقية فيصيبون غنائم ويرجعون (٣).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا هشام بن سعد ، عن يحيى بن
عبد الله بن مالك الدار ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص : أن
يحمل طعامًا من مصر حتى يُرسَى بهِ إلى بَولا وكان الساحلَ ، ليقسمه على الناس
على حالاتِهم وعيالاتِهم ، وإن أهل المدينة قومٌ محصورون ، وليست بأرض زرع ،
فبعث عمرو بن العاص بعشرين مركبًا فى البحر ، وبعث فى كل مركب ثلاثة
آلاف إردب وأكثر وأقلّ ، حتى انتهت إلى الجار ، وهو المرفأ اليوم وبلغ عمر رضى
الله عنه قدومها فخرج وخرج معه الأكابر من أصحاب رسول الله، وَّة ، فنظر
السفن فحمد الله الذى ذَلَّلَ لهم البحرَ حتى جَرَتْ فيه منافع المسلمين إلى المدينة .
وَأَمَرَ سعد الجار بِقَبْض ذلك الطعام وأَن يَشْتَوْفِيَه ، فلما قدم عمر المدينة قسّم ذلك
الطعامَ على الناس وكتب لهم بالصِّكاك إلى الجار ، فكانوا يخرجون ويَقْبِضُونَ
ذلك .
(* قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال: حدثنا أُسَامة بن زيد بن أسلم ، عن
أبيه، عن جده ، قال : سمعتُ عَمْرَو بنِ العاص يومًا - وَذَكَرَ عُمَرَ فَتَرَخَّم عليه ثم
- قال : ما رأيتُ أحدًا - بعد نَبِيّ اللهِ وأَيِى بكر - أَخْوَفَ للهِ من عُمَرَ ، لا يبالى
على من وقع الحقُّ، عَلَى وَلَدٍ أَوْ وَالدِ ، ثم قال: واللهِ إِنِّى لَفِى منزلى ضُحَّى بمصرَ
إِذْ أَتانى آتٍ فقال : قدم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عُمَر غَازِيَينْ ، فقلت للذى
أخبرنى : أين نَزَلاَ ؟ قال: فى موضع كذا وكذا - لأقصى مصر - وقد كَتَبَ إِلَىَّ
(١) ابن عبد الحكم ص ١٧٣
(٤ = - =) أورده ابن عساكر فى تاريخه ترجمة عمر بن الخطاب ، بسنده ونصه .

٧٢
عُمَرُ : إياكِ أَنْ يَقدم عليك أحدٌ من أهل بيتي فَتَحُوهُ (١) بأمرٍ لا تصنعهُ بغيره ،
فَأَفعلُ بِكَ ما أنت أهله ، فأنا لا أستطيع أن أَهْدِى لهما ، ولا آتيهما فى منزلهما
للخوف من أبيهما ، فوالله إنى لَعَلَى ما أنا عليه إلى أن قال قائِلٌ : هذا عبد الرحمن
ابن عمر ، وأَبُو سِرْوَعَةً على الباب يستأذنان ، فقلت : يدخلان ، فدخلا وهم
مُنْكَسِرَان ، فقالا : أقم علينا حَدَّ الله ، فإنّا قد أصَبنا البارحة شرابًا ، فسكِرنا .
قال: فَزَبَرْتُهما (٢) وطَرَدْتُهما، فقال عبد الرحمن : إن لَمْ تفعلْ أخبرتُ أَبِى إِذا
قَدِمت عليه ، قال: فحضرنى رأى (٣) وعلمت أنى إن لم أقم عليهما الحدَّ غضبَ
علىَّ عمر فى ذلك وعزلنى ، وخالفه ما صنعت . فنحن على ما نحن عليه إذ دخل
عبد الله بنِ عمر ، فقمتُ إليه ، فرحبتُ به ، وأردتُ أن أجلسه على صدر
مجلسى ، فَأَتَى عَلَىَّ وقال: إن أبى نهانى أن أدخل عليك إِلاَّ أَلاَّ أجِد بدًا ، فإنى لم
أجد بدًّا من الدخول عليك ، إن أخى لا يُحلَقُ على رءوس الناس أبدًا، فأمّا
الضرب فاصنع مَا بَدَا لَك . قال : وكانوا يحلقُونَ مع الحدِّ - قال : قال :
فأخرجتهما إلى صحن الدار ، فضربتهما الحد ، ودخل ابن عمر بأخيه عبد الرحمن
إلى بيتٍ مِن (٤) الدار، فحلق رأسه ورأس أبى سِرْوَعَةَ . فوالله ما كتبت إلى عمر
بحرفٍ مما كان ، حتى إذا تَحينتُ كتابهُ إذا هو يَطِمُ (٥) فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم : من عبد الله عُمَرَ أميرٍ المؤمنين إلى العاصى بن
العاصى ، فَعجبتُ لك يابن العاصى ولجرءتك عَلَىَّ! وخلاف عهدِى ، أما إِنّى قد
خالفت فيك أصحاب بَدْرٍ ممن هو خيرٌ منك واخترتك لجرأتك عنّى ، وإنفاذ
عهدى ، فأراك تَلَوَّثْت بما قد تلوثت ، فما أُرانى إلا عَازِلُكَ فَمُسِىءٌ عَزْلَك ،
تَضْرِبُ عبد الرحمن بن عمر فى بيتك وتَحلق رأسه فى بيتك ، وقد عرفتَ أن هذا
يخالفنى ؟! إنّما عبدُ الرحمن رجل مِن رَعِيَتَكِ تصنع به ما تصنع بغيره من
المسلمين، ولكن قلتَ : هو ولدُ أمير المؤمنين ، وقد عرفتَ أن لا هوادةَ لأحدٍ من
(١) حبا الرجل حبوا: أعطاه . أراد أن يخصه بشىء من الإكرام لا يصنعه بغيره.
(٢) زبره عن الأمر : نهاه وزجره .
(٣) فى ث ((رأيى)) والمثبت لدى ابن عساكر وهو ينقل عن ابن سعد .
(٤) ابن عساكر ((فى)).
(٥) ابن عساكر ((نظم)).

٧٣
الناس عندى فى حقٍّ يجبُ الله عليه . فإذا جاءك كتابى هذا فابعث به فى عباءَةٍ
على قَتَب حتى يُعْرَف سوء ما صنع .
فبعثت به كما قال أبوه ، وأقرأتُ ابنَ عمر كتاب أبيه ، وكتبت إلى عمر كتابًا
أعتذرُ فيه . وأخبره أنى ضربته فى صحن دارى ، وبالله الذى لا يُحلَفُ بأعظم منه
إِنِى لأقيم الحدودَ فى صحن دارى على الدِّمِّىّ والمسلم . وبعثتُ بالكتاب مع عبد
الله بن عمر . فقال أسلم : فَقُدِمَ بعبد الرحمن على أبيه ، فدخل عليه ، وعليه الحدّ
مرة فما عليه عباءةٌ ، ولا يستطيع المشى من مَرْكَبه ، فقال : يا عبد الرحمن ، فعلتَ
وفعلتَ ! السّيَاط! فَكَلَّمَه عبدُ الرحمن بن عَوفٍ ، فقال : يا أميرَ المؤمنينَ قد أقيم
عليه الحدّ مرّة فما عليه أن تُقِيمَهُ ثانيةً! فلم يلتفت إلى هذا عُمَرُ، وبرّزَهُ (١)،
فجعل عبد الرحمن يصيح! إِنِّى مريضٌ، وأنت قاتلى فضربَهُ الثانيةَ الحَدّ ، وحَبسهُ
ثم مِرِضَ فمات *) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى شُرَحْبِيل بن أَبِى عون ، عن أبى
بكر بن عبد الرحمن بن المِشْوَر بن مَخْرَمةً ، قال: لما توفى عمر بن الخطاب وولى
عثمان بن عفان كَتَبَ إلى عمرو بن العاص فَأَقَرَّهُ عَلَى مصر ، فكتب إليه عَمْرو
يُخبره بما نال المسلمون من المغرب ، وأنهم بلغوا باب قَابِس فأصابوا أموالًا عظامًا،
وأنه ليس بين باب قابس وإفريقية إلا أربع ليال ، فإن رأى أمير المؤمنين أن
يغزيها المسلمين فعل ، فكتب إليه عثمان : إنى غيرُ فاعل ، فأضرب عَمْرو عن
ذكرها .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر ، عن أَبِى عون
مَولى المِشور ، قال : وحدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه ، قال : وحدّثنا أسامة
ابن زيد اللَّيثى، عن يزيد بن أَبِى حَبِيب ، قال: عَزَل عثمان بن عفان عَمْرَو بن
العاص عن خراج مصر وَأَقَّهُ على الجُنُّدِ والصَّلاَةِ ، وَوَلَّى عبدَ الله بن سعد بن أَبِى
سَوْح الخراج فتباغيا ، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان أَنّ عَمْرًا قد كسرَ عَلَىَّ
الخراجَ . وكتبَ عَمْرُو بن العاص إلى عثمان أنّ عبدَ الله بن سعد قد كسرَ علىّ
(١) بَرَّزه: أظهره وبيَّنه. ولدى ابن عساكر ((وزبره)).

٧٤
مكيدةَ الحربِ . فعزل عثمانُ عَمْروَ بن العاص عن الجندِ والصلاةَ ، ووَلّى ذلك
عَبْدَ الله بن سعد مع الخراج ، فانصرف عَمْرٌو مغضبًا ، فقدمَ المدينةَ فجعل يطعن
على عثمان ويعِيبُهُ .
ودخل عليه يومًا وعليهِ بُبَّةٌ لهُ يمانيةٌ محشوةٌ بقُطنٍ ، فقال له عثمان: مَا حَشْؤُ
بحُبَّتِك هذه يا عَمْرو ؟ قال : حَشْؤُها عَمْرو . قال : لم أُرِدْ هذا يابنَ النابغة ،
ما أسرع ما قَمِلَ جِرِبَّانُ (١) جبتكَ! وإنما عهدك بالعمل عَامَ أول، أَتَطْعَنُ عَلَىّ
وتأتينى بوجهٍ وتذهب عَنِّى بآخر ؟! فقال عمرو: إن كثيرًا مما ينقل الناسُ إلى
ولاتهم باطلٌ . فقال عثمان : استعملتك على ظَلعِكَ ! فقال عمرو : قد كنت
عاملًا لعمر بن الخطاب ففارقنى وهو عنّى راضٍ . فخرج عَمْرو من عند عثمان وهو
متحقّقٌ عليه ، فجعل يُؤْلِّبُ عليه الناس ويُحَرِّضُهم ، فلما حُصِرَ عثمانُ الحصرَ
الأول خرج عَمْرو من المدينة حتى انتهى إلى أرضٍ له بفلسطين يقال لها السَّبْع (٢)،
فنزل فى قصرٍ يقال له العَجلان ، فلما أتاهُ قتلُ عثمانَ قال : أنا أبو عبد الله إذا
أبحثُّ قرحةٌ نَكَّأَتُّها. يعنى: إِنِى قتلتُه بتحريض عليه وأنَا بالسَّبْع . وقال أَتَرَبَّصُ أيامًا
وأنظر ما يصنع الناس ، فبلغَهُ أنّ عليًا قد بُويعٍ له ، فاشتدَّ ذلك عليه ، ثم بلغهُ أن
عائشةَ وطلحةً قد ساروا إلى الجملِ ، فقال: أَسْتَأْنِى وأنظر ما يصنعون ، فلم يشهد
الجملَ ولا شيئًا من أمره .
ثم أتاه الخبر بأن طَلْحة والزُّبَيْرِ قد قُتْلا ، فأُرتَجَ عليه أمره ، فقال له قائل : إن
معاوية لا يُريدُ أن يبايع لعلي ، فَلَو قاربت معاويةً ! فقال : ارحل ياوردان ، فدعا
ابنيه عبد الله ومحمدًا وقال: ما تريان؟ فقال عبد الله تُؤُفِّى رسولُ الله، وَّ ،
وهو عِنك رَاضٍ ، وتُوفى أبو بكر وهو عنك راضٍ ، وتُوفى عمر وهو عنك راضٍ .
أَرَى أَنْ تَكُفَّ يَدَك وتجلس فى بيتك حتى يجتمع الناسُ على إمام فتُبايعه ، فقال :
مُطّ يا وردان . وقال ابنه محمد بن عَمْرو : أنتَ نابٌ من أنيابِ العربِ ، فلا أرى
(١) الجربّان : جَيب القميص .
(٢) السَّبْع : ناحية فى فلسطين بين بيت المقدس والكرك فيه سبع آبار ، سمى الموضع بذلك ،
وكان ملكا لعَمْرو بن العاص ، أقام به لما اعتزل الناس .

٧٥
أن يجمع هذا الأمر وليس لك فيه صوتٌ ولا ذكر ، فقال : أما أنت يا عبد الله
فَأَمَرْتَنى بالذى هو خيرٌ لى فى آخرتى وأسلَمُ لى فى دينى وأمّا أنت يا محمد
فَأَمَرْتَنِى بالذى [ هو](١) أَنْبَهُ لى فى دنياىَ وأشرّ لى فى آخرتى، وإنّ عليًّا قد بويع
له وهو يُدِلّ (٢) بسابقته وهو غير مُشْرِكى فى شىء من أمره، ارحلْ یا وردان. ثمّ
خرج ومعه ابناه حتى قَدِمَ على معاوية بن أبى سفيان فبايعه على الطلب بدم
عثمانُ (٣) .
وكتبا بينهما كتابًا نُسْخَتُه : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تعاهد عليه
معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص ببيت المقدس من بعد قتل عثمان بن عفّان
وحمل كلّ واحد منهما صاحبه الأمانةَ ، إنّ بيننا عهد الله على التناصر والتخالص
والتناصح فى أمر الله والإِسلام ولا يَخْذُلُ أحدُنا صاحبه بشىء (٤) ولا يتّخذ من
دونه وَليجةً ، ولا يحول بيننا ولدٌ ولا والدٌ أبدًا ما حَيينا فيما (٥) استطعنا ، فإذا
فُتِحَتْ مصر فإنّ عَمْرًا على أرضها وإمارته التى أمّره عليها أمير المؤمنين ، وبيننا
التناصح والتوازر والتعاون على ما نابنا من الأمور ، ومعاوية أمير على عمرو بن
العاص فى الناس وفى عامّة الأمر ، حتى يجمع الله الأمّةَ، فإذا اجتمعت الأُمّةُ
فإنّهما يدخلان فى أحسن أمرها على أحسن الذى بينهما فى أمر الله الذى بينهما
من الشرط فى هذه الصحيفة . وكتب وردان سنة ثمانٍ وثلاثين .
قال : وبلغ ذلك عليًّا فقام فخطب أهل الكوفة فقال : أمّا بعد فإنّه قد بلغنى أنّ
عَمْرَو بن العاص الأبتر بن الأبتر بَايَعَ معاويةً على الطلب بدم عثمان ، وحَضّهم
عليه فالعضد والله الشّلاّءِ عَمْرو ونُصْرَتُه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا هشام بن الغاز وإبراهيم بن موسى
عن عِكْرِمة بن خالد وغيرهما قالوا : كان عمرو بن العاص يباشر القتال فى القلب
أيّام صِفِّين بنفسه ، فلما كان يومٌ من تلك الأيام اقتل أهلُ العراق وأهل الشأم حتى
غابت الشمس ، فإذا كتيبة خَشْناءُ من خلف صفوفنا أراهم خمسمائة فيها عمرو
(١) من ث .
(٣) الطبرى ج ٤ ص ٥٦٠ .
(٥) ث ((وفيما)).
(٢) يدل بسابقته : يعنى يفخر بمكانته.
(٤) بشىء : ليست فى ث .

٧٦
ابن العاص، ويُقْبِلُ عَلِىٌّ فى كتيبة أُخرى نحو من عدد الذى (١) مع عمرو بن
العاص ، فاقتتلوا ساعةً من الليل حتى كثرت القتلى بينهم ، ثمّ صاح عَمْرو
بأصحابه : الأرضَ يا أهلَ الشأم ، فترجّلوا ودبّ بهم وترجّل أهلُ العراق ، فنظرتُ
إلى عمرو بن العاص يباشر القتال وهو يقول :
وَصَبَرْنا على مَواطنِ ضَنْكٍ وَخُطوبٍ ترى البياض الوَليد!
ويُقْبِلُ رجل من أهل العراق فَخلصَ إلى عمرو وضربه ضربة جرحه على العاتق
وهو يقول : أنا أبو السّمْراء ، ويُدْرِكُه عمرو فضربه ضربة أثْتَه وانحاز عمرو فى
أصحابه وانحاز عَلِىٌّ فى أصحابه (٢).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى إسماعيل بن عبد الملك ، عن
يحيى بن شِئْل ، عن أبى جعفر ، عن عُبَيد الله بن أبى رَافِع ، قال : نظرتُ إلى
عمرو بن العاص يوم صِفِّين وقد وُضِعَتْ له الكراسىّ يَصُفّ الناس بنفسه صفوفًا
ويقول كَقَصٌ الشارب ، وهو حاسر، وأسمَعُه وأنا منه قريب يقول : عليكم بالشيخ
الأزدىّ أو الدجّال ، يعنى هاشم بن عتبة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى مَعْمَر بن راشد ، عن الزُّهْرىّ
قال : اقتل الناس بصفّين قتالًا شديدًا لم يكن فى هذه الأمّة مثله قطّ حتى كره أهل
الشأم وأهل العراق القتالَ وَمَّوه من طول تَبَاذُلهم السيف ، فقال عمرو بن العاص ،
وهو يومئذ على القتال ، لمعاوية: هل أنت مُطيعى فتأمرَ رجالاً بنشر المصاحف ثمّ
يقولون: يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن وإلى ما فى فاتحته إلى خاتمته ، فإنّك (٣)
إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق ولا يزيد ذلك أمرّ أهل الشأم إلاّ استجماعًا .
فأطاعه معاوية ففعل ، وَأَمَرَ عَمْرٌو رجالًا من أهل الشام فَقُرِىءَ المصحف ثمّ نادى :
يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن . فاختلف أهل العراق ، فقالت طائفة : أوَلسنا
على كتاب الله وبيعتنا ؟ وقال آخرون كرِهوا القتال : أجَبْنا إلى كتاب الله . فلمّا
رأى علىّ وَهْنَهم وكراهَتَهُم للقتال، قَارَبَ معاويةَ فيما يَدْعُوهُ إليه، واختلف بينهم
(١) ث : من .
(٢) ل : وانحاز أصحابه .
(٣) ث ، وإنك .

٧٧
الرسل . فقال علىّ : قد قبلنا كتاب الله فمن يحكم بكتاب الله بيننا وبينك ؟
قال: نأخذ رجلاً منّا نختاره وتأخذ منكم رجلًا تختاره . فاختار معاوية عمرو بن
العاص ، واختار علىّ أبا موسى الأَشْعَرِىّ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا منصور بن أَبِى الأَشْوَد ، عن
مُجَالِد ، عن الشَّغْيِى، عن زياد بن النَّضر أنّ عليًّا بعثَ أبا موسى الأشعرىّ ومعه
أربعمائة رجل عليهم شُريح بن هانىء ومعهم عبد الله بن عبّاس يصلّى بهم ويلى
أمرهم ، وبعث معاوية عمرو بن العاص فى أربعمائة من أهل الشأم حتى توافوا
بدُومَة الجَنْدل (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى
سَبْرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فَرْوة ، عن (٥ عَمْرو بن الحكم ، قال: لما
التقى الناس بدُومَةَ الجَنَّدل قال ابن عبّاس للأشعرى : احذر عَمْرًا فإنّما يريد أن
يُقَدِّمَك ويقول: أنت صاحب رسول الله، ومََّ، وأَسنُّ مِنِّى، فَكُنْ مُتَدبّرًا
لكلامه. فكانا (٢) إذا التقيا يقول عَمْرو: إنّك صحبتَ رسول الله، وَلَه، قبلى
وأنت أسنُّ متى فَتَكَلّمْ ثمّ أتكلّم . وإنّما يريد عمرو أن يُقَدِّمَ أبا موسى فى الكلام
لِيَخْلَعَ عليًّا ، فاجتمعا على أمرهما فأداره عَمْرو على معاوية فأتى ، وقال أبو موسى :
عبد الله بن عُمر ، فقال عمرو : أخبرنى عن رأيك ، فقال أبو موسى : أرى أن
نَخْلَعَ هذين الرَّجلين ونجعل هذا الأمر شُورَى بين المسلمين فيختارون لأنفسهم من
أحبّوا .
قال عمرو : الرأى ما رأيتَ . فأقْبَلا على الناس وهم مجتمعون فقال له عمرو :
يا أبا موسى أَعْلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع . فتكلّم أبوٍ موسى ، فقال أبو موسى : إنّ
رأينا قد اتّفق على أمرٍ نرجو أن يصلح به أمر هذه الأمّة . فقال عمرو : صَدَقَ وبرَّ ،
ونِعْمَ الناظرُ للإسلام وأهله ، فتكلّم يا أبا موسى .
فأتاه ابن عبّاس فخلا به فقال: أنتَ فى خُدْعَة ، ألم أَقُلْ لك لا تَبْدَأه وتَعَقَّبُهُ
(١) دومة الجندل : حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طَيِّىء.
( * - *) الخير بطوله لدى ابن عساكر فى تاريخه بسنده ونصه كما فى المختصر .
(٢) ابن عساكر ((فكان)).

٧٨
فإنّى أخشى أن يكونَ أعطاكَ أمرًا خاليًا ثمّ ينزع عنه على ملأٍ من الناس
واجتماعهم. فقال الأشعرىّ : لا تَخْشَ ذلك ، قد اجتمعنا واصطلحنا .
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس قد نظرنا فى أَمْر هذه
الأمّة فلم نَرَ شيئًا هو أصلح لأمرها ولا ألمّ لشَعَتِها من أن لا نَّ أمورها
ولا نعصبها (١) حتى يكون ذلك عن رضَى منها وتشاؤُرٍ ، وقد اجتمعتُ أنا
وصاحبى على أمر واحدٍ ، على خلع علىّ ومعاوية وتَشْتَقْبلُ هذه الأمّة هذا الأمرَ
فيكون شُورَى بينهم يُؤَلّونَ منهم من أحبّوا عليهم ، وإنى قد خلعتُ عليًا ومعاويةً
فوَلّوا أمْركم مَن رأيتم : ثمّ تنحّى .
فأقبل عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : إنّ هذا قد قال ما قد
سمعتم وخلع صاحبه وإنى أخلع صاحبه كما خلعه وأثبتُ صاحبى معاويةً فإنّه ولىّ
ابن عفّان والطالب بدمه وأحقّ الناس بمقامه .
فقال سعد بن أبى وقّاص : ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو
ومكائده ! فقال أبو موسى : فما أصنع ؟ جامعنى على أمرٍ ثمّ نزع عنه ، فقال ابن
عبّاس : لا ذَنْبَ لك يا أبا موسى ، الذنب لغيرك ، للذى قدّمَك فى هذا المقام ،
فقال أبو موسى : رحمك الله غدرنى (٢) فما أصنع ؟
وقال أبو موسى لعمرو: إنّمَا مَثَلُكَ كالكَلْبِ ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَنَّ﴾ [ سورة الأعراف: ١٧٦ ] فقال له عمرو: إنما مَثَلُكَ مَثَلُ
﴿ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ [ سورة الجمعة: ٥] فقال ابن عمر: إِلَمَ صُيّرَتْ هذه
الأمّة ؟ إلى رجل لا يُبَالى ما صنع وآخَرَ ضعيفٍ ، وقال عبد الرحمن بن أبى بكر :
لو مات الأشعرىّ من قبل هذا كان خيرًا له *) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن
الزُّهْرِىّ ، قال : كان عَمْرو يقول لمعاوية حين خرجت الخوارج عَلَى عَلِىِّ : كيف
(١) كذا فى ل، وهو يوافق مالدى ابن عساكر كما فى المختصر وفى ث ((من أن لا تُجَّ أمورها
ولا تُغْصَبُه» .
(٢) كذا فى ل، وهو يوافق مالدى ابن عساكر كما فى المختصر وفى ث ((غدر بى)).

٧٩
رأيتَ تدبيرى لك حيث ضاقت نفسك مُسْتَهْزِمًا (١) على فرسِك الوَرْدِ تستبطئه ،
فأشرتُ عليك أن تدعوهم إلى كتاب الله وعرفتُ أنّ أهلَ العراق أهلُ شُبَه وأنّهم
يختلفون عليه ، فقد اشتغل عنك عَلِىِّ بِهِمْ وَهُم آخِرُ هذا قَاتِلُوهُ ، ليس مجندٌ أَوْهَنَ
كيدًا منهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنی مفضّل بن فَضالة عن يزيد بن أَیِی
حَبِيب قال : وحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبى عون ، قالا : لما
صار الأمر فى يَدَىْ معاوية استكثر طُعْمَةً مصر لعمرو ما عاش ، ورأى عَمْرو أنّ
الأمر كلّه قد صلح به وبتدبيره وعِنائه (٢) وسَغْيه فيه ، وظنّ أنّ معاوية سيزيده الشأم
مع مصر فلم يفعل معاوية ، فتنكّر عَمْرو لمعاوية فاختلفا وتغالظا وتَمَّر الناس وظنُّوا
أنّه لا يجتمع أمرهما ، فدخل بينهما معاوية بن حديج فأصلح أمرهما وكتب بينهما
كتابًا ، وشرط فيه شروطًا لمعاوية وَعَمْرو خاصّةً وللناس عَامَّة (٣) ، وأنّ لعمرو ولايةً
مصر سبع سنين ، وعلى أنّ على عمرو السمع والطاعة لمعاوية ، وتواثقا وتعاهدا
على ذلك ، وأشهدا عليهما به شُهودًا. ثمّ مضى عمرو بن العاص على مصر واليًا
عليها وذلك فى آخر سنة تسع وثلاثين ، فوالله ما مكث بها إلّ سنتين أو ثلاثًا حتى
مات (٤) .
قال : أخبرنا الضحاك بن مَخْلدَ أبو عاصم الشَّيْبَانى النَّبِيل ، قال : حدّثنا حَيْوَةُ
ابن شُريح ، قال : حدّثنا يزيد بن أَبِى حَبِيب ، عن ابن شِماسة المَهْرىّ ، قال :
حضرنا عمرو بن العاص وهو فى سياقة الموت فحوّل وجهه إلى الحائط يبكى طويلًا
وابنه يقول له: ما يبكيك؟ أما بشّرك رسول الله، وَّ، بكذا؟ أما بشّرك بكذا؟
قال : وهو فى ذلك يبكى ووجهه إلى الحائط ، قال ثمّ أقبل بوجهه إلينا فقال : إنّ
أفضلَ مَّا تَعُدّ علىّ شهادةُ أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله، وَه، ولكنى
(١) ل ((مستهزئا)).
(٢) كذا فى ل وبهامشها: الأصل ((وغنائه)). ورواية ل تتفق وما ورد لدى ابن عساكر كما فى
المختصر وفى ث ((وغنائه)).
(٣) كذا فى ث، وهو يوافق مالدى ابن عساكر كما فى المختصر وفى ل ((وللناس عليه)).
(٤) الخبر بسنده ونصه لدى ابن عساكر فى تاريخه كما فى المختصر .

٨٠
قد كنتُ على أطباقٍ ثلاثٍ ، قد رأيتُنى ما من الناس من أحدٍ أبغض إلىّ من رسول
الله، وَلَه، ولا أحبّ إلىّ من أن أَسْتَمْكِنَ منه فأقتله ، فلو متّ على تلك الطبقة
لكنتُ من أهل النار، ثمّ جعل الله الإسلام فى قلبى فأتيتُ رسول الله، وَلَّ ،
لأبايعه فقلتُ : ابسط يمينك أبايعك يا رسول الله ، قال : فبسط يده ثمّ إنى قبضتُ
يدى فقال : ما لك يا عمرو ؟ قال فقلتُ : أردتُ أن أشترط ، فقال : تشترط ماذا؟
فقلتُ : أشترط أن يُغْفَرَ لى، فقال : أما علمتَ يا عمرو أنّ الإسلامَ يَهْدِمُ ما كان
قبله وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله ؟ فقد رأيتُنى ما من
الناس أحد أحبّ إلىّ من رسول الله، وَّه، ولا أجلّ فى عينى منه، ولو سُئِلتُ
أن أَنْعَتَه ما أَطَفْتُ لأنى لم أكن أطيق أن أملاً عينى إجلالاً له ، فلو متُّ على تلك
الطبقةِ رجوتُ أن أكون من أهل الجنّة . ثمّ ولينا أشياءَ بعدُ فلستُ أدرى ما أنا فيها
أو ما حالى فيها ، فإذا أنا متّ فلا تَصْحَثْنى نائحةٌ ولا نار ، فإذا دفنتمونى فسُنّوا
علىّ الترابَ سَنَّا ، فإذا فرغتم من قبرى فامكثوا عند قبرى قدر ما يُنْحَرُ جَزورٌ
ويُقْسَمُ لحمها فإنى أستأنس بكم حتى أعلم ماذا أراجع به رُسُلَ رتِّى .
قال : أخبرنا رَوْح بن عُبادة ، قال : حدّثنا عوف ، عن الحسن ، قال : بلغنى
أنّ عمرو بن العاص لما كان عند الموت دعا حرَسَه فقال : أىّ صاحب كنتُ لكم ؟
قالوا : كنتَ لنا صاحب صِدْقٍ تُكْرِمُنا وتُعطينا وتفعل وتفعل ، قال : فإنّى إنّما
كنتُ أفعل ذلك لتمنعونى من الموت ، وإنّ الموتَ ها هو ذا قد نزل بى فأغْنوه عنّى .
فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا : والله ما كنّا نَحْسِبُك تَكَلّمُ بالعَوْراءِ
يا أبا عبد الله ، قد علمتَ أَنّا لا نُغْنى عنك من الموت شيئًا ، فقال: أما والله لقد
قلتُها وإنى لأَعْلَمُ أَّكم لا تُعْنُون عنّى من الموت شيئًا ولكن والله لأنْ أكون لم أَتَّخِذْ
منكم رجلًا قطّ يمنعنى من الموت أحبّ إلىّ من كذا وكذا، فيا وَيْحَ ابن أبى طالب
إذ يقول: حَرَسَ امرءًا أَجَلُه (١) .
ثمّ قال عمرو : اللهمّ لا تَرِىءٌ فأعتذر ولا عزيز فأنتصر وإلاّ تُدْركْنى برحمةٍ
أكن من الهالكين (٢).
(١) حرس امرءًا أجلُه: تحرفت فى طبعتى إحسان والتحرير إلى ((حَرَسٌ أمراء أجلِه)) وصوابه من
ث ، وسير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٧٦
(٢) الخبر بسنده ونصه لدى ابن عساكر فى تاريخه كما فى المختصر .