Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
وهشام بن أبى أميّة بن المغيرة ، والوليد بن العاص بن هشام ، وأَميّة بن أبى محذيفة
ابن المُغيرة ، وخالد بن الأعلم العُقيلى ، وأَبىّ بن خَلف الجُمَحى قتله رسول الله ،
وَّ، بيده، وأبو عَزّة الجُمَحى واسمه عمرو بن عبد الله بن عُمَيْر بن وهب بن
◌ُذافة بن مجمَح، وقد كان أسِر يوم بدر فمَنّ عليه رسول الله، وَّةٍ. فقال
لا أكثر عليك جمعًا، ثمّ خرج مع المشركين يوم أحد فأخذه رسول الله وَلَّ ،
أسيرًا ولم يأخذ أسيرًا غيره فقال: مُنّ علىّ يا محمّد! فقال رسول الله، وَله: إنّ
المؤمن لا يُلُدَغُ من ◌ُحر مرّتين ، لا ترجع إلى مكّة تمسح عارضَيك تقول : سَخِرْتُ
بمحمد مرّتين ، ثمّ أمر به عاصمٍ بن ثابت بن أبى الأَقْلَح فضرَب عنقه .
فلمّا انصرف المشركون عن أَحُد أقبلَ المسلمون على أمواتهم وأُتَّى رسول الله،
وَّ، بحمزة بن عبد المطّلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال : لُفّوهم
بدمائهم وجراحهم ، أنا الشَّهيد على هؤلاء ، ضَعوهم ، فكان حمزة أوّلَ من كبّر
عليه رسول الله، وَله، أربعًا ثمّ جُمع إليه الشهداء، فكان كلّما أتى بشهيد وُضع
إلى جنب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد حتى صلّى عليه سبعين مرّة ، وقد سمعنا
من يقول: لم يصلّ رسول الله، وَّله، على قَتَلَى أَحُد. وقال رسول الله، وَّ:
احفروا وأعمِقوا وأوسِعوا وقَدّموا أكثرَهم قرآنا . فكان ممّن نعرف أنّه دُفن فى قبر
واحد عبد الله بن عمرو بن حرام ، وعمرو بن الجَمُوح فى قبر ، وخارجة بن زيد
وسعد بن الربيع فى قبر ، والنعمان بن مالك وعَبدة بن الحَسحاس فى قبر واحد ،
فكان النّاس أو عامّتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم فى نواحيها . فنادى
منادى رسول الله، وَله: رُدّوا القتلى إلى مَضَاجعهم. فأدرك المنادى رجلًا واحدًا
لم يكن دُفن فَرُدّ ، وهو شَمّاس بن عُثمان المخزومى .
ثمّ انصرف رسول الله ، وَ لَه، يومئذ فصلّى المغرب بالمدينة وشمِتَ ابن أُبِىّ
والمنافقون بما نيل من رسول الله، وَلّر، فى نفسه وأصحابه ، فقال رسول الله ،
وَ له: لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن، وبَكَت الأنصار على قتلاهم
فسمع ذلك رسول الله، ◌َّه، فقال: لكنّ حمزة لا بواكىَ له . فجاء نساء
الأنصار إلى باب رسول الله، وَل﴾، فبكين على حمزة فدعا لهنّ رسول الله،
وَخّ، وأمرهنّ بالانصراف: فهنّ إلى اليوم إذا مات الميّت من الأنصار بدأ النساء
فبكيْ على حَمزة ثمّ بكينْ على ميتهنّ .

٤٢
أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبىّ قال : مكر
رسول الله، وَلَه، يوم أَحُد بالمشركين ، وكان ذلك أوّل يوم مكر فيه .
أخبرنا هُشيم بن بشير قال : أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أنّ النبيّ ،
الر ، كُسرت رباعيتهُ يوم أحد وشُجّ فى جبهته حتى سال الدم على وجهه ،
صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته . فقال :
كيف يُفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم ؟ فنزلت هذه الآية :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [ سورة آل
عمران : ١٢٨ ]
أخبرنا أبوٍ أَسامة حمّاد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
لمّا كان يوم أَحُد هُزم المشركون فصاح إبليس : أى عباد الله أَخراكم . قال:
فرجعت أولاهم فاجتلدت هى وأخراهم ، فنظر محذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال :
عبادَ الله، أبى! أبى ! قالت : والله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال محذيفة : غَفَرَ
الله لكم . قال عُروة : فوالله ما زال فى حُذيفة منه بقيّةُ خيرٍ حتى لحق بالله .
أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن أبى الزّبير عن جابر بن
عبد الله أنّ رسول الله، وََّ، قال: رأيت كأنّى فى درع حصينة ورأيتُ بقرًا
منخّرة فأوّلتُ أنّ الدّرع المدينة والبقر نَفَرّ ، فإن شئتم أقمنا بالمدينة ، فإن دخلوا علينا
قاتَلناهم فيها . فقالوا : والله ما دخلت (١) علينا فى الجاهليّة فتدخلَ علينا فى
الإسلام. قال: فشأنكم إذًا، فذهبوا فلبس رسول الله، وَلِّ، لأمته . فقالوا:
ما صنعنا ؟ رددنا على رسول الله، وَلّره رأيَهُ. فجاءوا فقالوا: شأنَك يا رسولَ
الله . فقال : الآن ليس لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل .
حدّثنا محمّد بن محُميد العبدى عن مَعمر عن قتادة : أنّ رباعية النبىّ ،
أُصيبت يوم أحد ، أصابها ◌ُتبة بن أبى وقّاص وشَّه فى جبهته ، فكان سالم مولى
أبى محذيفة يغسل عن النبىّ، وَلَه، الدم والنبىّ، وَّه، يقول: كيف يُفلِح قومٌ
صنعوا هذا بنبيّهم؟ فأنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوُبَ
عَلَيَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: ١٢٨]
(١) م ((والله ما دُخِلَتْ علينا فى الجاهلية أَفَتُدْخَلُ علينا فى الإسلام)).

٤٣
أخبرنا محمّد بن حُميد عن مَعمر عن الزهرىّ أنّ الشيطان صاح يوم أُحدُ : إِنّ
محمّدًا قد قُتِل. قال كعب بن مالك: فكنت أنا أوّلَ من عرف النبيّ، وَّ،
عرفتُ عينيه تحت المغفر فناديت بصوتى الأعلى : هذا رسول الله ! فأشار إلىّ أن
اسْكُتْ فأنزل الله ، تعالى جدّه: ﴿ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ﴾ [ سورة آل عمران: ١٤٤ ].
أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخى ، أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد
عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن أَبىّ بن خَلَف الجُمَّحِى أَسِر يوم بدر ، فلمّا
افتدى من رسول الله، وَلَه، قال لرسول الله، وَله: إنّ عندىَ فرسًا أعلِفُها كلّ
يومٍ فَرَقَ (١) ذُرَةٍ لعلّى أقتلك عليها، فقال رسول الله، وَله: بل أنا أقتلك عليها
إن شاء الله ، فلمّا كان يوم أَحُد أقبل أُبىّ بن خَلَف يركض فرسَه تلك حتى دنا من
رسول الله، وَلّله، فاعتَرض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله ،
وَهِ: استأخِروا استأخِروا! فقام رسول الله، وَّه، بحَرْبَةٍ فى يده فرَمَى بها أَبِىّ
ابن خلف فكسرت الحربةُ ضلعًا من أضلاعه ، فرجَعَ إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه
حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له : لا بأس بك ! فقال لهم أَبىّ : ألم يقُلْ لى : بل أنا
أقتلك إن شاء الله ؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه . قال سعيد بن
المسيَّب: وفيه أنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَمَّ ﴾ [ سورة الأنفال : ١٧ ].
أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن يزيد
ابن خُصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال: كانت على رسول الله، وَل، يوم
أُحُد درعان .
أخبرنا عّاب بن زياد ، أخبرنا ابن المبارك قال : أخبرنا سفيان بن عيينة قال :
لقد أصيب مع رسول الله، وَلّ، يوم أَحُد نحو من ثلاثين كلّهم يجىء حتى
يجثو بين يديه ، أو قال: يتقدّم بين يديه ، ثمّ يقول: وجهى لوجهك الوفاء ونفسى
لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودّع .
أخبرنا الحَسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصرى قالا: أخبرنا زُهير
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (فرق) فى حديث عائشة ((أنه كان يغتسل من إناء يقال له الفَرَق))
الفَرق بالتحريك : مِكيال يسع ستة عشر رطلا ، وهى اثنا عشر مُدًّا ، أو ثلاثة آصُع .

٤٤
ابن مُعاوية ، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء بن عازِب قال : لمّ كان يوم أحد جعل
رسول الله، وَّل، على الرماة، وكانوا خمسين رجلاً، عبدَ الله بن جُبَير
الأنصارى ووضعهم موضعًا وقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطّيرُ فلا تبرحوا مكانَكُم
حتى أُرسِل إليكم ، وإن رأيتمونا قد هَزَمنا القومَ وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا
تبرحوا حتى أرسل إليكم ، قال: فهزمهم رسول الله. وَِّّهِ، فأنا والله رأيتُ
النساء يشتددن على الجبل قد بدت أَسؤقهنّ وخَلاخِلُنّ رافعاتٍ ثيابهنّ ، فقال
أصحابُ عبد الله بن جبير : الغنيمةَ ! أىْ قومِ الغنيمةً ! قد ظهر أصحابكم فما
تَنْتَظِرُون؟ (١) فقال عبد الله بن جُبير أنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله، وَله ؟
فقالوا : إنّا والله لنأتينّ الناس فلنُصيبنّ من الغنيمة . قال : فلمّا أتوهم صُرفت
وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذلك إذ يدعوهم الرسول فى أخراهم فلم يبقَ مع
رسول الله، وَل﴾، غير اثنى عشر رجلًا فأصابوا منّا سبعين رجلاً، وكان رسول
الله، وَله وأصحابه ، أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا
وسبعين قتيلاً، فأقبل أبو سُفيان فقال : أفى القوم محمّد ؟ ثلاث مرّات ، قال :
فَنَهَاهم رسول الله ، وَّه، أن يجيبوه ، ثمّ قال: أفى القوم ابن أبى قُحافة ؟ أفى
القوم ابن أبى قُحافة ؟ أفى القوم ابن أبى قُحافة ؟ أفى القوم ابن الخطّاب ؟ أفى القوم
ابن الخطّاب؟ أفى القوم ابن الخطّاب؟ قال أبو إسحاق: أيّهم (٢) ، قال الحسن بن
موسى أى ليس فوقهم أحد . ثمّ أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال : أمّا هؤلاء فقد
قُتلوا وقد كُفيتموهم ، فما ملك عمرُ نفسه أن قال : كذبتَ والله يا عدوّ الله ! إنّ
الذين عددتَ لأحياءٌ كلّهم وقد بقى لك ما يسوءك . قال : فقال يومٌ بيوم بدر
والحربُ سِجالٌ ثمّ إنّكم ستجدون فى القوم مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤنى . ثمّ جعل
يرتجز ويقول: أَعلُ هُبَّل، أعلُ هُبَل! فقال رسول الله، وَّ: ألا تجيبونه ؟
قالوا : يا رسول الله بماذا نجيبه ؟ قال: قولوا الله أعلى وأجلّ . قال أبو سفيان:
لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله، وَله: ألا تجيبونه ؟ قالوا: وبماذا نجيبه
يا رسول الله ؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مَولَى لكم .
(١) كذا فى م. وفى ل ((تنظرون)) وبالهامش ((كان المتوقع أن يقال تبطئون وهى قراءة مسند
(٢) ل ((أتّهم)) ولاوجه له .
أحمد حَقَّا ج ٤ ص ٢٩٣)).

٤٥
أخبرنا خالد بن خِداش ، أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم ، حدّثنى أبى عن
سهل بن سعد قال: كُسِرَت رَباعِيةُ رسول الله، وَلَ، يومَ أَحْد ويجرح وجهه
وكُبِرت البيضة على رأسه ، فكانت فاطمة ، عليها السلام ، تغسل مجرْحَه وعلىّ
يسكب الماءَ عليها بالمجنّ يعنى الترس ، فلما رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدمَ إلاّ
كثرَةً أخذت فاطمة قطعةً حَصيرٍ فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدمُ .
أخبرنا خالد بن خِداش ، أخبرنا الفضل بن موسى السينانى عن محمّد بن
عَمرو عن سَعد بن المنذر عن أبى محُميد الساعدى: أنّ رسول الله وَّه، خرج يوم
أُحُد حتى إذا جاوز ثنيَةَ الوَداع إذا هو بكتيبةٍ خَشناءَ فقال : مَن هؤلاء ؟ قالوا : هذا
عبد الله بن أُبىّ بن سَلُول فى ستمائة من مواليه من اليهود من أهل فَيْنُقَاع ، وهم
رهط عبد الله بن سلام . قال : وقد أسلموا ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال: قولوا
لهم فليرجعوا فإنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين .
أخبرنا أبو المنذر البرّاز ، أخبرنا سفيان الثورى عن حُصين عن أبى مالك : أنّ
رسول الله، وَّ﴾، صلّى على قَتْلَى أُحُد .
غزوة رسول الله، وَّةِ، حَمْراءَ الأسد (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلَّ، حمراء الأسد يوم الأحد لثمانى ليالٍ خلونَ من
شوّال على رأس اثنتين وثلاثين شهرًا من مُهاجَره . قالوا: لَمّ انصرف رسول الله ،
وَّة ، من أُحُد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناشٌ من وجوه الأنصار
وبات المسلمون يُداوون جراحاتهم، فلمّا صلّى رسول الله، وَلّ، الصُّبح يوم
الأحد أمر بلالا أن ينادى أنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم ولا يخرجِ معنا إلاّ
مَن شهِدَ القِتالَ بالأمس ، فقال جابر بن عبد الله: إن أبى خلّفنى يومَ أحد على
أخواتٍ لى فلم أَشْهَد الحرب فَأَذَنْ لى أن أسير معك ، فأذن له رسول الله ،
فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتالَ غَيْرَه (٢).
(١) مغازى الواقدى ص ٣٣٤، والنويرى ج ١٧ ص ١٢٦
(٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٢٦ نقلا عن ابن سعد .

٤٦
ودعا رسول الله، وَّ، بلوائه وهو معقودٌ لم يُحَلّ فدفعه إلى علىّ بن أبى
طالب ، ويقال إلى أبى بكر الصّدّيق ، رضى الله عنهما ، وخرج وهو مجروح فى
وجهه ومَشْجوج فى جبهته ورَباعيتُه قد شَظِيَتْ وشَفتُه السُّفلى قد كُلِمَت فى
باطنها ، وهو متوهّنٌ منكبَه الأيمَنَ من ضربة ابن قَمِيئة ورُكْبتاه مَجحوشتان ،
وحشَد أهل العوالى (١) ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله، وعَظله ،
فرسَه وخَرَج النّاس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة فى آثار القوم ، فَلحق اثنان
منهم القومَ بحمراء الأسد ، وهى من المدينة على عشرة أميال طريقَ العقيق متياسرةً
عن ذى الحليفة إذا أخذتَها فى الوادى ، وللقوم زَجَلٌ وهم يأتمرون بالرّجوع
وصَفْوان بن أَميّة ينهاهم عن ذلك ، فبصروا بالرّجلين فَعَطَفوا عليهما فَعَلَوْهُما
ومَضوا ومضى رسول الله، وَله، بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد ، فدفن
الرجلين فى قبر واحد ، وهما القرينان ، وكان المسلمون يوقدون ، تلك الليالى ،
خمسمائة نار حتى تُرى من المكان البعيد ، وذهب صوتُ مُعسكرهم ونيرانهم فى
كلّ وجه ، فَكَبَتَ الله ، تبارك وتعالى ، بذلك عدوّهم . فانصرف رسول الله ،
وَالر ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غابَ خمس ليال، وكان استخلف على
المدينة عبدَ الله بن أُمّ مكتوم (٢) .
سريّة أبى سلمة بن عبد الأسَد المخزومى (٣)
ثمّ سريّة أبى سَلَمَة بن عبد الأسد المخزومى إلى قَطَن - وهو جبل بناحية فَيد به
ماءٌ لبنى أَسَد بن خُزيمة - فى هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من
مُهاجَر رسول الله، وَله. وذلك أنّه بلغ رسولَ الله، وَلَ، أنّ طُليحة وسَلمة ابنى
خُويلد قد سارا فى قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله، وَ ظله .
فدعا رسول الله، وَّه، أبا سَلَمة وعَقَد له لواءً وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من
(١) حشد أهل العوالى : أجابوا مسرعين.
(٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٢٦ نقلا عن ابن سعد
(٣) مغازى الواقدى ص ٣٤٠، والنويرى ج ١٧ ص ١٢٧

٤٧
المهاجرين والأنصار وقال : سِرْ حتى تنزل أرضَ بنى أسد فَأَغِرْ عليهم قبل أن تَلاقى
عليك جموعهم ، فخرَج فأغَذَّ الشَّير ونكْبَ عن سَنَن الطريق وسبق الأخبارَ وانتهى
إلى أدنَى قَطَن ، فأغارَ على سَرْح لهم فَضَمّوه وأخَذوا رِعاءً لهم مماليك ثلاثةً ،
وأفلت سائرُهم فجاءوا جَمعَهم فحذّروهم فتفرّقوا فى كلّ ناحية، ففرّق أبو سلمة
أصحابه ثلاثَ فِرَقٍ فى طلب النّعَم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلا وشاءً ولم
يلقوا أحدًا ، فانحدر أبو سلمة بذلك كلّه إلى المدينة .
سريّة عبد الله بن أنيس (١)
ثمّ سريّة عبد الله بن أنيس إلى سُفيان بن خالد بن نُبِيح الهُذَلَى بِعُرَنَة (٢).
خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا
من مُهاجَر رسول الله ، وَّه، وذلك أنّه بلَغ رسولَ الله، وَلَه، أنّ سفيان بن
خالد الهُذَلى ثم اللّحيانى وكان ينزل عُرَنَةً وما وَالأَها فى ناس من قومه وغيرهم ،
قد جَمَعَ الجُمُوع لرسول الله، وَّه، فبعث رسول الله، وَّةِ، عبد الله بن أنيس
ليقتله فقال: صِفْهُ لى يا رسول الله ، قال : إذا رأيتَه هِبتَه وفَرِقْتَ منه وذكرتَ
الشيطان، قال: وكنتُ لا أهابُ الرجال، واستأذنتُ رسول الله، وََّ، أَن أَقُول
فَأَذِنَ لى فأخذتُ سَيفى وخرجتُ أعتزى إلى خُزاعة حتى إذا كنت ببطن عُرَنَة لقيته
يمشى ووراءه الأحابيش ومن ضَوى إليه، فعرفته بِنَعْتِ رسول الله، أَّ ، وهِبته
فرأيتنى أقطُر فقلتُ : صَدَق الله ورسوله ، فقال: مَن الرّجل ؟ فقلتُ : رجلٌ من
خُزَاعة سمعتُ بجمعك لمحمّد فجئتك لأكون معك . قال : أجَلْ إنّى لأجمعُ له ،
فمشيتُ معه وحدَّثته واستحلَى حديثى حتى انتهى إلى خَبائه وتفرّق عنه أصحابه
حتى إذا هَدَأَ النّاسُ وناموا اغتررتُه فقتلتُه وأخذتُ رأسه ثمّ دخلتُ غَارًا فى الجبل
وضربَتِ العنكبوتُ علىّ، وجاء الطّلبُ فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين. ثمّ
(١) مغازى الواقدى ج ٢ ص ٥٣١، والنويرى ج ١٧ ص ١٢٨
(٢) عرنة : موضع بقرب عرفة .

۔۔
،
٤٨
خرجت فكنت أَسيرُ اللّيلَ وأتوارى بالنّهارِ حتى قَدِمْتُ المدينة فوجدتُ رسول الله ،
وَّرُ ، فى المسجد فلما رآنى قال: أَفَلَحَ الوجهُ! قلت: أفلَحَ وجهُك يا رسول
الله! فوضعتُ رأسه بين يديه وأخبرته خبرى فدفَع إلىّ عصًا وقالَ : تخصّرْ بهذه
فى الجنّة ! فكانت عنده، فلمّا حضرته الوفاةُ أوصى أهلَه أن يُدرجوها فى
كَفَنِهِ ففعلوا ، وكانت غَيبته ثمانى عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقينَ من
المحرّم .
*
سريّة المنذر بن عَمرو (١)
ثمّ سريّة المنذر بن عَمرو الساعدى إلى بئر مَعُونة فى صَفَر على رأس ستّة
وثلاثين شهرًا من مُهاجَرٍ رسول الله، وَّه. قالوا: وقَدِمَ عامر بن مالك بن جعفر
أبو بَراء مُلاعب الأسِنّة (٢) الكلابىّ على رسول الله، وَّ فأهدى له فلم يقبل منه
وعرض عليه الإسلام فلم يُسلِم ولم يُبعد وقال : لو بعثتَ معى نفرًا من أصحابك
إلى قومى لَرجوتُ أن يجيبوا دعوتَك ويتبعوا أمرك، فقال : إنّى أخافُ عليهم أهل
◌َجِدٍ . فقال: أنا لهم جَارٌ إن يعرض لهم أحدٌ. فبعثَ معه رسول الله، وَلَّهِ ،
سبعين رجلاً من الأنصار شَبَبَةً (٣) يُسمّونَ القُرّاء (٤)، وأمّر عليهم المُتْذِر بن عَمرو
الساعدى، فلما نزلوا ببئر معونة ، وهو ماء من مياه بنى سُليم وهو بين أرض بنى
عامر وأرض بنى سُليم، كلا البَلَدَين يُعدّ منه وهو بناحية المعدن ، نزلوا عليها
(١) مغازى الواقدى ص ٣٤٦، وتاريخ الطبرى ج ٢ ص ٥٤٥، والنويرى ج ١٧ ص ١٣٠
(٢) الأسنة : جمع سنان وهو نصل الرمح. وسمى ملاعب الأسنة لأن أخاه طفيلا الذى كان
يقال له : فارس قرزل ، أسلمه وفر يوم سوبان ، وهو يوم كان بين قيس وتميم ، فقال الشاعر :
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا
يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
فسمى ملاعب الرماح ، وملاعب الأسنة .
(٣) شببة : شبان .
(٤) سمو القراء لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم ، وفى شرح المواهب : أنهم كانوا يصلون
بعض الليل ، ويدرسون بعضه ، ويحتطبون ، ويبيعون بعضه يشترون به طعاما لأهل الصفة والفقراء ،
وبعضه يأتون به الحجر الشريفة .
٠

٤٩
وعسكروا بها وسرحوا ظَهرَهم وقدّموا حَرامَ بن مِلحان بكتاب رسول الله، وَّ ،
إلى عامر بن الطَّفيل فوَثَب على حرام فقتله واستصرخَ عليهم بنى عامر فأبوا وقالوا :
لا يُحْفَر جوار أبى بَراء، فاستصرخ عليهم قبائل من سُلَيم عُصَيّةَ ورِعْلًا وَذَكْوان
فنفَروا معه ورأسوه .
واستبطأ المسلمون حرامًا فأقبلوا فى أثَره فَلَقِيَهُم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم
فتقاتلوا فقُتِل أصحاب رسول الله، ومَّله، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن
كَيْسَان فى سبعين رجلاً ، فلمّا أُحيط بهم قالوا: اللَّهُمَّ إِنّا لا نجد مَن يُبلِغ رسولك
منّا السلامَ غيرَك فأقرِئه منّا السلامَ. فأخبره جبرائيلُ، وَلِّ، بذلك فقال: وعليهم
السلام : وبقى المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئتَ آمنّاك ، فأتى وأتى مَصرَعَ حرام
فقاتَلهم حتى قُتِل فقال رسول الله، وََّ: أَعنَقَ ليموت، يعنى أنّه تقدَّم على
الموت وهو يعرفه ، وكان معهم عَمرو بن أَميّة الضَّمرى فَقُتِلوا جميعًا غيرَه ، فقال
عامر بن الطّفيل: قد كان على أَمّى نَسَمةٌ فأنت حُرّ عنها، وجَّ ناصيتَه. وفَقَدَ
عمرو بن أُميّة عامرَ بن فُهَيرَة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطّفيل فقال : قتله
رجلٌ من بنى كلاب يُقال له جبّار بن سُلمَى، لمّ طَعنه قال: فزتُ والله ! وَرَفَعَ
إلى السماء ◌ُلُوًّا. فأسلم جبّار بن سُلمى لما رأى مِن قتل عامر بن فُهيرة وَرَفِعِهِ وقال
رسول الله، وَّلّ: إنّ الملائكة وَارَتْ جُثّتَهُ وَأُنزِل عِلِّينَ.
وجاء رسول الله، وَله، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضًا مُصاب
خُبيب بن عَدىّ ومَرْئد بن أبى مَرْتد وبعثَ محمّد بن مَسلمةً فقال رسول الله ،
وَِّ: هذا عملُ أبى براء، قد كنت لهذا كارهًا. ودعا رسول الله، بَل، على
قَتَتهم بعد الركعة من الصبح فقال: اللَّهُمَّ اشدُدْ وطأتَك على مُضَر! اللَّهُمَّ سِنِينَ
كسِنِى يُوسُف! اللَّهُمَّ عليك بينى لحِيان وعَضَلَ والقَارةِ وَزِغْب (١) ورِعل وذّكَوان
وعُصَيّة فإنّهُم عصوا الله ورسوله (٢) .
ولم يجد رسول الله، وَّلَه، على قَتَلَى ما وجد على قَتْلَى بثر مَعُونة، وأنزلَ الله
فيهم قرآنًا حتى نُسِخَ بعدُ: بَلّغوا قَوْمَنَا عَنّا أنّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عنّا وَرَضِينَا عنْهُ. وقال
(١) زِغْب: تحرف فى ل والطبعات اللاحقة إلى ((زغب)) وصوابه من م، والواقدى، والنويرى.
(٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٣٢ نقلا عن ابن سعد .
[ ٤ - الطبقات الكبير جـ ٢ ]

٥٠
رسول الله، وَّ: اللَّهُمَّ اهدٍ بنى عامر واطلبْ خُفرتى من عامر بن الطّفيل. وأقبل
عمرو بن أَميّة سار أربعًا على رجليه ، فلمّا كان بصدور قَناة (١) لقى رجلين من بنى
كلاب قد كان لهما من رسول الله، وََّ، أَمانٌ، فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثمّ قَدِم
على رسول الله، وَّله، فأخبرَه بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، ومَليل :
أُبتَ من بينهم. وأخبر النبيّ، وَلَه، بقتل العامريّين فقال: بئسَ ما صنعتَ! قد
كان لهما متّى أمانٌ وجوار ، لأَدِيَّهما، فبعث بدِيَتِهِما إلى قومهما .
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى ، أخبرنا سعيد بن أبى عَرُوبَة عن قتادة
عن أنس بن مالك: أنّ رِعْلًا وذَكْوان وعُصَيّة وبنى لِحِيان أتوا رسول الله، وَه ،
فاستمدّوه على قومهم فأمدّهم سبعين رجلاً من الأنصار ، وكانوا يُدْعون فينا
القُرّاء، كانوا يحطبون بالنهار ويصلّون باللّيل، فلمّا بلغوا بئرَ مَعونةٍ غَدروا بهم
فقتلوهم ، فبلغَ ذلك نبيّ الله، وَّ، فَقَنَتَ شهرًا فى صلاة الصُّبح يدعو على
رِعل وذكوان وُصَيّة وبنى لحيان قال: فقرأنًا بهم قرآنًا زمانًا ثمّ إنّ ذلك رُفع
أَو نُسى: بَّغُوا عنّا قَوْمَنَا أَنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِىَ عَنّا وَأَرْضَانَا .
أخبرنا يحيى بن عَبّاد ، أخبرنا عُمارة بن زاذان ، حدّثنى مكحول قال : قلتُ
لأنَس بن مالك : أبا حمزة القرّاء ، قال : وَيْحك قُتلوا على عهد رسول الله ،
وَ لَيه، كانوا قومًا يستعذبون لرسول الله، وَّه، ويحطبون حتى إذا كان اللّيل
قاموا إلى السّوارى للصّلاة .
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرىّ عن أبيه عن صالح بن كيسان عن
ابن شهاب ، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل
العلم : أنّ المنذر بن عمرو الساعدى قُتل يوم بئر معونة ، وهو الذى يقال له : أعنَقَ
ليموت ، وكان عامر بن الطّفيل استنصر لهم بنى سُليم فنفروا معه فَقَتلوهم غيرَ
عمرو بن أمية الضّمرى ، أخذه عامر بن الطّفيل فأرسله ، فلمّا قَدِمَ على رسول
الله، وَّ، قال له رسول الله، وَليل: أَبتَ من بينهم. وكان من أولئك الرَّهط
عامر بن فُهَيرة ، قال ابن شهاب : فزعم ◌ُروة بن الزّبير أنّه قُتل يومئذ فلم يوجَد
جسده حين دُفنوا. قال عُروة : كانوا يرون أنّ الملائكة هى دفنته .
(١) قناة: واد يأتى من الطائف ويصب فى الأرحضية وقرقرة الكدر.

٥١
أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا مالك بن أنس
عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال : أُنزل فى الذين قُتلوا
ببئر معونة قرآن حتى نُسخ بعد: بَّغُوا قَوْمَنَا أَنّا قَدْ لَقِينَا رَبِّنَا فَرَضىَ عَنّا وَرَضِينَا
عَنْهُ(١) . ودعا رسول الله، وَّر، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة ، يدعو على
رِعِل وذكوان وعُصَيّة عَصَت الله ورسولَه .
أخبرنا الفضل بن ذُكين ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصِم قال : سمعتُ
أنس بن مالك قال: ما رأيتُ رسول الله، وَّ، وجد (٢) على أحد ما وَجَد على
أصحاب بئر مَعونة (٣).
سريّة مَرْثد بن أبى مَرْثد (٤)
ثم سريّة مَرْثد بن أبى مَرْثد الغَنَوى إلى الرّجيع فى صَفَر على رأس ستّة وثلاثين
شهرًا من مُهاجَرٍ رسول الله، وَلِّ .
أخبرنا عبد الله بن إدريس الأؤدى ، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن
عُمر بن قَتَادة بن النعمان الظَّفَرى ، وأخبرنا مَعن بن عيسى الأشجَعى ، أخبرنا
إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عُمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من
جلساء أبى هريرة، قال: قَدِم على رسول الله، وَلّه رَهط من عَضَل والقَارَة
وهم إلى الهُون بن خُزيمة فقالوا : يا رسول الله إنّ فينا إسلامًا فَابعتْ معنا نفرًا من
أصحابك يفقّهونا ويُقرئونا القُرآن ويُعلّمونا شرائع الإسلام . فبعثَ رسول الله ،
وَله، معهم عشرة رَهط: عاصم بن ثابت بن أبى الأقْلَح ومَرْثد بن أبى مَرْتد وعبد
(١) قال السهيلى: ((ثبت هذا فى الصحيح، وليس عليه رونق الإعجاز، فيقال: إنه لم ينزل
بهذا النظم ، ولكن بنظم معجز كنظم القرآن )) .
(٢) وجد : حزن .
(٣) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٣٢ نقلا عن ابن سعد .
(٤) مغازى الواقدى ص ٣٥٤، والنويرى ج ١٧ ص ١٣٣

٥٢
الله بن طارق وخُبيب بن عديّ وزَيد بن الدّثِنَة (١) وخالد بن البُكَيْر (٢) ومعتّب بن
عُبيد ، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمّه وهما من بلىّ حليفان فى بنى ظَفَرَ ، وأَمْرَ
عليهم عاصم بن ثابت ، وقال قائل: مَوْثد بن أبى مَوْئد ، فخرجوا حتى إذا كانوا
على الرّجيع ، وهو ماء لهُذَيل بصدور الهَدةِ ، والهَدة على سبعة أميالٍ منها ،
والهَدَة على سبعة أميال من عُسفان ، فَغَدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلًا ،
فخرج إليهم بنو لحيان فلم يَرُع القومَ إلّ الرّجال بأيديهم السيوفُ قد غشوهم ،
فأخذ أصحاب رسول الله، وَل*، سيوفَهم فقالوا لهم: إنّا والله ما نريد قتالكم إنّا
نُريد أن نصيب بكم ثمنًا من أهل مكة ولكم العهدُ والميثاقُ ألاَّ نقتلكم (٣).
فأمّا عاصم بن ثابت ومَرْثد بن أبى مَوْثد وخالد بن أبى البُكَيْر ومُعَتّب بن عُبيد
فقالوا: والله لا نقبل من مُشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا، فقاتلوهم حتى قُتلوا. وأمّا
زيد بن الدّثِنة وخُبيب بن عَدِىّ وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم ،
وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شُهيد ، وكانت نذرت لتشربنّ
فى قِحفِ عاصم الخمرَ ، وكان قَتَل بنيها مُسافِعًا وجُلاسًا يومٍ أَحُد، فَحَمَتَهُ الدّبر
فقالوا : أَمهِلوه حتى ◌ُمسى ، فإنّها لو قد أمسَت ذهبَت عنه . فبعثَ الله الوادى
فاحتَمَله وخرجوا بالنّفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمرّ الظَّهْران انتزعَ عبد الله بن طارق
يدَه من القِرَان (٤) وأخذ سَيفه واستأخَرٍ عنه القوم فَرَمَوْهُ بالحجارة حتى قَتَلوِهِ ، فقبره
بمرّ الظّهران، وقَدموا بخُبيب وزَيد مكّة . فأمّا زَيد فابتاعِه صَفْوانُ بن أَميّة فَقَتله
بأبيه، وابتاعَ حُجَير بن أبى إهاب خُبيبَ بن عَدِىّ لابن أختهِ عُقبة بن الحارث بن
عامر بن نوفل ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحُم ثمّ أخرجوهما إلى
التّنعيم (٥) فقتلوهما، وكانا صلًّا ركعتين ركعتين قبل أن يُقتَلا، فَخُبيب أوّل مَن
سَنَّ ركعتين عند القتل .
(١) ضبط فى المواهب الدثنة : بفتح الدال وكسر الثاء مع فتح النون المشددة . وزاد البرهان: وقد
تسكن الثاء . وضبطه صاحب القاموس ، بكسر الثاء مع فتح النون المخففة .
(٢) كذا فى الطبرى، والإصابة وأسد الغابة والاستيعاب. كما قيده كذلك الصالحى فى سبل الهدى
ج ٦ ص ٨٠، وفى ل، م هنا ((أبى البكير)) ومثله لدى الواقدى ص ٣٥٥ - الذى ينقل عنه ابن سعد .
ورجحتُ مادونته لأن المؤلف ذكره فى موضع آخر من هذه الغزوة ((فى نسخة م)) موافقا لما أثبته .
(٤) القران : الحبل الذى يشد به الأسيران .
(٣) النويرى ج ١٧ ص ١٣٣
(٥) التنعيم : موضع بمكة فى الحل ، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة .

٥٣
أخبرنا عبد الله بن إدريس ، حدّثنى عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب
مولى الحارث بن عامر قال : قال مَوْهَب قال لى خُبيب وكانوا جعلوه عندى :
يا مَوْهَب أطلب إليك ثلاثًا : أن تسقينى العَذْبَ وأن تَجْنُبَنى ما ذُبِح على النُّصُب
وأن تُؤْذِنّى إِذَا أرادوا قتلى .
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن
قتادة : أنّ نَفرًا من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قَتل زَيد فقال قائل منهم : يا زيد
أنشدك الله ، أتُحبُّ أنّكَ الآن فى أهلك وأنّ محمّدًا عندنا مكانَك نضرب عنقه ؟
قال : لا والله ما أحبّ أنّ مُحمّدًا يُشاك فى مكانه بشوكة تؤذيه وأنّى جالسٌ فى
أهلى : قال : يقول أبو سفيان والله ما رأيتُ من قوم قطّ أشدّ حُبًّا لصاحبهم من
أصحاب محمّدٍ له (١) .
غزوة رسول الله، وَلّ، بنى النَّضِير (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلّ، بنى النَّضير فى شهر ربيع الأوّل سنة أربع على
رأس سبعة وثلاثين شهرًا من مُهاجَره ، وكانت منازل بنى النَّضير بناحية الغَوْس
وما وَالاَها مقبرةُ بنى خَطمة اليومَ فكانوا حُلفاء لبنى عامر .
قالوا: خَرج رسول الله، وَّه، يوم السبت فصلَّى فى مسجد قُباء ومعه نَفَر
من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثمّ أَتَى بنى النَّضِير فكلَّمهم أن يُعينوه فى دِيَة
الكلابتين الّذين قتلهما عَمرو بن أميّة الضَّمرى فقالوا : نَفعل يا أبا القاسم
ما أحببت . وخلا بعضهم ببعض وهَمُوا بالغدْر به . وقال عمرو بن جِحاش بن
كعب بن بَسيل النّضَرى: أنا أظهر على البيت فأطرحُ عليه صخرةً ، فقال سلّم بن
مِشْكُم : لا تفعلوا والله ليُخْبَرَنّ بما هَممتم به وإنّه لَنقضُ العهدِ الذى بيننا وبينه .
وجاء رسول الله، وَله، الخبرُ بما هَمُّوا فنهض سريعًا كأنّه يريد حاجَةً، فتوجّه إلى
المدينة ولَحِقَه أصحابه فقالوا : أَقُمتَ ولم نَشعُر؟ قال : همّت يهودُ بالغدر فأخبرنى
الله بذلك فقمتُ (٣).
(١) النويرى ج ١٧ ص ١٣٤
(٢) مغازى الواقدى ص ٣٦٣، والنويرى ج ١٧ ص ١٣٧
(٣) النویری ج ١٧ ص ١٣٨

٥٤
وبعث إليهم رسول الله، وَلّ محمّدَ بن مَسلَمة أن اخرجوا من بلدى فلا
تُساكنونى بها وقد هَممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجّلتُكم عشرًا، فمن رُئِىّ
بعد ذلك ضَرَبتُ عُنقَه ، فمكثوا على ذلك أيّامًا يَتَجَهّزون وأرسلوا إلى ظَهَرٍ لهم
بذى الجَدْر وتكارَوا من ناس من أشجَع إِبلًا ، فأرسلَ إليهم ابن أَتَىّ : لا تخرجوا
من دياركم وأقيموا فى حِصنكم فإنّ معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب
يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتُمدّكم قُرَيظةُ وخلفاؤكم من
غَطَفَان (١) .
فطمع حُبِىّ فيما قال ابن أبيّ فأرسلَ إلى رسول الله، وَله: إنّا لا نخرج من
ديارنا فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله، وَّله، التكبيرَ وكَبّرَ المسلمون لتكبيره
وقال: حاربت يهود، فصار إليهم النبىّ، وَلَه، فى أصحابه فصلَّى العصرَ بفَضاء
بنى النضير وعلىّ ، رضى الله عنه ، يحمل رايته ، واستخلفَ على المدينة ابن أمّ
مكتوم ، فلمّا رأوا رسول الله، وَّر، قاموا على حصونهم معهم النبلُ والحجارة
واعتزلتهم قُرَيظة فلم تُعِنْهُمْ ، وخَذَلهم ابن أَتَىّ وحلفاؤهم من غَطَفان فأيِسوا من
نَصرهم، فحاصَرهم رسول الله، وَّر، وَقَطَع نَخلهم فقالوا: نحن نخرج عن
بلادك، فقال : لا أقبله اليومَ ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل
إِلّ الحلّقَة (٢). فنزلوا يهود على ذلك (٣).
وكان حاصَرهم خمسةَ عشرَ يومًا ، فكانوا يُخربون بيوتهم بأيديهم ، ثمّ
أجلاهم عن المدينة وولّى إخراجهم محمّدَ بن مَسْلمَة، وحملوا النساء والصبيان
وتحمّلوا على ستّمائة بعير، فقال رسول الله، وَالر: هؤلاء فى قومهم بمنزلة بنى
المغيرة فى قريش ، فلحقوا بخَيْبَر وحَزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا، وقَبَض رسول
الله، وَيّ، الأموال والحلقة فوجَد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة
وثلاثمائة سيف وأربعين سيفًا. وكانت بنو النَّضير صفيًّا (٤) لرسول الله، ومَّ ،
(١) الخبر لدى الواقدى فى المغازى ج ١ ص ٣٦٧
(٢) الحلقة - بالتسكين - الدروع . وقيل : السلاح كله ، وهو المراد هنا .
(٣) الخبر لدی النویری ج ١٧ ص ١٣٩
(٤) صفيا : أى مختارة .

٥٥
خالصةً له حُبسًا (١) لنوائبه ولم يخمّسها ولم يُسهِم منها لأحد ، وقد أعطى ناسًا
من أصحابه ووسّع فى النّاس منها ، فكان ممّن أعطى ممّن سمّى لنا من المهاجرين
أبو بكر الصّديق بئرَ حجر ، وعمر بن الخطّاب بر جرم ، وعبد الرحمن بن عوف
سوالة ، وصُهيب بن سِنان الضَّرَّاطة ، والزّبير بن العوام وأبو سَلَمة بن عبد الأسد
البُويلة (٢)، وسهل بن حُنيف وأبو دُجانة مالًا يقال له مال ابن خَرَشَة (٣).
أخبرنا محمّد بن حرب المكّى وهاشم بن القاسم الكنانى قالا: أخبرنا اللَّيْث
ابن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله، وَلَه، حرّق نخل
النضير، وهى البُوَيرة، فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ أَوْ تَكْتُهَا
قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [ سورة الحشر : ٥ ] .
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن: أنّ النبيّ، وَهِ، لَّا أَجْلَى
بنى النَّضير قال : امضوا فإن هذا أوّل الحشر وأنا على الأثَر (٤).
*
غزوة رسول الله، وَِّ، بَدَرَ المَوْعِدِ (٥)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلَه، بَدْرَ المؤعد وهى غير بدر القتال وكانت لهلال
ذى القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرًا من مُهَاجَره .
قالوا : لمّ أراد أبو سُفيان بن حرب أن ينصرف يوم أَحُد نادى : الموعدُ بيننا
وبينكم بَدرُ الصّفراء رأس الحول نلتقى بها فنقتتل. فقال رسول الله، وَخير، العمر
(١) حبسا : وقفا .
(٢) البويلة: مكان معروف بين المدينة وبين تيماء من جهة الغرب ويقال لها أيضا: ((البويرة))
( شرح المواهب اللدنية ج ٢ ص ٩٩ ) .
وقال ياقوت فى (النضير): (( لم أرَ أحدا من أهل السير ذكر أسماء بنى النضير فبحثت فوجدت
منازلهم التى غزاهم النبى ◌َلَّ تسمى وادى بطحان والبويرة .
(٣) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٣٩ نقلا عن ابن سعد .
(٤) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٤٠ نقلا عن ابن سعد .
(٥) مغازى الواقدى ص ٣٨٤، والنويرى ج ١٧ ص ١٥٤

٥٦
ابن الخطّاب: قُلْ نَعَمْ إن شاء الله . فافترق النّاس على ذلك ثمّ رجعَت قريش
فخبّروا مَن قبَلَهم بالموعد وتَهَيُّوا للخروج .
فلمّا دَنَا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدِم نُعيم بن مسعود الأشْجَعى مكّةً
فقال له أبو سفيان : إنّى قد واعدتُ محمّدًا وأصحابه أن نلتقى ببدر ، وقد جاء
ذلك الوقت ، وهذا عَامٌ جَدْبٌ وإنّما يُصلحنا عامٌ خِصْبٌ غَيدَاق (١) وأكره أن
يخرج محمّد ولا أخرج فيجترى علينا فنجعل لك عشرين فريضةً يضمَنها لك
سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينةَ فتُخَذّل أصحابَ محمّد ، قال : نعم . ففعلوا
وحملوه على بعير فأسرعَ السّيرَ فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبى سفيان لهم وما معه
من العُدّة والسّلاح. فقال رسول الله، وَّ: والذى نفسى بيده لأخرجنّ وإنْ لم
يخرج معى أحدٌ ! فتَصَر الله المسلمين وأذْهبَ عنهم الرُعبَ . فاستخلَفَ رسول
الله، وَّل، على المدينة عبد الله بن رواحة وحمل لواءه علىّ بن أبى طالب وسار
فى المسلمين ، وهم ألف وخمسمائة ، وكانت الخيل عشرة أفراس ، وخرجوا
ببضائع لهم وتجارات ، وكانت بدر الصفراء مجتمعًا يجتمع فيه العرب وسُوقًا تقوم
الهلال ذى القعدة إلى ثمانٍ تخلو منه ثمّ يتفرّق النّاس إلى بلادهم (٢).
فانتهوا إلى بدرٍ ليلةَ هلال ذى القعدة وقامت السوق صبيحةً الهلال فأقاموا بها
ثمانية أيّام وباعوا ما خَرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهمًا وانصرفوا ، وقد
سمع النّاس بسيرهم ، وخَرج أبو سفيان بن حرب من مكّة فى قريش وهم ألفان
ومعهم خمسون فَرَسًا حتى انتهوا إلى مَجَنّة ، وهى مَرّ الظهران ، ثمّ قال : ارجعوا
فإنّه لا يُصلحنا إلاّ عام خصْبٌ غَيداقٌ نرعى فيه الشجرَ ونشرب فيه اللبنَ، وإنّ
عامكم هذا عامٌ جَدبٌ فإنّى راجع فارجعوا . فسمّى أهل مكّة ذلك الجيشَ جيشَ
السّويق ، يقولون : خرجوا يشربون السويق . وقدم مَعبَد بن أبى معبد الخُراعى مكّة
بخبر رسول الله ، وَّ، وموافاته بدرًا فى أصحابه فقال صَفوان بن أَميّة لأبى
سفيان : قد نهيتك يومئذٍ أن تَعدّ القومَ وقد اجترءوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم ثمّ
أخذوا فى الكيد والنّفَقة والتّهيّؤْ لغزوة الخندق (٣) ..
(١) غيداق : مخصب .
(٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٥٤ نقلا عن ابن سعد .
(٣) النويرى ج ١٧ ص ١٥٥ نقلا عن ابن سعد

٥٧
أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ [ سورة آل عمران: ١٧٣]، قال هذا أبو سفيان ، قال يوم
أُحُد: يا محمّد موعدُكم بدرٌ حيث قتلتم أصحابنا! فقال محمّد، وَلّ: عسى!
فانطلق النبيّ، وَّةٍ، لموعده حتى نزلوا بدرًا فوافقوا السوقَ ، فذلك قول الله تبارك
وتعالى: ﴿ فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضِّلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ [ سورة آل عمران:
١٧٤] . والفضل ما أصابوا من التجارةَ ، وهى غزوة بدر الصغرى .
غزوة رسول الله، وَّ، ذات الرّقاع (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَّةٍ، ذات الرّقاع فى المحرّم على رأس سبعة وأربعين
شهرًا من مُهاجَره ، قالوا : قدم قادمٌ المدينةَ بجلَبٍ (٢) له فأخبر أصحاب رسول
الله، وَيّ، أن أنمارًا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموعَ: فبلغ ذلك رسول الله، ومَه،
فاستخلف على المدينة عثمان بن عقّان وخرجَ ليلةَ السبت لعشرٍ خَلَون من المحرّم فى
أربعمائة من أصحابه ، ويقال سبعمائة . فمضى حتى أتى محالّهم بذات الرّقاع ،
وهو جبل فيه بُقَعُ حُمْرَةٍ وسَوادٍ وبَيَاضِ قريبٌ من النخيل بين السّعد والشّقرة ، فلم
يجد فى محالّهم أحدًا إلّ نسوة فأخذهنّ وفيهنّ جارية وَضِيئة، وهربت الأعراب
إلى رءوس الجبال ، وحضرت الصّلاةُ فخاف المسلمون أن يُغيروا عليهم فصلّى
رسول الله، وَّه، صلاةَ الخوف فكان ذلك أوّلَ ما صلاَّها (٣).
وانصرفَ رسول الله، وَلَه، راجعًا إلى المدينة فابتاعَ من جابر بن عبد الله فى
(١) مغازى الواقدى ص ٣٩٥، والنويرى ج ١٧ ص ١٥٨، ولدى الواقدى: سمِّيت ذات
الرقاع لأنه جبل فيه بقع حمر وسواد وبياض . زاد السهيلى على ذلك فقال: سميت ذات الرقاع لأنهم
رقعوا فيها راياتهم ، ويقال ذات الرقاع : شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع .
(٢) الجلب : ماجلب من خيل وإبل ومتاع .
(٣) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٥٨ نقلا عن ابن سعد

٥٨
سَفَره ذلك جَمَلَهُ بأوقيّة وشرط له ظَهرَه إلى المدينة وسأله عن دَيْن أبيه وأخبرَه به ،
فاستغفرَ له رسول الله، وَ﴾، فى تلك اللّيلة خمسًا وعشرينَ مرّةً وبعث رسول
الله، وَّ، جُعَال بن سُرَاقة بشيرًا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم
صرارًا يوم الأحد لخمس ليالٍ بقين من المحرّم ، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة ،
وهى بئر جاهليّةٌ على طريق العراق ، وغاب خمسَ عشرة ليلة .
أخبرنا عقّان بن مُسلم ، أخبرنا أبان بن یزید وحدّثنی یحتی بن أبی کثیر عن
أبى سَلمَة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله، وَله ،
حتى إذا كُنّا بذات الرّقاع كنّا إذا أتينا على شجرةٍ ظَليلةٍ تركناها لرسول الله ،
وَلَه، قال: فجاء رجلٌ من المشركين وسيف رسول الله، وَّل، مُعَلّق بشجرة
فأخذه فاختَرَطه وقال لرسول الله، وَله: أتخافنى؟ قال: لا. قال : فمن يمنعك
متّى؟ قال: الله يمنعنى منك! قال: فتهدّده أصحاب رسول الله، وَلَه، فأغمدَ
السيفَ وعلّقه. قال: فنُودى بالصّلاة . قال: فصلَّى بطائفة ركعتين ثمّ تأخّروا .
وصلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله، وَّله، أربع ركعات والقوم
ركعتان .
غزوة رسول الله، وَّ، دُومةَ الجَنَّدَل (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وََّ، دُومَةَ الجندَل فى شهر ربيع الأوّل على رأس تسعة
وأربعين شهرًا من مُهَاجَره. قالوا: بلَغ رسولَ الله، وَّهِ، أنّ بدومة الجندل جمعًا
كثيرًا وأنّهُم يظلمون من مَرَّ بهم من الضّافطة (٢) وأنّهم يريدون أن يدنوا من
المدينة، وهى طَرَف من أفواه الشأم بينها وبين دمشق خمس ليالٍ ، وبينها وبين
المدينة خمس عشرة أو ستّ عشرة ليلةً، فندب رسول الله، وَّ، النّاسَ
(١) مغازى الواقدى ص ٤٠٢
(٢) مفردها : ضافط ، وهو الذى يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكارِى الذى يُكْرِى
الأحمال، وكانوا يومئذ قوما من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما
( النهاية ) .

٥٩
واستخلف على المدينة سباعَ بن عُرْفُطة الغِفَارى وخرج لخمس ليالٍ بقين من شهر
ربيع الأوّل فى ألف من المسلمين فكان يَسير اللّيل ويكمن النهار، ومعه دليلٌ له من
بنى عُذرة يُقال له مذكور ، فلمّا دَنَا منهم إذا هم مُغَرّبون، وإذا آثار النَّعم (١)
والشاء فهجم على ماشيتهم ورُعاتهم فأصاب من أصاب وهرب مَن هَرب فى كلّ
وجه ، وجاء الخبرُ أهلَ دُومة فتفرَّقوا ونزل رسول الله، وَله، بساحتهم فلم يجد
بها أحدًا فأقام بها أيّامًا وبثّ السرايا وفرّقها فرجعت ولم تُصِبْ منهم أحدًا، وأُخذَ
منهم رجل فسأله رسول الله، وَجّه، عنهم فقال: هربوا حيث سمعوا أنّك أخذتَ
نَعَمهم، فعرَض عليه الإسلام فأسلَم ورجَعَ رسول الله، وَلَه، إلى المدينة ولم يلق
كيدًا لعشرٍ ليالٍ بقين من شهر ربيع الآخر . وفى هذه الغزاة وَادَع رسول الله ،
وَلَه ، عُيَينة بن حصن أن يرعى بتَغْلَمَين وما والاه إلى المَرَاضِ، وكان ما هناكَ قد
أخصبَ وبلاد عُيينة قد أجدبت ، وتغلمين من المَرَاضِ على ميلين ، والمراض على
ستّة وثلاثين ميلاً من المدينة على طريق الرّبذة .
غزوة رسول الله، وَّ، المُرَيْسِيعِ (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، وَّ، المريسيع فى شعبان سنة خمس من مُهَاجَره .
قالوا : إنّ بَلِمُصْطَلِقٍ من خُزاعة ، وهم من حلفاء بنى مُدْلج وكانوا ينزلون
على بئر لهم يُقال لها المُرَيْسِيع ، بينها وبين الفُرْع نحو من يوم ، وبين الفُرْع والمدينة
ثمانية بُد ، وكان رأسهم وسيّدهم الحارث بن أبى ضرار فسار فى قومه ومَن قَدَر
عليه من العرب فدَعَاهم إلى حرب رسول الله وَله، فأجابوه وتَهَيَُّوا للمَسِير معه
إليه ، فبلغ ذلك رسولَ الله، وَلَ، فبعثَ بُريدةَ بن الحُصيب الأسْلَمى يعلم علم
ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه ورَجَع إلى رسول الله، وَّ ،
فأخبره خبرهم فندب رسول الله، وَّةِ، الناسَ إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا
(١) المراد بالنعم هنا الإبل .
(٢) مغازى الواقدى ص ٤٠٤، والنويرى ج ١٧ ص ١٦٤

٦٠
الخيول وهى ثلاثون فرسًا فى المهاجرين منها عشرة ، وفى الأنصار عشرون ، وخرج
معه بَشَرٌ كثيرٌ من المنافقين لم يخرجوا فى غزاة قطّ مثلها ، واستخلف على المدينة
زيد بن حارثة (١) .
وكان معه فَرَسان لِزاز والظّرِب . وخرج يوم الاثنين لليلتين خَلَتا من شعبان.
وبلَغ الحارث بن أبى ضرّار ومَن معه مَسِير رسول الله، وَّهَ، وأَنّه قد قَتَلَ عَينَه
الذى كان وجّهه ليأتيه بخبر رسول الله، وَلَّه، فسىء بذلك الحارث ومَن معه
وخافوا خوفًا شديدًا وتفرّق عنهم مَن كان معهم من العرب ، وانتهى رسول الله ،
وَله، إلى المريسيع وهو الماء فنزل به وضرب قُتَه (٢)، ومعه عائشة وأمّ سَلَمة،
فتهيئوا للقتال وصفّ رسول الله، وَّله، أصحابه ودَفَع راية المهاجرين إلى أبى بكر
الصّدّيق ، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ، فرموا بالنبل ساعةً ثم أمر رسول الله ،
وَلَه، أصحابَه فحَمَلُوا حَمْلَةَ رجلٍ واحدٍ ، فما أَفْلَتَ منهم إنسانٌ وقُتل عشرة
منهم وأَسر سائرهم وَسبَى رسول الله، وَّهِ، الرجالَ والنساء والذرّة والنَّعَم
والشاءَ ولم يُقْتَلْ منَ المسلمين إلّ رجلٌ واحدٌ ، وكان ابن عمر يحدّث أن النبىّ ،
وَ له، أغارَ عليهم وهم غارّونِ ونَعَمُهم تُسقَى على الماءِ فَقَتل مُقَاتلتَهم وسَبَى
ذراريّهم ، والأوّل أثبت ، وأمر بالأسارى فكُتفوا واستعمل عليهم بريدة بن
الحُصيب وأمر بالغنائم فُجُمِعَت واستعمل عليها شُقرانَ مولاه، وجمع الذّريّة ناحيةً
واستعمل على مقسم الخُمس وسُهمان المسلمين مَحميَةً بن جزء ، واقتُسم السبى
وفُرَق وصار فى أيدى الرجال ، وقسم النعم والشاء فعدلت الجزُّور بعشر من الغَنم
وبيعت الرِّثَّةَ (٣) من يزيد (٤)، وأَسهم للفَرَسِ سهمانٍ ولصاحبه سهم وللراجل
سهم ، وكانت الإبل ألفئ بعير والشاء خمسة آلاف شاة ، وكان السبى مائتى أهل
بيت وصارت جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار فى سهم ثابت بن قيس بن
(١) النويري ج ١٧ ص ١٦٤
(٢) فى الأصول ((وهو الماء فاضطرب عليه قبته)) وقد اتبعت ماورد لدى النويرى وهو ينقل عن
ابن سعد .
(٣) الرثة : ردئ المتاع وأسقاط البيت من الخلقان .
(٤) كذا فى ل، م. ولدى الواقدى ((يُريد)) ومثله لدى النويرى وكذا الصالحى ج ٤ ص ٤٨٩