Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثمَّ جاءهُ فقالَ: أقلني بيعتي.
فأبی.
ثمَّ جاءهُ فقالَ: أقلني بيعتي.
فأبى، فخرجَ الأعرابيُّ(١).
فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنّما المدينةُ كالكيرِ تنفي خبثها، وينصعُ طيّها))(٢).
قالَ العلماء: إنّما لمْ يَقلهُ النّبيّ ◌َّه بيعته، لأنّهُ لا يجوز لمنْ أسلمَ أنْ يترك الإسلام، ولا لمنْ
هاجرَ إلى النّبيّ وَّ للمقام عنده أنْ يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أوْ غيره. وهذا الأعرابيّ
كانَ مَّنْ هاجرَ وبايعَ النّبِيّ ◌ََّ على المقام معهُ(٣).
((إنّما المدينةُ كالكيرِ)) كير الحدّاد، وهوَ المبنيُّ منَ الطّين. وقيلَ: الزّقُّ الّذي ينفخ بِهِ النّار،
والمبنيُّ: الكورُ(٤).
((تنفي خبثها)) هوَ ما تلقيهِ منْ وسخِ الفضّةِ والنّحاسِ وغيرهما إذا أذيبا.
والمعنى: تطردُ المدينةُ منْ لا خيرَ فيهِ وتخرجهُ.
((وينصعُ طيّها)) أيْ: يصفو ويخلص ويتميّز، ومعنى الحديث: أنّهُ يخرج منَ المدينة منْ لمْ
يخلص إيمانه، ويبقى فيها منْ خلصَ إيمانه(٥).
قالَ ابنُ المنيرِ: ((ظاهرُ هذا الحديثِ ذُّ منْ خرجَ منَ المدينةِ، وهوَ مشكلٌ؛ فقدْ خرجَ منها
جمعٌ كثيرٌ منْ الصّحابةِ، وسكنوا غيرها منَ البلادِ، وكذا منْ بعدهمْ منَ الفضلاءِ.
والجوابُ: أنَّ المذمومَ منْ خرجَ عنها كراهةً فيها، ورغبةً عنها كما فعلَ الأعرابيُّ
(١) أيْ: منْ المدينةِ راجعاً إلى البدوِ.
(٢) رواه البخاري [١٨٨٣]، ومسلم [١٣٨٣].
(٣) شرح النووي على مسلم [٩/ ١٥٦].
(٤) النهاية [٤/ ٢١٧].
(٥) تحفة الأحوذي [٢٨٩/١٠].

٦٠١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
المذكورُ، وأمّا المشارُ إليهمْ فإنّما خرجوا لمقاصدَ صحيحةٍ، كنشرِ العلمِ، وفتحِ بلادٍ
الشّركِ، والمرابطةِ في الثّغورِ وجهادِ الأعداءِ، وهمْ معَ ذلكَ على اعتقادِ فضلِ المدينةِ
وفضلِ سكناها(١).
وكان يزجرهم عن النظر في البيوت من غير استئذان:
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَعَنْهُ: أنَّ أعرابيّاً أتى بابَ رسولِ الله ◌َّهِ، فألقمَ عينهُ خصاصةَ
البابِ(٢). فبصَر بِهِ النّبِيُّ ◌ََّ، فتوخّاهُ(٣) بحديدةٍ، أَوْ عودٍ؛ ليفقاً عينهُ.
فلمّا أنْ بصرَ انقمعَ (٤).
فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َلِ: ((أما إنّكَ لوْ ثبتَّ؛ لفقأْتُ عينكَ))(٥).
صَلىالله
وسلم
عنْ سهلٍ بِنِ سعدٍ رَّهُ قالَ: اطّلعَ رجلٌ منْ جحرٍ في حجرِ النّبِّوَِّ، ومعَ النّبيِّ
مدرّی یحتُّ بهِ رأسهُ.
فقالَ: (لوْ أعلمُ أنّكَ تنظرُ؛ لطعنتُ بهِ في عينكَ، إنّما جعلَ الاستئذانُ منْ أجلِ البصِ)) (٦).
قال النووي: ((معناهُ: أنَّ الاستئذان مشروع ومأمور بهِ، وإنّما جعلَ لئلّا يقع البصر على
الحرام، فلا يحلُّ لأحدٍ أنْ ينظر في جحر باب ولا غيره ممّا هوَ متعرّض فيهِ؛ لوقوعِ بصره على
امرأة أجنبيّة.
وفي هذا الحديث: جواز رمي عين المتطلّع بشيءٍ خفيف، فلوْ رماهُ بخفيفٍ ففقأها؛ فلا
ضمان، إذا كانَ قدْ نظر في بیت لیسَ فیهِ امرأة محرم)»(٧).
(١) فتح الباري [٢٠٠/١٣].
(٢) الخصاصة: الفرجة، والمعنى جعلَ فرجة الباب محاذيَ عينه كأنهّا لقمة لها.
(٣) أيْ: طلبهُ.
(٤) أيْ: ردَّ بصره ورجعَ.
(٥) رواه النسائي [٤٨٥٨]، وصححه الألباني.
(٦) رواه البخاري [٥٩٢٤]، ومسلم [٢١٥٦].
(٧) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ١٣٧].

٦٠٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
و کان یزور مریضهم، ويدعو لهم:
عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَ أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ دخَلَ على أعرابيِّ يعودُهُ.
قالَ: وكانَ النّبِيُّ ◌ََّ إِذا دخلَ على مريضٍ يعودهُ قالَ: ((لا بأسَ طهورٌ إنْ شاءَ الله))، فقالَ
لهُ: ((لا بأسَ طهورٌ إنْ شاءَ الله)).
قالَ: قلت: طهورٌ! كلّا بلْ هيَ حمّى تفورُ، أوْ تثورُ على شيخٍ كبيرٍ تزيرهُ القبورَ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((فنعمْ إذا)(١).
وفي رواية: ((فما أمسى منَ الغدِ إلّا ميّاً) (٢).
((لا بأسَ)) لا بأس يعني: لا شدّةَ عليك، ولا أذى.
(طهورٌ إنْ شاءَ الله)) يعني: هذا طهورٌ إن شاء الله، وإنما قال النبي ◌َّ- إن شاء الله؛ لأن
هذه جملة خبريّةٌ، وليست جملة دعائيّةً؛ لأن الدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به، ولا يقول إن
شئتَ.
ولهذا نهى النبي ◌َّ أن يقول الرجل ((اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئتَ))(٣).
لا تقل هذا؛ لأن الله لا مكره له، إن شاء غفر لك، وإن شاء لم يغفر ولم يرحم، فلا يقال: إن
شئتَ إلا لمن له مكره، أو لمن يستعظمُ العطاء، فإذا سألتَ الله فلا تقل إن شئتَ.
أما قولُ إن شاء الله في قول النبيِّ مَّ لا بأس طهور إن شاء الله، فهذا؛ لأنه خبر وتفاؤل،
فيقول: لا بأس، کأنه ینفي أن یکون به بأس.
ثم يقولُ: إن شاء الله؛ لأن الأمر كلّه بمشيئة الله عَجَلَّ(٤).
((فنعمْ إذاً)) الفاء فيهِ معقّبة لمحذوفِ تقديره: إذا أبيت فنعمْ، أيْ: كانَ کما ظننت.
(١) رواه البخاري [٣٦١٦].
(٢) رواه الطبراني [٧٢١٣] عن شر حبيل، وقال الهيثمي: ((فيه من لم أعرفه)). مجمع الزوائد [٣٩/٣].
(٣) رواه البخاري [٦٣٣٩]، ومسلم [٢٦٧٩] عن أبي هريرة رَّعَنْهُ.
(٤) شرح رياض الصالحين [٤٨٤/٤] لابن عثيمين.

٦٠٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
من فوائد الحدیث:
فيهِ: أنه ينبغي لمن عاد المريضَ إذا دخل عليه أن يقول: لا بأس طهور إن شاء الله.
وفيهِ: أنّهُ لا نقصَ على الإمام في عيادة مريض منْ رعيّته ولوْ كانَ أعرابيّاً جافيا، ولا على
العالم في عيادة الجاهل؛ ليعلّمهُ ويذكّرهُ بما ينفعهُ ويأمرهُ بالصّيرِ لئلّا يتسخّط قدر الله فيسخط
عليهِ ويسلّيه عنْ ألمه بل يغبطهُ بسقمِهِ، إلى غير ذلكَ منْ جبر خاطره وخاطر أهله.
وفيهِ: أنّهُ ينبغي للمريضِ أنْ يتلقّى الموعظة بالقبولِ، ويحسن جواب منْ يذكّرُهُ بذلكَ(١).
و کان ێ يقبلُ هدایاهم، ویکافئهم عليها:
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَنه: أنَّ رجلاً منْ أهلِ الباديةِ كانَ اسمهُ زاهراً(٢)، كانَ يهدي
للنّبِّ ◌ََّ الهديّةَ منَ الباديةِ، فيجهّزهُ رسولُ الله ◌َّه إذا أرادَ أنْ يخرجَ.
فَقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((إنَّ زاهراً باديتنا، ونحنُ حاضروُ)).
وكانَ النّبِيُّ ◌َّه يُحِبّهُ، وكانَ رجلاً دميماً، فأتاهُ النّبِيُّ ◌َّ يوماً، وهوَ يبيعُ متاعهُ، فاحتضنُهُ
منْ خلفهِ، وهوَ لا يبصرهُ.
فقالَ الرّجلُ: أرسلني، منْ هذا؟
فالتفتَ، فعرفَ النّبِيَّ وَِّ، فجعلَ لا يألو ما ألصقَ ظهرهُ بصدرِ النّبِيِّنَِّ حِينَ عرفهُ.
وجعلَ النّبِيُّ ◌َّ يقولُ: (منْ يشتري العبدَ؟)(٣).
فقالَ: يا رسولَ الله إذاً والله تجدني كاسداً.
فقالَ النّبِيُّ وَِّ: ((لكنك عندَ الله لستَ كاسدا)) أوْ قالَ: ((لكنْ عندَ الله أنتَ غالٍ))(٤).
(١) ينظر: فتح الباري [١٠/ ١١٩]، شرح رياض الصالحين [٤٨٤/٤] لابن عثيمين.
(٢) هو زاهر بن حرام، كان بدویا من أشجع الناس.
(٣) وهذا من مزاحه وَّ الذي لا يقول فيه إلا حقّاً حيث أطلق عليه العبد؛ لكون الناس كلّهم عبيد الله.
(٤) رواه أحمد في مسنده [١٢٢٣٧]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٥٧٦٠].

٦٠٤
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((باديتنا) أي: ساكن باديتنا، أو يهدي إلينا من صنوف نبات البادية، وأنواع ثمارها فصار
كأنه باديتنا، أو إذا احتجنا متاع البادية جاء به إلينا، فأغنانا عن الرحيل.
((ونحنُ حاضروهُ)) أي: نجهّزه بما يحتاجه من الحاضرةِ، أو أنه لا يقصد بالرجوع إلى
الحاضرة إلا مخالطتنا.(١)
((وكانَ رجلاً دميً)) أي: قبيح الصورة، مع كونه مليحَ السيرة.
ففيه التنبيه على أن المدار على حسن الباطن، ولذا جاء في الحديث: ((إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى
صوركمْ، وأموالكمْ، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبكمْ، وأعمالكمْ))(٢).
وعن أبي هريرة ◌َّ عَنهُ: أنَّ أعرابيّاً أهدى لرسولِ اللهِ وَلَه بكرةً(٣)، فعوّضهُ منها ستَّ
بكراتٍ، فتسخّطهُ(٤).
فبلغَ ذلكَ النّبِيّ ◌ََّ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ثمَّ قالَ: ((إنَّ رجالاً منَ العربِ يهدي أحدهمْ
الهديّةَ، فأعوّضهُ منها بقدرِ ما عندي، ثمَّ يتسخّطهُ فيظلُّ يتسخّطُ عليَّ، ولقدْ هممتُ أنْ لا
أقبلَ هديّةً إِلَّ مِنْ قرشِيٌّ، أوْ أنصاريٌّ، أوْ ثقفيٍّ، أَوْ دوسيٍّ)(٥).
قالَ التّوربشتيُّ: ((كرهَ قبولَ الهديّةِ مَّنْ كانَ الباعثُ لهُ عليها طلبَ الاستكثارِ، وإنّما
خصَّ المذكورينَ فيهِ بهذِهِ الفضيلةِ؛ لما عرفَ فيهمْ منْ سخاوةِ النّفْسِ، وعلوِّ الهمّةِ، وقطعِ
النّظرِ عنْ الأعواضِ))(٦).
(١) فيض القدير [٤٥٢/٢].
(٢) رواه مسلم [٢٥٦٤] عن أبي هريرة رَّلَهُ عَنْهُ. جمع الوسائل في شرح الشمائل [٢٩/٢] للقاري.
(٣) البكرُ من الإبل بمنزلة الفتى من الناس. النهاية [١٤٩/١]
(٤) أيْ: كرهاً ولم يرضَ بها، وإنّما تسخّطَ الأعرابيُّ لأنَّ طمعهُ في الجزاءِ كانَ أكثرَ؛ لما سمعَ منْ فيضِ جودِهِ وَّ. تحفة
الأحوذي [١٠/ ٣٠٨]
(٥) رواه الترمذي [٣٩٤٥]، وأبو داود [٣٤٣٧]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٢١١٩].
(٦) تحفة الأحوذي [١٠/ ٣٠٨].

٦٠٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وربما تعدّی علیه بعضھم، فصبر واحتمل مخاصمته:
عنْ عمارةَ بنِ خزيمةَ أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبيِوَّةِ: أنَّ النّبِيَّ وََّ ابتاعَ فرساً
منْ أعرابيٍّ، فاستتبعهُ النّبِيُّ وَِّ؛ ليقضيهُ ثمنَ فرسِهِ (١).
فأسرعَ رسولُ الله ◌َّه المشيَ، وأبطأَ الأعرابيُّ.
فطفقَ رجالٌ يعترضونَ الأعرابيَّ، فيساومونهُ بالفرسِ، ولا يشعرونَ أنَّ النّبِيَّ ◌َّ ابتاعهُ،
حتّى زادَ بعضهمْ في السّومِ على ما ابتاعهُ بهِ منهُ.
فنادى الأعرابيُّ رسولَ الله وَّةِ، فقالَ: إنْ كنتَ مبتاعاً هذا الفرسِ وإلّا بعتهُ !.
فقامَ النّبِيُّ ◌ََّ حِينَ سمعَ نداءَ الأعرابيِّ فقالَ: ((أَوْ ليسَ قدْ ابتعتهُ منكَ)).
فقالَ الأعرابيّ: لا والله ما بعتكهُ!
فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((بلى قدْ ابتعتُهُ منكَ)).
فطفقَ النّاسُ يلوذونَ بِالنّبِّ وَّه وبالأعرابيِّ وهما يتراجعانِ(٢)، وطفقَ الأعرابيُّ يقولُ:
هلمَّ شاهداً يشهدُ أنّي قدْ بعتكهُ.
فقالَ خزيمةُ بنُ ثابتٍ: أنا أشهدُ أنّكَ قدْ بايعتهُ.
فأقبلَ النّبِيُّ ◌َِّ على خزيمةَ فقالَ: ((بمَ تشهدُ؟».
فقالَ: بتصديقكَ يا رسولَ الله، فجعلَ رسولُ اللهِوَلِّ شهادةَ خزيمةَ بشهادةِ
رجلينٍ(٣).
((بشهادةِ رجلينٍ)) وقد ظهر أثر ذلك عند جمع القرآن؛ فعنْ خارجةَ بنِ زيدٍ أنَّ زيدَ بنَ
ثابتٍ رَّ ◌َنهُ قالَ: نسختُ الصّحفَ في المصاحفِ، ففقدتُ آيَةً منْ سورةِ الأحزابِ كنتُ
أسمعُ رسولَ الله ◌َّ يقرأُ بها، فلمْ أجدها إلّا معَ خزيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ الّذي جعلَ
(١) أيْ: قَالَ للأعرابيّ: اتّبعني.
(٢) أيْ: يتعلّقونَ بهما ويحضرونَ مكالمتهما.
(٣) رواه أحمد [٢١٣٧٦]، وأبو داود [٣٦٠٧] والنسائي [٤٦٤٧]، وصححه الألباني في الإرواء [١٢٨٦].

٦٠٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رسولُ الله ◌َّه شهادتهُ شهادةَ رجلينٍ، وهوَ قولهُ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣](١).
وربما اشتدّ عليه بعضهم في الكلام فيحتمل منه ذلك:
عن أبي سعيد الخدري رََّنهُ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النّبِيِّنَّه يتقاضاهُ ديناً كانَ عليهِ،
فاشتدَّ عليهِ حتّى قالَ لهُ: أحرّجُ عليكَ إلّا قضيتني!
فانتهرهُ أصحابهُ، وقالوا: ويحكَ تدري منْ تكلّمُ؟!
قالَ: إنّي أطلبُ حقّي.
فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((هَلَا معَ صاحبِ الحقِّ كنتمْ!».
ثمَّ أرسلَ إلى خولةَ بنتِ قيسٍ، فقالَ لها: ((إنْ كانَ عندكِ تمرٌّ، فأقرضينا حتّى يأتينا تمرنا،
فنقضیك)).
فقالتْ: نعمْ بأبي أنتَ يا رسولَ الله.
فأقرضتهُ، فقضى الأعرابيَّ وأطعمهُ (٢).
فقالَ: أو فيتَ أوفى الله لكَ.
فقالَ وَّ: «أولئكَ خيارُ النّاسِ، إنّهُ لا قدّستْ أمّةٌ لا يأخذُ الضّعيفُ فيها حقّهُ غيرَ
متعتعٍ (٣) (٤).
وعن عائشة رَهُ عَنْهَا قالت: ابتاعَ رسولُ اللهِ وَّه مِنْ رجلٍ منْ الأعرابِ جزوراً بوسقٍ
منْ تمرِ الذّخرةِ (٥).
(١) رواه البخاري [٢٨٠٧].
(٢) أيْ: أعطاهُ زائداً على حقّهِ طعمةً لهُ.
(٣) أيْ منْ غير أنْ يصيبهُ أَذَّى يقلقهُ ويزعجهُ.
(٤) رواه ابن ماجه [٢٤٢٦] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٢٤٢١].
(٥) تمرُ الذّخرةِ: العجوةُ.

٦٠٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فرجعَ بِهِ رسولُ الله ◌َله إلى بيتِهِ، والتمسَ لهُ التّمَرَ، فلمْ يجدهُ.
فخرجَ إليهِ رسولُ الله ◌َّه فقالَ لهُ: «يا عبدَ الله إنّا قدْ ابتعنا منكَ جزوراً بوسقٍ منْ تمِرِ
الذّخرةِ، فالتمسناُ فلمْ نجدُ».
فقالَ الأعرابيُّ: وا غدراهُ !!
قالتْ: فنهمهُ النّاسُ، وقالوا: قاتلكَ الله أيغدرُ رسولُ اللهِ وَّةِ؟!
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((دعوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً)).
ثمّ عادَ لهُ رسولُ اللهِ وَّةِ، فقالَ: ((يا عبدَ الله إنّا ابتعنا منكَ جزوراً، ونحنُ نظنُّ أنَّ عندنا
ما سمّینا لكَ، فالتمسناهُ فلمْ نجده».
فقالَ الأعرابيُّ: وا غدراهُ!
فنهمهُ النّاسُ وقالوا: قاتلكَ الله أيغدرُ رسولُ الله ◌َّةٍ .
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((دعوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً)).
فردّدَ ذلكَ رسولُ الله ◌َّ مرّتينِ أوْ ثلاثاً.
فلمّا رآهُ لا يفقهُ عنهُ، قالَ لرجلٍ منْ أصحابهِ: اذهبْ إلى خويلةَ بنتِ حكيمٍ بنِ أميّةً فقلْ
لها: ((رسولُ الله ◌َلَه يقولُ لكِ: إِنْ كانَ عندكِ وسقٌّ منْ تمرِ الذّخرةِ فأسلفيناهُ حتّى نؤدّيهُ
إليكِ إنْ شاءَ الله)).
فذهبَ إليها الرّجلُ ثمَّ رجعَ الرّجلُ فقالَ: قالتْ: نعمْ هوَ عندي يا رسولَ الله فابعثْ
منْ يقبضهُ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّه للرّجالِ: ((اذهبْ بهِ فأوفِهِ الّذي لهُ)).
فذهبَ بهِ فأوفاهُ الّذي لهُ.
فمرَّ الأعرابيُّ بِرسولِ اللهِ وَّه وهوَ جالسٌ في أصحابهِ فقالَ: «جزاكَ الله خيراً فقدْ أو فيتَ
وأطيبتَ!)).

٦٠٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أولئكَ خيارُ عبادِ الله عندَ الله يومَ القيامةِ الموفونَ المطيبونَ))(١).
وكان ◌َله ربما عاتبهم على بعض أفعالهم وقسوتهم:
عن أبي هريرةَ رَهُ عَنْهُ قالَ: قبّلَ رسولُ اللهِوَّه الحسنَ بنَ عليٍّ، وعندهُ الأقرعُ بنُ حابسٍ
التّميميُّ جالساً.
فقالَ الأقرعُ: إنَّ لي عشرةَ منَ الولِدِ ما قبّلتُ منهمْ أحداً.
فنظرَ إليهِ رسولُ الله ◌َّةِ، ثمّ قالَ: ((منْ لا يرحمُ لا يرحمُ)) (٢).
وعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: جاءَ أعرابيٌّ إلى النّبِّ ◌َِّ، فقالَ: تقبّلونَ الصّبيانَ؟ فما نقبّلهمْ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((أو أملكُ لكَ أنْ نزعَ الله منْ قلبكَ الرّحمةَ؟))(٣).
(١) رواه أحمد [٢٥٧٨٠]، وقال الهيثمي: ((إسناده صحيح)). مجمع الزوائد [٢٤٨/٤]، وحسنه الأرنؤوط.
(٢) رواه البخاري [٥٩٩٧]، ومسلم [٢٣١٨].
٩ (٣) رواه البخاري [٥٩٩٨]، ومسلم [٢٣١٧].

٦٠٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة
النّاسُ مختلفونَ في أخلاقهمْ
قلبٌ كما اللّبنِ الحلیبِ بیاضهُ
وسواهُ قلبٌ كالصّفا متحجّرٌ
سكنَ الصّحارى مسنداً لصخورها
جاءوا النّبيَّ بجهلمْ وجفائهمْ
يأتي الجهولُ يشدّهُ منْ ثوبهِ
ضحكَ النّبيُّ لهُ، وأعطاهُ الّذي
ويبولُ جاهلهمْ بمسجدهِ، فلمْ
إنَّ المساجدَ عظّمتْ حرماتها
بنيتْ لذكرِ الله جلَّ جلالهُ
يغضي عنِ الإغلاظِ منهمْ والجفا
بلْ جاءَ يوماً خائنٌ يغتالهُ
رفعَ السّلاحَ على النّبي وقالَ: ((منْ
فأجابهُ: ((الله))، فانبهتَ الفتى
أخذَ النّبيُّ سلاحهُ، لكنْ عفا
لكنْ إذا قتلوا البريءَ، وأفسدوا
يقتصُّ منهمْ بالعدالةِ حاكماً
ويجالسُ الأعرابَ دونَ تكبِّرٍ
ويوضّحُ الأمثالَ منْ بيئاتهمْ
ويزورُ مرضاهمْ، ويدعو بالشّفا
قبلَ الهدايا منهمُ، وأثابهمْ
بلْ زادَ أضعافاً، وشيمتهُ النّدى
وطباعهمْ كتنوّعِ الألوانِ
متشبّعٌ بتعطّفٍ وحنانِ
بلْ ربّما أقسى منَ الصّوّانِ
فلذا هما صنوانِ مشتبهانِ
فيروضهمْ بالحلمِ والإحسانِ
فانشقّ منْ جذبِ الجهولِ الجاني
يرجو بلا عنفٍ ولا حرمانِ
يزجرهُ بالتّعنيفِ قبلَ بيانِ
ليستْ لهذاكَ الأذى بمكانٍ
وصلاتنا، وقراءةِ القرآنِ
منْ سوءِ أخلاقٍ، وقبحِ لسانِ
غدراً كفعلِ مخادعِ خوّانِ
يحميكَ منّي))، لاتَ حَينَ أمانٍ
وكأنّها قدْ شلّتِ الكفّانِ
والعفوُ يحملُ ساعةَ الإمكانِ
في الأرضِ، وارتدّوا عنِ الإِيمانِ
ومعاقباً بالحزمِ دونَ تواني
ويضيفهمْ بكرامةِ الضّيفانِ
لهمُ، وتلكَ حلاوةُ التّبيانِ
ومبشّراً بالطّهرِ والغفرانِ
ليقابلَ الإحسانَ بالإحسانِ
مثلَ السّحَابِ الصّيّبِ الهَّانِ

٦١١
الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح دعوية مخصوصة
تعامل النبي ◌َّلاة مع العصاة والمذنبين
لقد كان أصحابُ النبيِّ محمدٍ وَلّ من أعظم الناس تعظيماً لحرمات الله، وأكثرهم خشيةً
له، وأعظمهم خوفاً منه.
لقد كانوا يعظّمون المعاصيَ فيجتنبونها، ومع ذلك لم يخلُ مجتمعهم ممن استزلّه الشيطانُ
وهوى النفس، فوقعَ في بعض الذنوب والمعاصي خصوصاً أنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية.
ولكنّهم كانوا سرعان ما يتوبون ويرجعون، وينيبون، حتى ولو أدّى الأمرُ إلى إزهاق
الأرواح وبذل المهج في سبيل التخلّص من عقاب الله يوم الدين.
فينبغي لنا أن نقف على منهج النبيِّ ◌َّ في التعامل مع هؤلاء العصاة والمذنبين.
وقد أمر الله العصاة في زمانه أن يأتوا إليه؛ ليستغفر لهم الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ
أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴾
[النساء: ٦٤].
فهم لا يأتونك يا محمد لتغفر لهم، ولكن لتطلب لهم من الله المغفرة.
كان ◌َّ-رفيقاً رحيماً بهم، ويعاملهم بمبدأ الشفقة والرّأفة، ويبيّنُّ لهم شناعةَ المعصيةِ،
ويستعمل معهم الخطاب العقليَّ أحياناً:
عنْ أبي أمامةَ رَّهُ قالَ: إِنَّ فَتَّى شابّاً أتى النّبِيَّ ◌َِّ، فقالَ: يا رسولَ الله، ائذن لي بالزّنا.
فأقبلَ القومُ عليهِ، فزجروهُ. قالوا: مهْ مهْ.
فقالَ: ((ادنهْ)). فدنا منهُ قريباً.
قالَ: فجلسَ. قالَ: ((أتحبّهُ لأمّكَ؟)).

٦١٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لأمّهاتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لابنتكَ؟)).
قالَ: لا والله يا رسولَ الله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لبناتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لأختكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونَهُ لأخواتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لعمّتكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونَهُ لعّاتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لخالتكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونَهُ لخالاتهمْ)).
قالَ: فوضعَ يدهُ عليهِ، وقالَ: ((اللهمَّ اغفرْ ذنبهُ، وطهّرْ قلبهُ، وحصّنْ فرجهُ)). فلمْ يكنْ
بعدُ ذلكَ الفتى يلتفتُ إلى شيءٍ(١).
فكما أن لك محارمَ فللناس محارمُ، والمزني بها هي -ولابد- أخت إنسان أو أمه أو عمته ..
الخ، فإن كنتَ ترضاه لنفسك فهذه نقيصةٌ، وإن كنتَ لا ترضاه لنفسك، فكيف ترضاه
للناس؟
وهكذا استدل النبي وَّ بقبح الزنا في أعين الناس؛ فإنهم لا يرضونه لأمهاتهم، ولا
لبناتهم، ولا لمحارهم، فعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وما تكرهه لنفسك فاكرهه
للناس.
إن الإقناع العقلي إذا انضاف إلى خشية الله مما ينتظرُ المذنبَ يوم القيامة من العذاب
أصبح الحاجز عن الذنوب أقوى وأقوى.
(١) رواه أحمد [٢١٧٠٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٣٧٠]، وقد سبق.

٦١٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِ وَسًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وهنا كفَّ الشاب عن نزوته المحرّمة، وأبغض الزنا عن قناعة. ولو أن كل شابٌّ طبّق
هذا الحديثَ في نزواته لما زنى أحدٌ؛ لأنه لا يرضى ذلك في محارمه(١).
لقد تعامل معه ◌َ له بكل رفق ورحمة، كيف لا، وقد أخبر الله عنه بقوله: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
[آل عمران: ١٥٩]، وهذه شهادة من الله تعالى لنبيّه ◌َ له برحمته بالناس كافة ذكرهم وأنثاهم،
صغیرهم و کبیرهم، برهم وفاجرهم.
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾، أي: لو كنت سيَّ الكلام
قاسيَ القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكنَّ الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم
تأليفاً لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو رَوَّنُ: إنه رأى صفة رسول الله مَّ﴾ في الكتب
المتقدمة: أنه ((ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة،
ولكن يعفو ويصفح(٢)).(٣)
وكان يدلهّم على الأعمال الصالحة التي تكفّر معاصيهم، وتكون سبباً في قبول توبتهم:
عنْ عبد الله بنِ مسعودٍ رَّهُ قال: جاءَ رجلٌ إلى النّبِّ ◌َّ فقالَ: يا رسولَ الله إنّ عالجتُ
امرأةً(٤) في أقصى المدينةِ، وإنيّ أصبتُ منها ما دونَ أنْ أمسّها، فأنا هذا، فاقضٍ فيَّ ما شئتَ.
فقالَ لهُ عمرُ: لقدْ ستركَ الله لوْ سترتَ نفسكَ !!
فلمْ يردَّ النّبِيُّ ◌َِّ شيئاً.
فقامَ الرّجلُ، فانطلقَ.
فأتبعهُ النّبيُّ نَّهرجلاً دعاهُ، وتلا عليهِ هذهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ
الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ ﴾ [هود: ١١٤].
(١) شرح الأربعين النووية [٣٦/ ١١] للشيخ عطية سالم.
(٢) رواه البخاري [٤٨٣٨]
(٣) تفسير ابن كثير [١٤٨/٢].
(٤) أي: تناولها واستمتع بها.

٦١٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ رجلٌ منَ القوم: يا نبيَّ الله هذا لهُ خاصّةً؟
قالَ: ((بلْ للنّاسِ كافّةً)(١).
وفي رواية البخاري: ((لجميعٍ أمّتي كلّهمْ)).
﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: هذه الصلواتِ الخمس، وما ألحقَ بها من
التطوّعات من أكبرِ الحسناتِ، وهي: مع أنها حسنات تقرّبُ إلى الله، وتوجبُ الثواب، فإنها
تذهب السیئاتِ وتمحوها.
والمراد بذلك: الصغائر، كما قيّدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي ◌َّ، مثل قوله:
((الصّلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفّراتٌ ما بينهنَّ إذا
اجتنبَ الكبائرَ))(٢).
وكما قيّدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ
عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١](٣).
وتمسّكَ بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ المرجئةُ، وقالوا: إنَّ
الحسنات تكفّرُ كلّ سيّئة كبيرة كانتْ أوْ صغيرة، وحملَ الجمهور هذا المطلق على المقيّد في
الحديث الصّحيح.
واستدلَّ بهذا الحديث على عدم وجوب الحدّ في القبلة والّمس ونحوهما، وعلى سقوط
التّعزيز عمّنْ أتى شيئاً منها، وجاءَ تائباً نادماً(٤).
وكان يحتاط كثيراً في إقامة الحدود، ويأمر المذنب أن يستر على نفسه، ويتوب فيما بينه
وبین ربه:
فقد جاء غيرُ واحدٍ إلى النبيِّ وَِّ طالبين منه إقامة الحدِّ عليهم بسبب ما اقترفوه من
(١) رواه البخاري [٥٢٦]، ومسلم [٢٧٦٣].
(٢) رواه مسلم [٢٣٣] عن أبي هريرة رَضْلَهُ عَنْهُ.
(٣) تفسير السعدي [١/ ٣٩١].
(٤) فتح الباري [٨/ ٣٥٧].

٦١٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
الذنوب والمعاصي، فكان ◌َلّه يحاولُ في أول الأمر صرفهم، فإذا وجد منهم الإصرارَ؛ أقام
عليهم الحدَّ.
عنْ بريدةَ بنِ الحصيبِ رَّعَنْهُ قالَ: جاءَ ماعزُ بنُّ مالكٍ إِلَى النّبِّ ◌َِّ، فقالَ: يا رسولَ
الله طهّرني.
فقالَ: ((ويحكَ! ارجعْ، فاستغفرِ اللهَ، وتبْ إلیهِ)).
قالَ: فرجعَ غيرَ بعيدٍ، ثمَّ جاءَ.
فقالَ: یا رسولَ الله طهّرني.
فقالَ رسولُ الله وَّ: ((ويحكَ! ارجعْ، فاستغفرِ اللهَ، وتبْ إليهِ)).
قالَ: فرجعَ غیرَ بعيدٍ، ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رسولَ الله طهّرني.
فِقالَ النّبِيُّ ◌َّ مِثْلَ ذلكَ.
حتّى إذا كانتْ الرّابعةُ قالَ لهُ رسولُ الله: «فيمَ أطهّركَ؟)).
فقالَ: منَ الزّنا.
فسألَ قومهُ: ((أمجنون هوَ؟)).
قالوا: لیسَ بِهِ بأس.
فقالَ: ((أشربَ خمراً؟)).
فقام رجلٌ، فاستنكههُ، فلمْ يجدْ منُ ریحَ خمرٍ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((أزنيتَ؟)).
فقالَ: نعمْ.
قالَ: (لعلّكَ قبّلتَ، أَوْ غمزتَ، أَوْ نظرتَ)).
قالَ: لا يا رسولَ الله.

٦١٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: ((هلْ أحصنتَ؟».
قالَ: نعمْ.
فعندَ ذلكَ أمرَ برجمهِ.
قالَ: فانطلقنا بهِ إلى بقيعِ الغرقدِ، فما أوثقناهُ، ولا حفرنا لهُ.
فرميناهُ بالعظمِ والمدرِ والخزفٍ(١).
فاشتدَ(٢)، واشتددنا خلفهُ حتّى أتى عرضَ الحرّةِ(٣)، فانتصبَ لنا، فرميناهُ بجلاميد
الحرّةِ(٤) حتّى ماتَ.
فذكروا ذلكَ لرسولِ اللهِ وَ لِّ أنّهُ فَرَّ حينَ وجدَ مسَّ الحجارةِ، ومسَّ الموتِ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّةٍ: «هلّا تركتموهُ، لعلّهُ أنْ يتوبَ فيتوبَ الله علیهِ)).
فكانَ النّاسُ فيهِ فرقتينِ قائلٌ يقولُ: لقدْ هلكَ لقدْ أحاطتْ بِهِ خطيئتهُ.
وقائلٌ يقولُ: ما توبةٌ أفضلَ منْ توبةِ ماعزٍ، أنّهُ جاءَ إلى النّبِّ ◌ِ﴾، فوضعَ یدهُ في يدهِ، ثمَّ
قالَ: اقتلني بالحجارةِ.
قالَ: فلبثوا بذلكَ يومينِ أوْ ثلاثةً.
ثمَّ جاءَ رسولُ الله ◌َّهِ وهمْ جلوسٌ، فسلّمَ، ثمَّ جلسَ.
فقالَ: ((استغفروا لماعِزِ بنِ مالك)).
قالَ: فقالوا: غفرَ الله لماعِزِ بنِ مالكٍ.
(١) هذا دليل لما اتّفقَ عليهِ العلماء أنَّ الرّجم يحصل بالحجرِ، أوِ المدر، أوِ العظام، أوْ الخزف، أوِ الخشب، وغير ذلكَ
ممّا يحصل بهِ القتل، ولا تتعيّن الأحجار.
(٢) أي: هرب.
(٣) أيْ: جانبها.
(٤) أي: الحجارة الكبار.

٦١٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: فقالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((لقدْ تابَ توبةً لوْ قسمتْ بينَ أمّةٍ لوسعتهمْ)).
قالَ: ثمَّ جاءتهُ امرأةٌ منْ غامدٍ منَ الأزدِ، فقالتْ: يا رسولَ الله طهّرني.
فقالَ: ((ويحكِ ارجعي، فاستغفري اللهَ، وتوبي إلیهِ)).
فقالتْ: أراكَ تريدُ أنْ تردّدني كما ردّدتَ ماعَزَ بنَ مالكِ.
قالَ: ((وما ذاكٍ؟)).
قالتْ: إنّها حبلى منَ الزّنا.
فقالَ: ((آنتِ؟».
قالتْ: نعمْ.
فقالَ لها: ((حَتّى تضعي ما في بطنكِ)).
قالَ: فكفلها رجلٌ منَ الأنصارِ حتّى وضعتْ.
قالَ: فأتى النّبِيَّ ◌َّهِ، فقالَ: قدْ وضعتِ الغامديّةُ.
فقالَ: ((إذاً لا نرجمها، وندعُ ولدها صغيراً ليسَ لهُ منْ يرضعهُ)).
فقامَ رجلٌ منَ الأنصارِ، فقالَ: إليَّ رضاعهُ يا نبيَّ الله.
قالَ: فرجمها(١).
من فوائد الحديث:
فيهِ: منقبةٌ عظيمةٌ لماعزِ بن مالك؛ لأنّهُ استمرَّ على طلب إقامة الحدّ عليهِ معَ توبته؛ ليتمّ
تطهيره، ولمْ يرجع عنْ إقراره معَ أنَّ الطّبع البشريّ يقتضي أنّهُ لا يستمرُّ على الإقرار بما
يقتضي إزهاق نفسه، فجاهدَ نفسه على ذلكَ، وقويَ عليها، وأقرَّ منْ غير اضطرار إلى إقامة
ذلكَ عليهِ بالشّهادةِ معَ وضوح الطّريق إلى سلامته منَ القتل بالتّوبةِ.
(١) رواه مسلم [١٦٩٥].

٦١٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: دليلٌ على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتّوبةِ.
وفيهِ: أنّهُ يستحبُّ لمنْ وقعَ في معصية أنْ يبادر إلى التّوبة منها، ولا يخبر بها أحداً، ويستتر
بستِرِ الله، وإنِ اتّفَقَ أنّهُ يخبر أحداً فيستحبُّ أنْ يأمرهُ بالتّوبةِ، وستِرِ ذلكَ عنِ النّاس.
وفيهِ: أنّهُ يستحبُّ لمنِ اطّلعَ على مثل ذلكَ أن يستر على الفاعلِ، ولا يفضحهُ ولا يرفعهُ
إلى الإمام.
قالَ ابن العربيّ: هذا كلّه في غير المجاهر، فأمّا إذا كانَ متظاهراً بالفاحشةِ مجاهراً فإنّي
أحبّ مكاشفته والتّبريح بهِ؛ لينزجر هوَ وغيرهُ.
وفيهِ: التّثبّتُ في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته لما وقعَ في هذهِ القصّة منْ
ترديده، والإيماء إليهِ بالرّجوعِ والإشارة إلى قبول دعواهُ إنِ ادّعى إكراهاً، أوْ خطأً في معنى
الزّنا، أوْ مباشرة دون الفرج مثلاً أو غير ذلكَ.
وفيهِ: مشروعيّةُ الإقرار بفعلِ الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد والتّصريح فيهِ بما
يستحيى منَ التّلفّظ بهِ منْ أنواع الرّفث في القول منْ أجل الحاجة الملجئة لذلكَ.
وفيهِ: نداء الكبير بالصّوتِ العالي وإعراض الإمام عنْ منْ أقرَّ بأمرٍ محتمل لإقامةِ الحدّ؛
لاحتمالٍ أنْ يفسّرهُ بما لا يوجب حدّاً أوْ يرجع، واستفساره عنْ شروط ذلكَ ليرتّب عليهِ مقتضاهُ.
وفيهِ: أنَّ إقرار المجنون لاغٍ.
وفيهِ: أنَّ إقرار السّكران لا أثرَ لهُ، يؤخذ منْ قوله ((استنكهوهُ)).
وفيهِ: التّعريضُ للمقرِّ بأنْ يرجع، وأنّهُ إذا رجعَ قبلَ.
وفيهِ: جواز تفويض الإمام إقامةَ الحدّ لغيرهِ.
وفيهِ: جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدَّ ما يدفع بهِ عنهُ الحدَّ.
وفيهِ: أنَّ الحدَّ لا يجب إلّا بالإقرارِ الصّريح، ومنْ ثمَّ شرطَ على منْ شهدَ بالزّنا أنْ يقول
رأيته ولجَ ذكرهُ في فرجها أوْ ما أشبهَ ذلكَ، ولا يكفي أنْ يقول أشهد أنّهُ زنى.

٦١٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّالَُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وفيهِ: ترك سجن منِ اعترفَ بالزّنا في مدّة الاستثبات، وفي الحامل حتّى تضع.
وفيهِ: وجوب الاستفسار عنِ الحال الّتي تختلف الأحكام باختلافها، ويؤخذ هذا منْ
قوله ((هلْ أحصنت؟)).
وفيهِ: أنَّ المقرّ بالزّنا إذا أقرَّ يترك، فإنْ صرّحَ بالرّجوعِ فذاكَ، وإلّا اتّبعَ ورجمَ.
وفيهِ: أنّهُ لا ترجم الحبلى حتّى تضع، سواء كانَ حملها منْ زناً أوْ غيره، وهذا مجمع عليهِ
لئلّا يقتل جنينها، وكذا لوْ كانَ حدّها الجلد وهيَ حامل لمْ تجلد بالإجماعِ حتّى تضع.
وفيهِ: أنَّ المرأة ترجم إذا زنتْ وهيَ محصنة كما يرجم الرّجل.
وفيهِ: أنَّ منْ وجبَ عليها قصاص وهيَ حامل لا يقتصّ منها حتّى تضع، وهذا مجمع
عليهِ. ثمَّ لا ترجم الحامل الزّانية، ولا يقتصُّ منها بعد وضعها حتّى تسقي ولدها اللّبن،
ويستغني عنها بلبنِ غيرها(١).
وربما ترك الاستفسارَ عن ماهيّة الذنب الذي ارتكبه العاصي، طلباً للستر:
عنْ أبي أمامةَ رَّعَنْهُ قالَ: بينما رسولُ الله ◌َّه في المسجدِ، ونحنُ قعودٌ معهُ، إِذْ جاءَ رجلٌ
فقالَ: يا رسولَ الله إنّي أصبتُ حدّاً فأقمهُ عليَّ.
فسكتَ عنهُ رسولُ الله ◌َّهِ، ولمْ يسألهُ عنهُ.
ثُمَّ أعادَ فقالَ: يا رسولَ الله إنّي أصبتُ حدّاً فأقمهُ عليَّ.
فسکت عنهُ.
وأقيمتْ الصّلاةُ.
فلّا انصرفَ نبِيُّ اللهَوَّةِ، اتّبعَ الرّجلُ رسولَ اللهَّه حينَ انصرفَ، واتّبعتُ رسولَ الله عَل
أنظرُ ما يردُّ على الرّجلِ.
فلحقَ الرّجلُ رسولَ الله ◌ِ﴾. فقالَ: يا رسولَ الله إنّ أصبتُ حدّاً فأقمهُ عليَّ.
(١) ينظر: فتح الباري [١٢ /١٢٦]، شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ٢٠١].