Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قال : أخبرنا معن بن عيسى قال : حدّثنا معاوية بن صالح عن أبى يحتِى سُليم
ابن عامر وضَعْرة وأبى طلحة أنّهم سمعوا أبا أمامة الباهليّ يحدّث عن عمرو بن
عَبَسة قال: أتيتُ رسول الله، وََّ، وهو نازل بعكاظ ، قال قلتُ : يا رسول الله
مَن معك فى هذا الأمر ؟ قال : معى رجلان أبو بكر وبلال . قال فأسلمتُ عند
ذلك ، قال فلقد رأيتُنى رُبُعَ الإِسلام . قال فقلتُ : يا رسول الله أمْكُتُ معك أم
أَلْحَقُ بقومى ؟ قال : الحَقْ بقومك. قال فيوشكُ الله تعالى أن يَفِىَ بَمَن ترى ويُحَيِىَ
الإسلام . قال ثمّ أتيتُه قبل فتح مكّة فسلّمتُ عليه ، قال وقلتُ : يا رسول الله أنا
عمرو بن عَبَسة السّلميّ أُحِبّ أن أسألك عمّا تعلم وأجْهَلُ وينفعنى ولا يضرّك .
قال: أخبرنا سليمان بن حَرْب قال : حدّثنا حمّاد بن سَلَمة عن يَعْلى بن عطاء
عن يزيد بن طَلْق عن عبد الرحمن بن البَيْلمانى عن عمرو بن عَبَسة قال : أتيتُ
النبىّ، وَّهِ، فقلتُ: يا رسول الله مَن أسلم؟ قال: محُرّ وعبد، أو قال: عبد
وحرّ ، يعنى أبا بكر وبلالًا . قال : فأنا رابع الإسلام .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا عبد الرحمن بن عثمان الأشجعىّ عن
إياس بن سلمة بن الأكوع عن عمرو بن عبسة أنّه كان ثالثًا أو رابعًا فى الإسلام .
قال : أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا ◌ِكْرِمة بن
عمّار قال : حدّثنا شدّاد بن عبد الله أبو عمار ، وكان قد أدرك نفرًا من أصحاب
رسول الله، وَّل، قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، لصاحب العقل (١)
رجل من بنى سُليم ، بأىّ شىءٍ تدّعى أنّك رُبُعُ (٢) الإسلام ؟ قال: إنى كنتُ فى
الجاهليّة أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشىءٍ ، ثمّ سمعتُ عن رجل يُخْبرُ
أخبارًا بمكّة ويحدّث بأحاديث ، فركبتُ راحلتى حتى قدمتُ مكة فإذا أنا برسول
(١) فى متن ل ((العُقُل)) وبالهامش كذا المخطوطات، وأقترح (( العَقْل )) وهذا هو اقتراح دى خويه
أيضا . وقد آثرت قراءة دى خويه اعتمادا على رواية ث ، حيث وردت الكلمة فيها مضبوطة بفتح العين .
ضبط قلم .
ورواية الإمام أحمد فى مسنده ((ياعمرو بن عبسة صاحب العقل عقل الصدقة رجل من بنى
سليم ... )) .
(٢) أى : رابع أهل الإسلام ، قال : تقدمنى ثلاثة وكنت رابعهم. وانظر أسد الغابة ج ٤
ص ٢٥٢

٢٠٢
الله، وَّ، مستخفيًا، وإذا قومه عليه حِرَاءٌ (١) فتلطّفتُ حتى دخلتُ عليه
فقلتُ : ما أنت ؟ قال : أنا نبيّ ، فقلت : ومانبيّ ؟ قال : رسول الله ، قلتُ : الله
أرسلك ؟ قال: نعم ، قلتُ فبأىّ شىءٍ؟ قال: بأن يوَحَّدَ الله ولا يُشْرَكَ به شىءٌ
وكَشرِ الأوثان وصِلَةِ الأرحام . فقلتُ له: مَن معك على هذا؟ قال: حُرّ وعبد .
وإذا معه أبو بكر وبلال . فقلتُ له : إنّى مُتَّبِعُكَ ، قال : إنّك لا تستطيع ذلك
يومَك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعتَ بِى (٢) قد ظهرتُ فالحَقْ بى . قال
فرجعتُ إلى أهلى وخرج النبيّ، بَّهِ، مهاجرًّا إلى المدينة وقد أسلمتُ . قال
فجعلت أتخبّر الأخبار حتى جاء رَكبُه من يثرب فقلتُ : ما فعل هذا الرجل المكّىّ
الذى أتاكم ؟ فقالوا : أراد قومُه قَتْلَه فلم يستطيعوا ذاك وحيل بينهم وبينه ، وتركتُ
الناس إليه سِراعًا فركبتُ راحلتى حتى قدمتُ عليه المدينةَ فدخلتُ عليه فقلتُ :
يا رسول الله تعرفنى ؟ قال: نعم ، ألستَ الذى أَتَيْتَنى بمكّة ؟ فقلتُ : بلى ، فقلتُ
يا رسول الله عَلّمْنى ممّا علّمَكَ الله وأجْهَلُ، فقال: إذا صَلّيْتَ الصّبْحَ فأقْصِرْ عن
الصلاة حتى (٣) تَطْلُعَ الشمسُ فإذا طلعَتْ فلا تُصَلّ حتى ترتفعَ فإنّها تطلع بين
قَرْنَى شيطان وحينئذ يسجد لها الكفّار ، فإذا ارتفعَتْ قيدَ رُمْح أو رُمْحَينِ فصَلّ فإنّ
الصّلاةَ مشهودة محضورة حتى يُسْتَقْبَلَ الرُّمْعُ بالظلّ (٤)، ثمّ أَقْصِرْ عن الصلاة
(١) فى المخطوط والمطبوع ((وإذَا قومه عليه بجُزْءَان)) ولدى ابن الأثير فى النهاية (جرأ) ومنه
الحديث ((وقومه جُرَّاء عليه)) بوزن عُلَمَاءِ، جمع جَرِىء: أى مُتَسَلِّطِين عليه غَيرَ هائبين له . ولديه أيضا
فى النهاية (حرى) ومنه حديث عمرو بن عبسة ((فإذا رسول الله وَلّ مُسْتَخْفِيًّا حِرَاءٌ عليه قومُه)) أى
غِضَاب ذَوُو غَمُّ وهَمِّ ، قد انْتَقَصَهُم أمْرُهُ وعِيلَ صَبْرُهم به ، حتى أثَّر فى أجسامهم وانْتَقصهم.
ولدى الإمام أحمد فى مسنده ((وإذا قومه عليه جراء)). كما أورده المزى فى تهذيب الكمال
وعبارته هناك ((وإذا قومه عليه جُرَءَاء)) وكذلك أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء وعبارته ((فإذا رسول
الله ◌َّ حِزَاء عليه قومه)). والمثبت رواية ابن الأثير والذهبى.
(٢) فى متن ل ((لى)) وبهامشها قراءة دى خويه ((بى)) وآثرت قراءته اعتمادًا عَلى رواية ث.
ورواية الذهبى فى سير أعلام النبلاء .
(٣) فى هامش ل قراءة دى خويه ((حين)) والمثبت من ل، ث، ولدى الإمام أحمد فى مسنده
(وإذا صليت الصبح فَأَقْصِرْ عن الصلاة حتى تطلع الشمس)) ولدى مسلم فى صحيحه (( ... ثم أَقْصِرْ
عن الصلاة حتى تطلع الشمس)) .
(٤) كذا فى المخطوط والمطبوع ولدى مسلم فى صحيحه ((حتى يَسْتَقِل الظل بالرمح)) ولدى
أحمد فى مسنده (( حتى يَسْتَقِلَ الرُّمْحُ بالظل» .

: ٢٠٣
فإنّها حينئذٍ تُشْجَرُ جهنم (١) ، فإذا فاءَ الفَىْءُ فصَلّ فإِنّ الصلاةَ مشهودة محضورة
حتى تُصَلّىَ العصر، ثمّ أَقْصِرْ عن الصّلاة حتى تغرب الشمسُ فإنّها تغرب بين
فَرْنَىْ شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكُفّار . قال قلتُ : يا رسول الله أخبرنى عن
الوضوء ، فقال : ما منكم من رجلٍ يقرّب وضوءه فيمضمض ويمجّ ثمّ يستنشق
وينثر إلاّ جرتْ خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ، ثمّ يغسل وجهه كما أمره الله إلاّ
جَرَتْ خطايا وَجهِه من أطراف لحيته مع الماء ، ثمّ يغسل يديه إلى المرفقين إلاّ جَرَتْ
خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء ، ثمّ يمسح رأسَه كما أمره الله إلاّ جَرَتْ
خطايا رأسه من أطراف شَعْره من الماء ، ثمَ يغسل قَدَمَيْه إلى الكعبين كما أمره الله
إلّ جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ، ثمّ يقوم ويحمد الله ويُثنى عليه
الذى هو له أهلٌ ، ثمّ يركع ركْعَتَينٍ إلاّ انصرف من ذنوبه كهيئته يومَ ولدَته أمّه .
فقال أبو أمامة : يا عمرو بن عَبَسة انْظُرْ ماذا تقول ، أأنتَ سمعتَ هذا من رسول
الله، وََّ، ويُغطى الرجلُ هذا كلّه فى مقامه؟ فقال عمرو بن عَبَسة: يا أبا أمامة
لقد كَبِرت سنى ورقّ عَظْمى واقترب أجلى وما بى من حاجة أكذب على الله
وعلى رسوله ، وَلّه، لو لم أسْمَعْه من رسول الله إلا مرّةً أو مرّتين أو ثلاثاً، لقد
سمعتُه سبعًا أو ثمانيًا أو أكثر من ذلك (٢).
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى الحجّاج بن صَفْوان عن ابن أبى
حُسين عن شَهْر بن حَوْشَب عن عمرو بن عَبَسة السّلَميّ قال : رَغِبْتُ عن آلهة
(١) فى متن ل ((تسجد جهنم)) والمثبت من ث ومثله لدى الإمام أحمد فى مسنده ، ومسلم
فى صحيحه ولدى ابن الأثير فى النهاية (سجر) وفى حديث عَمرو بن عَبَسَة (( فصلّ حتى يعدل الرمح
ظِلّه، ثم اقْصرْ فإن جهنم تُسجَر وتُفْتح أبوابها)) أى تُوقَد، كأنه أراد الإبرادَ بالظهر لقوله ((أَيْرِدُوا بالظُّهر
فإن شدة الحرّ من فَيْح جَهَنم)).
وقيل أراد به ماجاء فى الحديث الآخر ((إن الشمس إذا استوت قارنَهَا الشيطانُ، فإذا زالت
فارقَهَا)) فلعلّ سَجْر جهنم حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهْيئَتِه لأن يسجُد له عُبّادُ الشمس ، فلذلك
نهى عن الصلاة فى ذلك الوقتِ. قال الخطابي: قوله: ((تُشْجَر جهنم)) و((بين قَوْنى الشيطان
وأمثالها)) من الألفاظ الشرعية التى أكثرها ينفردُ الشارعُ بمعانيها ، ويجب علينا التصدِيقُ بها والوقوفُ
عند الإقرار بصحتها والعمل بموجبها )) .
(٢) الحديث بطوله أورده الإمام أحمد فى مسنده ج ٤ ص ١١٢ .

٢٠٤
قومى فى الجاهليّة وذلك أنّها باطل ، فلقيتُ رجلاً من أهل الكِتَاب من أهل
تَّيْماءَ(١) فقلتُ: إنى امرؤ ممّن يعبد الحجارة فينزل الحىّ ليس معهم إلهٌ فخرج
الرجل منهم فيأتى بأربعة أحجارٍ فينصب ثلاثة لقِدْرِه ويجعل أحسنها إِلَّهًا يعبده ،
ثمّ لعلّه يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلاً
سواه، فرأيتُ أنّه إلٌّ باطلٌ لا ينفع ولا يضرّ فدُلّنى على خير من هذا، فقال :
يخرج من مكّة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها ، فإذا رأيتَ ذلك فاتّبعه
فإنّه يأتى بأفضل الدين . فلم تكن لى همّة منذ قال لى ذلك إلّ مكّة فآتى فأسأل :
هل حدَثَ فيها حدثٌ ؟ فيقال : لا . ثمّ قدمتُ مرّةً فسألتُ فقالوا حدثَ فيها
رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها .
فرجعتُ إلى أهلى فشددتُ راحلتى برحلها ثمّ قدمتُ منزلى الذى كنتُ أنزل
بمكّة ، فسألتُ عنه فوجدتُه مستخفيًا ووجدتُ قريشًا عليه أَشِدّاءَ، فتلطّفتُ حتى
دخلتُ عليه فسألتُه فقلتُ : أَىّ شىءٍ أنت ؟ قال : نبيّ ، قلتُ : ومَن أرسلك ؟
قال : الله ، قلتُ : وبمَ أرسلك ؟قال: بعبادة الله وَحْدَه لا شَريك له وبحقْنِ الدّماء
وبكسر الأوثان ، وصِلةِ الرحم ، وأمان السبيل . فقلتُ : نِعْمَ ما أُرْسِلْتَ به قد
آمَنْتُ بك وصدّقتُك ، أتأمرنى أمكثُ معك أو انصرف ؟ فقال: ألا ترى كراهةً
الناس ما جئتُ به ؟ فلا تستطيع أن تمكث ، كُن (٢) فى أهلك فإذا سمعتَ بى قد
خرجتُ مَخْرَجًا فاْبَعنى ..
فمكثتُ فى أهلى حتى إذا خرج إلى المدينة سرتُ إليه فقدمتُ المدينةَ فقلتُ :
يا نبيّ الله أتعرفنى؟ قال: نعم ، أنتَ السّلَمىّ الذى أتيتَنى بمكّة فسألتنى عن كذا
وكذا ، فقلتُ لك كذا وكذا ، فاغتنمتُ ذلك المجلس وعلمتُ أن لا يكونَ الدهر
أفرغ قلبًا لى منه فى ذلك المجلس، فقلتُ : يا نبيّ الله أىّ الساعات أسمع ؟ قال :
الثّلُثُ الآخرُ فإنّ الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس ، فإذا رأيتها طلعت
حمراءَ كأنّها الحَجَفَة فَأَقْصِرْ عنها فإنّها تطلع بين قرنى شيطانٍ فيصلّى لها الكُفّار ،
(١) كذا فى ث، وفى طبعة ليدن ((فلقيت رجلا من الكُتّاب من أهل تيماء)) ولدى الذهبى فى
سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٤٦٠ ((فلقيت يهوديا من أهل تيماء)).
(٢) ث (( فكن)).

٢٠٥
فإذا ارتفعتْ قيدَ رُمْح أو رُمْحَيْنْ فإنّ الصلاةَ مشهودة مقبولة حتى يساوى الرجل
ظِلّه، فأَقْصِرْ عنها فإنّها حينئذٍ تُسْجَرُ جهنّم، فإذا فاء الفَىْءُ فصَلّ فإنّ الصلاة
مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس ، فإذا رأيتَها غربَتْ حمراء كأنّها الحجَفَة
فَأَقْصِرْ. ثمّ ذكر الوضوءَ فقال: إذا توضّأتَ فغسلتَ يديكَ ووجهك ورجليك فإن
جلستَ كان ذلك لك طَهورًا وإنّ قُمتَ فصلّيتَ وذكرتَ ربّك بما هو أهلُه
انصرفتَ من صلاتك كهيئتك يومَ ولدَتْك أمّك من الخطايا .
قال محمد بن عمر : لما أسلم عمرو بن عَبَسة بمكّة رجع إلى بلاد قومه بنى
سُليم ، وكان ينزل بِصفنة وحَاذَةَ - وهى من أرض بنى سُليم - ، فلم يزل مُقيمًا
هناك حتى مَضَتْ بدر وأحد والخندق والحُديبية وخيبر ، ثمّ قدم على رسول الله ،
وَلَه ، بعد ذلك المدينةَ.
٤٥٣ - أبو ذَرّ واسمه جُنْدُب
ابن جنادة بن كُعيب بن صُعَيْر بن الوَقْعة (١) بن حرام بن سفيان بن عبيد بن
حرام بن غفار بن مُلَيْل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خُزيمة بن
مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : سمعتُ موسى بن عُبيدة يُخْبرُ عِن نُعيم بن
عبد الله المجمِر عن أبيه قال : اسم أبى ذرّ جندب بن جُنادة . وكذلك قال محمد
ابن عمر وهشام بن محمد بن السائب الكلبىّ وغيرهما من أهل العلم .
قال محمد بن عمر : وسمعتُ أبا معشر تَجِيحًا يقول : واسم أبى ذرّ بُرير بن
جُنادة .
قال (*) : أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانىّ أبو النضْر قال : حدّثنا سليمان بن
٤٥٣ - من مصادر ترجمته : تهذيب الكمال ج ٣٣ ص ٢٩٤، سير أعلام النبلاء ج ٢
ص ٤٦، كما ترجم له المصنف فى الجزء الثانى من هذه الطبعة فى باب أهل العلم والفتوى من
أصحاب رسول الله وَله .
(١) فى طبقات خليفة ص ٣١ ((الوَقِيعة)).
(#) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٢٠٨ أورده الذهبى بسنده ونصه فى السيرج ٢ ص ٥٠ - ٥٣

٢٠٦
المغيرة عن حُميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت الغِفارىّ عن أبى ذرّ قال :
خرجنا من قومنا غفار وكانوا يُحِلّون الشهرَ الحرامَ ، فخرجتُ أنا وأخى أُنْيس وأُمّنا
فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا فأكرمنا خالُنا وأحسن إلينا ، قال فحسدنا قومُه
فقالوا له : إنّك إذا خرجتَ عن أهلك خالف إليهم أنيس . قال فجاء خالنا فنثا علينا
ما قيل له فقلتُ : أما ما مضى من معروفٍ فقد كدّرتَ ولا جماعَ لك فيما بعدُ .
قال فقرّبنا صِرْمَتنا (١) فاحتملنا عليها وتغطّى خالُنا بثوبه وجعل يبكى ، فانطلقنا
حتى نزلنا بحضرة مكّة ، فنافر أنيس عن صِرْمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبّر أُنيئًا
بما هو عليه ، قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها وقد صلّيتُ يابنَ (٢) أخى قبل أن ألْقَى
رسولَ الله، وََّ، ثلاث سنين، فقلتُ: لمن؟ قال: لله. فقلتُ: أين تَوَّهُ ؟
قال: أَتَوَجّهُ حيث يُوَّهُنى الله ، أصلّى عشاءً حتى إذا كان من آخر السّحَرِ أَلْقَيتُ
كأنّى خفائٍ (٣) حتى تعلونى الشمس .
فقال أُنيس : إنّ لى حاجة بمكّة فاكْفِنى حتى آتَيَك. فانطلق أنيس فراث (٤)
عَلَىَّ ، يعنى أبطأ ، ثمّ جاء فقلتُ : ما حبسك ؟ قال : لقيتُ رجلًا بمكّة على دينك
يزعم أنّ الله أرسله . قال : فما يقول الناس له ؟ قال : يقولون شاعر كاهن ساحر .
وكان أنيس أحد الشعراء ، فقال أُنيس : والله لقد سمعتُ قول الكهنة فما هو
بقولهم ، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشّعْر فلا يلتِمُ على لسان أحدٍ بعيد أنّه
شعر، والله إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون ! فقلتُ اكفنى حتى أذهب فأنظر !
قال : نعم، وكُنْ من أهل مكّة على حَذَرٍ فإنّهم قد شَيِفُوا (٥) له وتَجَهَّمُوا له.
فانطلقتُ فقدمتُ مكّة فاستضعفتُ رجلاً منهم فقلتُ : أين هذا الذى تَدْعونَ
الصابىء ؟ قال فأشار إلىّ فقال : هذا الصابىء. فمال علىّ أهلُ الوادى بكلّ مَدَرَةٍ
وعَظْمِ فخررتُ مغشيًّا علىّ فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأنّى نَصْب أحمر ، فأتيتُ
(١) الصِّرمة : القطعة من الإبل .
(٢) فى متن ل ((بابن)) وبهامشها: أو لعل الأصح ((يابنَ أخى)) وهو كذلك وأثبته اعتمادا على
رواية ث .
(٣) كساء يطرح على السقاء .
(٤) يقال : راث فلان علينا إذا أبطأ .
(٥) فى متن ل ((شنعوا)) وبالهامش قراءة دى خويه ((شنفوا)) وآثرت قراءته اعتمادا على رواية
ث، وما ورد لدى ابن الأثير فى النهاية ( شنف ) فى إسلام أبى ذَرّ ((فإنهم شَنِفُوا له )) أى أبغضوه .

٢٠٧
زمزمَ فشربتُ من مائِها وغسلتُ عنى الدّماء فلبثتُ بها يابن أخى ثلاثين من بين ليلةٍ
ويومٍ ما لى طعام إلاّ ماء زمزم ، فسَمِنْتُ حتى تكسّرتْ عُكَنُ بطنى وما وجدتُ
على كبدى سَحْفَة جوع .
قال فبينا أهلُ مكّة فى ليلةٍ قَمْراءَ إضْحِيان (١) إذ ضرب الله على
أَصْمِخَتهِم (٢) فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين ، فأتتا علىّ وهما تدعوان
إسافًا ونائلةَ . قال فقلتُ أنْكِحا أحدهما الآخر ، فما ثناهما ذاك عن قولهما .
قال فأتتا علىّ فقلتُ : هَنَّا مثلُ الخشَبَةِ غير أنى لم أْنِ ، فانطلقتا تُوَلْولان
وتقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما رسول الله، وَالنهر ،
وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال : ما لكما ؟ قالتا : الصابىء بين الكعبة
وأستارها ، قال : فما قال لكما ؟ قالتا : قال لنا كلمة تَمْلأ الفَمَ .
فجاء رسول الله، وَلَّ، وصاحبه فاستلما الحجَرَ وطافا بالبيت ثمّ صلّى فأتيتُه
حين قضى صلاته فكنتُ أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام ، فقال: وعليك رحمة الله ،
ممّن أنت ؟ قال قلتُ : من غِفار، فأهوى بيده إلى جَبْهَته هكذا .
قال قلتُ فى نفسى : كَرِهَ أنى انتميتُ إلى غِفار . فذهبتُ آخذ بيده
فَقَدَعَنِى (٣) صاحبه وكان أعلم به منى فقال: متى كنتَ ها هنا ؟ قلتُ : كنتُ ها
هنا منذ ثلاثين من بين ليلةٍ ويوم ، قال : فمَن كان يُطْعِمُك ؟ قال قلتُ : ما كان
لى طعام إلاّ ماء زمزم فسَمِنْتُ حتى تكسّرت ◌ُكَنُ بطنى فما وجدتُ على كبدى
سَخْفَةَ جوع. فقال رسول الله، وَّر: إنّها مباركة، إنّها طعام طُعْم (٤).
قال أبو بكر : يا رسول الله ائْذَنْ لى فى طعامه الليلةَ ، قال ففعل فانطلق
النبىّ، وَ له، وأبو بكر وانطلقتُ معهما، ففتح أبو بكر بابًا فجعل يقبض لنا من
زبيب الطائف . فقال أبو ذرّ : فذاك أوّل طعامٍ أكلتُه بها .
(١) أى مضيئة لاغيم فيها .
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( صمخ ) ومنه حديث أبى ذر فضرب الله على أصمختهم )) أى
أَن الله أَنَامَهُم .
(٣) لدى ابن الأثير فى النهاية (قدع) ومنه حديث أبى ذَرّ ((فذهبتُ أُقُبُلُ بين عينيه ، فَقَدَعَنِى
بعض أصحابه )) أى كَفَّنى .
(٤) أى : يشبع الإنسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام .

٢٠٨
قال فغبرتُ ما غبرتُ فلقيتُ رسول الله، وَّهِ، فقال: إنّه قد وُجّهْتُ إلى
أرضٍ ذاتٍ نخل ولا أحْسِبُها إلاّ يثرب ، فهل أنت مُبْلِغُ عنى قومك ، عسى الله أن
ينفعهم بك ويأجرك فيهم ؟ فانطلقتُ حتى لقيتُ أخى أَنْيسًا فقال : ما صنعتَ ؟
قلتُ : صنعتُ أنى قد أسلمتُ وصدّقتُ . قال أَنْيس: ما بى رغبةٌ عن دينك فإنى
قد أَسلمتُ وصدّقتُ .
قال فأتينا أمّنا فقالت : ما بى رغبةٌ عن دينكما فإنّى قد أسلمتُ وصدّقتُ ،
قال فاحتملنا فأتينا قومَنا فأسلم نِصْفُهم قبل أن يقدم رسول الله، وَلّر، المدينة.
وكان يؤمّهم إيماءُ بن رَحَضَةَ ، وكان سيّدهم ، وقال بقيتهم : إذا قدم رسول الله ،
وَلّ، المدينةَ أَسلمنا. فقدم رسول، وَّر، فأسلم بقيتهم وجاءت أسْلَمُ فقالوا:
يا رسول الله ، إخوتنا ، نُسْلِمُ على الذى أسلم عليه إخوتنا . فأسلموا فقال رسول
الله، وَّ: غِفَارٌ غَفَرَ الله لها وأسْلَمُ سالمَها الله (٥).
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبرة
عن يحيى بن شِبْل عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضَةً قال : كان أبو ذرّ رجلًا يصيب
الطريق وكان شجاعًا يتفرّد وَحْدَه يقطع الطريق ويُغير على الصِّرم فى عَماية الصبح
على ظهر فرسه أو قدميه كأنّه السّبُعُ ، فيطرق الحىّ ويأخذ ما أخذ ، ثمّ إنّ الله
قذف فى قلبه الإِسلام وسمع بالنبىّ، وَلّر، وهو يومئذٍ بمكّة يدعو مختفيًا، فأقبل
يسأل عنه حتى أتاه فى منزله (١) ، وقبل ذلك ما قد طلب (٢) مَن يوصله إلى
رسول الله، وَلّ، فلم يجد أحدًا فانتهى إلى الباب فاستأذن فدخل ، وعنده
أبو بكر وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين ، وهو يقول : يا رسول الله والله
لا نستسرّ بالإسلام وَلَنُظْهِرَتّه. فلا يردّ عليه رسول الله، وَلَه، شيئًا. فقلت:
يا محمد إِلاَمَ تدعو؟ قال: إلى الله وَحْدَه لا شريك له وخَلْع الأوثان وتشهد أنى
رسول الله . فقلت : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله . ثمّ قال
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٥٥
(٢) فى متن ل ((وقبل ذلك قد طلب)) وبالهامش: قراءة دى خويه وكذا فيستنفلد ((وقبل ذلك
ماقد طلب)) وقد آثرت قراءتهما اعتمادا على رواية ث .

٢٠٩
أبو ذرّ: يا رسول الله إنى منصرف إلى أهلى وناظرٌ متى يُؤْمَرُ بالقتال فألحَقُ بك فإنى
أرى قومك عليك جميعاً. فقال رسول الله، وَّ : أصبتَ فانصرف . فكان
يكون بأسفل ثنيّة غزال فكان يعترض لِعِيَرات قريش فيقتطعها فيقول : لا أردّ إليكم
منها شيئًا حتى تشهدوا ألاّ إلهَ إلّ الله وأنّ محمدًا رسول الله ، فإن فعلوا ردّ عليهم
ما أخذ منهم وإن أبوا لم يَرُدّ عليهم شيئًا . فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله ،
وَر، ومضى بدر وأُحُد، ثمّ قدم فأقام بالمدينة مع النبيّ، وَلَه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى نَجيح أبو معشر قال : كان أبو ذَرّ
يَتَأَلَّهُ فى الجاهليّة ويقول: لا إله إلاّ الله، ولا يعبد الأصنام (١) .
فمرّ عليه رجل من أهل مكّة بعدما أوحى إلى النبيّ، وَّه، فقال: يا أبا ذرّ
إنّ رجلًا بمكّة يقول مثل ما تقول لا إله إلاّ الله، ويزعم أنّه نبيّ . قال: من هو؟
قال: من قريش ، قال فأخذ شيئًا من بَهْشٍ وهو المُقُلُ فتزوّده حتى قدم مكّة فرأى
أبا بكر يُضيف الناس ويُطْعِمُهُم الزبيب ، فجلس معهم فأكل ثمّ سأل من الغد :
هل أنكرتم على أحدٍ من أهل مكّة شيئًا ؟ فقال رجل من بنى هاشم : نعم ، ابن عمّ
لى يقول لا إله إلاّ الله ويزعم أنّه نبيّ. قال: فدُلّنى عليه، قال فدلّه، والنبىّ ،
وَ له، راقد على دُكّان قد سدل ثوبَه على وجهه، فنتهه أبو ذرّ فانتبه فقال: انْعَمْ
صباحًا ، فقال له النبيّ : عليك السلام ، قال له أبو ذرّ: أَنْشِدْنى ما تقول ، فقال :
ما أقول الشعر ولكنّه القُرآنُ ، وما أنا قلتُه ولكنّ الله قاله ، قال: اقْرَأ علىّ . فقرأ
عليه سورة من القرآن فقال أبو ذرّ : أشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمدًا رسوله .
فسأله النبيّ، وَله: ممن أنت ؟ فقال : من بنى غفار.
قال فعجب النبيّ، وَله، أنّهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ، وَ له، يرفع
بَصَرَه فيه ويصوّبه تعجبًا من ذلك لما كان يعلم منهم ثمّ قال : إنّ الله يَهْدی مَن
يشاء. فجاء أبو بكر وهو عند رسول الله، وَلَه، فأخبره بإسلامه فقال له
أبو بكر: أليس ضيفى أمْسٍ ؟ فقال : بلى ، قال : فانطلقْ معى . فذهب مع أبى
بكر إلى بيته فكساه ثوبين ممشّقين فأقام أيَامًا ثمّ رأى امرأة تطوف بالبيت وتدعو
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٥٥
[ ١٤ - الطبقات الكبير جـ ٤ ]

٢١٠
بأحسن دُعاء فى الأرض تقول : أعطنى كذا وكذا وافعلْ بى كذا وكذا ، ثمّ قالت
فى آخر ذلك : يا إسافُ ويا نائلة ، قال أبو ذرّ : أنْكِحى أحدهما صاحبه . فتعلّقت
به وقالت : أنتَ صابىءٌ . فجاء فِتْيَةٌ من قريش فضربوه ، وجاء ناس من بنى بكر
فنصروه وقالوا : ما لصاحبنا يُضرَبُ وتتركون صُباتَكم ؟ فتحاجَزوا فيما بينهم فجاء
إِلى النبىّ، وَّ، فقال: يا رسول الله أمّا قريش فلا أدعُهم حتى أثْأَرَ منهم،
ضربونى .
فخرج حتى أقام بعُشفان وكلّما أقبلت عِيرٌ لقريش يحملون الطام يُنَفِّرُ (١) بهم
على ثنيّة غَزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحِنَطَ ، قال يقول أبو ذرّ لقومه : لا يمسّ
أحد حَّة حتى تقولوا لا إله إلاّ الله ، فيقولون لا إله إلاّ الله ويأخذون الغرائر.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة
عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبى مروان عن أبيه عن أبى ذرّ قال : كنتُ فى
الإسلام خامسًا .
(" قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى نجيح أبو معشر عن محمد بن
قيس عن حكّام بن أبى الوضّاح البصرىّ قال : كان إسلام أبى ذرّ رابعًا أو خامسًا .
قال : أخبرنا عمرو بن حكّام البصرىّ قال : حدّثنا المثنى بن سعيد القسّام
القصير قال : أخبرنا أبو جَمْرة الضُّبَعِىّ أنّ ابن عبّاس أخبرهم ببدءِ إسلام أبى ذرّ
قال: لما بلغه أنّ رجلًا خرج بمكّة يزعم أنّه نبيّ ، أرسل أخاه فقال : اذهب فأتنى
بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه . فانطلق الرجل حتى أَتَّى مكّة فسمع من رسول
الله، وَِّّ، فرجع إلى أبى ذرّ فأخبره أنّه يأمر بالمعروف ويَنْهَى عن المُتْكَرِ ويأمر
بمكارم الأخلاق . فقال أبو ذرّ : ما شفيتَنى . فخرج أبو ذرّ ومعه شَنّة فيها ماؤه
وزادُه حتى أتى مكّة ففَرِقَ أن يسأل أحدًا عن شىءٍ ولما يَلْقَ رسولَ الله، وَرَ،
فأدركه الليل فبات فى ناحية المسجد . فلمّا أعْتَمَ مرّ به علىّ فقال: ممّن الرجل ؟
قال : رجل من بنى غفار ، قال : قُمْ إلى منزلك .
قال فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شىءٍ . وغدا أبو
(١) قراءة دى خويه ((يُنَفّرُ)) بالبناء للمجهول. والمثبت هنا رواية (ل) وهى قراءة (ث) أيضا.
( * - *) أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٥٣ - ٥٤

٢١١
ذرّ يطلب فلم يَلْقَه ، وكره أن يسأل أحدًا عنه ، فعاد فنام حتى أمسى فمر به علىّ
فقال : أما آنَ للرجل أن يعرف منزله ؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد
منهما صاحبه عن شىءٍ ، فأصبح اليوم الثالث فأخذ على علىّ لَئِنْ أَفْشى إليه الذى
يريد ليَكتمنّ عليه وليسترتّه ، ففعل فأخبره أنّه بلغه خروج هذا الرجل يَزعم أنّه نبيّ ،
فأرسلتُ أخى ليأتيَنى بخبره وبما سمع منه فلم يأتنى بما يَشْفينى من حديثه ، فجئتُ
بنفسى لألقاه. فقال له علىّ: إنى غادٍ فاتْبَعْ أثرى فإنى إن رأيتُ ما أخاف عليك
اعتللتُ بالقيام كأنّى أَهريق الماء فآتيك ، وإن لم أرَ أحدًا فاتْبَعْ أثرى حتى تدخل
حَيْثُ أدخل. ففعل حتى دخل على أثر علىّ على النبيّ، وَّةِ، فأخبره الخبر ،
وسمع قول رسول الله، وَّه، فأسلم من ساعته، ثمّ قال: يا نبيّ الله ما تأمرنى ؟
قال : ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمرى ، قال فقال له : والذى نفسى بيده
لا أرجع حتى أصرخَ بالإسلام فى المسجد .
قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا
عبده ورسوله، وَّةٍ، قال فقال المشركون : صبأ الرجل صبأ الرجل . فضربوه
حتى صُرعَ ، فأتاه العبّاس فأكبّ عليه وقال : قتلتم الرجل يا معشر قريش ، أنتم
تُّجَار وطريقكم على غفار، فتريدونَ أن يُقْطَعَ الطريق ؟ فأمسكوا عنه ثمّ عادَ اليومَ
الثانى فصنعَ مثل ذلك ثمّ ضربوه حتى صُرِعَ ، فأكبّ عليه العبّاس وقال لهم مثل
ما قال فى أوّل مرّة ، فأمسكوا عنه وكان ذلك بَدْءَ إسلام أبى ذَرّ ٥) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبى حكيم
يُخبر عن سليمان بن يسار قال : قال أبو ذرّ حدْثانَ إسلامه لابن عمّه: يابن الأمّة .
فقال النبيّ، وَّ: ما ذهَبتْ عنك أَعرابِيَّتُكَ بعدُ.
قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله، وَلّه، بين أبى ذرّ الغفارى والمُذرِ
ابن عَمرو ، أحد بنى ساعدة وهو المُغْنِقِ (١) لِيَمُوتَ، وأنكر محمد بن عمر هذه
المؤاخاة بين أبى ذرّ والمنذر بن عَمرو ، وقال : لم تكن المؤاخاة إلّ قبل بدر فلمّا
نزلت آية المواريث انقطعت المؤاخاة ، وأبو ذرّ حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام
(١) هذا الضبط من ل ، ث ضبط قلم وقيده ابن حجر فى التبصير ج ٤ ص ١٢٩٨ بتشديد
النون ، وسياق ماذكره ابن الأثير فى النهاية ( عنق ) يقتضى عدم التشديد . كما قيده ابن ناصر الدين
فى توضيح المشتبه ج ٨ ص ٢٠٥ بضم أوله وسكون العين المهملة وكسر النون المخففة .

٢١٢
بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثمّ قدم على رسول الله، وَّلَه، المدينةَ بعد
ذلك .
قال : أخبرنا محمد بن الفُضيل عن مطرّف عن أبى الجَهم عن خالد بن وهبان
وكان ابن خالة أبى ذرّ، عن أبى ذرّ قال: قال النبيّ، وَلِّ: يا أبا ذرّ كيف أنت إذا
كانت عليك أمراء يستأثرون بالفىء؟ قال قلتُ: إذًا والذي بعثك بالحقّ أضرب بسيفى
حتى ألحق به . فقال : أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك ؟ اصْبِرْ حتى تلقانى .
قال: أخبرنا هُشيم قال : أخبرنا حُصين عن زيد بن وهب قال : مررتُ بالرّبَدةِ فإذا
أنا بأبى ذرّ ، قال فقلتُ ما أنزلك منزلك هذا؟ قال : كنتُ بالشأم فاختلفتُ أنا ومعاوية
فى هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلٍ
اللَّهِ ﴾ [سورة التوبة: ٣٤]، وقال معاوية: نَزَّلَتْ فى أهل الكتاب، قال فقلتُ: نَزَلَتْ فينا
وفیهم . قال فکان بینی وبینه فی ذلك کلام فکتب یشکونی إلی عثمان ، قال فكتب
إلىّ عثمان أن أقدم المدينة ، فقدمتُ المدينةَ وكَثُرَ الناسُ على كأنّهم لم يَرَوْنى قبل ذلك .
قال فِذُكِرَ ذلك لعثمان فقال لى: إن شئتَ تنحّيتَ فكنتَ قريبًا . فذاك أنزلنى هذا المنزل
ولو أَمْرَ علىّ حَبَشىّ لسمعتُ ولأَطَعْتُ .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين أنّ
رسول الله، وَلّ، قال لأبى ذرّ: إذا بلغ البِنَاءُ(١) سَلْعًا فاخرج منها ، ونحا بيده نحو
الشأم ، ولا أرى أمراءك يَدَعونَك ! قال: يا رسول الله أفلا أقاتل مَن يحول بينى وبين
أمرك ؟ قال: لا ، قال: فما تأمرنى؟ قال: اسْمَعْ وأَطِعْ ولو لعبدٍ حَبَشىّ (٢) .
قال : فلمّا كان ذلك خرج إلى الشأم فكتب معاوية إلى عثمان : إنّ أبا ذرّ قد
أفسد الناس بالشأم ، فبعث إليه عثمان فقدم عليه ، ثمّ بعثوا أهله من بعده فوجدوا
عندهم (٣) كيسًا أو شيئًا فظنّوا أنّها دراهم ، فقالوا : ما شاء الله ! فإذا هى فلوس .
(١) فى المطبوع ((النبأ)) والمثبت من ث وسير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٦٣ ومختصر تاريخ دمشق
لابن منظور ج ٢٨ ص ٣٠٢
(٢) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٦٣
(٣) فى طبعة ليدن ((عنده)) والمثبت من ث، ومثله لدى الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٢ ص
٦٣

٢١٣
فلمّا قدمَ المدينةَ قال له عثمان : كُنْ عندى تغدو عليك وتروح اللقاح ، قال :
لا حاجة لى فى دنياكم، ثمّ قال: ائْذَنْ لى حتى أخرج إلى الرّبَذَة ، فأذن له فخرج
إلى الربذة وقد أقيمت الصلاةُ وعليها عبدٌ لعثمان حبشىّ فتأخّر ، فقال أبو ذرّ :
تَقَدّمْ فصلٌ فقد أُمِرْتُ أن أَسْمَعَ وأطيعَ ولو لعبدٍ حَبشيّ فأنت عبد حبشىّ (١) .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا العوام بن حَوْشَب قال : حدّثنى
رجل من أصحاب الآمجرّ عن شيخين من بنى ثَعْلَبَة رجل وامرأته قالا: نَزَلْنا الرّبذة
فمرّ بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا : هذا من أصحاب رسول الله ،
وَّةٍ . فاستأذنّاه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا ، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر
من أهل العراق ، حَسِبْتُه قال من أهل الكوفة ، فقالوا : يا أبا ذرّ فعل بك هذا الرجل
وفعل فهل أنت ناصبّ لنا رايةً ؟ فَتُكْمِلُكَ (٢) برجال ما شئتَ ؟ فقال: يا أهل
الإِسلام لا تَغْرِضوا علىّ ذاكم ولا تُذِلّوا السلطان فإنّه مَن أذلّ السلطان فلا توبة له ،
والله لو أنّ عثمان صلبنى على أطول خشبةٍ أو أطول جبل لَسمعتُ وأطعتُ
وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أنّ ذاك خير لى ، ولو سيّرنى ما بين الأفق إلى الأفق ،
أو قال ما بين المشرق والمغرب ، لسمعتُ وأَطَعْتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئِيتُ أنّ
ذاك خير لى ، ولو ردّنى إلى منزلى لسمعتُ وأطعتُ وصبرتُ واحتسبتُ ورُئيتُ أنّ
ذاك خير لى (٣).
قال : أخبرنا الفضل بن دكين قال : حدّثنا جعفر بن بُوقان عن ثابت بن
الحجّاج عن عبد الله بن سيدان السّلَمىّ قال : تَناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت
أصواتهما ، ثمّ انصرف أبو ذرّ متبسّمًا فقال له الناس : ما لك ولأمير المؤمنين ؟
قال: سامعٌ مُطيعٌ ولو أمرنى أن آتىَ صَنْعاءَ أو عَدَنَ ثمّ استطعتُ أن أفعل لفعلتُ ،
وأمره عثمان أن يخرج إلى الرّبَذَة (٤).
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا سفيان بن حسين عن الحكم بن
(١) نفس المصدر .
(٢) فى المطبوع ((فَلْتُكْمِلْ)) وفى المخطوط ((فَلْكمك)) وكتب فوقها صح [ واللكم: الدفع ]
وقد اتبعت ماورد بتاريخ ابن عساكر كما أورده ابن منظور فى المختصرج ٢٨ ص ٣٠٢ ، والذهبى فى
سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧١
(٣) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧١
(٤) المصدر السابق .

٢١٤
عُيينة عن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن أبى ذرّ قال: كنتُ رِدْفَ رسول الله، وَه ،
وهو على حمار وعليه بَرْذَعَةٌ أو قطيفة (١) .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير قال : أخبرنا الأعمش عن عثمان بن عُمير عن
أبى حَوْب بن أبى الأسود الدّئْلىّ عن عبد الله بن عمرو قال : سمعتُ رسول الله ،
وَّه، يقول ما أَقَلّت الغَبْراءُ ولا أظَلّت الخضراءُ من رجل أصدق [ لهجة ] من أبى
ذرّ (٢).
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو أميّة بن يعلى عن أبى الزّناد عن
الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، وَّله: ما أَظَلّتِ الخَضْراءُ ولا أقلّتٍ
الغَبْراءُ على ذِى لَهْجَةٍ أصدق من أبى ذرّ ، مَن سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى بن
مريم فَلْيَنْظُرْ إلى أبى ذرّ (٣) ..
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا سلام بن مسكين قال : حدّثنا
مالك بن دينار أنّ النبيّ، وَّةٍ ، قال: أتّكم يلقانى على الحال التى أفارقه عليها ؟
فقال أبو ذرّ: أنا، فقال له النبيّ، وَ له: صدقتَ. ثمّ قال: ما أظَّتِ الخَضْرَاءُ
ولا أَقَّتِ الغَبْراءُ على ذى لَهْجَة أصدق من أبى ذرّ ، مَن سرّه أن ينظر إلى زُهْدِ
عيسى بن مريم فلينظر إلى أبى ذرّ (٤).
قال : أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى قالا : حدّثنا حمّاد بن
سلمة عن علىّ بن زيد عن بلال بن أبى الدرداء عن أبى الدرداء قال : قال رسول
الله، وَيّ: ما أَظَلّتِ الخَضْراء ولا أقلّتِ الغَبْراء من ذى لهجة أصدق من أبى ذرّ.
قال : أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنَّفىّ قال : حدّثنا أبو حُرّة عن محمد
ابن سيرين قال: قال رسول الله، وَّله، ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من
ذى لهجة أصدق من أبى ذرّ .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا محمد بن عمرو قال : سمعتُ عِراك بن
مالك يقول: قال أبو ذرّ: إنى لأقرَبُكم مجلسًا من رسول الله، وَل، يوم القيامة وذلك
. (١) المصدر السابق ص ٦٣
(٢) المصدر السابق ص ٥٩ ومابين حاصرتين منه .
(٣) نفس المصدر .
٤
(٤) نفس المصدر .

٢١٥
أنى سمعتُه، وَلّه، يقول أقربكم منى مجلسًا يوم القيامة مَن خرج من الدنيا كهيئة
ما تركتُه فيها، وإنّه والله ما منكم من أحد إلاّ وقد تشبّث منها بشىء غيرى (١).
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا أبو كعب صاحب الحرير قال :
حدّثنا أبو الأصفر عن الأحنف بن قيس قال : أتيتُ المدينةَ ثمّ أتيتُ الشأم فَجمَّعت
فإذا أنا برجل لا ينتهى إلى سارية إلا فَوَّ (٢) أهلها، يصلّى ويُخِفّ صلاته ، قال
فجلستُ إليه فقلتُ له : يا عبد الله مَن أنت ؟ قال : أنا أبو ذرّ ، فقال لى : فأَنتَ
من أنت ؟ قال قلتُ : أنا الأحنف بن قيس. قال: قُمْ عنى لاَ أَعُرُكَ (٣) ، فقلتُ
له: كيف تَعُرُّنِى بشرّ ؟ قال : إنّ هذا ، يعنى معاوية ، نادى مناديه ألاّ يجالسَنى
أحد .
قال : أخبرنا عقّان بن مسلم قال: حدّثنا سلام أبو المُذِر عن محمد بن واسع
عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذرّ قال : أوصانى خليلى بسبع : أمرنى بحبّ
المساكين والدّنُوّ منهم، وأمرنى أن أنظر إلى مَن هو دونى ولا أُنظر إلى مَن هو
فوقى، وأمرنى أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرنى أن أصِلَ الرّحِم وإن أَدْبَرَتْ (٤)،
وأمرنى أن أقول الحقّ وإن كان مُرًّا ، وأمرنى أن لا أخاف فى الله لَوْمَةً لائم ،
وأمرنى أن أَكْثرَ من لا حول ولا قوّة إلاّ بالله فإنّهنّ من كنز تحت العرش (٥).
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا همّام قال : أخبرنا قتادة عن سعيد
ابن أبى الحسن عن عبد الله بن الصامت أنّه كان مع أبى ذرّ فخرج عطاؤه ومعه
جارية له ، قال فجعلت تقضى حوائجَه ، قال ففضل معها سِلَغْ ، قال فأمرها أن
تشترى به فلوسًا ، قال قلتُ : لو ادّخرتَه للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك ،
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧٢
(٢) كذا فى ث. وفى ل وطبعتى إحسان وعطا ((خرّ)).
(٣) كذا فى ث . وفى القاموس ( ع ر ر ) وعرّه ساءه. وبِشَرِّ لطخه به.
وفى المعاجم كذلك: المعرّةَ: المساءة والمكروه. وفىٍ ل وطبعتى إحسان وعطا (( لا أُعِدّك بشرّ،
فقلت له : كيف تُعِدّنى بشرّ)). وقراءة دى خويه ((لا أَعْدِك بشر)).
(٤) كذا فى ث ومثله لدى الإمام أحمد فى مسنده ج ٥ ص ١٥٩ ولدى الذهبى فى سير أعلام
النبلاء ج ٢ ص ٦٤، وفى ل ((أَذْبِرَتْ)) وقراءة دى خويه ((أَذْثِرَتْ)).
(٥) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٦٤

٢١٦
قال : إنّ خليلى عهدَ إلىّ أن أىّ مالٍ ذَهَبٍ أو فضّةٍ أُوكِىَ عليه فهو جَمْرٌ على
صاحبه حتى يُفَرَّغَه فى سبيل الله (١) .
قال : أخبرنا سليمان بن حرب قال : حدّثنا أبو هلال قال : حدّثنا قتادة عن
سعيد بن أبى الحسن أنّ أبا ذرّ كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا
خادمه فسأله عمّا يكفيه لسنةٍ فاشتراه له ، ثمّ اشترى فلوسًا بما بقى وقال : إنّه ليس
من وعى ذهبًا أو فضّة يُوكى عليه إلا وهو يتلظَّى على صاحبه .
قال : أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمىّ قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة عن
أبى نعامة السَّغدىّ عن الأحنف بن قيس قال: قال لى أبو ذرّ خُذ العطاء ما كان
مُتْعَةً فإذا كان دَيْنًا فارفضه .
قال : أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المِنْقَرىّ قال : حدّثنا عبد الوارث بن
سعيد عن الحسين المعلّم عن ابن بريدة (٢) قال: لما قدم أبو موسى الأشعرىّ لقى
أبا ذرّ فجعل أبو موسى يلزمه ، وكان الأشعرى رجلًا خفيف اللحم قصيرًا ، وكان
أبو ذرّ رجلاً أسود كَثّ الشعر. فجعل الأشعرىّ يلزمه ويقول أبو ذرّ : إليك عنى ،
ويقول الأشعرىّ ، مَوْحَبًا بأخرى، ويدفعه أبو ذرّ ويقول: لستُ بأخيك إنّما كنتُ
أخاك قبل أن تُشْتَعْمَلَ (٣).
قال ثمّ لقى أبا هريرة فالتزمه وقال : مرحبًا بأخى ، فقال أبو ذرّ : إليك عنى ،
هل كنتَ عَمِلْتَ لهؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : هل تطاولتَ فى البناء أو الْخَذتَ
زَرْعًا أو ماشيةٌ ؟ قال : لا ، قال : أنت أخى أنت أخى .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا صالح بن رُسْتُم أبو عامر عن محُميد بن
هلال بن الأحنف بن قيس قال : رأيتُ أبا ذرّ رجلًا طويلًا آدم أبيض الرأس واللحية .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا شريك عن إبراهيم بن مُهاجِر عن
(١) المصدر السابق ص ٧٣
(٢) ابن بريدة: تحرف فى المطبوع والمخطوط إلى ((أبى بريدة)) وصوابه من تهذيب الكمال ج ٦
ص ٣٧٢ ، وسير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧٤
(٣) نفس المصدر ص ٧٤
٠
٠

٢١٧
كُليب بن شهاب الجزميّ قال : سمعتُ أبا ذرّ يقول : ما يُوثسنى رِقّة عَظمى
ولا بياض شَغرى أن ألقى عيسى بن مريم (١) .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال : حدّثنا موسى بن عُبيدة عن عبد الله بن
خِراش قال : رأيتُ أبا ذرّ فى مظَلّةٍ وتحته امرأة سَخْماء .
قال : محمد بن سعد : وقال غير عبيد الله فى هذا الحديث مظّة شَعْرٍ .
قال : أخبرنا عقّان بن مسلم قال : حدّثنا محمد بن دينار قال : حدّثنا يونس
عن محمد قال : سألتُ ابنَ أختٍ لأبى ذرّ : ما ترك أبو ذرّ ؟ فقال : ترك أتانَين
وعَفْوًا وأعْتُرًا وركائب. قال: العَفْوُ الحمار الذّكَرُ (٢).
قال : أخبرنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المُقْرىء قال : حدّثنا سعيد بن
أبى أيوب عن عبد الله بن أبى جعفر القرشىّ عن سالم بن أبى سالم الجَيْشانىّ عن
أبيه عن أبى ذرّ أنّه قال: قال لى رسول الله، وَلّه، يا أبا ذرّ إنى أراك ضعيفًا وإنى
أحبّ لك ما أحبّ لنفسى، لا تأمُرَنّ على اثنين ولا تَوَلَّيْنَّ مالَ يَتِيمِ (٣).
قال : أخبرنا خالد بن مخلد البَجَلىّ قال : حدّثنى سليمان بن بلال قال :
حدّثنى يحيى بن سعيد قال : أخبرنى الحارث بن يزيد الحضرميّ أنّ أبا ذرّ سأل
رسول الله، وَلَّ، الإمارة فقال: إنّك ضعيف وإنّها أمانةٌ وإنّها يومَ القيامة خِزْىٌ
وندامة إلاّ مَن أخذها بحقّها وأدّى الذى عليه فيها (٤) .
قال : أخبرنا كثير بن هشام قال : حدّثنا جعفر بن بُوقان قال : حدّثنا غالب بن
عبد الرحمن قال : لقيتُ رجلًا قال : كنتُ أصلّى مع أبى ذرّ فى بيت المقدس
فكان إذا دخل خلع خُفّيْه فإذا برق أو تنخَّع تَنَخَّع عليهما ، قال ولو مجمِعَ ما فى
بيته لكان رِداء هذا الرجل أفضل من جميع ما فى بيته . قال جعفر : فذكرتُ هذا
الحديث لميمون بن مهران (٥) فقال : ما أراه كان ما فى بيته يَسْوى درهمَين .
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٥٧
(٢) المصدر السابق .
(٣) نفس المصدر .
(٤) نفس المصدر .
(٥) ميمون بن مهران: تحرف فى طبعتى إحسان وعطا إلى ((مهران بن ميمون)).

٢١٨
قال : أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النَّهْدِىّ قال : حدّثنا مسعود بن
سعد الجُغُفىّ عن الحسن بن عبيد الله عن رياح بن الحارث عن ثعلبة بن الحكم عن
علىّ أنّه قال : لم يبقَ اليومَ أحد لا يبالى فى الله لومة لائم غير أبى ذرّ ولا نفسى ،
ثمّ ضرب بيده إلى صدره (١) ..
قال : أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جريج قال : أخبرنى أبو حرب بن أبى
الأسود عن أبى الأسود ، قال ابن نجريج ورجل عن زاذان قالا : سُئِلَ علىّ عن أبى
ذرّ فقال : وعى علمًا عجز فيه وكان شحيحًا حريصًا ، شحيحًا على دينه حريصًا
على العلم ، وكان يُكْترِ السّؤَالَ فَيُعْطِى وَيُمْنَعُ ، أما أن قد مُلِىءَ له فى وعائِه حتى
امتلأ . فلم يدروا ما يريد بقوله وعى علمًا عجز فيه ، أعجز عن كَشْفِ ما عنده من
العلم أم عن طَلَبِ ما طلب من العلم إلى النبيّ، وَلَّ (٢).
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابىّ قالا : حدّثنا سليمان
ابن المغيرة عن محُميد بن هلال قال : حدّثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلتُ مع
أبى ذرّ فى رَهْطٍ من غِفار على عثمان بن عفّان من الباب الذى لا يُدْخَلُ عليه منه ،
قال: وَتَخَوَّقْنَا عثمانَ (٣) عليه، قال : فانتهى إليه فسلّم عليه ، قال : ثمّ ما بدأه
بشىء إلاّ أن قال : أحَسِبِتَنى منهم يا أمير المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم ،
لو أمرتَنى أن آخذ بِعَرْقُوَتَىْ قَتَبِ لأخذتُ بهماحتى أمرتَ . قال ثمّ استأذنه إلى
الرَّذَةِ ، قال فقال : نعم نأذن لك ونأمر لك بنعَمِ من نعم الصدقة فتُصيبُ من
رِسْلها . فقال فنادى أبو ذرّ: دونكم معاشر قريش دنياكم فاغْذَمُوها (٤) لا حاجة
لنا فيها . قال فما بزاه بشىء (٥) . قال فانطلق وانطلقتُ معه حتى قدمنا الرّبَذَةَ ،
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٦٤
(٢) المصدر السابق ص ٦٠
(٣) لَ ((وَتَخَوَّفَنَا عثمانُ)) وبالهامش: دى خويه وتَخَوَّفْنا عثمانَ)) أى خفنا أن يسىء إليه عثمان
- وقد آثرت قراءة دى خويه اعتمادا على رواية ث .
(٤) ل ((فاعدموها)) بعين مهملة. ورواية ث ((فاغذموها)) بغين معجمة. وأثبت رواية ث
اعتمادا على ماورد فى النهاية (غذم) فى حديث أبى ذر ((عليكم معشر قريش بدنياكم فاغذموها))
الغذم : الأكل بجفاء وشدة نهم .
(٥) ل ((فما نراه بشىء))، ث ((فما نداه بشىء)) وبهامش ل قراءة دى خويه (فما بزاه بشىء))
أى فلم يسىء إليه وهى المثبتة هنا .

٢١٩
قال : فصادفنا مولّى لعثمان غلامًا حبشيًّا يؤمّهم فنُودِىَ بالصلاة فتقدّم فلمّا رأى
أبا ذرّ نكص ، فأومأً إليه أبو ذرّ : تَقَدّمْ فصلّ . فصلّى خلفه أبو ذرّ .
(*) قال : أخبرنا عقّان بن مسلم قال : حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا عبد
الله بن عثمان بن خُثيم عن مُجاهِد عن إبراهيم ، يعنى ابن الأشتر ، أنّ أبا ذرّ
حضره الموت وهو بالرَّبَذَة فبَكَت امرأته فقال : وما يُئكيكِ ؟ فقالت : أبكى أنّه
لا يدَ لى بتغييبك وليس عندى ثوبٌّ يَسَعُك كَفَنًا .
فقال: لا تبكى فإنّى سمعتُ رسول الله، ومَّه، ذاتَ يوم وأنا عنده فى نفرٍ
يقول : لَيموتنّ رجلٌ منكم بفَلاةٍ من الأرض تَشْهَدُه عصابة من المؤمنين ، قال :
فكلّ مَن كان معى فى ذلك المجلس مات فى جماعة وقرية فلم يَبْقَ منهم غيرى وقد
أصبحتُ بالفلاةِ أموت ، فراقبى الطريقَ فإِنّكِ سوف تَرَيْنَ ما أقول لك فإنّى والله
ما كذبتُ ولا كُذِبْتُ . قالت : وأَتّى ذلك وقد انقطع الحاجّ ؟
قال : راقِبِى الطريق. فبينا هى كذلك إذا هى بالقوم تَّجُدّ بهم رواحلهم كأنّهم
الرّخَم ، قال عفّان: هكذا قال: تجدّ بهم، والصوابُ تَخُدّ (١) بهم رواحلُهم،
فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا : ما لكِ ؟ قالت : امرؤ من المسلمين تُكَفّنونه
وتُؤْجَرُونَ فيه ، قالوا: ومَن هو ؟ قالت : أبو ذرّ . ففَدّوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا
سياطَهم فى نُحورها يبتدرونه .
فقال: أَبْشِروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله، وَل ، ما قال، أبشروا
سمعتُ رسول الله؛ وَ له، يقول: ما من امرأينٍ من المسلمين هلك بينهما ولدان
أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فيريان النار أبدًا.
ثمّ قال : قد أصبحتُ اليومَ حيثُ ترون ولو أنّ ثوبًا من ثيابى يسعنى لم أُكَفِّنْ
إلاّ فيه ، أنشدكم الله ألاّ يُكَفّنى رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا.
فكلّ القوم كان نال من ذلك شيئًا إلاّ فَتَّى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا
(#) من هذه العلامة إلى مثلها أورده الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٧٥ - ٧٧ نقلا عن
ابن سعد .
(١) فى ث (( تُخِدُّ)).

٢٢٠
صاحبك ، ثوبان فى عَيْبتى من غَزْل أمّى وأَحَدُ ثَوْتَىَّ هذَين اللذين علىّ ، قال :
أنت صاحبی فكَفّنی (٥) .
قال : أخبرنا إسحاق بن أبى إسرائيل قال : حدّثنا يحيى بن سُليم عن عبد الله
ابن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه أنّه لما حضر أبا ذرّ
الموتُ بكت امرأته فقال لها : ما يُنكيك ؟ قالت : أبكى لأنّه لا يدان لى بتغييبك
وليس لى ثوب يسعك، قال: فلا تبكى فإنّى سمعتُ رسولَ الله، وَلَ ، يقول
لنفر أنا فيهم : لَيموتنّ منكم رجل بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين ،
وليس من أولئك النفر رجل إلاّ قد مات فى قريةٍ وجماعةٍ من المسلمين وأنا الذى
أموت بفلاة والله ما كذبتُ ولا كُذِبْتُ فأبْصِرى الطريق . فقالت : أَنّى وقد انقطع
الحاجّ وتقطّعت الطّرُق؟ فكانت تَشُدّ إلى كَثيبٍ تقوم عليه تنظر ثمّ ترجع إليه
فَتُمَرّضُه ثمّ ترجع إلى الكثيب .
فبينا هى كذلك إذا هى بنفر تَخُدّ بهم رواحلهم كأنّهم الرّخَمُ على رحالهم ،
فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها قالوا : مالك؟ قالت : امرؤ من المسلمين
يموت تكفّنونه ، قالوا : ومن هو ؟ قالت : أبو ذرّ. فَفَدؤْه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا
السيّاط فى نحورها يستبقون إليه حتى جاءوه .
فقال: أَبْشِروا. فحدّثهم الحديث الذى قال رسول الله، وَلّره، ثمّ قال: إنى
سمعتُ رسول الله، وَ لَه، يقول: لا يموت بين امْرَأينٍ مسلمين ولدان أو ثلاثة
فيحتسبان ويصبران فيريان النار ، أنتم تسمعون ، لو كان لى ثوب يسعنى كَفَنًا لم
أُكَفّنْ إلاّ فى ثوب هو لى، أو لامرأتى ثوب يسعنى لم أَكَفّنْ إلّ فى ثوبها،
فأنشدكم الله والإسلام ألاّ يُكَفّنى رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو نقيبًا أو بريدًا.
فكلّ القوم قد كان قارف بعضَ ذلك إلا فتَّى من الأنصار قال : أنا أكَفّئُك ،
فإنّى لم أَصِبْ مما ذكرتَ شيئًا ، أكَفّنك فى ردائى هذا الذى علىّ وفى ثويَينِ فى
عَيْبَتى من غَزْل أمّى حاكتهما لى . قال : أنت فكفّنى ، قال فكفّنه الأنصارى فى
النفر الذين شهدوه ، منهم حُجْر بن الأدبر ومالك الأشتر فى نفرٍ كلّهم يَمانٍ .
قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال : حدّثنا إبراهيم بن سعد عن
محمد بن إسحاق قال : حدّثنى بريدة بن سفيان الأسلمىّ عن محمد بن كعب