Indexed OCR Text
Pages 721-740
٧٢٠ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي الحديث: حفظ عهد الإخوان والأصحاب والقيام بمصالح أهلهم بعد وفاتهم. والنّبيّ ◌َِّه كانَ يجبرُ قلب أمِّ سليم بزيارتها، ويعلّلُ ذلكَ بأنَّ أخاها قتلَ معهُ، ففيهِ أنّهُ خلفهُ في أهلهِ بخيرٍ بعدَ وفاتِهِ، وذلكَ منْ حسنٍ عهدِ وََّ(١). ومن شفقته ◌َّ عليهنَّ أنه كان يراجع بعض أزواجهن فيما يهمّهنَّ من الأمور: عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: دخلتْ عليَّ خويلةٌ بنتُ حكيمٍ، وكانتْ عندَ عثمانَ بنِ مظعونٍ. فرأى رسولُ الله ◌َّه بِذاذةَ هيئتها (٢)، فقالَ لي: ((يا عائشةُ ما أبدَّ هيئةَ خويلةً)). فقلتُ: يا رسولَ الله امرأةٌ لا زوجَ لها، يصومُ النّهارَ، ويقومُ اللّيلَ، فهيَ كمنْ لا زوجَ لها، فتركتْ نفسها وأضاعتها. فبعثَ رسولُ اللهِ وَّه إلى عثمانَ بنِ مظعونٍ، فجاءهُ. فقالَ: ((يا عثمانُ، أرغبةً عنْ سنّتي؟!». فقالَ: لا والله يا رسولَ الله، ولكنْ سنّتَكَ أطلبُ. قالَ: ((فإنّ أنامُ وأصلّي، وأصومُ وأفطرُ، وأنكحُ النّساء، فاتّقِ اللهَ يا عثمانُ، فإنَّ لأهلكَ عليكَ حقّاً، وإنَّ لضيفكَ عليكَ حقّاً، وإنَّ لنفسكَ عليكَ حقّاً، فصمْ وأفطرْ، وصلِّ ونمْ)(٣). ((فإنَّ لأهلك عليك حقّاً)): قالَ الخطّابِيُّ: يريد أنّهُ إذا أذابَ نفسه وجهدها ضعفتْ قوّته، فلمْ يستطعْ قضاءَ حاجةِ أهله. ((وإنَّ لضيفك عليك حقّاً)): فيهِ دليل على أنَّ المتطوّع بالصّومِ إذا أضافهُ ضيفٌ كانَ المستحبّ لهُ أنْ يفطر، ويأكل معهُ؛ لينبسط بذلكَ منهُ، ويزيد في محبّته لمواكلتِهِ إِيّاهُ، وذلكَ نوع منْ إكرامه)»(٤). (١) فتح الباري [٨ / ٤٦١]. (٢) البذاذة رثاثة الهيئة. يقالُ: بذُّ الهيئة وباذّ الهيئةِ: أيْ رتُّ اللّبسة. النهاية [١/ ١١٠]. (٣) رواه أبو داود [١٣٦٩]، وأحمد [٢٥٧٧٦]، واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٤٦]. (٤) عون المعبود [١٧٠/٤]. ٧٢١ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة وكان يحفظ المعروف لأهله منهن ويراعیه: عن عمران بن حصينٍ رَ عَنهُ قالَ: كنّا في سفرٍ معَ النّبِّوَّةِ، وإنّا أسرينا(١) حتّى كنّا في آخرِ اللّيلِ وقعنا وقعةً، ولا وقعةَ أحلى عندَ المسافرِ منها. فما أيقظنا إلّا حرُّ الشّمسِ، وكانَ أوّلَ منْ استيقظَ منّا أبو بكرٍ، ثمَّ فلانٌ، ثمَّ فلانٌ، ثمَّ عمرُ بنُ الخطّابِ الرّابعُ. وكانَ النّبِيُّ وَّه إذا نامَ لمْ يوقظْ حتّى يكونَ هوَ يستيقظُ، لأنّا لا ندري ما يحدثُ لهُ في نومهِ(٢). فلما استيقظَ عمرُ ورأى ما أصابَ النّاسَ، وكانَ رجلاً جليداً أجوف(٣). فكبَّ ورفعَ صوتهُ بالتّكبيرِ، فما زالَ يكبّرُ ويرفعُ صوتهُ بالتّكبيرِ حتّى استيقظَ بصوتِهِ النّبِيُّ ◌َِّ. فلمّا استيقظَ شكوا إليهِ الّذي أصابهمْ، قالَ: ((لا ضيرَ، ارتحلوا))(٤). فارتحلَ، فسارَ غيرَ بعيدٍ، ثمَّ نزلَ، فدعا بالوضوءِ، فتوضّاً، ونودي بالصّلاةِ، فصلّی بالنّاس. فلمّا انفتلَ منْ صلاتِهِ إذا هوَ برجلٍ معتزلٍ لمْ يصلِّ معَ القومِ، قالَ: ((ما منعكَ يا فلانُ أنْ تصلَّ معَ القومِ؟». قالَ: أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ. قالَ: ((عليكَ بالصّعيدِ، فإنّهُ يكفيكَ)). (١) السرّى سير عامّة اللّيل. (٢) كانوا يمتنعونَ منْ إيقاظه ◌ِِّ؛ لما كانوا يتوقّعونَ منَ الإيحاء إليهِ في المنام، فكانوا يخافونَ منْ إيقاظه قطعَ الوحي فلا يوقظونهُ لاحتمالِ ذلكَ. (٣) الجليد: القويّ، وأجوف أيْ رفيع الصّوت، يخرج صوته منْ جوفه بقوّةٍ. (٤) وفيهِ: تأنيسِ لقلوبِ الصّحابة لما عرضَ لهمْ منْ الأسف على فواتِ الصّلاة في وقتها بأنهّمْ لا حرج عليهمْ إِذْ لَم يتعمّدوا ذلكَ. ٧٢٢ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ سارَ النّبِيُّ ◌ََّ، فاشتكى إليهِ النّاسُ منَ العطشِ، فنزلَ، فدعا فلاناً(١) ودعا عليّاً، فقالَ: اذهبا فابتغيا الماءَ. فبينما نحنُ نسيرُ إذا نحنُ بامرأةٍ سادلةٍ رجليها بينَ مزادتينٍ(٢) منْ ماءٍ على بعيرٍ لها. فقلنا لها: أينَ الماءُ. قالتْ: أيهاْ أيهاهُ(٣)، لا ماءَ لكمْ. قلنا: فكمْ بينَ أهلكِ وبينَ الماءِ. قالتْ: مسيرةُ يومٍ وليلةٍ. قالا لها: انطلقي إذاً. قالتْ: إلى أينَ. قالا: إلی رسولِ الله ﴾آل﴾. قالتْ: الّذي يقالُ لهُ الصّابیُّ. قالا: هوَ الّذي تعنينَ، فانطلقي. فجاءا بها إلى النّبِيِّ ◌َّهِ وحدّثاهُ الحديثَ، فأخبرتهُ مثلَ الّذي أخبرتنا، وأخبرتهُ أنّها موتمةٌ لها صبيانٌ أيتامٌ. قالَ: فاستنزلوها عنْ بعيرها، ودعا النّبِيُّ ◌َّ بإناءٍ، ففرّغَ فيهِ منْ أفواهِ المزادتينِ، وأوكاً أفواههما، وأطلقَ العزاليَ (٤). ونوديَ في النّاسِ: اسقوا، واستقوا. (١) هو عمران بن حصين. (٢) المزادة معروفة وهيَ أكبر منَ القربة. (٣) هوَ بمعنى هيهاتَ هيهاتَ، ومعناهُ البعد منَ المطلوب واليأس منهُ، كما قالتْ بعده: لا ماء لكمْ، أيْ: ليس لكمْ ماء حاضر ولا قريب. (٤) العزالي جمع عزلاء وهيَ مصبُّ الماء منْ الرّاوية، ولكلِّ مزادة عزالانٍ منْ أسفلها. ٧٢٣ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة فشربنا ونحنُ أربعونَ رجلاً عطاشٌ حتّى روينا، وملأنا كلَّ قربةٍ معنا وإداوةٍ، غيرَ أنّا لمْ نسِقِ بعيراً، وهيَ تكادُ تنضرجُ(١) منَ الماءِ يعني المزادتين. وكانَ آخرُ ذاكَ أنْ أعطى الّذي أصابتهُ الجنابةُ إناءً منْ ماءٍ، قال: ((اذهبْ فأفرغهُ عليكَ)). وهيَ قائمةٌ تنظرُ إلى ما يفعلُ بمائها. وايمُ الله لقدْ أقلعَ عنها، وإنّهُ ليخيّلُ إلينا أنّها أشدُّ ملأَةً منها حينَ ابتدأَ فيها. فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((اجمعوا لها)). فجمعوا لها منْ بينِ عجوةٍ، ودقيقةٍ، وسويقةٍ، حتّى جمعوا لها طعاماً كثيراً، فجعلوها في ثوبٍ، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثّوبَ بينَ یدیها. قالَ لها: «اذهبي فأطعمي هذا عيالكِ، واعلمي أنّا لمْ نرزأْ منْ مائكِ شيئاً، [أيْ لمْ ننقص منْ مائك شيئاً]، ولكنَّ الله هوَ الّذي أسقانا)). فأتتْ أهلها، وقدْ احتبستْ عنهمْ، قالوا: ما حبسكِ یا فلانةُ. قالتْ: العجبُ، لقيني رجلانٍ، فذهبا بي إلى هذا الّذي يقالُ لهُ الصّابيُّ، ففعلَ كذا وكذا، فوالله إنّهُ لأسحرُ النّاسِ منْ بينِ هذهِ وهذهِ، وقالتْ بإصبعيها الوسطى والسّابةِ، فرفعتهما إلى السّماءِ تعني السّماءَ والأرضَ، أَوْ إنّهُ لرسولُ الله حقّاً. فكانَ المسلمونَ بعدَ ذلكَ يغيرونَ على منَ حولها منْ المشركينَ، ولا يصيبونَ الصّرمَ الّذي هيَ منهُ(٢). فقالتْ يوماً لقومها: ما أرى أنَّ هؤلاءِ القومَ يدعونكمْ عمداً، فهلْ لكمْ في الإسلامِ؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلامِ))(٣). (١) أيْ: تنشقّ لكثرة امتلائها. (٢) الصّم: أبيات مجتمعة منَ النّاس. (٣) رواه البخاري [٣٤٤] واللفظ له، ومسلم [٦٨٢]. ٧٢٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد حفظ النبي وَّ لهذه المرأة المعروف الذي قدّمتهُ لهم، فراعى ذلك فيها، فقدّم لها طعاماً كثيراً، وراعى ذلك في قومها أيضاً حفظاً لمعروفها. قال العيني: ((حفظ النبي ◌َّ- هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذمامها))(١). من فوائد الحديث: فيه: أن من فاتته صلاة فإنه يؤدّيها إذا ذكرها، ولو بعد خروج وقتها. وفيهِ: أن الحاجة إلى الماء إذا اشتدّتْ أخذ حيث وجد ويعوض صاحبه منه، كما عوّضتِ المرأةُ. وفيهِ: من دلائل النبوة ومعجزات الرسول عليه أن توضأ أهل الجيش، وشربوا، واغتسل من كان جنباً مما سقط من العزالى، وبقيت المزادتان مملوءتين. وفيهِ: مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به كما حفظ النبي وَّل هذه المرأة في قومها وبلادها. فراعى في قومها ذمامها، وإن كانت من صميمهم، فهي من أدناهم، وكان ترك الغارة على قومها سبباً لإسلامها، وإسلامهم وسعادتهم. وفيهِ: بيانُ مقدار الانتفاع بالاستئلاف على الإسلام؛ لأن قعودهم عن الغارة على قومها كان استئلافاً لهم، فعلم القوم قدر ذلك، وبادروا إلى الإسلام؛ رعاية لذلك الحقِّ.(٢) وإذا رأى إحداهنَّ على خطأ أنكر عليها برفق ولينٍ: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رََّنُ قالَ: مَرَّ النّبِيُّ ◌َّهِ بامرأةٍ تبكي عندَ قبرٍ على صبيّ لها، فقالَ: ((اتّقي اللهَ واصبري)). قالتْ: إليكَ عنّي، فإنّكَ لمْ تصبْ بمصيبتي، ولَمْ تعرفهُ. (١) عمدة القاري [٣٢/٤]. (٢) شرح صحيح البخارى [١/ ٤٨٧] لابن بطال. ٧٢٥ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة فقيلَ لها: إنّهُ النّبِيُّ ◌ََّ، فأخذها مثل الموت(١). فأتتْ بَابَ النّبِّ وََّ فلمْ تجدْ عندهُ بوّابينَ. فقالتْ: لمْ أعرفكَ. فقالَ: ((إنّما الصّبرُ عندَ الصّدمةِ الأولى))(٢). والمعنى: أنَّ الصّبر الّذي يحمد عليهِ صاحبه ما كانَ عند مفاجأة المصيبة، بخلافٍ ما بعد ذلكَ، فإنّهُ على الأيّام يسلو. وفائدة جواب المرأة بذلكَ: أنّها لمّا جاءتْ طائعة لما أمرها بهِ منَ التّقوى والصّبر معتذرة عنْ قولها الصّادر عنِ الحزن بيّنَ لها أنَّ حقّ هذا الصّبر أنْ يكون في أوّل الحال، فهوَ الّذي يترتّب عليهِ الثّواب(٣). ((اتّقي اللهَ واصبري)) الظاهر أن بكاءها كان زائدا عن الحدِّ، أو وقعت في النياحة؛ لأن البکاء العادي ليس بمنكر. وجواب النبي ◌ّ لها من الأسلوب الحكيم، وهو تلقّي السائل بغير ما يتطلّبُ بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأهمُّ، والأولى بالسؤال (٤). كأنه يقول لها: دعي الاعتذار فإني لا أغضب لنفسي، إنما أغضب لله، والتفتي إلى ما هو أهم من ذلك. من فوائد الحديث: فيهِ: ما كانَ فِيهِ وَجَ﴿ مِنَ التّواضع، والرّفق بالجاهلِ، ومسامحة المصاب، وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروفِ، والنّهي عنِ المنكر معَ كلّ أحد. (١) أيْ: منْ شدّة الكرب الّذي أصابها لَّا عرفتْ أنّهُ وَّ خجلاً منهُ ومهابة. (٢) رواه البخاري [١٢٨٣]، ومسلم [٩٢٦]. (٣) فتح الباري [١٥٠/٣]. (٤) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة [٢/ ١١٠]. ٧٢٦ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: أنَّ القاضي لا ينبغي لهُ أنْ يتّخذَ منْ يحجبهُ عنْ حوائجِ النّاسِ. وفيهِ: أنَّ منْ أمَرَ بمعروفٍ ينبغي لهُ أنْ يقبلَ، ولوْ لمْ يعرفِ الآمرَ. وفيهِ: أنَّ الجزعَ منَ المنهيّاتِ؛ لأمرهِ لها بالتّقوى مقروناً بالصّبِرِ. وفيهِ: التّرغيبُ في احتمالِ الأذى عندَ بذلِ النّصيحةِ، ونشرِ الموعظةِ (١). ونهى وَّه الرجال عن ضربهنَّ: فعنْ إياسِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي ذبابٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا تضربوا إماءَ الله)). فجاءَ عمرُ إلى رسولِ اللهِ وَّه فقالَ: ذئرنَ النّساءُ على أزواجهنَّ(٢). فرخّصَ في ضربهنَّ(٣). فأطافَ بآلِ رسولِ اللهِ وَّه نساءٌ كثيرٌ يشكونَ أزواجهنَّ. فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((لقدْ طافَ بآلٍ محمّدٍ نساءٌ كثيرٌ يشكونَ أزواجهنَّ، ليسَ أولئكَ بخیارکمْ))(٤). أي: ليسَ أولئكَ الرّجال الّذي يضربونَ نساءهمْ بخياركمْ. بلْ خياركمْ منْ لا یضربهنَّ، ویتحمّل عنهنَّ. فالتّحمّل والصّبر على سوء أخلاقهنَّ وترك الضّرب أفضل وأجمل(٥). وكان يأمر بالإحسان إلى من أذنبت فتابتْ منهنَّ: عنْ عمرانَ بنِ حصينٍ رَدْعَهُ أَنَّ امرأةً منْ جهينةَ أتتْ نبيَّ الله ◌َّ وهيَ حبلى منَ الزّنا، فقالتْ: يا نبيَّ الله أصبتُ حدّاً فأقمهُ عليَّ. (١) فتح الباري [١٥٠/٣]. (٢) أيْ نشزن عليهمْ واجترأنَ. النهاية [٢/ ١٥١]. (٣) أي: في الحدود المشروعة بحيث لا يكسر عظما، ولا يخضرّ جلداً، ولا يضرب في مقتل، مع تجنب الوجه .. الخ. (٤) رواه أبو داود [٢١٤٦]، وابن ماجه [١٩٨٥] وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٨٦٣]. (٥) عون المعبود [١٣٠/٦]. ٧٢٧ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة فدعا نبِيُّ اللهَ وَّه وليّها، فقالَ: ((أحسنْ إليها، فإذا وضعتْ فأتني بها)) ففعلَ. فَأَمَرَ بها نبيُّ الله ◌ََّ، فشكّتْ عليها ثيابها، ثمَّ أمرَ بها فرجمتْ، ثمَّ صلّى عليها. فقالَ لهُ عمرُ: تصلّ عليها يا نبيَّ الله وقدْ زنتْ. فقالَ: ((لقدْ تابتْ توبةً لوْ قسمتْ بينَ سبعينَ منْ أهلِ المدينةِ لوسعتهمْ، وهلْ وجدتَ توبةً أفضلَ منْ أنْ جادتْ بنفسها لله تعالى))(١). قوله وَّ لوليِّ الغامديّة: ((أحسنْ إليها، فإذا وضعتْ فائتني بها)) هذا الإحسان لهُ سببانِ: أحدهما: الخوفُ عليها منْ أقاربها أنْ تحملهمْ الغيرة، ولحوق العار بهمْ أنْ يؤذوها، فأوصى بالإحسانِ إليها تحذيراً لهمْ منْ ذلكَ. والثّاني: أمرَ بهِ رحمة لها إذْ قدْ تابتْ، وحرّضَ على الإحسان إليها لما في نفوس النّاس منَ النّفرة منْ مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلكَ، فنهى عنْ هذا كلّه(٢). وعنْ عائشةَ رَّ عنها في قصة المخزومية التي سرقت قالت عائشة رََّعَتها: فحسنتْ توبتها بعدُ، وتزوّجتْ، وكانتْ تأتيني بعدَ ذلكَ، فأرفعُ حاجتها إلى رسولِ الله ◌َِّ(٣). وفي رواية قالتْ: هل لي منْ توبة يا رسول الله؟ فقالَ: ((أنتِ اليومَ منْ خطيئتك كيومٍ ولدتك أمّك)) (٤). وكان يقبل منهنَّ الهدية: عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَنْهُ قالَ: تزوّجَ رسولُ الله ◌َّةِ، فدخلَ بأهلِهِ، فقالتْ لي أمُّ سليمٍ: لوْ أهدينا لرسولِ اللهِ وَ﴾ هديّةً. فقلتُ لها: افعلي. (١) رواه مسلم [١٦٩٦]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ٢٠٥]. (٣) رواه البخاري [٤٣٠٤] ومسلم [١٦٨٨]. (٤) رواه أحمد [٦٦١٩] عن عبد الله بن عمرو رَّ لَهُ عَنْقًا، وصحح إسناده أحمد شاكر، وضعفه شعيب الأرناؤوط. ٧٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعمدتْ إلى تمرٍ وسمنٍ وأقطٍ، فاتّخذتْ حيسةً، فجعلتهُ في تورِ (١). فقالتْ: يا أنسُ اذهبْ بهذا إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فقل: بعثتْ بهذا إليكَ أمّي، وهيَ تقرئكَ السّلامَ، وتقولُ: إنَّ هذا لكَ منّا قليلٌ يا رسولَ الله. فذهبتُ بها إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فقلتُ: إنَّ أمّ تقرئكَ السّلامَ، وتقولُ: إنَّ هذا لكَ منّا قليلٌ يا رسولَ الله. فقالَ: (ضعهُ)). ثُمَّ قالَ: ((اذهبْ فادعُ لي فلاناً، وفلاناً، وفلاناً، ومنْ لقيتَ))، وسمّى رجالاً. فدعوتُ منْ سمّى، ومنْ لقيتُ(٢). فرجعتُ فإذا البيتُ غاصُّ بأهلِهِ. وقالَ لي رسولُ اللهِوَله: ((يا أنسُ هاتِ الّورَ)). فرأيتُ النّبِيَّ وَّ وضعَ يديهِ على تلكَ الحيسةِ، وتكلّمَ بها ما شاءَ الله، ثمَّ جعلَ يدعو عشرةً عشرةً. فقالَ: ((ليتحلّقْ عشرةٌ عشرةٌ، وليأكلْ كلُّ إنسانٍ ممّا یلیهِ)). قالَ: فأكلوا حتّى شبعوا، قالَ فخرجتْ طائفةٌ، ودخلتْ طائفةٌ، حتّى أكلوا كلّهمْ. فقالَ لي: ((يا أنسُ ارفعْ)). قالَ: فرفعتُ، فما أدري حينَ وضعتُ كانَ أكثرَ أمْ حينَ رفعتُ(٣). وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسولِ اللهِ وَّه بتكثيرِ الطّعام(٤). وعنْ سهلِ رَّهُ أَنَّ امرأةً جاءتِ النّبِيَّ ◌َّ ببردةِ منسوجةٍ، فيها حاشيتها (٥). (١) التّور إناء مثل القدح. (٢) وكانوا زهاءَ ثلاثمائةٍ. (٣) رواه مسلم [١٤٢٨]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/ ٢٣٢]. (٥) حاشية الثّوب هدبه، فكأنّهُ قالَ إنهّا جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد. ٧٢٩ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة قالتْ: نسجتها بيدي، فجئتُ لأکسو کها. فأخذها النّبيُّ ◌َِّ محتاجاً إليها، فخرجَ إلينا وإنّها إزارهُ، فحسّنها فلانٌ، فقالَ: ((اكسنيها ما أحسنها)). فقالَ: نعمْ. فجلسَ ما شاءَ الله في المجلس، ثمَّ رجعَ، فطواها، ثمَّ أرسلَ بها إلیهِ. قالَ القومُ: ما أحسنتَ، لبسها النّبِيُّ ◌َّه محتاجاً إليها، ثمَّ سألتُهُ، وعلمتَ أنّهُ لا يردُّ سائلاً. قالَ: إنّي والله ما سألتهُ لألبسهُ، إنّما سألتهُ لتكونَ كفني. قالَ سهلٌ: فكانتْ كفنهُ(١). من فوائد الحدیث: فيه: حسنُ خلقِ النّبِيّ وَّهَ، وسعة جوده، وقبوله الهديّة. وفيهِ: جوازُ استحسانُ الإنسانِ ما يراهُ على غيره منَ الملابس وغيرها، إمّا لیعرّفهُ قدرها، وإمّا ليعرّض لهُ بطلبهِ منهُ حيثُ يسوغ لهُ ذلكَ. وفيهِ: مشروعيّة الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهراً، وإنْ لمْ يبلغ المنكر درجة التّحريم. وفيهِ: جوازُ إعداد الشّيء قبل وقت الحاجة إليهِ(٢). وربما دعتهُ بعض النساء إلى طعام، فیجیب دعوتها: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَهُأَنَّ أمّ سليمِ دعتْ رسولَ اللهَوَّ لطعامِ صنعتهُ لهُ، فأكلَ منهُ، ثمَّ قالَ: ((قوموا؛ فلأصلِّ لکمْ)). قالَ أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قدْ اسودَّ منْ طولٍ ما لبسَ، فنضحتهُ بماءٍ(٣). (١) رواه البخاري [١٢٧٧]. (٢) فتح الباري [١٤٤/٣]. (٣) اسوداده لطولِ زمنه وكثرة استعماله، وإنّما نضحهُ ليليَن فإنّهُ كانَ منْ جريد النّخل - كما صّرحَ بهِ في الرّواية الأخرى - ويذهب عنهُ الغبار ونحوه. ٧٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقامَ رسولُ الله ◌ٍَّ وصففتُ واليتيمَ وراءهُ(١)، والعجوزُ منْ ورائنا، فصلىّ لنا رسولُ الله ◌َ﴿ركعتينِ، ثمَّ انصرفَ(٢). من فوائد الحدیث: فيه: إجابةُ الدّعوة ولوْ لمْ تكنْ عرساً، ولوْ كانَ الدّاعي امرأةً، لكنْ حيثُ تؤمنُ الفتنة. وفيهِ: صلاةُ النّافلة جماعة في البيوت، وكأنّهُ وَّهِ أَرادَ تعليمهمْ أفعال الصّلاة بالمشاهدةِ لأجلِ المرأة؛ فإنّها قدْ يخفى عليها بعض التّفاصيل لبعدٍ موقفها. وفيهِ: تنظيفُ مكان المصلّى، وقيام الصّبيّ معَ الرّجل صفّاً، وتأخير النّساءِ عنْ صفوف الرّجال، وقيام المرأة صفّاً وحدها إذا لمْ يكنْ معها امرأة غيرها))(٣). و کان یزور المریضات منهنَّ: عن جابر بن عبد الله رَعَنْهَا: أنَّ رسولَ الله وَّه دخلَ على أمِّ السّائبِ، فقالَ: «ما لكِ یا أمَّ السّائبِ تزفزفينَ))(٤). قالتِ: الحمّى، لا باركَ الله فيها. فقالَ: ((لا تسبّ الحمّى، فإنّها تذهبُ خطايا بني آدمَ كما يذهبُ الكيرُ خبثَ الحديدِ))(٥). فإن الحديد إذا صهرَ على النار ذهب خبثه، وبقي صافياً، كذلك الحمى تفعل في الإنسان. وعنْ أمِّ العلاءِ قالتْ: عادني رسولُ الله ◌َّه وأنا مريضة، فقالَ: «أبشري يا أمَّ العلاءِ، فإنَّ مرضَ المسلمِ يذهبُ الله بهِ خطاياهُ، كما تذهبُ النّارُ خبثَ الذّهبِ والفضّةِ))(٦). (١) وهو ضميرة بن سعد الحمیريّ مولى رسول الله ێ۔ (٢) رواه البخاري [٣٨٠] ومسلم [٦٥٨]. (٣) فتح الباري [١/ ٤٩٠]. (٤) أي: ترعدينَ. النهاية [٣٠٥/٢]. (٥) رواه مسلم [٢٥٧٥]. (٦) رواه أبو داود [٣٠٩٢]، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [٧١٤]. ٧٣١ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة قالَ المنذريُّ: وأمّ العلاء هيَ عمّة حكيم بن حزام وكانتْ منَ المبايعات(١). وعنْ أبي أمامةَ بنِ سهلٍ قالَ: مرضتِ امرأةٌ منْ أهلِ العوالي، وكانَ النّبيُّ ◌َّ أحسنَ شيءٍ عيادةً للمريضِ، فقالَ: ((إذا ماتتْ فآذنوني)). فماتتْ ليلاً، فدفنوها، ولمْ يعلموا النّبِيَّ ◌َِّ، فلما أصبحَ سألَ عنها. فقالوا: كرهنا أنْ نوقظكَ يا رسولَ الله. فأتى قبرها، فصلّى عليها، وكبّرَ أربعاً(٢). قال ابن عبد البر: ((وفيه: إباحةُ عيادةِ النساءِ، وإن لم يكن ذوات محرم، ومحلَّ هذا عندي أن تكون المرأة متجالّة(٣)، وإن كانت غير متجالّة فلا، إلا أن يسأل عنها، ولا ينظر إليها)) (٤). وكان بعض النساء يطلبنَ منه الدعاء، فیجیب طلبهنَّ: عنْ أنسٍ رَّهُ قال: دخلَ النّبيُّ ◌ََّ على أمِّ سليمٍ فأتتهُ بتمرٍ وسمنٍ. فقالَ: أعيدوا سمنكمْ في سقائِهِ، وتمركمْ في وعائه، فإنّي صائمٌ. ثُمَّ قامَ إلى ناحيةٍ منْ البيتِ فصلّى غيرَ المكتوبةِ، فدعا لأمِّ سليمٍ وأهلِ بيتها. فقالتْ أمُّ سليمٍ: يا رسولَ الله إنَّ لي خويصّةً. قالَ: ما هيَ. قالتْ: خویدمك أنس، ادعُ الله لهُ. فما تركَ خيرَ آخرةٍ ولا دنيا إلّا دعالي بهِ، قالَ: «اللهمَّ ارزقهُ مالاً، وولداً، وباركْ لهُ فيهِ»(٥). (١) الترغيب والترهيب [١٤٨/٤]. (٢) رواه النسائي [١٩٠٧] وصححه الألباني في صحيح النسائي [١٩٨١]، وروى البخاري [٤٥٨]، ومسلم [٩٥٦] عن أبي هريرة نحوه، وقد سبق. (٣) أي: كبيرة. (٤) التمهيد [٢٥٥/٦]. (٥) وفي رواية عند ابن سعد في الطبقات [١٤/٧]: ((اللهمَّ أكثرْ مالهُ، وولدهُ، وأطلْ عمرهُ، واغفر ذنبه))، وصححها الحافظ في الفتح [٢٢٩/٤]. ٧٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أنس: فإنّي لمنْ أكثرِ الأنصارِ مالاً، وحدّثتني ابنتي أمينةُ أنّهُ دفنَ لصلبي مقدمَ حجّاجٍ البصرةَ بضعٌ وعشرونَ ومائةٌ(١). وقدْ عاشَ أنس بعد ذلكَ إلى سنة ثلاث وتسعينَ من الهجرة، وقدْ قاربَ المائةَ. وفي مسلم (٢٤٨١)): ((فدعا لي رسول الله وَلّه ثلاثَ دعوات قدْ رأيت منها اثنتينِ في الدّنيا، وأنا أرجو الثّالثة في الآخرة». وعن السّائب بن يزيد قال: ذهبتْ بي خالتي إلى النّبِيِّ وَِّ، فقالتْ: يا رسولَ الله إنَّ ابنَ أختي وجعٌ. فمسحَ رأسي ودعالي بالبركةِ، ثمَّ توضّأَ فشربتُ منْ وضوئِهِ. ثمَّ قمتُ خلفَ ظهرهِ فنظرتُ إلى خاتمِ النّبوّةِ بينَ كتفيهِ مثلَ زرِّ الحجلةِ(٢). والمراد بالحجلةِ الطّر، وعلى هذا فالمراد بزرّها بيضتها، ويؤيّدهُ أنَّ في حديث آخر ((مثل بيضة الحمامة))(٣). وكان يغيّرُ أسماء بعض النساء: عنْ ابنِ عمرَ أنَّ ابنةً لعمرَ كانتْ يقالُ لها: عاصيةٌ، فسمّاها رسولُ الله ◌َِّ جميلةَ(٤). وغيِّر اسم جثّامة المزنية إلى حسّانة - كما تقدم. قال النووي: «معنى هذهِ الأحاديث تغيير الاسم القبيح أوْ المكروه إلى حسن، وقدْ ثبتَ أحاديث بتغييرهِ وَّ أسماء جماعة كثيرينَ منَ الصّحابة)) (٥). وغير اسم برّة إلى زينب: فعنْ محمّدٍ بنِ عمرو بنِ عطاءٍ قالَ: سمّيتُ ابنتي برّةَ، فقالتْ (١) رواه البخاري [١٨٤٦]. (٢) رواه البخاري [١٨٣]. (٣) فتح الباري [٦/ ٥٦٢]. (٤) رواه مسلم [٣٩٨٨]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢٠/١٤]. الباب الخامس: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة ٧٣٣ لي زينبُ بنتُ أبي سلمةَ: إنَّ رسولَ اللهِوَِّنهى عنْ هذا الاسم. وسمّيتُ برّةَ، فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا تزكّوا أنفسكمْ، الله أعلمُ بأهلِ البرِّ منكمْ)). فقالوا: بمَ نسمّيها؟ قالَ: ((سمّوها زينبَ))(١). كما أنه مَّ غير أسماء كثير من الصحابة: فغيّرَ عاص إلى مطيعٍ: عن عبدُ الله بنُ مطيعٍ عنْ أبيهِ قالَ: لمْ يكنْ أسلمَ أحدٌ منْ عصاةٍ قريشٍ غيرَ مطيعٍ، كانَ اسمهُ العاصي، فسّاهُ رسولُ الله ◌َّ مطيعاً(٢). ((منْ عصاةٍ قريشٍ)) أي: ممن اسمه العاصي من قريش(٣). وغير حزن(٤) إلى سهل: عنِ ابنِ المسيّبِ عنْ أبيهِ أنَّ أباهُ جاءَ إلى النّبِيِّوَّةِ، فقالَ: ((ما اسمكَ؟)). قالَ: حزنٌ. قالَ: ((أنتَ سهلٌ)). قالَ: لا أغيّرُ اسماً سمّانیهِ أبي. قالَ ابنُ المسيّبِ: فما زالتْ الحزونةُ فينا بعدُ(٥). وغير أصرم إلى زرعة: عن أسامةَ بنِ أخدريِّ رَدْعَنهُ أَنَّ رجلاً يقالُ لهُ أصرمُ كانَ في النّفْرِ الّذِينَ أتوا رسولَ اللهِوَّةِ، فقالَ رسولُ اللهِوَلَ: «ما اسمكَ؟)). قالَ: أنا أصرمُ. (١) رواه مسلم [٢١٤٢]. (٢) رواه مسلم [١٧٨٢]. (٣) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٣٤]. (٤) الحزنُ: المكانُ الغليظُ الخشن. والحزونةُ: الخشونة. النهاية [٣٨٠/١]. (٥) رواه البخاري [٦١٩٠]. ٧٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((بلْ أنتَ زرعةُ))(١). وهكذا ينبغي الحرص على تسمية الأولاد بأسماء حسنة، وتجنب ما لا يليق منها وما لا یستحسن. وربما مازح بعض كبيرات السنِّ: عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي وَّ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: ((يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز)). قال: فولت تبكي. فقال: ((أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّا أَنشَأَتَهُنَّ إِنْشَآءَ (٣٥ ) ◌َجَعَلْنَهُنَ أَبْكَارًا (٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥-٣٧](٢). فمازحها ◌َّ مريداً إرشادها إلى أنها لا تدخل الجنة على الهيئة التي عليها، بل ترجع في سن ثلاث وثلاثین. وربما شفع النبيُّ ◌َّ عند بعض النساء؛ ليصلحَ بينها وبين زوجها: فلما عتقتْ بريرةُ، وكان زوجها عبداً، اختارت فراقه(٣)، فشفع النبي ◌َّ له عندها كي ترجع إليه، فقالت: لا حاجة لي فيه. عنْ ابنِ عبّاسٍ أنَّ زوجَ بريرةَ كانَ عبداً يقالُ لهُ مغيثٌ، كأنّ أنظرُ إليهِ يطوفُ خلفها يبكي ودموعهُ تسيلُ على لحيتهِ. فَقالَ النّبِيُّ وَّ لعبّاسِ: ((يا عبّاسُ، ألا تعجبُ منْ حبِّ مغيثٍ بريرةَ، ومنْ بغضِ بريرةَ مغيثاً)). (١) رواه أبو داود [٤٩٥٤] وجوّد إسناده الألباني في تخريج المشكاة [٤٧٧٥]. (٢) رواه الترمذي في الشمائل [ص١٩٩]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٩٨٧] (٣) لأن الأمة إذا أعتقت وهي زوجة لعبد خيرت بين البقاء معه وبين فراقه. ٧٣٥ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: (لوْ راجعتِهِ))(١). قالتْ يا رسولَ الله: تأمرني. قالَ: ((إنّما أنا أشفعُ)). قالتْ: لا حاجةَ لي فيهِ(٢). أيْ: فإذا لمْ تلزمني بذلكَ لا أختارُ العود إلیهِ. وكان ◌َّ يشيرُ عليهنَّ في أمور الزواج، وربما أرشدهنَّ للزوج الأفضل: عنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ قالت: إنَّ زوجها طلّقها ثلاثاً، فلمْ يجعلْ لها رسولُ الله ◌ِچ سكنى ولا نفقةً. قالتْ: فقال لي رسولُ الله ◌َّ: ((إذا حللتِ فآذنيني)). فلمّا حللتُ ذكرتُ لهُ أنَّ معاويةَ بنَ أبي سفيانَ، وأبا جهمٍ خطباني. فقالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عنْ عاتقهِ(٣)، وأمّا معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ لهُ(٤)، انكحي أسامةَ بنَ زیدٍ)). فكرهتهُ، ثمَّ قالَ: ((انكحي أسامةً)). فقالتْ: بيدها هكذا: أسامةُ، أسامةُ. فقالَ لها رسولُ الله ◌َّهِ: ((طاعةُ الله وطاعةُ رسولِهِ خيرٌ لكِ)). قالتْ: فتزوّجتهُ، فجعلَ الله فيهِ خيراً، فاغتبطتُ(٥). (١) عند النسائي [٥٣٣٢]: لوْ راجعتيهِ فإنّهُ أبو ولدكِ. (٢) رواه البخاري [٥٢٨٣]. (٣) العاتق هوَ ما بين العنق والمنكب، والمقصود أنه كثير الضرّب للنّساءِ. (٤) الصّعلوكُ: الفقير الّذي لا مالَ لهُ. (٥) رواه مسلم [١٤٨٠]. ٧٣٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال النووي: ((وأمّا إشارته مَ لّ بنكاح أسامة فلما علّمهُ منْ دینه، وفضله، وحسن طرائفه، وکرم شمائله، فنصحها بذلك. فكرهتهُ لكونهِ مولَّى، وقدْ كانَ أسود جدّاً، فكرّرَ عليها النّبيّ ◌َِّ الحثّ على زواجه لّا علمَ منْ مصلحتها في ذلكَ وكانَ كذلكَ، ولهذا قالتْ: ((فجعلَ الله لي فيهِ خيراً واغتبطت))(١). وقال ابن عيثيمين: ((ذكر هذين الرجلين بما يكرهان، لكن من باب النصيحة، لا من باب نشر العيب والفضيحة، وفرق بین هذا وهذا. وكذلك لو جاء إنسان يستشيرك قال: أطلب العلم عند فلان؟ وأنت تعلم أن فلاناً ذو منهج منحرف، فلا حرج عليك أن تقول له: لا تطلب العلم عنده. مثل أن يكون في عقيدته شيء أو في فكره شيء أو في منهجه شيء، وتخشى أن يؤثّرَ على هذا الذي جاء يستشيرك أيطلب العلم عنده أم لا؟ وجب عليك أن تبيّنَ له، تقول: لا تطلب العلم عند هذا، هذا فيه كذا وكذا))(٢). وكان ◌َله يخطب لأصحابه من النساء الصالحات: عنْ أنس بن مالك رَّهُ قالَ: خطبَ النّبِيُّ ◌ََّ على جليبيبِ امرأةً منَ الأنصارِ إلى أبيها. فقالَ: حتّى أستأمرَ أمّها. فقالَ النّبيُّ ◌َِّ: فنعمْ إذاً. قالَ: فانطلقَ الرّجلُ إلى امرأتهِ فذكرَ ذلكَ لها. فقالتْ: لاها الله إذاً(٣)، ما وجدَ رسولُ الله ◌َ﴾ إلاّ جليبيباً، وقدْ منعناها منْ فلانٍ وفلانٍ! والجاريةُ في سترها تستمعُ. (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٩٨]. (٢) شرح رياض الصالحين [٦/ ١١٠]. (٣) المعنى: لا والله. ٧٣٧ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة فانطلقَ الرّجلُ يريدُ أنْ يخبرَ النّبِيَّ ◌َّ بِذلكَ. فقالتْ الجاريةُ: أتريدونَ أنْ تردّوا على رسولِ اللهِ وَّه أمرهُ، إنْ كانَ قدْ رضیهُ لکمْ، فأنكحوهُ. فكأنّها جلّتْ عنْ أبويها. وقالا: صدقتٍ. فذهبَ أبوها إلى النّبِيِّ ◌َّةِ، فقالَ: إنْ كنتَ قدْ رضيتهُ، فقدْ رضيناهُ. قالَ: ((فإنّ قدْ رضیته»، فزوّجها. ثمَّ فزّعَ أهلُ المدينةِ فركبَ جليبيبٌ، فوجدوهُ قدْ قتلَ وحولهُ ناسٌٌ منْ المشركينَ قدْ قتلهمْ. قالَ أنس: فلقدْ رأيتها وإنّها لمنْ أنفقِ ثيّبٍ(١) في المدينةِ(٢). وكان لا يزوّج المرأة إلا بعد موافقتها: عنْ عقبةَ بنِ عامٍ رَّهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌ََّ قالَ لرجلٍ: «أترضى أنْ أزوّجكَ فلانةَ؟)). قالَ: نعمْ. وقالَ للمرأةِ: ((أترضينَ أنْ أزوّجكِ فلاناً؟)). قالتْ: نعمْ. فزوّجَ أحدهما صاحبهُ، فدخلَ بها الرّجلُ، ولمْ يفرضْ لها صداقاً، ولمْ يعطها شيئاً. وكانَ مَّنْ شهدَ الحديبيةَ، وكانَ منْ شهدَ الحديبيةَ لهُ سهمٌ بخيبرَ، فلمّا حضرتهُ الوفاةُ قالَ: إِنَّ رسولَ الله وَّه زوّ جني فلانةَ، ولمْ أفرضْ لها صداقاً، ولمْ أعطها شيئاً، وإنّ أشهدكمْ أنّي أعطيتها منْ صداقها سهمي بخيبرَ. (١) أي: أكثر خطّاباً. (٢) رواه أحمد [١١٩٤٤]، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ٧٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذتْ سهماً فباعتهُ بمائةِ ألفٍ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((خيرُ النّكَاحِ أيسرهُ))(١). أي: أقلّه مؤونةً، وأسهله إجابةً للخطبة، ويستدلُّ بذلك على يمنِ المرأة وبركتها؛ لأن النكاح ألفة بين الزوجين، فيقصدُ منه الخفّةُ، فإذا تيسّر عمّتْ بركته، ومن يسره: خفّةٌ صداقها، وتركُ المغالاة فيه، وكذا جميعُ متعلّقاتِ النكاحِ من وليمة ونحوها (٢). و کان یرُ نکاحَ من زوّجها أبوها بغير رضاها: عنْ خنساءَ بنتِ خذامِ الأنصاريّةِ رَعَنْها أنَّ أباها زوّجها وهيَ ثيّبٌ، فكرهتْ ذلكَ، فأتتْ رسولَ اللهِ وَّةِ، فِردَّ نكاحهُ(٣). وفي الحديث دليل على أنّهُ لا يجوز تزويج الثّب بغيرِ إذنها، وعلى أنَّ الأب إذا زوّجَ ابنته الثّب بغيرِ رضاها أنّهُ لا يجوز ويردّ(٤). وكان قدلا يستمع إليهن في الشكوى: عنْ خولةَ بنتِ ثعلبةَ رََّتْهَا قالتْ: والله فيَّ وفي أوسِ بنِ صامتٍ أنزلَ الله عَجَلَّ صدرَ سورة المجادلةِ. قالتْ كنتُ عندهُ، وكانَ شيخاً كبيراً قدْ ساءَ خلقهُ وضجرَ. قالتْ: فدخلَ عليَّ يوماً، فراجعتهُ بشيءٍ، فغضبَ، فقالَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أمّي. قالتْ: ثمَّ خرجَ، فجلسَ في نادي قومِهِ ساعةً، ثمَّ دخلَ عليَّ، فإذا هوَ يريدني على نفسي. قالتْ: فقلتُ: كلّ والّذي نفسُ خويلةَ بيدهِ لا تخلصُ إليَّ وقدْ قلتَ ما قلتَ حتّى يحكمَ الله ورسولهُ فینا بحکمهِ. (١) رواه أبو داود [٢١١٧]، وصححه الألباني. (٢) فيض القدير [٣/ ٤٨٢]. (٣) رواه البخاري [٥١٣٩]. (٤) عون المعبود شرح سنن أبي داود [٦/ ٩٠]. ٧٣٩ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة قالتْ: فواثبني، وامتنعتُ منهُ، فغلبتهُ بما تغلبُ بِهِ المرأةُ الشّيخَ الضّعيفَ، فألقيتهُ عنّي. قالتْ: ثمَّ خرجتُ إلى بعضِ جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثمَّ خرجتُ حتّى جئتُ رسولَ الله ◌ََّ، فجلستُ بينَ يديهِ، فذكرتُ لهُ ما لقيتُ منهُ، فجعلتُ أشكو إليهِوَّه ما ألقى منْ سوءِ خلقهِ. قالتْ: فجعلَ رسولُ اللهِوَلَه يقولُ: ((يا خويلةٌ، ابنُ عمّكِ شيخٌ كبيرٌ؛ فاتّقي اللهَ فیهِ)). قالتْ: فوالله ما برحتُ حتّى نزلَ فيَّ القرآنُ، فتغشّى رسولُ اللهِوََّ ما كانَ يتغشّاهُ، ثمَّ سرّيَ عنْهُ، فقالَ لي: ((يا خويلةُ، قدْ أنزلَ الله فيكِ وفي صاحبكِ))، ثمَّ قرأَ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قولهِ: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١-٤]. فقالَ لي رسولُ اللهِ وَّ: «مربهِ، فليعتقْ رقبةً)). قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله ما عندهُ ما يعتقُ. قالَ: «فليصمْ شهرینِ متتابعینٍ)). قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله إنّهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صيامٍ. قالَ: ((فليطعمْ ستّينَ مسكيناً وسقاً منْ تمٍ)). قالتْ: قلتُ والله يا رسولَ الله ما ذاكَ عندهُ. قالتْ: فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «فإنّا سنعينهُ بعرقٍ منْ تمٍ)). قالتْ: فقلتُ: وأنا يا رسولَ الله سأعينهُ بعرقٍ آخرَ. قالَ: «قدْ أصبتِ، وأحسنتِ، فاذهبي، فتصدّقی عنهُ، ثمَّ استوصي بابنِ عمّكِ خیراً)). قالتْ: ففعلتُ(١). (١) رواه أحمد [٢٦٧٧٤] وأبو داود [٢٢١٤]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٠٨٧]، وقد سبق.