Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّهِ: «أرأيتَ حينَ خرجتَ منْ بيتكَ أليسَ قدْ توضّأتَ، فأحسنتَ الوضوءَ؟)). قالَ: بلى يا رسولَ الله. قالَ: ((ثُمَّ شهدتَ الصّلاةَ معنا؟)). فقالَ: نعمْ يا رسولَ الله. فقالَ لهُ رسولُ اللهِوَّهِ: ((فإنَّ اللهَ قَدْ غفرَ لكَ ذنبكَ.)) أَوْ قالَ: ((حدّكَ)(١). قال ابن حجر: ((فظاهر ترجمةِ البخاريِّ حمله على منْ أقرَّ بحدٍّ ولمْ يفسّرُهُ، فإنّهُ لا يجب على الإمام أنْ يقيمهُ عليهِ إذا تابَ)).(٢) من فوائد الحديث: فيهِ: أنَّ الإمام لا يكشف عنِ الحدود بل يدفع مهما أمكنَ، وهذا الرّجل لم يفصح بأمرٍ يلزمهُ بهِ إقامةُ الحدّ عليهِ، فلعلّهُ أصابَ صغيرة ظنّها كبيرة توجب الحدّ، فلمْ يكشفهُ النّبِّ وَِّ عِنْ ذلكَ؛ لأنَّ موجب الحدّ لا يثبت بالاحتمالِ. وإنّما لمْ يستفسرهُ إيثاراً للسّتِ، ورأى أنَّ في تعرّضه لإقامةِ الحدّ عليهِ ندماً ورجوعاً. وقدْ استحبَّ العلماء تلقينَ منْ أقرَّ بموجبِ الحدّ بالرّجوعِ عنهُ، إمّا بالتّعريضِ، وإمّا بأوضحَ منهُ لیدرأ عنهُ الحدّ (٣). واختار ابن القيم أن العاصي إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد (٤). (١) رواه البخاري [٦٨٢٣] ومسلم [٢٧٦٤]، وترجم له البخاري بقوله: ((بابُ إذا أقرَّ بالحدِّ ولمْ يبيْنّ هلْ للإمامِ أنْ يسترَ عليهِ؟)). (٢) فتح الباري [١٢ / ١٣٤]. (٣) فتح الباري [١٢ / ١٣٤]. (٤) إعلام الموقعين [١٧/٣]. ٦٢١ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وقال رَحِمَةُالَّ: فإنْ قِيلَ: فما عزِّ جاءَ تائباً، والغامديّةُ جاءتْ تائبةً، وأقامَ عليهما الحدَّ؟ قيلَ: لا ريبَ أنّهما جاءا تائبينٍ، ولا ريبَ أنَّ الحدَّ أقيمَ عليهما، وبهما احتجَّ أصحابُ القولِ الآخرِ. وسألتُ شيخنا عنْ ذلكَ؛ فأجابَ بما مضمونهُ بأنَّ الحدَّ مطهّرٌ، وأنَّ التّوبةَ مطهّرةٌ، وهما اختارا التّطهيرَ بالحدِّ على التّطهيرِ بمجرّدِ التّوبةِ، وأبيا إلّا أنْ يطهّرا بالحدِّ، فأجابها النّبيُّ ◌َله إلى ذلكَ، وأرشدَ إلى اختيارِ التّطهيرِ بالتّوبةِ على التّطهيرِ بالحدِّ، فقالَ في حقِّ ماعزٍ: ((هلّا تركتموهُ يتوبُ فيتوبَ الله عليهِ))، ولوْ تعيّنَ الحدُّ بعدَ التّوبةِ لما جازَ تركهُ. بلْ الإمامُ مخيّرٌ بينَ أنْ يتركهُ كما قالَ لصاحبِ الحدِّ الّذي اعترفَ بِهِ: «اذهبْ فقدْ غفرَ الله لك))، وبينَ أنْ يقيمَ كما أقامهُ على ماعزِ والغامديّةِ لَّا اختارا إقامتهُ، وأبيا إلّا التّطهيرَ بِهِ. ولذلكَ ردّهما النّبِيُّ ◌َِّ مراراً، وهما يأبيانِ إلّا إقامتهُ عليهما. وهذا المسلكُ وسطُ بين مسلكِ منْ يقولُ: لا تجوزُ إقامتهُ بعدَ التّوبةِ ألبّةَ، وبينَ مسلكِ منْ يقولُ: لا أثرَ للتّوبةِ في إسقاطهِ ألبتّةَ، وإذا تأمّلت السّنّةَ رأيتها لا تدلَّ إلّا على هذا القولِ الوسطِ، والله أعلمُ(١). وقريب من هذا حديث علقمةَ بنِ وائلِ الكنديِّ عنْ أبيهِ أنَّ امرأةً خرجتْ على عهدٍ رسولِ اللهِ وَّه تريدُ الصّلاةَ، فتلقّاها رجلٌ، فتجلّلها(٢)، فقضى حاجتهُ منها. فصاحتْ. فانطلقَ. ومرَّ عليها رجلٌ، فقالتْ: إنَّ ذاكَ الرّجلَ فعلَ بي كذا وكذا. فذهبَ الرّجلُ في طلبِهِ. ومرّتْ بعصابةٍ منَ المهاجرينَ، فقالتْ: إنَّ ذاكَ الرّجلَ فعلَ بي كذا وكذا. (١) إعلام الموقعين [٦١/٢، ٦٠]. (٢) أيْ: غشيها بثوبهِ وجامعها. ٦٢٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذهبوا في طلبهِ، فجاءوا بالرّجلِ الّذي ذهبَ في طلبِ الرّجلِ الّذي وقعَ عليها. فذهبوا بهِ إلى النّبِيِّ وَّ فقالتْ: هوَ هذا. فقالَ: أنا الّذي أغثتك، وقدْ ذهبَ الآخرُ. وأخبرَ القومُ: أنّهمْ أدركوهُ يشتدُّ. فقالَ: إنّما كنتَ أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاءِ فأخذوني. فقالتْ: كذبَ، هوَ الّذي وقعَ عليَّ. فلّا أمرَ بِهِ ليرجمَ، قامَ صاحبها الّذي وقعَ عليها فقالَ: يا رسولَ الله أنا صاحبها. فقالَ لها: ((اذهبي فقدْ غفرَ الله لكِ)). وقالَ للرّجلِ قولاً حسناً. فقيلَ يا نبيَّ الله: ألا ترجمهُ. فقالَ: (لقدْ تَابَ توبةً لوْ تابها أهلُ المدينةِ لقبلَ منهمْ))(١). إشکال و جوابه: يشكلُ أن المغيثَ لم يثبتْ عليه الزنا باعترافٍ، ولا ببينةٍ، فكيف يرجمُ؟ وأجيب عن ذلك بأجوبة: ١. أنهمَّ قارب أن يأمرَ برجمه، ولم يأمرُ: قال العظيم آبادي: ((ولا يخفى أنّهُ بظاهرهِ مشكل إذْ لا يستقيم الأمر بالرّجمِ منْ غير إقرار، ولا بيّنة، وقول المرأة لا يصلح بيّنة، فلعلَّ المراد فلمّا قاربَ أنْ يأمر بهِ، وذلكَ قالهُ الرّاوي نظراً إلى ظاهر الأمر (٢). ٢. أن هذا من إقامةِ الحدِّ باللّوثِ الظّاهرِ: (١) رواه الترمذي [١٤٥٤]، وأبو داود [٤٣٧٩]، وأحمد [٢٦٦٩٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٩٠٠]. (٢) عون المعبود [١٢ /١٦٥]. ٦٢٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة قال ابن القيم: ((إنَّ هذا مثلُ إقامةِ الحدِّ باللّوثِ الظّاهِرِ القويِّ، فإنّهُ أدركَ وهوَ يشتدُّ هارباً بينَ أيدي القومِ؛ واعترفَ بأنّهُ كانَ عندَ المرأةِ، وادّعى أنّهُ كانَ مغيثاً لها. وقالتِ المرأةُ: هوَ هذا، وهذا لوثٌ ظاهرٌ، وقدْ أقامَ الصّحابةُ حدَّ الزّنا والخمرِ باللّوثِ الّذي هوَ نظيرُ هذا، أوْ قريبٌ منهُ؛ وهوَ الحملُ والرّائحةُ))(١). ٣. لعل النبي ◌َّ أمر بتعزيره لا برجمه: قال البيهقي بعد أن رواه بلفظ: (فلمّا أمرَ بهِ قامَ صاحبها) قال: ((فعلى هذهِ الرّوايةِ يحتملُ أنّهُ إنّما أمرَ بتعزيرهِ))(٢). ٤. يحتملُ أنّهمْ شهدوا عليهِ بالزّنا، وأخطئوا فى ذلكَ(٣). ٥. أن الحديث ضعيف، فمداره على سماك بن حرب، قال النسائي: ((سماكٌ إذا انفردَ بأصلٍ لمْ يكنْ حجّةً؛ لأَنّهُ كانَ يلقّنُ فيتلقّنُ))(٤). وقد أشار البيهقي إلى تضعيفه حيث قال بعد أن رواه: «وقدْ وجدَ مثلَ اعترافهِ منْ ماعزِ والجهنيّةِ، والغامديّةِ، ولمْ يسقطْ حدودهمْ، وأحاديثهمْ أكثرُ وأشهرُ. والله أعلمُ))(٥). وإذا أقام الحدّ على من وقع في جريمة، كان لا یعنّفه، وینھی عن سبّه ولعنه: عن بريدةَ بن الحصيبِ رَّعَتُ قالَ - بعد ذكر قصة ماعز -: فجاءتِ الغامديّةُ، فقالتْ: يا رسولَ الله، إنّ قدْ زنيتُ، فطهّرني، وإنّهُ ردّها. فلمّا كانَ الغدُ قالتْ: يا رسولَ الله، لم تردّني لعلّكَ أنْ تردّني كما رددتَ ماعزاً، فوالله إنّ حبلى. قالَ: «إمّا لا، فاذهبي حتّى تلدي. فلّا ولدتْ أتتهُ بالصّبيِّ في خرقةٍ قالتْ: هذا قدْ ولدتهُ. (١) حاشية ابن القيم مع عون المعبود [١٦٥/١٢]. (٢) سنن البيهقي [٢٨٤/٨]. (٣) سنن البيهقي [٢٨٤/٨]. (٤) الأحاديث المختارة [١٢ /٢٠]، تهذيب التهذيب [٢٣٤/٤]. (٥) سنن البيهقي [٢٨٤/٨]. ٦٢٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: اذهبي، فأرضعيهِ حتّى تفطميهِ))، فلما فطمتهُ أتتهُ بالصّبيِّ في يدهِ كسرةُ خبزٍ، فقالتْ: هذا يا نبيَّ الله قدْ فطمتُهُ، وقدْ أكلَ الطّعامَ، فدفعَ الصّبيَّ إلى رجلٍ منَ المسلمينَ، ثُمَّ أَمَرَ بها، فحفرَ لها إلى صدرها، وأمرَ النّاسَ، فرجموها. فيقبلُ خالدُ بنُ الوليدِ بحجرٍ، فرمى رأسها فتنضّحَ الدّمُ على وجهِ خالِدٍ، فسبّها، فسمعَ نبيُّ الله ◌َّه سِبّهُ إِيّاها، فقالَ: ((مهلاً يا خالدُ، فوالّذي نفسي بيدهِ لقدْ تابتْ توبةً لوْ تابها صاحبُ مكسٍ(١)؛ لغفرَ لهُ)). ثمَّ أمرَ بها، فصلّى عليها، ودفنتْ(٢). زاد في رواية: فقالَ لهُ عمرُ: تصلّي عليها يا نبيَّ الله وقدْ زنتْ؟ فقالَ: ((لقدْ تابتْ توبةً لوْ قسمتْ بينَ سبعينَ منْ أهلِ المدينةِ؛ لوسعتهمْ، وهلْ وجدتَ توبةً أفضلَ منْ أنْ جادتْ بنفسها لله تعالى؟))(٣). من فوائد الحدیث: فيهِ: أنَّ المكس منْ أقبح المعاصي والذّنوب الموبقات؛ وذلكَ لكثرةِ مطالبات النّاس لهُ وظلاماتهمْ عنده وتكرّر ذلكَ منهُ وانتهاكه للنّاسِ، وأخذ أموالهمْ بغيرِ حقّها، وصرفها في غیر وجهها. وفيهِ: دلالة أنَّ الإمام وأهل الفضل يصلّونَ على المرجوم كما يصلّ عليهِ غیرهمْ. وفيهِ: سقوطُ إثم المعاصي الكبائر بالتّوبةِ(٤). فائدة: قال النووي: ((فإنْ قيلَ: فما بال ماعز والغامديّة لمْ يقنعا بالتّوبةِ، وهيَ محصّلة لغرضهما، وهوَ سقوط الإثم، بلْ أصرّا على الإقرار، واختارا الرّجم؟ (١) المكس: الضّرّيبةُ الّتي يأخذها الماكسُ. النهاية [٣٤٩/٤] (٢) رواه مسلم [١٦٩٥]. (٣) رواه مسلم [١٦٩٦] عن عمران بن حصين رَضْ لَّعَنْهُ. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٩٩]. ٦٢٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة فالجواب: أنَّ تحصيل البراءة بالحدودِ وسقوط الإثم متيقّنٌ على كلّ حالٍ لا سيّما وإقامة الحدّ بأمرِ النّبِيّ ◌َّ. وأمّا التّوبة فيخافُ أنْ لا تكونَ نصوحاً، وأنْ يخلَّ بشيءٍ منْ شروطها، فتبقى المعصيةُ وإثمها دائماً عليهِ، فأرادا حصول البراءة بطريقٍ متيقّن دون ما يتطرّق إليهِ احتمال. والله أعلم))(١). إشکال و جوابه: الإشكال: في هذه الرواية أن النبي ◌َّ- لم يرجمها إلا بعد أن أرضعت وليدها وفطمتهُ، وفي الحديثِ السابقِ أن رجلا من الأنصار تكفّل بإرضاع الصبيِّ، فرجمها رسول الله لَله مباشرة. والجواب: قال النووي: ((فهاتانِ الرّوايتانِ ظاهر هما الاختلاف، فإنَّ الثّانية صريحة في أنَّ رجمها كانَ بعد فطامه وأكله الخبز، والأولى ظاهرها أنّهُ رجمها عقب الولادة. ويجب تأويل الأولى، وحملها على وفق الثّانية؛ لأنّها قضيّة واحدة، والرّوايتانِ صحيحتانِ، والثّانية منهما صريحة لا يمكن تأويلها. والأولى ليستْ صريحة، فيتعيّن تأويل الأولى، ويكون قوله في الرّواية الأولى: (قامَ رجل منَ الأنصار فقالَ: إليَّ رضاعه) إنّما قالهُ بعد الفطام، وأرادَ بالرّضاعةِ كفالته وتربيته، وسمّاهُ رضاعاً مجازا)(٢). ونهى أيضاً عن سبِّ الذي جلدَ في الخمر، وعلّل ذلك بكونه عوناً للشيطان على العاصي: عنْ أبي هريرةَ رَّ عَنْهُ قالَ: أتيَ النّبِيُّ نَّه بِسكرانَ، فأمَرَ بضربهِ، فمنّا منْ يضربهُ بيدهِ، ومنّا منْ يضربهُ بنعلِهِ، ومنّا منْ يضربهُ بثوبِهِ، فلما انصرفَ. قالَ رجلٌ : ما لهُ أخزاهُ الله !! (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٩٩/١١]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ٢٠٢]. ٦٢٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: (( لا تكونوا عونَ الشّيطانِ على أخيكمْ))(١). زاد في رواية: ((ولكنْ قولوا: اللهمَّ اغفرْ لهُ، اللهمَّ ارحمهُ)) (٢). قال ابن حجر: ((ووجهُ عونهمْ الشّيطانَ بذلكَ، أَنَّ الشّيطان يريدُ بتزيينِهِ لهُ المعصيةَ أنْ يحصل لهُ الخزيُ، فإذا دعوا عليهِ بالخزيٍ، فكأنّهمْ قدْ حصّلوا مقصودَ الشّيطانِ. ويستفادُ منْ ذلكَ منعُ الدّعاءِ على العاصي بالإبعادِ عنْ رحمةِ الله كالّعنٍ))(٣). وقريب من ذلك أثرُ أبي قلابةَ أنَّ أبا الدّرداءِ - رضيَ اللهُ تعالى عنهُ- مرَّ على رجلٍ قدْ أصابَ ذنباً، فكانوا يسبّونهُ. فقالَ: أرأيتمْ لوْ وجدتموهُ في قليبٍ (٤)، ألم تكونوا مستخرجيهِ؟ قالوا: بلى. قالَ: فلا تسبّوا أخاكمْ، واحمدوا اللهَ الّذي عافاكمْ. قالوا: أفلا تبغضهُ؟ قالَ: إنّما أبغضُ عملهُ، فإذا تركهُ؛ فهوَ أخي(٥). ونهى عن الدعاء على شخص منهم بعينه باللعن وغيره: عنْ عمرَ بنِ الخطّابِ أنَّ رجلاً على عهدِ النّبِّ ◌َِّ كانَ اسمهُ عبدَ اللهِ، وكانَ يلقّبُ حماراً، وكانَ يضحكُ رسولَ الله ◌َّهِ، وكانَ النّبِيُّ ◌ََّ قِدْ جلدهُ في الشّرابِ(٦). فأَتَي بِهِ يوماً، فأمرَ بهِ، فجلدَ. (١) رواه البخاري [٦٧٨١]. (٢) رواه أبو داود [٤٤٧٨]، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة [٣٦٢١]. (٣) فتح الباري [١٢ / ٦٧] باختصار. (٤) أي: بئر. (٥) رواه أبو داود في الزهد [٢٣٢]، عبد الرزاق في المصنف [٢٠٢٦٧]، وأبو نعيم في الحلية [٢٢٥/١]. (٦) أيْ: بسببٍ شربهِ الشّرّابَ المسكر. ٦٢٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ رجلٌ منَ القومِ: اللهمَّ العنهُ، ما أكثرَ ما يؤتى بهِ. فقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: (( لا تلعنوهُ، فوالله ما علمتُ إلّا أنّهُ يحبُّ اللهَ ورسولهُ))(١). من فوائد الحديث: فيهِ: أنّه لا تنافيَ بين ارتكاب النّهي، وثبوت محبّة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنّهُ وَال أخبرَ بأنَّ المذكورَ يحبُّ اللهَ ورسوله معَ وجود ما صدرَ منهُ. ويحتمل أنْ يكون استمرار ثبوت محبّة الله ورسوله في قلب العاصي مقيّداً بما إذا ندمَ على وقوع المعصية، وأقيمَ عليهِ الحدُّ، فكفّرَ عنهُ الذّنبَ المذكورَ، بخلافِ منْ لمْ يقع منهُ ذلكَ، فإنّهُ يخشى عليهِ بتكرارِ الذّنبِ أنْ يطبع على قلبهِ شيءٌ حتّى يسلبَ منهُ ذلكَ نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ(٢). قال شيخ الإسلام: ((قَدْ نهى النّبِيُّ ◌َّه عنْ لعنةِ هذا المعيّنِ الّذي كانَ يكثرُ شربَ الخمرِ؛ معلّلاً ذلكَ بأنّهُ يُحِبُّ اللهَ ورسولهُ، معَ أنّهُ وَّهِ لِعنَ شاربَ الخمرِ مطلقاً. فدلَّ ذلكَ على أنّهُ يجوزُ أنْ يلعنَ المطلقُ، ولا تجوزُ لعنةُ المعيّنِ الّذي يحبُّ الله ورسولهُ. ومنَ المعلومِ أنَّ كلَّ مؤمنٍ فلا بدَّ أنْ يحبَّ اللهَ ورسولهُ)) (٣). وعلى ذلك فإن قيل: ما وجه الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أنسِ بنِ مالكٍ رَّ ◌َنْهُ قالَ: لعنَ رسولُ الله ◌َّه في الخمرِ عشرةً: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولةُ إليهِ، وساقيها، وبائعها، وآكلَ ثمنها، والمشتري لها، والمشتراةُ لهُ (٤). الجواب: أن حديث الباب في لعن المعيّن فإنه لا يجوز، وحديث أنس بن مالك في لعن جنس شاربي الخمر على العموم، وهو جائز. (١) رواه البخاري [٦٧٨٠]. (٢) فتح الباري [١٢/ ٧٨]. (٣) منهاج السنة النبوية [٥٦٩/٤ -٥٧٠]. (٤) رواه الترمذي [١٢٩٥]، وابن ماجة [٣٣٨١]، وصححه الألباني. ٦٢٨ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وربما اشتدَّ في تعنیف من وقع في معصية، وخاصة من کان له منزلة عنده: عنِ المعرورِ بنِ سويدٍ قالَ: لقيتُ أبا ذرِّ بالرّبذةِ(١)، وعليهِ حلٌّ، وعلى غلامِهِ حلّةٌ، فسألتهُ عنْ ذلكَ فقالَ: إنّ ساببتُ رجلاً، فعیّرتهُ بأمّهِ. فقالَ لِي النّبِيُّ ◌َّهِ: ((يا أبا ذرِّ أعيّتَهُ بأمّهِ؟! إنّكَ امرؤٌ فيكَ جاهليّةٌ(٢). إخوانكمْ خولكمْ، جعلهم الله تحتَ أيديكمْ، فمنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدهِ فليطعمهُ ممّا يأكلُ، وليلبسهُ ممّا يلبسُ، ولا تكلّفوهمْ ما يغلبهمْ، فإنْ كلّفتموهمْ؛ فأعينوهمْ))(٣). قال ابن حجر: ((وإنّما وبّخهُ بذلكَ -على عظيم منزلته عنده- تحذيراً لهُ عنْ معاودة مثل ذلكَ؛ لأنّهُ وإنْ كانَ معذوراً بوجهٍ منْ وجوه العذر، لكنْ وقوع ذلكَ منْ مثله يستعظم أكثر ممّنْ هوَ دونه)»(٤). وربما شدّد على مرتکب الذنب، ویکرر علیه لیبیّن له فظاعته: عن أسامةَ بنَ زِيدٍ رَضَعَنْهَا قال: بعثنا رسولُ اللهِوَلَه إلى الحرقةِ(٥)، فصبحنا القومَ، فهزمناهمْ. ولحقتُ أنا ورجلٌ منَ الأنصارِ رجلاً منهمْ، فلمّا غشيناهُ قالَ: لا إلهَ إلّا الله. فكفَّ الأنصاريُّ، فطعنتهُ برمحي حتّى قتلتُهُ. فلّا قدمنا بلغَ النّبِيَّ ◌َـ (١) من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. معجم البلدان [٢٤/٣] (٢) أيْ: هذا التّعبير منْ أخلاق الجاهليّة، ففيك خلق منْ أخلاقهمْ. (٣) رواه البخاري [٣٠]، ومسلم [١٦٦١]، وقد سبق. (٤) فتح الباري [٨٥/١]. (٥) وهمْ بطن منْ جهينة، سمّوا بذلكَ لوقعةٍ كانتْ بينهمْ وبين بني مرّة بن ذبيان فأحرقوهمْ بالسّهامِ لكثرةِ منْ قتلوا منهم. ٦٢٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ يا أسامةُ: ((أقتلتهُ بعدَ ما قالَ: لا إلهَ إلّا الله؟ فكيف تصنع بلا إله إلّ الله إذا أتتك يوم القيامة؟)). قلتُ: كانَ متعوّذً (١). قال: ((أفلا شققت عنْ قلبه؛ حتّى تعلم أقالها أم لا؟)). فما زالَ يكرّرها حتّى تمنّيتُ أنّي لمْ أكنْ أسلمتُ قبلَ ذلكَ اليومِ(٣). قال النووي: «فيهِ دليل للقاعدةِ المعروفة في الفقه والأصول أنَّ الأحكام يعمل فيها بالظّواهرِ، والله یتولّى السّرائر. وقوله: ((حتّى تمنّيت أنّي أسلمت يومئذٍ)) معناهُ لمْ يكنْ تقدّمَ إسلامي، بلِ ابتدأت الآنَ الإسلام؛ ليمحوَ عنّي ما تقدّمَ. وقالَ هذا الكلام منْ عظمٍ ما وقعَ فيهِ))(٣). وقالَ القرطبيُّ: ((فيهِ إشعار بأنّهُ كانَ استصغرَ ما سبقَ لهُ قبل ذلكَ منْ عمل صالح في مقابلة هذهِ الفعلة لما سمعَ منَ الإنكار الشّديد، وإنّما أوردَ ذلكَ على سبيل المبالغة))(٤). وقالَ ابن التّين: ((في هذا اللّوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتّى لا يقدم أحدٌ على قتل منْ تلفّظَ بالتّوحيدِ)). وقالَ الخطّابِيُّ: ((لعلَّ أسامة تأوّلَ قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا ﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلكَ عذرهُ النّبِيّ ◌ََّ، فلمْ يلزمهُ ديةً ولا غيرها))(٥). وقالَ ابن بطّال: «كانتْ هذهِ القصّة سببَ حلفِ أسامةَ أنْ لا يقاتل مسلماً بعد ذلكَ))(٦). (١) أي: قالها خوفاً منَ السّلاح. (٢) رواه البخاري [٤٢٦٩]، ومسلم [٩٦]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٢/ ١٠٧]. (٤) فتح الباري [١٢ / ١٩٦]. (٥) فتح الباري [١٢ / ١٩٦]. (٦) فتح الباري [١٢ / ١٩٦]. ٦٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يبيّنُّ للعاصي شناعةَ معصيته، ليتوب منها، ولئلا يعود إلى مثلها: عَنْ عائشةَ رَنْهَا قالتْ: قلتُ للنّبِيِّ وَِّ: حسبكَ منْ صفيّةَ كذا وكذا - تعني: قصيرةً. فقالَ وَِّ: (لقدْ قلتِ كلمةً لوْ مزجتْ بماءِ البحرِ؛ لمزجتهُ))(١). والمعنى: أنَّ هذهِ الغيبةَ لوْ كانتْ مّا يمزجُ بالبحرِ لغيّرتَهُ عنْ حالِهِ، معَ کثرتِهِ وغزارتِهِ، فكيفَ بأعمالٍ نزرةٍ خلطتْ بها؟(٢). وكان ◌َ له ربما هجر بعض العصاة زمناً، حتى يحكم الله فيهم، أو يتوب عليهم: وقد تجلّ ذلك في هجره للثلاثةِ المتخلّفين عن غزوة تبوك. قالَ كعبُ بنُ مالكِ : .. فلمّا بلغني أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّ قِدْ توجّهَ قافلاً منْ تبوكَ، حضرني بنّي، فطفقتُ أتذكّرُ الكذبَ، وأقولُ: بمَ أخرجُ منْ سخطهِ غداً؟ وأستعينُ على ذلكَ كلَّ ذي رأيٍ منْ أهلي. ثم زاحَ عنّي الباطلُ حتّى عرفتُ أنّ لنْ أنجوَ منهُ بشيءٍ أبداً، فأجمعتُ صدقهُ. وصبّحَ رسولُ الله ◌َّ قادماً، وكانَ إذا قدمَ منْ سفرٍ بدأً بالمسجدِ، فركعَ فیهِركعتين، ثمَّ جلسَ للنّاسِ. فلمّا فعلَ ذلكَ جاءهُ المخلّفونَ، فطفقوا يعتذرونَ إليهِ، ويحلفونَ لهُ، وكانوا بضعةً وثمانِينَ رجلاً، فقبلَ منهمْ رسولُ الله ◌َّهِ علانيتهمْ، وبايعهمْ، واستغفرَ لهُمْ، ووكلَ سرائرهمْ إلى الله. حتّى جئتُ، فلمّا سلّمتُ تبسّمَ تبسّمَ المغضبِ، ثمَّ قالَ: ((تعالَ)). فجئتُ أمشي حتّى جلستُ بينَ یدیهِ؟ فقالَ لي: «ما خلّفكَ؟ ألمْ تكنْ قَدْ ابتعتَ ظهركَ؟». قلتُ: يا رسولَ الله، إنّ والله لوْ جلستُ عندَ غيركَ منْ أهلِ الدّنيا؛ لرأيتُ أنّي سأخرجُ منْ سخطهِ بعذرٍ، ولقد أعطيتُ جدلاً. (١) رواه أبو داود [٤٨٧٥]، والترمذي [٢٥٠٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥١٤٠]. (٢) تحفة الأحوذي [٧/ ١٧٧]. ٦٣١ الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليه ◌ِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة ولكنّي والله لقدْ علمتُ لئنْ حدّثتكَ اليومَ حديثَ كذبٍ ترضى بهِ عنّي؛ ليوشكنَّ الله أنْ يسخطكَ عليَّ، ولئنْ حدّثتكَ حديثَ صدقٍ تجدُ عليَّ فيهِ، إنّي لأرجو فيهِ عقبى الله، والله ما كانَ لي عذرٌّ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى، ولا أيسرَ منّي حينَ تخلّفتُ عنكَ. قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((أمّا هذا فقدْ صدقَ، فقمْ حتّى يقضيَ الله فيكَ)). فقمتُ وثارَ رجالٌ منْ بني سلمةً، فاتبعوني. فقالوا لي: لقدْ عجزتَ في أنْ لا تكونَ اعتذرتَ إلى رسولِ الله ◌َّ بما اعتذرَ بهِ إلیهِ المخلّفونَ، فوالله ما زالوا يؤنّونني حتّى أردتُ أنْ أرجعَ إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فَأكذّبَ نفسي. ثُمَّ قلتُ لهُمْ: هلْ لقيَ هذا معي منْ أحدٍ؟ قالوا: نعمْ لقيهُ معكَ رجلانِ قالا: مثلَ ما قلتَ. فقيلَ لهما: مثلَ ما قِيلَ: لكَ. قالَ: قلتُ: منْ هما؟ قالوا: مرارةُ بنُ الرّبيعةَ العامريُّ، وهلالُ بنُ أميّةَ الواقفيُّ. فذكروا لي رجلينِ صالحينِ قدْ شهدا بدراً فيهما أسوةٌ. قالَ: فمضيتُ حينَ ذکروهما لي. قالَ: ونهى رسولُ اللهِ وَّهِ المسلمينَ عنْ كلامنا أيّها الثّلاثةُ منْ بينِ منْ تخلّفَ عنهُ. فاجتنبنا النّاسُ، وتغيّروا لنا، حتّى تنكّرتْ لي في نفسيَ الأرضُ فما هيَ بالأرضِ الّتي أعرفُ، فلبثنا على ذلكَ خمسينَ ليلةً. فأمّا صاحباتي، فاستکانا، وقعدا في بيوتهما یبکیانِ. وأمّا أنا فكنتُ أشبَّ القومِ وأجلدهمْ، فكنتُ أخرجُ فأشهدُ الصّلاةَ وأطوفُ في الأسواقِ، ولا يكلّمني أحدٌ، وآتي رسولَ الله ◌َّهِ، فأسلّمُ عليهِ، وهوَ في مجلسِهِ بعدَ الصّلاةِ فأقولُ في نفسي: هلْ حرّكَ شفتيهِ بردِّ السّلامِ أَمْ لا؟ ٦٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ أَصلّي قريباً منهُ، وأسارقهُ النّظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظرَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوهُ أعرضَ عنّي. حتّى إذا طالَ ذلكَ عليَّ منْ جفوةِ المسلمينَ مشيتُ حتّى تسوّرتُ جدارَ حائطٍ أبي قتادةَ، وهوَ ابنُ عمّي وأحبُّ النّاسِ إليَّ، فسلّمتُ عليهِ، فوالله ما ردَّ عليَّ السّلامَ. فقلتُ: يا أبا قتادةَ، أنشدكَ بالله، هلْ تعلمني أحبُّ اللهَ ورسولهُ، فسكتَ، فعدتُ لهُ، فنشدتهُ، فسكتَ، فعدتُ لهُ، فنشدتَهُ. فقالَ: الله ورسولهُ أعلمُ. ففاضتْ عينايَ، وتولّیتُ حتّى تسوّرتُ الجدارَ. قالَ: فبينا أنا أمشي بسوقِ المدينةِ إذا نبطيٌّ منْ أنباطِ أهلِ الشّأْمِ مّنْ قدمَ بالطّعامِ يبيعهُ بالمدينةِ يقولُ: منْ يدلُّ على كعبِ بنِ مالكِ؟ فطفقَ النّاسُ يشيرونَ لهُ حتّى إذا جاءني دفعَ إليَّ كتاباً منْ ملكِ غسّانَ. فإذا فيهِ: أمّا بعدُ فإنّهُ قدْ بلغني أنَّ صاحبكَ قدْ جفاكَ، ولمْ يجعلكَ الله بدارِ هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحقْ بنا نواسكَ. فقلتُ لَّا قرأتها: وهذا أيضاً منَ البلاءِ، فتيمّمتُ بها التّنّورَ، فسجرتهُ بها. حتّى إذا مضتْ أربعونَ منَ الخمسينَ، واستلبثَ الوحيُّ إذا رسولُ رسولِ اللهِوَلا يأتيني. فقالَ: إِنَّ رسولَ الله ◌َّ﴾ يأمركَ أنْ تعتزلَ امرأتكَ. قالَ: فقلتُ: أطلّقها أمْ ماذا أفعلُ؟ قالَ: لا، بلْ اعتزلها، فلا تقربنّها. قالَ: فأرسلَ إلى صاحبيَّ بمثلِ ذلكَ. فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلكِ، فكوني عندهمْ حتّى يقضيَ الله في هذا الأمر. قالَ: فلبثتُ بذلكَ عشرَ ليالٍ، فكملَ لنا خمسونَ ليلةً منْ حينَ نهيَ عنْ كلامنا. ٦٣٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة ثمَّ صلّيتُ صلاة الفجرِ صباحَ خمسينَ ليلةً على ظهرٍ بيتٍ منْ بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحالِ الّتي ذكرَ الله عَلَّ منّا، قدْ ضاقتْ عليَّ نفسي، وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحبتْ، سمعتُ صوتَ صارخٍ أوفي على سلعِ يقولُ بأعلى صوتِهِ: يا كعبَ بنَ مالكٍ أبشرْ. فخررتُ ساجداً، وعرفتُ أنْ قدْ جاءَ فرجٌ. فآذنَ رسولُ اللهِوَّهِ النّاسَ بتوبةِ الله علينا حينَ صلّى صلاة الفجرِ. قالَ كعبٌ: فلمّا سلّمتُ على رسولِ الله وَّه قالَ وهوَ يبرقُ وجههُ منْ السّرورِ، ويقولُ: أبشرْ بخيرِ يومِ مرَّ عليكَ منذُ ولدتكَ أمّكَ. قالَ: فقلتُ: أمنْ عندكَ يا رسولَ الله أمْ منْ عندِ الله؟ فقالَ: ((لا، بلْ منْ عندِ الله))، وأنزل الله: ﴿وَعَلَى النََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: ١١٨](١). وقصةُ كعبٍ بن مالك مشهورةٌ وظاهرةٌ في هجر النبي ◌ِ لاّ له ولصاحبيه، وفي هذا تأديب لهم، وتربية لهم على طاعة الله ورسوله على كل حال، وترك المخالفة، وعبرة وعظة لغيرهم. وكان ◌َّليّ يكره أن ترفع إليه الحدود: عنْ عبد الله بن مسعود رَّهُ قالَ: إنَّ أوّلَ رجلٍ قطعَ في الإسلامِ، أَوْ منَ المسلمينَ رجلٌ أتيَ بِهِ النّبيُّ ◌َل. فقيلَ: يا رسولَ الله إنَّ هذا سرقَ. فكأنّما أسفَّ وجهُ رسولِ الله ◌ََّ ر ماداً (٢). قالوا: يا رسولَ الله كأنّكَ كرهتَ قطعهُ. (١) رواه البخاري [٤٤١٨]، ومسلم [٢٧٦٩]. (٢) أي: كأنه ذرَّ عليهِ الرماد من كثرة الحزن. ٦٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: ((وما يمنعني وأنتمْ أعوانُ الشّيطانِ على صاحبكم، والله عََّجَلَّ عفوٌّ يحبُّ العفوَ، ولا ينبغي لوالي أمرٍ أنْ يؤتى بحدٍّ إلّا أقامهُ)). ثمَّ قرأَ: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢](١). وكان لا يسقطُ الحدودَ عن العصاة إذا وجبت، حتى ولو شفع فيهم أحبُّ الناس إليه ◌َّ: عنْ عائشةَ رَ عَنْهَ أنَّ قريشاً أهمّهمْ شأنُ المرأةِ المخزوميّةِ الّتي سرقتْ، فأمرَ النّبِيُّ ◌ََّ أنْ تقطعَ یدها. فقالوا: ومنْ يكلّمُ فيها رسولَ الله ◌ِّ؟ فقالوا: ومنْ يجترئُ عليهِ إلّا أسامةُ بنُ زيدٍ حبُّ رسولِ الله وَّ. فكلّمهُ فيها أسامةُ بنُ زیدٍ. فتلوّنَ وجهُ رسولِ الله وَّةِ، فقالَ: ((أتشفعُ في حدٍّ منْ حدودِ الله)). فقالَ لهُ أسامةُ: استغفرْ لي يا رسولَ الله. فلمّا كانَ العشيُّ، قامَ رسولُ الله ◌َّهِ، فاختطبَ، فأثنى على الله بما هوَ أهلهُ، ثمّ قالَ: ((أمّا بعدُ، فإنّما أهلكَ الّذينَ منْ قبلكمْ أنّهمْ كانوا إذا سرقَ فيهمْ الشّريفُ تركوهُ، وإذا سرق فيهمُ الضّعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ الله لوْ أنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدها)). ثُمَّ أمرَ بتلكَ المرأةِ الّتي سرقتْ، فقطعتْ يدها. قالتْ عائشةُ: فحسنتْ توبتها بعدُ، وتزوّجتْ، وكانتْ تأتيني بعدَ ذلكَ، فأرفعُ حاجتها إلى رسولِ الله وَليِ(٢). وفي رواية قالتْ: هلْ لي منْ توبة يا رسول الله؟ (١) رواه أحمد [٣٩٦٧]، وحسنه الألباني في السلسلة [١٦٣٧]. (٢) رواه البخاري [٤٣٠٤] ومسلم [١٦٨٨]. ٦٣٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليه ◌ِوسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ: ((أنتِ اليومَ منْ خطيئتك كيومٍ ولدتك أمّك))(١). من فوائد الحديث: فيهِ: منعُ الشّفاعة في الحدود إذا انتهى ذلكَ إلى أولي الأمرِ. قالَ أبو عمر بن عبد البرّ: لا أعلمُ خلافاً أنَّ الشّفاعة في ذوي الذّنوب حسنة جميلة ما لمْ تبلغْ السّلطانَ، وأنَّ على السّلطانِ أنْ يقيمها إذا بلغتهُ. وفيهِ: تركُ المحاباةِ في إقامة الحدّ على منْ وجبَ عليهِ، ولوْ كانَ ولداً، أوْ قريباً، أوْ كبير القدر، والتّشديد في ذلكَ، والإنكار على منْ رخّصَ فيهِ، أَوْ تعرّضَ للشّفاعةِ فيمنْ وجبَ عليهِ(٢). وكان ◌َّه يراعي في إقامة الحدود حال الضعيف والمريض من العصاة، فيوجد لهم المخارج الشرعية: عنْ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ قالَ: أَنّهُ اشتكى رجلٌ منهمْ حتّى أضنيَ(٣)، فعادَ جلدةً على عظمٍ. فدخلتْ عليهِ جاريةٌ لبعضهمْ، فهشَّ لها، فوقعَ عليها (٤). فلما دخلَ عليهِ رجالُ قومِهِ يعودونهُ، أخبرهمْ بذلكَ، وقالَ: استفتوا لي رسولَ الله ◌َِّ، فإنّ قدْ وقعتُ على جاريةِ دخلتْ عليّ. فذكروا ذلكَ لرسولِ الله وسلم . فقالَ: «اجلدوهُ ضربَ مائةِ سوطٍ)). فقالوا: يا نبيَّ الله، ما رأينا بأحدٍ منَ النّاسِ منَ الضّرِّ مثلَ الّذي هوَ بِهِ، لوْ ضربناهُ مائَةً سوطٍ ماتَ، ولوْ حملناهُ إليكَ؛ لتفسّختْ عظامهُ، ما هوَ إلّا جلدٌ على عظمٍ. (١) رواه أحمد [٦٦١٩] عن عبد الله بن عمرو رَّعنهم)، وصحح إسناده أحمد شاكر، وضعفه شعيب الأرناؤوط. (٢) فتح الباري [٩٥/١٢]. (٣) أيْ: أيْ أصابه الضّنى وهوَ شدة المرض حتّى نحل جسمه. النهاية [١٠٤/٣] (٤) وفي رواية ابن ماجة: فلمْ يرعْ إلاّ وهوَ على أمةٍ منْ إماءِ الدّارِ يخبثُ بها. ٦٣٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمرَ رسولُ الله ◌َّ﴿ أَنْ يأخذوا لهُ عثكالاً(١) فيهِ مائة شمراخ، فيضربوهُ بها ضربةً واحدةً(٢). ففي ضرب هذا الرجل بعثكال فيه مائة شمراخ بدلا من مائة سوط مفرّقة مراعاة لضعفه؛ لأنه لا يطيق الجلد بالسوط مفرّقاً، كما يضرب غيره من الأصحاء. قالَ ابن الهمام: ((وإذا زنى المريض وحدّه الرّجم بأنْ كانَ محصناً حدَّ لأنَّ المستحقّ قتله، ورجمه في هذهِ الحالة أقرب إليهِ. وإنْ كانَ حدّه الجلد لا يجلد حتّى يبرأ؛ لأنَّ جلده في هذه الحالة قدْ يؤدّي إلى هلاكه، وهوَ غير المستحقّ علیهِ. ولوْ كانَ المرض لا يرجى زواله كالسّلِّ أوْ كانَ خداجاً ضعيف الخلقة؛ فيضرب بعثكال فيهِ مائة شمراخ، فيضرب بهِ دفعة، ولا بدّ منْ وصول كلّ شمراخ إلى بدنه؛ ولذا قيلَ لا بدّ حينئذٍ أنْ تكون مبسوطة))(٣). وقال ابن القيم: ((وقد ثبت أن المحدودَ إذا كان معذوراً خفّفَ عنه، بأن يجمع له مائة شمراخٍ، أو مائة سوط، فيضربُ بها ضربةً واحدةً)) (٤). وكان يعلّم برفقٍ من ارتكب ذنباً جهلاً، أو خطأً، ولا يعنّقه عليه، فضلاً عن معاقبته: عنْ معاويةَ بنِ الحكمِ السّلميِّ قالَ: بينا أنا أصلّ معَ رسولِ الله وَ إِذْ عطسَ رجلٌ منْ القومِ. فقلتُ: يرحمكَ الله. فرماني القومُ بأبصارهمْ. فقلتُ: واثكلَ أمّياه! ما شأنكمْ تنظرونَ إليَّ؟ فجعلوا يضربونَ بأيديهمْ على أفخاذهمْ. (٥) (١) العشكال: العذقُ منْ أعذاق النّخلِ الّذي يكونُ فيهِ الرّطب. النهاية [٣/ ١٨٣] (٢) رواه أبو داود [٤٤٧٢] وابن ماجه [٢٥٧٤] وصححه الألباني في الصحيحة [٢٩٨٦]. (٣) فتح القدير [٢٤٥/٥]. (٤) إغاثة اللهفان [٢ / ٩٨]. (٥) فعلوا هذا ليسكتوهُ، وهذا قبل أنْ يشرع التّسبيح لمنْ نابهُ شيء في صلاته. ٦٣٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فلما رأيتهمْ يصمّتونني سكتُّ. فلمّا صلّى رسولُ الله ◌َّةِ، فبأبي هوَ وأمّي، ما رأيتُ معلّماً قبلهُ، ولا بعدهُ أحسنَ تعليماً منهُ، فوالله ما كهرني(١)، ولا ضربني، ولا شتمني. قالَ: ((إنَّ هذهِ الصّلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ منْ كلامِ النّاسِ، إنّما هوَ التّسبيحُ، والتّكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ))(٢). وفي هذا الحديثِ: بيان ما كانَ عليهِ رسول الله ◌َّهِ مِنْ عظيم الخلق الّذي شهدَ الله تعالى لهُ بهِ، ورفقه بالجاهلِ، ورأفته بأمّتِهِ، وشفقته عليهمْ(٣). وربما أزال المنكر عن المتلبس به بيده، إذا علم أن ذلك لا ينفّره: عنْ عبدِ الله بنِ عبّاسٍ رَوَعَنْهَا أَنَّ رسولَ الله ◌َّه رأى خاتماً منْ ذهبٍ في يدِ رجلٍ، فنزعهُ فطرحهُ. وقالَ: ((يعمدُ أحدكمْ إلى جمرةٍ منْ نارٍ، فيجعلها في يدهِ؟!)). فقيلَ للرّجلِ: بعدَ ما ذهبَ رسولُ الله ◌َّ: خذْ خاتمكَ، انتفعْ بِهِ. قالَ: لا والله، لا آخذهُ أبداً، وقدْ طرحهُ رسولُ الله ◌َِّ(٤). قال النووي: «فيه المبالغة في امتثال أمر رسول الله ێ، واجتناب نهيه، وعدم التّرخْص فيهِ بالتّأويلاتِ الضّعيفة. ثمَّ إِنَّ هذا الرّجل إنّما تركَ الخاتم على سبيل الإباحة لمنْ أرادَ أخذه منَ الفقراء وغیرهمْ، وحينئذٍ يجوز أخذه لمنْ شاءَ، فإذا أخذهُ جازَ تصرّفه فيهِ. ولوْ كانَ صاحبه أخذُ؛ لمْ يحرم عليهِ الأخذ، والتّصرّف فيهِ بالبيعِ وغيره. ولكنْ تورّعَ عنْ أخذه وأرادَ الصّدقة بهِ على منْ يحتاج إليهِ؛ لأنَّ النّبيّ وَ لمْ (١) أيْ: ما انتهرني. (٢) رواه مسلم [٥٣٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٠/٥]. (٤) رواه مسلم [٢٠٩٠]. ٦٣٨ تعاملات النبيّ صَ لَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينههُ عنِ التّصرّف فيهِ بكلِّ وجه، وإنّما نهاهُ عنْ لبسه، وبقيَ ما سواهُ منْ تصرّفه على الإباحة))(١). ومن ذلك ما جاء عنْ أبي ثعلبةَ الخشنيِّ رَعَهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َّهِ أَ بصرَ في يدهِ خاتماً منْ ذهبٍ، فجعلَ یقرُ يدهُ بعودٍ معهُ. فلّا غفلَ النّبِيُّ ◌َّ أَخذَ الخاتمَ، فرمی بهِ. فنظرَ النّبِيُّ ◌َّهَ، فلمْ يرهُ في إصبعِهِ، فقالَ: ((ما أرانا إلّا قدْ أوجعناكَ، وأغرمناكَ))(٢). وقد بوب عليه ابن حبان في صحيحه (١ / ٥٣٨) بقوله: ((ذكر جواز زجر المرء المنكر بیده دون لسانه، إذا لم یکن فیه تعدٍّ)). وربما اقتصر على الإعراض عنه: عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَنهُ: أنَّ رجلاً قدمَ منْ نجرانَ إلى رسولِ الله وَّةِ، وعليهِ خاتمٌ منْ ذهبٍ. فأعرضَ عنهُ رسولُ اللهِ وَّةِ، وقالَ: ((إنّكَ جئتني، وفي يدكَ جمرةٌ منْ نارٍ))(٣). وكان كثيراً ما يقول عند الإنكار: ((ما بال أقوام)) ولا يصرّح بأسمائهم: عنْ عائشةَ رَّ ◌َتها قالتْ: أتتها بريرةُ تسألها في كتابتها فقالتْ: إنْ شئتِ أعطيتُ أهلكِ ويكونُ الولاءُ لي. وقالَ أهلها: إنْ شئتِ أعتقتها ويكونُ الولاءُ لنا. فلّا جاءَ رسولُ الله ◌َّه ذكّرَتَهُ ذلكَ فقالَ النّبِيُّ وَّهِ: ((ابتاعيها فأعتقيها؛ فإنَّ الولاءَ لمنْ أعتقَ)). ثُمَّ قَامَ رسولُ الله ◌َّه على المنيرِ فقالَ: ((ما بالُ أقوام يشترطونَ شروطاً ليسَ في كتابٍ الله؟! منْ اشترطَ شرطاً ليسَ في كتابِ الله فليسَ لهُ وإنْ اشترطَ مائَةَ مرّةٍ)(٤). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٦٦]. (٢) رواه النسائي [٥١٩٠]، وأحمد [١٧٢٩٥] وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٣٠٣]. (٣) رواه النسائي [٥١٨٨] وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٢٢٦/٢]. (٤) رواه البخاري [٤٥٦] ومسلم [١٥٠٤] ٦٣٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّ عليّ ◌ِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وعنْ أبي حميدِ السّاعديِّ رَّعَنْهُ قالَ: استعملَ رسولُ اللهِ وَّه رجلاً على صدقاتِ بني سليمٍ يدعى ابنَ اللّتبيّةِ. فلّا جاءَ حاسبهُ(١). فجعل يقول: هذا لكمْ، وهذا أهدي لي. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «فهلًا جلستَ في بيتِ أبيكَ، وأمّكَ؛ حتّى تأتيكَ هديّتكَ إنْ كنتَ صادقاً)). ثُمَّ خطبنا، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ. ثُمَّ قالَ: ((أما بعدُ، فما بالُ العاملِ نستعملهُ، فيأتينا، فيقولُ: هذا منْ عملكمْ، وهذا أهديَ لي، فهلّا جلسَ في بيتِ أبيهِ وأمّهِ، فينظرَ يهدى لهُ أمْ لا؟! فوالّذي نفسُ محمّدٍ بيدهِ لا يغلُّ أحدكمْ منها شيئاً إلّا جاءَ بهِ يومَ القيامةِ يحملهُ على عنقِهِ، إنْ كانَ بعيراً جاءَ بهِ لهُ رغاءٌ، وإنْ كانتْ بقرةً جاءَ بها لها خوارٌ، وإنْ كانتْ شاةً جاءَ بها تيعرُ)). ثَّ رفعَ يدهُ حتّى رئيَ بياضُ إبطهِ يقولُ: ((اللهمَّ هلْ بلّغتُ؟ اللهمَّ هلْ بلّغتُ))، ثلاثاً(٢). وعنْ عائشةَ رَنْهَا قالتْ: كَانَ النّبيُّ ◌َلَه إذا بلغهُ عنْ الرّجلِ الشّيءُ لمْ يقَلْ ما بالُ فلانٍ يقولُ، ولكنْ يقولُ: ((ما بالُ أقوامٍ يقولونَ كذا وكذا))(٣). قال ابن القيم: ((كان النبي ◌َّ- لا يواجه أحدا بما يكرهه، بل يقول: وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا؟)) (٤). وربما غضب من بعضهم، وشدّد له في القول: عنْ عمرانَ بنِ حصينٍ رَهُ أَنَّ رجلاً منَ الأنصارِ أوصى عندَ موتِهِ، فأعتقَ ستّةً مملوكينَ لهُ، ولم یکنْ لهُ مالٌ غیرهمْ. (١) أيْ: أمرَ منْ يحاسبهُ ويقبض منهُ. (٢) رواه البخاري [٢٥٩٧]، ومسلم [١٨٣٢]. (٣) رواه أبو داود [٤٧٨٨] وصححه الألباني. (٤) زاد المهاجر إلى ربه [ص ٦٧].