Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح دعوية مخصوصة
تعامل النبي ◌ّالخلاء مع الأعراب
لقد كان من كمال خلقه ◌َ لّ حسنُ تعامله مع من اتصف بالغلظة والشدّة من الناس،
فقد كانت له مواقفٌ عظيمةٌ وجليلةٌ مع الأعراب الذين عرفوا بالشدّة والغلظة في القول
والفعل، كما قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].
فكان يقابلُ غلظتهم وشدّتهم بالرّحمة والحلم؛ كما قال فيه الله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاُسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرُهُمْ
فِي الْأَمِِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومن المعروفِ أن الأعرابَ وهم سكّانُ البادية فيهم جفاءٌ وقسوةٌ؛ ولذلك قال النبي ◌ِّ.
(منْ بدا جفا))(١).
قالَ في النّهايةِ (١/ ٢٨١): ((أيْ: منْ سكنَ الباديةَ غلظَ طبعهُ؛ لقلّةِ مخالطةِ النّاسِ، والجفاءُ:
غلظُ الطّبعِ)). انتهى.
فمن سكن البادية أورثه ذلك جفاءً في الطبع، وغلظةً حتى في الألفاظ، بخلاف الذي
يسكنُ في الحضر وفي المدن، فترى خلقه أقرب وألفاظه ألين وأرقّ من ألفاظ الرّجل الذي
يعيش في الباديةِ.
وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُ الدَّوَابِرَّ عَلَيْهِمْ
دَابِرَةُ السَّوْءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ (١٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
(١) رواه أحمد [٨٦١٩] عن أبي هريرة رَّعنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٦١٢٣].

٥٨٢
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَيَتَّخِذُمَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ:
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ٩٨ -٩٩].
وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِّ مَرَدُواْ عَلَ اُلْنِّفَاقِ
لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
فكان منهم المؤمنون ومنهم المنافقون.
ولم يكن النبي وَّ يرضى لأحد من أصحابه جاء من البادية وسكن المدينة أن يعود إلى
البادية مرة أخرى، وعدّ ذلك من كبائر الذنوب.
فعنْ عبدِ الله بن مسعودٍ رََّنهُ قالَ: «آكلُ الرّبا، وموكلهُ، وكاتبهُ إذا علموا ذلكَ،
والواشمةُ، والموشومةُ للحسنِ، ولاوي الصّدقةِ، والمرتدُّ أعرابيّاً بعدَ الهجرةِ ملعونونَ على
لسانٍ محمّدٍ وََّ يومَ القيامةِ))(١).
لكن يجوز هذا في ظروف استثنائية:
فعنْ سلمةَ بنِ الأكوعِ أنّهُ دخلَ على الحجّاجِ، فقالَ: يا ابنَ الأكوعِ ارتددتَ على عقبيكَ؟
تعرّبتَ؟
قالَ: لا، ولكنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أذنَ لي في البدوِ (٢).
كان رسول الله وَلا مع ماهم عليه من الغلظة رحيماً رقيقاً معهم، يستخدم معهم
الأسلوب اللین في النصح والإرشاد.
وهذا واضح في أسلوبه ◌َ ل﴾ مع الأعرابي الذي بال في المسجد.
عنْ أنسِ بنِ مالكِ رََّتهُ قالَ: بينما نحنُ في المسجدِ معَ رسولِ اللهِوَلَه إِذْ جاءَ أعرابيٌّ،
فقامَ يبولُ في المسجدِ، فقالَ أصحابُ رسولِ الله وَّةِ: مهْ مهْ [أي: كفَّ عن هذا] قالَ: قالَ
رسولُ الله ◌َّ: ((لا تزرموهُ(٣)، دعوهُ)).
(١) رواه النسائي [٥١٠٢]، وقال الألباني: ((صحيح لغيره)). التعليقات الحسان [٣٢٤١].
(٢) رواه البخاري [٧٠٨٧]، ومسلم [١٨٦٢]، وبوب عليه البخاري بقوله: ((بابُ التّعرّبِ في الفتنةِ)).
(٣) أيْ: لا تقطعوا عليه بوله. النهاية [٢/ ٣٠١].

٥٨٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة
فترکوهُ حتّی بالَ.
ثُمَّ إِنَّ رسولَ اللهِوَلِّ دعاهُ، فقالَ لهُ: ((إنَّ هذهِ المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ منْ هذا البولِ، ولا
القذرِ، إنّما هيَ لذكرِ الله عََّجَلَّ، والصّلاةِ، وقراءةِ القرآنِ)). أوْ كما قالَ رسولُ اللهِوَلّ.
قالَ: فأمَرَ رجلاً منَ القومِ فجاءَ بدلوٍ منْ ماءِ، فشنّهُ عليهِ(١) - أي صبّه.
وعنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: دخلَ أعرابيّ المسجدَ والنّبِيُّ ◌َّ جالسٌ فصلّى فلمّا فرِغَ قالَ:
اللهمَّ ارحمني ومحمّداً، ولا ترحمْ معنا أحداً.
فالتفتَ إليهِ النّبِيُّ ◌َِّ، فقالَ: (لقدْ تحجّرتَ واسعاً)).
فلمْ يلبثْ أنْ بالَ في المسجدِ، فأسرعَ إليهِ النّاسُ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((أهريقوا عليهِ سجلاً منْ ماءٍ أوْ دلواً منْ ماءٍ)).
ثمَّ قالَ: ((إنّما بعثتمْ ميسّرينَ، ولمْ تبعثوا معسّرِينَ))(٢).
وفي رواية: فقالَ الأعرابيُّ بعدَ أنْ فقهَ: فقامَ إليَّ بأبي وأمّي، فلمْ يؤنّبْ، ولمْ يسبَّ، فقالَ:
((إنَّ هذا المسجدَ لا يبالُ فيهِ، وإنّما بنيَ لذكرِ اللهِ، وللصّلاةِ))، ثمَّ أمرَ بسجلٍ منْ ماءٍ، فأفرغَ
على بولهِ(٣).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: الرّفق بالجاهلِ، وتعليمه ما يلزمهُ منْ غير تعنيف، ولا إيذاء إذا لمْ يأتِ بالمخالفةِ
استخفافاً أوْ عناداً، ولا سيّما إنْ كانَ مّنْ یحتاجُ إلى استئلافه.
وفيهِ: رأفةُ النّبِّ ◌ََّ، وحسنُ خلقِهِ.
وفيه: دفعُ أعظم الضّررينِ باحتمالِ أخفّهما؛ لقولِهِ مَِّ: ((دعوهُ)) قال العلماء: كانَ
قوله وَالّ: ((دعوهُ)) لمصلحتينِ:
(١) رواه البخاري [٢١٩]، ومسلم [٢٨٥].
(٢) رواه البخاري [٢٢٠]، والترمذي [١٤٧]، واللفظ له.
(٣) رواه ابن ماجة [٥٢٩]، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [٥٢٩].

٥٨٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إحداهما: أنّهُ لوْ قطعَ عليهِ بوله تضرّرَ، وأصل التّنجيس قدْ حصلَ، فكانَ احتمال زيادته
أولى منْ إيقاع الضّرر بهِ.
والثّانية: أنَّ التّنجيس قدْ حصلَ في جزء يسير منَ المسجد، فلوْ أقاموهُ في أثناء بوله
لتنجّستْ ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد.
وفيهِ: أنَّ الاحترازَ منْ النّجاسةِ كانَ مقرّراً في نفوسِ الصّحابةِ؛ ولهذا بادروا إلى الإنكارِ
بحضرتِهِ وَ﴿ قبلَ استئذانِهِ، ولما تقرّرَ عندهمْ أيضاً منْ طلبِ الأمرِ بالمعروفِ، والنّهيِ عنْ
المنکرِ.
وفيهِ: المبادرةُ إلى إزالةِ المفاسدِ عندَ زوال المانع؛ لأمرهمْ عندَ فراغهِ بصبِّ الماءِ.
وفيهِ: أنَّ غسالة النّجاسة الواقعة على الأرضِ طاهرة، ويلتحقُّ بِهِ غير الواقعةِ؛ لأنَّ البلّةَ
الباقية على الأرضِ غسالة نجاسة، فإذا لمْ يثبتْ أنَّ التّرابَ نقلَ، وعلمنا أنَّ المقصودَ التّطهير
تعيّنَ الحكم بطهارة البلّة، وإذا كانتْ طاهرةً فالمنفصلة أيضاً مثلها؛ لعدم الفارقِ.
وفيهِ: تعظيمُ المسجد وتنزيههُ عنْ الأقذارِ.
وفيهِ: أنَّ الأرضَ تطهرُ بصبِّ الماءِ عليها ولا يشترطُ حفرها (١).
وكان ◌َّله يقابل إساءتهم وغلظتهم بالعفو والإحسان:
عن أنس بن مالك رَعَنهُ قال: كنتُ أمشي معَ رسولِ اللهِّله وعليهِ رداءٌ نجرانٌ(٢)
غليظُ الحاشيةِ(٣).
فأدركهُ أعرابيٌّ، فجبذهُ بردائِهِ جبذةً شديدةً، حتّى انشقَّ البردُ، وحتّى بقيتْ حاشيتهُ في
عنقِ رسولِ اللهِوَّهِ، ونظرتُ إلى صفحةِ عنِقِ رسولِ اللهِوَّهِ، وقَدْ أثّرتْ بها حاشيةُ الرّداءِ
منْ شدّةٍ جبذتِهِ.
(١) فتح الباري [١/ ٣٢٥]، شرح النووي على صحيح مسلم [٣/ ١٩١].
(٢) نسبة إلى نجران بلد معروف بين الحجاز واليمن.
(٣) وهيَ طرف الثّوب تّما يلي طرّتهُ.

٥٨٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
ثمَّ قالَ: يا محمّدُ، مِرْلي منْ مالِ الله الّذي عندكَ.
فالتفتَ إليهِ رسولُ اللهِوَّةِ، فضحكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعطاءٍ(١).
من فوائد الحدیث:
فیهِ: بيانُ کمالٍ خلقِ رسولِ الله ێ، و حلمه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في
النّفس والمالِ.
والتّجاوز عنْ جفاء منْ يريد تألفه على الإسلام، وليتأسّى بهِ الولاة بعده في خلقه الجميل
منْ الصّفح، والإغضاء والدّفع بالّتي هيَ أحسن.
وفيهِ: احتمال الجاهلينَ، والإعراض عنْ مقابلتهم.
وفيهِ: دفعُ السّيّة بالحسنةِ، وإعطاء منْ يتألّف قلبهُ.
وفيهِ: العفوُ عنْ مرتكب كبيرة لا حدَّ فيها بجهلهِ.
وفيهِ: إباحة الضّحك عند الأمور الّتي يتعجّبُ منها في العادة(٢).
ومن حلمه ◌َّ مع الأعراب، ما رواه أبو موسى رَّعنه قال:
كنتُ عندَ النّبِّ ◌َِّ وهوَ نازلٌ بالجعرانةِ بينَ مكّةَ والمدينةِ(٣)، ومعهُ بلالٌ.
فأتى النّبِيَّ ◌َّ أَعرابيُّ فقالَ: ألا تنجزُ لي ما وعدتني(٤)!
فقالَ لهُ: ((أبشرْ)).
فقالَ: قَدْ أكثرتَ عليَّ منْ أبشرْ !!
(١) رواه البخاري [٣١٤٩] ومسلم [١٠٥٧] واللفظ له.
(٢) فتح الباري [١٠/ ٥٠٦]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٤٧/٧].
(٣) الذي جزم به أكثر الشراح أنها بين الطّائف ومكّة وإلى مكّة أقرب.
(٤) يحتمل أنَّ الوعد كانَ خاصّاً بهِ، ويحتمل أنْ يكون عامّاً، وكانَ طلبه أنْ يعجّل لهُ نصيبه منَ الغنيمة فإنّهُ عَ لَ كانَ
أمرَ أنْ تجمع غنائم حنينٍ بالجعرّانِةِ، وتوجّهَ هوَ بالعساكرِ إلى الطّائف، فلما رجعَ منها قسمَ الغنائم حينئذٍ بالجعرّانة،
فلهذا وقعَ في كثير ممّنْ كانَ حديث عهد بالإسلامِ استبطاء الغنيمة واستنجاز قسمتها. فتح الباري [٤٦/٨].

٥٨٦
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فأقبلَ على أبي موسى وبلالٍ كهيئةِ الغضبانِ فقالَ: ((ردَّ البشرى فاقبلا أنتما)).
قالا: قبلنا.
ثُمَّ دعا بقدحِ فيهِ ماءٌ، فغسلَ يديهِ ووجههُ فيهِ، ومجَّ فيهِ، ثمَّ قالَ: ((اشربا منهُ، وأفرغا على
وجوهكما، ونحور کما وأبشرا)).
فأخذا القدحَ ففعلا، فنادتْ أمُّ سلمةَ منْ وراءِ السّتِ: أنْ أفضلا لأمّكما، فأفضلا لها منهُ
طائفةً(١).
قال القرطبي: ((وقول الأعرابيِّ: أكثرتَ عليَّ من أبشر، قولُ جلفٍ جاهلِ بحال النبيِّ،
وبقدر البشرى التي بشّره بها لو قبلها، لكنها عرضتْ عليه، فحرمها، وقضيتْ لغيره، فقبلها.
والبشرى: خبرٌ بما يسرُّ، سمّيتْ بذلك لأنها تظهرُ السرورَ في بشرة المبشّرِ، وأصله في
الخير، وقد يقال في الشّرِّ توسّعاً.
وقول النبيِّ ◌َّ: ((أبشر))، لم يذكر له عين ما بشّرهُ به؛ لأنه قصدَ تبشيره بالخير على العموم
الذي يصلحُ لخير الدنيا والآخرة.
ولمّا جهل ذلك ردّه لحرمانه، ولمّا عرض ذلك على من عرف قدره؛ بادر إليه وقبلهُ، فنالَ
من البشارة الخيرَ الأكبرَ، والحظَّ الأوفر.
وكونه وَلَه غسل وجهه في الماءِ وبصقَ فيه وأمرهما بشرب ذلك والتمسّح به مبالغة في
إيصال الخير لهما))(٢).
ويعفو عمن حاول قتله منهم:
عن جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َ عَنْهَا: أنّهُ غزا معَ رسولِ اللهِ ◌ّه قبلَ نجدٍ، فلمّا قفَلَ رسولُ الله ◌َيّ
قفَلَ معهُ، فأدركتهمْ القائلةُ(٣) في وادٍ كثيرِ العضاه (٤).
(١) رواه البخاري [٤٣٢٨] ومسلم [٥٠٣].
(٢) المفهم [٦ / ٤٤٨].
(٣) أيْ: وسط النّهار وشدّةُ الحرِّ.
(٤) وهو كلّ شجر عظيم لهُ شوك. النهاية [٢٥٥/٣].

٥٨٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فنزلَ رسولُ اللهِوَّه، وتفرّقَ النّاسُ في العضاءِ يستظلّونَ بالشّجرِ، ونزلَ رسولُ الله ◌َّ
تحتَ سمرةٍ(١)، فعلّقَ بها سيفهُ.
قالَ جابرٌ: فنمنا نومةً، ثمَّ إذا رسولُ اللهِوَلّ يدعونا، فجئناهُ فإذا عندهُ أعرابيٌّ جالسٌ(٢).
فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ هذا اخترطَ سيفي وأنا نائمٌ، فاستيقظتُ وهوَ في يدهِ صلتاً(٣).
فقالَ لي: تخافني؟
قلت: لا.
فقالَ لي: منْ يمنعكَ منّي؟
قلتُ: (الله))، ثلاثاً. فشامَ السّيفُ(٤).
فها هوَ ذا جالسٌ(٥)).
ثُمَّ لمْ يعاقبهُ رسولُ اللهِ وَ﴾(٦).
وفي رواية: فسقطَ السّيفُ منْ يدِهِ، فأخذهُ رسولُ اللهِّهِ، وقالَ: ((منْ يمنعكَ؟)).
قالَ: کنْ خیرَ آخذٍ.
قالَ: ((تشهدُ أنَّ لا إلهَ إلّا الله، وأني رسولُ الله؟)).
قالَ: أعاهدكَ على أنْ لا أقاتلكَ، ولا أكونُ معَ قومِ يقاتلونكَ.
(١) أيْ: شجرةٍ كثيرة الورقِ.
(٢) هو غورثُ بنُ الحارثِ؛ كما في رواية الحاكم.
(٣) أيْ مسلولًا.
(٤) المراد أغمدهُ، وهذهِ الكلمة منْ الأضدادِ، يقالُ شامهُ إذا استلّهُ وشامهُ إذا أغمدهُ. لسان العرب [٣٣٠/١٢].
(٥) وكأنَّ الأعرابِّ لَّا شاهدَ ذلكَ الثّبات العظيم، وعرفَ أنّهُ حيلَ بينهُ وبينهُ؛ تحقّقِ صدقِهِ، وعلمَ أنّهُ لا يصل إليهِ،
فألقى السّلاح، وأمكنَ منْ نفسِهِ. فتح الباري [٧/ ٤٢٧].
(٦) رواه البخاري [٢٩١٠] ومسلم [٨٤٣].

٥٨٨
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
قالَ: فخلّى رسولُ اللهِ وَلَه سبيلهُ، فجاءَ إلى قومِهِ، فقالَ: جئتكمْ منْ عندِ خيرِ النّاسِ(١).
فمنَّ عليهِ النبيُّ ◌َّ لشدّةِ رغبته في استئلافِ الكفّارِ؛ ليدخلوا في الإسلامِ، ولَمْ يؤاخذه
بما صنعَ، بلْ عفا عنهُ.
ومن فوائد الحديث:
فيهِ: ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعّده إن شاء، والعفو عنه إن أحب.
وفیهِ: صبرُ الرسول ێ، وحلمه وصفحه عن الجهال.
وفيهِ: شجاعته، وبأسه، وثبات نفسه صلى الله عليه، ويقينه أن الله ينصره، ويظهره على
الدین کله(٢).
وكان ◌َّله يصبر على كثرة أسئلتهم ويجيبهم عليها:
فقد كانوا كثيراً ما يسألون النبي وَّةٍ، وكان الصحابةُ رَتْهُ يها بون النبيَّ ◌َّه ويوقّرونه،
ولم يكونوا يسألونه عن أشياء مسكوت عنها؛ خشية أن ينزل تحريم هذه الأشياء؛ فيكون
السائل قد تسبب في ذلك فیأثم.
وكانوا يفرحون بالأعراب إذا قدموا المدينة؛ ليسألوا النبيَّ ◌ََّ، فيجيبهم على ذلك،
فينتفع الصحابة.
عنِ النّاسِ بنِ سمعانَ رَهُ قالَ: أقمتُ معَ رسولِ الله وَّه بالمدينةِ سنةً ما يمنعني منَ
الهجرةِ إلّا المسألةُ، كانَ أحدنا إذا هاجرَ لمْ يسألْ رسولَ اللهَوَّهِ عِنْ شيءٍ(٣).
ومعناهُ: أنّهُ أقامَ بالمدينةِ كالزّائرٍ، وما منعهُ منَ الهجرة واستيطان المدينة إلّا الرّغبة في
سؤال رسول الله وَّه عنْ أمور الدّين؛ فإنّهُ كانَ سمحَ بذلكَ للطّارِئينَ دون المهاجرينَ،
(١) رواه الحاكم [٤٣٢٢]، وصححه على شرطِ الشّيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في التعليقات الحسان
[٢٨٧٢].
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال [١٠١/٥].
(٣) رواه مسلم [٢٥٥٣].

٥٨٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وكانَ المهاجرونَ يفرحونَ بسؤالِ الغرباء منَ الأعراب وغيرهمْ؛ لأنّهمْ يحتملونَ في السّؤال،
ويعذرون، ويستفيد المهاجرونَ الجواب(١).
وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَعَنْهُ قالَ: نهينا أنْ نسألَ رسولَ اللهِوَِّ عِنْ شيءٍ(٢)، فكانَ يعجبنا
أنْ يجيءَ الرّجلُ منْ أهلِ الباديةِ(٣) العاقلُ، فيسألهُ ونحنُ نسمعُ.
بينما نحنُ جلوسٌ مِعَ النّبِّ ◌َّه في المسجدِ دخلَ رجلٌ منْ أهلِ الباديةِ على جملٍ فأناخهُ
في المسجدِ ثمَّ عقلهُ، ثمَّ قالَ: هُمْ أيّكمْ محمّدٌ؟
والنّبيُّ ◌َّ متكئُّ بينَ ظهرانيهمْ.
فقلنا: هذا الرّجلُ الأبيضُ المتكئُّ.
فقالَ لهُ الرّجلُ : يا ابنَ عبدِ المطّلبِ
فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َِّ: ((قَدْ أجبتكَ)).
فقالَ الرّجلُ للنّبِّ وَِّ: إنّي سائلكَ، فمشدّدٌ عليكَ في المسألةِ، فلا تجدْ عليَّ في نفسكَ.
فقالَ: ((سلْ عمّا بدا لكَ)).
فقالَ: يا محمّدُ أتانا رسولكَ فزعمَ لنا أنّكَ تزعمُ أَنَّ اللهَ أرسلكَ؟
قالَ: ((صدقَ)).
قالَ: فمنْ خلقَ السّماءَ؟
قالَ: ((الله)).
قالَ: فمنْ خلقَ الأرضَ؟
قالَ: ((الله)).
(١) شرح النووي على مسلم [١٦/ ١١١].
(٢) يعني سؤالَ ما لا ضرورةَ إليهِ.
(٣) يعني منْ لم يكنْ بلغهُ النّهي عنْ السّؤال، ولأنَّ أهل البادية همْ الأعراب، ويغلبُ فيهمْ الجهلُ والجفاءُ.

٥٩٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: فمنْ نصبَ هذهِ الجبالَ وجعلَ فيها ما جعلَ؟
قالَ: ((الله)).
قالَ: فبالّذي خلقَ السّماءَ وخلقَ الأرضَ ونصبَ هذهِ الجبالَ اللهُ أرسلكَ؟
قالَ: «نعمْ)).
قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا.
قالَ: ((صدقَ)).
قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمركَ بهذا؟
قالَ: ((نعمْ)).
قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا زكاةً في أموالنا.
قالَ: ((صدقَ)).
قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمرك بهذا؟
قالَ: ((نعمْ)).
قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا صوم شهرِ رمضانَ في سنتنا.
قالَ: ((صدقَ)).
قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمرك بهذا؟
قالَ: ((نعمْ)).
قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا حجَّ البيتِ منْ استطاعَ إلیهِ سبيلاً.
قالَ: ((صدقَ)).
ثمَّ ولّ وقالَ: والّذي بعثكَ بالحقِّ لا أزيدُ عليهنَّ، ولا أنقصُ منهنَّ.

٥٩١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ النّبيُّ وَِّ: (لئنْ صدقَ ليدخلنَّ الجنّةَ))(١).
و کان گیڼ يحتمل مقاطعتهم حدیثه، وربما آخر إجابتهم حتى يفرغ من حديثه:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: بينهما النّبيُّ ◌َّه في مجلسٍ يحدّثُ القومَ جاءهُ أعرابيّ، فقالَ متى
السّاعةُ؟
فمضى رسولُ الله ◌َّ يحدّثُ.
فقالَ بعضُ القومِ: سمعَ ما قالَ فكرهَ ما قالَ.
وقالَ بعضھمْ: بلْ لمْ يسمعْ.
حتّى إذا قضى حديثهُ قالَ: ((أينَ أراهُ السّائلُ عنْ السّاعةِ؟)).
قالَ: ها أنا يا رسولَ الله.
قالَ: «فإذا ضيّعتْ الأمانةُ فانتظرْ السّاعةَ)).
قالَ: كيفَ إضاعتها؟.
قالَ: ((إذا وسّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرْ السّاعةَ))(٢).
من فوائد الحديث:
فيهِ: وجوبُ تعليم السائل؛ لقوله: (أينَ السّائلُ؟)، ثم إخباره عن الذي سأل عنه.
وفيهِ: أن من آدابِ المتعلّمِ أن لا يسأل العالم ما دام مشتغلاً بحديث أو غيره؛ لأن من حقِّ
القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتی یتمّه.
وفيهِ: الرّفقُ بالمتعلم وإن جفا في سؤاله، أو جهل؛ لأنه وَلّه لم يوبّخهُ على سؤاله قبل
إکمال حدیثه.
(١) رواه البخاري [٦٣٣]، ومسلم [١٢]، وقد سبق.
(٢) رواه البخاري [٥٩]، وقد سبق.

٥٩٢
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: جواز مراجعة العالم عند عدم فهم السائل؛ لقوله: ((كيفَ إضاعتها؟))(١).
و کان یحتمل رفع صوتهم علیه ونداءهم له بالسؤال:
فعن ابن عمر قال: إنَّ أعرابيّاً نادى رسولَ اللهِ وَّ: ما ترى في هذا الضّبِّ؟
فقالَ: ((لا آكلهُ ولا أحرّمهُ))(٢).
وعنِ ابنِ عمرَ أنَّ أعرابيّاً نادى النّبِيَّ ◌َّ فقالَ: ما يقتلُ المحرمُ منَ الدّوابِّ؟ فقالَ
رسولُ الله ◌َّهِ: ((الغرابَ، والحدأةَ، والفأرةَ، والكلبَ العقورَ، والعقربَ))(٣).
وعنْ البراءِ بنِ عازبٍ رَعَنْهَا في قولِهِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَتِ أَكْتُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]، قالَ: فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنَّ حمدي زينٌ، وإنَّ ذمّ
شینٌ.
فقالَ النّبِيُّ وَلَ: ((ذاكَ الله عَجَ))(٤).
ومقصودُ الرّجلِ منْ هذا القولِ مدحُ نفسِهِ، وإظهارُ عظمتِهِ يعني إنْ مدحت رجلاً فهوَ
محمودٌ ومزيّنٌ، وإِنْ ذممت رجلاً فهوَ مذمومٌ ومعيبٌ.
وقوله: ((ذاكَ الله عَلَ)) أي: الّذي حمدهُ زينٌ وذمّهُ شينٌ هوَ الله سُبْحَانَهُوَعَالَى. (٥)
وكان يضرب لهم الأمثال بما يفهمون من أمور البادية:
عنْ أبي هريرةَ رَّوَّعَّهُ أَنَّ أعرابيّاً أتى النّبِيّ ◌َّ فقالَ: يا رسولَ الله ولدَلي غلامٌ أسودُ
[وإنّي أنكرته].
(١) شرح ابن بطال [١٢٧/١]، عمدة القاري [٢/ ٧].
(٢) رواه أحمد [٥٥٠٥]، وقال شعيب الأرناؤوط: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين)) أ.هـ. ورواه البخاري
[٥٥٣٦]، ومسلم [١٩٤٣] دون نداء الأعربي.
(٣) مستخرج أبي عوانة [٣٦٢/٤]، ورواه البخاري [١٨٢٨]، ومسلم [١١٩٩] دون نداء الأعربي أيضاً.
(٤) رواه الترمذي [٣٣٦٧]، وصححه الألباني في صحيح الترمذي [٣٣٦٧].
(٥) تحفة الأحوذي [٩/ ١٠٩].

٥٩٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ: «هلْ لكَ منْ إِيلٍ؟)).
قالَ: نعم.
قالَ: ((ما ألوانها؟)).
قالَ: حمٌّ.
قالَ: ((هلْ فيها منْ أورقَ؟))(١).
قالَ: نعمْ.
قالَ: ((فأنّى ذلكَ؟».
قالَ: لعلّهُ نزعهُ عرقٌ. [أي: لعله أنْ يكون في أصولها ما هوَ باللّونِ المذكور فاجتذبهُ إلیهِ
فجاءَ علی لونه].
قالَ: ((فلعلَّ ابنكَ هذا نزعهُ عرقٌ))(٢).
وكان يجالسهم ويضحكُ معهم ويتبسّط معهم في الحديث، وينزل عليه الضيفُ منهم،
فيحسنُ ضيافته وإكرامه.
فعن أبي هريرة ◌َّ ◌َّ ◌َنهُ: أَنَّ النّبِيَّ ◌َ كَانَ يوماً يحدّثُ - وعندهُ رجلٌ منْ أهلِ الباديةِ -:
((أَنَّ رجلاً منْ أهلِ الجنّةِ استأذنَ ربّهُ في الزّرعِ، فقالَ لهُ: أولستَ فيما شئتَ؟
قالَ: بلى، ولكنّي أحبُّ أنْ أزرعَ.
قالَ: فأسرعَ وبذرَ فتبادرَ الطّرفَ نباتهُ واستواؤهُ واستحصادُهُ، فكانَ أمثالَ الجبالِ(٣).
فيقولُ الله: دونكَ يا ابنَ آدمَ فإنّهُ لا يشبعكَ شيءٌ».
(١) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد. والورقة: سواد في غبرة، وقيل: سواد وبياض كدخان الرمث
[نوع من النبات]. لسان العرب [١٠/ ٣٧٦].
(٢) رواه البخاري [٥٣٠٩] ومسلم [١٥٠٠]، وقد سبق.
(٣) أيْ: أنه أذنَ لهُ في الزرع فبذرَ، فنبتَ البذرُ في الحال، ولم يكنْ بين ذلكَ وبين استواء الزّرع، ونجاز أمره كلّه منَ
القلع والحصد والتّذرية والجمع والتّكويم إلّا قدر لمحة البصر. فتح الباري [٥/ ٢٧].

٥٩٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ الأعرابيّ: والله لا تجدهُ إلّا قرشيّاً أوْ أنصاريّاً، فإنّهمْ أصحابُ زرعٍ، وأمّا نحنُ فلسنا
بأصحاب زرعٍ!
فضحكَ النّبِيُّ ◌ََّ(١).
أيْ منْ فطانةِ البدويِّ، وجوابهِ البديعيِّ (٢).
صَلى الله
وسلمـ
وعنْ ثوبانَ مولى رسولِ الله ◌َلِّ قالَ: نزلَ بنا ضيفٌ بدويٌّ، فجلسَ بهِ رسولُ الله
أمامَ بیوتِهِ.
فجعلَ يسألهُ عنِ النّاسِ كيفَ فرحهمْ بالإسلامِ، وكيفَ حدبهم في الصّلاةِ، فما زالَ يخبرهُ
منْ ذلكَ بالّذي يسرّهُ حتّى رأيتُ وجهَ رسولِ الله نضراً.
حتّى إذا انتفخَ النّهارُ، وحانَ أكُلُ الطّعامِ أنْ يؤكلَ، دعاني، فأشارَ إليَّ مستخفياً لا يألوا:
((أنِ ائتِ بيتَ عائشةَ رَّعَنْهَ، فأخبرها أنَّ لرسولِ اللهِوَ﴿ ضيفاً)).
قالتْ: والّذي بعثكَ بالهدى ودينِ الحقِّ ما أصبحَ في بيتنا شيءٌ يأكلهُ أحدٌ منَ النّاسِ.
فردّني إلى نسائِهِ، كلّهنَّ يعتذرنَ بما اعتذرتْ بِهِ عائشةٌ رَّعَنْهَا، حتّى رأيتُ لونَ
رسولِ الله وَل كسفَ.
وكانَ البدويُّ عاقلاً ففطنَ، فما زالَ البدويُّ يعارضُ رسولَ اللهِِّ، حتّى قالَ: إِنّا أهلُ
الباديةِ معانونَ في زماننا، لسنا كأهلِ الحضرِ، إنّما يكفي أحدنا القبضةُ منَ التّمرِ يشربُ عليها
الشّربةُ منَ اللّبنِ، فذلكَ الخصبُ(٣).
فمرّتْ عندَ ذلكَ عنزٌ لنا قدِ احتلبتْ، كنّا نسمّیھا ثمراءَ، فدعا بها رسولُ الله ◌َِّ، باسمها
وقالَ: ((ثمرا، ثمرا)).
(١) رواه البخاري [٢٣٤٨].
(٢) مرقاة المفاتيح [٣٦٠٠/٩].
(٣) أي: إذا وجد تمر وعليه ماء أو لبن، فهذا أعلى شيء، وهذا هو الخصب. وفيه حسن خلق هذا البدوى وحصافة
عقله وفطانته وطیب کلامه.

٥٩٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فأقبلتْ إليهِ تحمحمُ، فأخذَ برجلها ومسحَ ضرعها وقالَ: ((باسمِ الله).
فحفلتْ، فدعاني بمحلبٍ لنا، فأتيتهُ بهِ، فحلبَ وقالَ: ((باسمِ الله))، فملأهُ.
ثُمَّ قالَ: ((ادفعْ باسمِ اللهِ).
فدفعتُ إلى الضّيفِ فشربَ منهُ شربةً ضخمةً، ثمَّ أرادَ أنْ يضعهُ، فقالَ لهُ رسولُ الله ◌ِّهِ:
((علَّ))(١)، فعادَ.
ثمَّ أرادَ أنْ يضعهُ، فقالَ لهُ رسولُ الله: ((علَّ))، فكرّرَ حتّى امتلاً، وشربَ ما شاءَ الله.
ثمَّ حلبَ فيهِ وقالَ: ((باسم الله))، وملأهُ ثمَّ قالَ: ((أبلغْ هذا عائشةَ، فلتشربْ منهُ ما بدا
لها)).
ثمَّ رجعتُ إليهِ فحلبَ فيهِ وقالَ: ((باسم الله))، فملأهُ، ثمَّ أرسلني إلى نسائِهِ، كلّما شربتِ
امرأةٌ ردّني إلى الأخرى، وقالَ: ((باسمِ الله)، حتّى ردّهنَّ كلّهنَّ.
ثمَّ رددتُ إلیهِ.
فقالَ: ((ارفعْ إليَّ)، فرفعتَهُ فقالَ: (باسمِ الله)، فشربَ ما شاءَ الله، ثمَّ أعطاني، فلمْ آَلُّ أنْ
أضعَ شفتيَّ على درجِ القدحِ، فشربتُ شراباً أحلى من العسلِ، وأطيبَ منَ المسكِ، وقالَ:
((اللهمَّ باركِ لأهلها فيها)). يعني: العنز(٢).
وكان يثني على أهل الصدق والجهاد منهم.
عن شدّادِ بنِ الهَادِ رَهُ أنَّ رجلاً منَ الأعرابِ جاءَ إلى النّبِّ وَّةِ، فَآمَنَ بهِ، واتبعهُ، ثمَّ
قالَ: أهاجرُ معكَ.
فأوصى بهِ النّبِيُّ ◌َّ بعضَ أصحابِهِ، فلمّا كانتْ غزوةٌ غنمَ النّبِيُّ ◌َّ سبياً، فقسمَ، وقسمَ
لهُ، فأعطى أصحابهُ ما قسمَ لهُ، وكانَ يرعى ظهرهمْ، فلمّا جاءَ دفعوهُ إليهِ، فقالَ: ما هذا؟
(١) من العللُ: وهو الشّرّبِ بعد الشرّب. النهاية [٥٥٩/٣]
(٢) رواه الآجري في كتاب الشريعة [١٠٤٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [١٩٧٧]، وقد سبق.

٥٩٦
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالوا: قسمٌ قسمهُ لكَ النّبِيُّوَّةِ، فأخذهُ، فجاءَ بِهِ إلى النّبِّ وَِّ، فقالَ: ما هذا؟
قالَ: ((قسمتهُ لكَ)).
قالَ: ما على هذا اتّبعتكَ، ولكنّي اتّبعتكَ على أنْ أرمى إلى هاهنا، وأشارَ إلى حلقهِ بسهم،
فأموتَ، فأدخلَ الجنّةَ.
فقالَ: ((إنْ تصدقِ اللهَ يصدقكَ)).
فلبثوا قليلاً، ثمَّ نهضوا في قتالِ العدوِّ، فأتيَ بِهِ النّبِيُّ ◌َّه يحملُ قَدْ أصابهُ سهمٌ حيثُ
أشارَ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((أهوَ هوَ؟)).
قالوا: نعم.
قالَ: ((صدقَ اللهَ، فصدقهُ)).
ثُمَّ كَفّنْهُ النّبِيُّ ◌َّهِ فِي جَبّته، ثمَّ قدّمهُ، فصلّى عليهِ، فكانَ فيما ظهرَ منْ صلاتِهِ: ((اللهمَّ هذا
عبدكَ خرجَ مهاجراً في سبيلكَ، فقتلَ شهيداً، أنا شهيدٌ على ذلكَ))(١).
وعنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله ◌َنَّا قَالَ: كانَ معاذٌ يصلّ معَ رسولِ اللهِ وَّ العشاءَ، ثمَّ یرجعُ
فیصآي بأصحابهِ.
فرجعَ ذاتَ يومٍ فصلّى بهمْ، وصلّى خلفهُ فتَّى منْ قومِهِ، فلمّا طالَ على الفتى صلّى وخرجَ،
فأخذَ بخطامِ بعيرهِ، وانطلقوا، فلمّا صلّى معاذٌ ذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ: إنَّ هذا لنفاقٌ، لأخبرنَّ
رسولَ الله ◌َّةِ، فأخبرهُ معاذٌ بالّذي صنعَ الفتى.
فقالَ الفتى: يا رسولَ الله، يطيلُ المكثَ عندكَ، ثمَّ يرجعُ، فيطوّلُ علينا.
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أفتّانٌ أنتَ يا معاذُ؟)).
وقالَ للفتى: «كيفَ تصنعُ يا ابنَ أخي إذا صلّيتَ؟».
(١) رواه النسائي [١٩٥٣]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص٦١].

٥٩٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: أقرأُ بفاتحةِ الكتابِ، وأسألُ الله الجنّةَ وأعوذُ بِهِ منَ النّارِ، وإنّ لا أدري، ما دندنتكَ
ودندنةُ معاذٍ؟
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «إنّ ومعاذٌ حولَ هاتینِ أوْ نحوَ ذي».
قالَ: قالَ الفتى: ولكنْ سيعلمُ معاذٌ إذا قدمَ القومُ.
وقدْ خبروا أنَّ العدوَّ قدْ دنوا. قالَ: فقدموا. قالَ: فاستشهدَ الفتى.
فَقالَ النّبِيُّ ◌َِّ بعدَ ذلكَ لمعاذٍ: «ما فعلَ خصمي وخصمكَ؟».
قالَ: يا رسولَ الله، صدقَ اللهَ وكذبتُ، استشهدَ(١).
وربّما سابق بعضهم على الإبل:
عنْ أنس بن مالكٍ رَُّ قالَ: كَانَ لِلنّبِّوَِّناقةٌ تسمّى العضباءَ، لا تكادُ تسبقُ.
فجاءَ أعرابيٌّ على قعودٍ(٢)، فسابقَ رسولَ اللهِوَّهِ، فسبقه. فاشتدَّ ذلكَ على المسلمين،
وقالوا: سبقتِ العضباءُ.
فلّا رأى ما في وجوههمْ قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ حقّاً على الله أنْ لا يرتفعَ شيءٌ منَ الدّنيا
إلّا وضعهُ))(٣).
من فوائد الحديث:
فيهِ: الحثُّ على التّواضعِ.
وفيهِ: اتّخاذُ الإبل للرّكوبِ، والمسابقةِ عليها.
وفيهِ: حسنُ خلقِ النّبِّ وَّه وتواضعهُ؛ لكونِهِ رضِيَ أنَّ أعرابيّاً يسابقهُ.
(١) رواه ابن خزيمة [١٦٣٤]، وقال الألباني: ((إسناده جيد)). صفة صلاة النبي وَلَ﴾ [ص١٠٦]، وهو في البخاري
[٧٠٥]، ومسلم [٤٦٥] مختصراً.
(٢) وهو ما استحقَّ الرّكوبَ منْ الإبلِ، قالَ الجوهريّ: هوَ البكر حتّى يركبَ، وأقلّ ذلكَ أنْ يكونَ ابنَ سنتين إلى أنْ
يدخلَ السّادسة، فيسمّى جملاً. لسان العرب [٣٥٩/٣].
(٣) رواه البخاري [٢٨٧٢].

٥٩٨
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
وفيهِ: التّزهيدُ في الدّنيا؛ للإشارةِ إلى أنَّ كلَّ شيءٍ منها لا يرتفعُ إلّا اتّضعَ (١).
ورفقه ◌َّه بهم كان فيما يتعلّق بحقوقه الخاصّة، وأمّا إذا كان الأمر يتعلّق بحقوق الله،
فكان يوقفهم عند حدود الشرع وأحكامه:
عنِ المغيرةِ بنِ شعبةَ رَوَّ ◌َنهُ: أَنَّ ضرّتينِ اقتتلتا، فضربتْ إحداهما الأخرى بعمودِ فسطاطٍ
فقتلتها. [وفي لفظ: وهيَ حاملٌ فقتلتْ ولدها الّذي في بطنها].
فقضى رسولُ الله ◌َّه بالدّيّةِ على عصبةِ القاتلةِ، وقضى لما في بطنها بغرّةٍ(٢).
فقالَ الأعرابيّ: تغرّمني منْ لا شربَ ولا أكلَ، ولا نطقَ ولا استهلّ، فمثلُ ذلكَ يطلَّ (٣).
فقال ◌َّ: ((أسجعٌ كسجعِ الجاهليّةِ؟!)) وقضى لما في بطنها بغرّةٍ(٤).
قالَ العلماء: إنّما ذمّ سجعه لو جهینِ:
أحدهما: أنّهُ عارضَ بِهِ حكم الشّرع، ورامَ إبطاله.
الثّاني: أنّهُ تكلّفهُ في مخاطبته، وهذانِ الوجهانِ منَ السّجع مذمومان.
وأمّا السّجع الّذي كانَ النّبيُّ وَّ يقولهُ في بعض الأوقات وهوَ مشهور في الحديث
فليسَ منْ هذا؛ لأنّهُ لا يعارض بهِ حكم الشّرع، ولا يتكلّفهُ فلا نهي فيهِ، بلْ هوَ حسن(٥).
وإنّما ضربَ المثل بالكهّانِ لأنّهمْ كانوا يروّجونَ أقاويلهمْ الباطلة بأسجاع ترقّق القلوب
ليميلوا إليها (٦).
(١) فتح الباري [٦/ ٤٧].
(٢) أيْ: مملوكٌ عبدٌ أَوْ أمةٌ، ويكون مقدارها نصف عشر الدية. وهذا: محمول على أنها ضربتها بعمود لا يقصد بهِ
القتل غالباً، فيكون شبه عمد تجب فيهِ الدّية على العاقلة، ولا يجبُ فيهِ قصاصٌ، ولا دية على الجاني. شرح النووي
[١١/ ١٧٧، ١٧٦].
(٣) أيْ: يهدر. النهاية [١٣٦/٣].
(٤) رواه البخاري [٦٩٠٦]، ومسلم [١٦٨٢]، والنسائي [٤٨٢٣] واللفظ له.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧٨/١١].
(٦) لسان العرب [٣٦٣/١٣].

٥٩٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَّالَُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وإنّما لمْ يعاقبهُ لأَنّهُ ◌ََّكانَ مأموراً بالصّفحِ عنِ الجاهلينَ(١).
وعنْ عبدِ الله بنِ عمِرٍوِ رَةَ قَالَ: أتى النّبِيّ ◌َّه أعرابيٌّ عليهِ جبَّةٌ منْ طيالسةٍ مكفوفةٌ
بديباجٍ، أوْ مزرورةٌ بديباجِ، فقالَ: إنَّ صاحبكمْ هذا(٢) يريدُ أنْ يرفعَ كلَّ راعِ ابنِ راعٍ،
ويضعَ كلَّ فارسٍ ابنِ فارسٍ.
فقامَ النّبِيُّ ◌َِّ مغضباً، فأخذَ بمجامع جبّتِهِ، فاجتذبهُ، وقالَ: لا أرى عليكَ ثيابَ منْ لا
يعقلُ، ثمَّ رجعَ رسولُ الله ◌َِّةِ، فجلسَ، فقالَ:
((إنَّ نوحاً ◌َيْهِالسَلَمُ لّا حضرتهُ الوفاةُ دعا ابنيهِ، فقالَ: إنّ قاصرٌ عليكما الوصيّةَ، آمر كما
باثنتينٍ، وأنهاكما عنِ اثنتينٍ، أنها كما عنِ الشّركِ والكبرِ، وآمر كما بلا إلهَ إلّ الله؛ فإنَّ السّمواتِ
والأرضَ وما فيهما لوْ وضعتْ في كفّةِ الميزانِ، ووضعتْ لا إلهَ إلّا الله في الكفّةِ الأخرى؛
کانتْ أرجحَ.
ولوْ أنَّ السّمواتِ والأرضَ كانتا حلقةً، فوضعتْ لا إلهَ إلّا الله عليها؛ لفصمتها أوْ
لقصمتها.
وآمر كما بسبحانَ الله وبحمدهِ؛ فإنّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يرزقُ كلُّ شيءٍ)(٣).
ولم يكن يقبل منهم الإقالة من البيعة على الإسلام والهجرة:
عنْ جابِ بن عبد الله رَ عَنْهَا قال: جاءَ أعرابيّ النّبِيَّ ◌َِّ فبايعهُ على الإسلامِ.
فأصابَ الأعرابيَّ وعٌّ بالمدينةِ(٤)، فأتى النّبيّ نَّه فقالَ: يا محمّدُ أقلني بيعتي(٥).
ـلِاللّه
فأبى رسولُ الله ◌َ
(١) فتح الباري [٢١٨/١٠].
(٢) يقصد النبي صَ لَُّ عليْهِ وَسَلَّمَ.
(٣) رواه أحمد [٧٠٦١]، وصحّحه الألباني في الصحيحة [١٣٤].
(٤) الحمّى وألمها. النهاية [٥/ ٢٠٧]
(٥) أي: اقبل مني فسخ البيعة التي بيننا.