Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة تعامل النبي ◌َّاللّ مع ذوي الهيئات لقد تمثّل سموَّ أخلاقِ النبيِّ ◌َّ في صورٍ عديدةٍ، ومع فئاتِ المجتمع قاطبةً: مسلمهم و کافرهم، غنيّهم وفقیرهم، رئيسهم ومرؤوسهم. ولقد كان لذوي الهيئاتِ والمكانةِ، والجاهِ شأنٌ خاصٍّ من المعاملةِ والإكرامِ والاحترامِ عند النبيِّ ◌َیا. فهو يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقّه، فلا ينزلُ كبراءَ الناسِ من منازلهم، بل يحفظُ لهم مكانتهم الخاصّة في أقوامهم، ويأمرُ بذلك أصحابه. قال الإمام مسلم أثناء كلامه عن مراتب الرواة: ((لا يقصّرُ بالرّجلِ العالي القدرِ عنْ درجتهِ، ولا يرفعُ متّضعُ القدرِ في العلمِ فوقَ منزلتهِ، ويعطى كلُّ ذي حقِّ فيهِ حقّهُ، وينزلُ منزلتهُ، وقدْ ذكرَ عنْ عائشةَ رَتْهَا أَنَّهَا قالتْ: أمرنا رسولُ الله ◌َِّ أَنْ ننزّلَ النّاسَ منازلهمْ))(١). فكان النبيُّ ګ يحفظ لهم مكانتهم، ووجاهتهم في قومهم: كان أبو سفيان من كبراءِ قريش، ثم صارَ سيّدها بعد ذهابٍ رؤوسها، وفي غزوةِ أحدٍ كان رأسَ قريشٍ، فلما أسلمَ جعَلَ النبيُّ ◌َّ له ذكراً عند فتحِ مكّةً. (١) مقدمة صحيح مسلم [١/ ٢]. والحديث الذي ذكره الإمام مسلم رواه أبو داود [٤٨٤٢]، وصححه الحاكم في معرفة علوم الحديث [١/ ٩٦]، وابن الصلاح في مقدمته [ص ٣٠٧]، وحسّنه السخاوي في المقاصد [١٨٠]، والعجلوني في كشف الخفاء [١٩٥/١]، وضعّفه أبو داود في سننه، والبيهقي في الشعب [١٠٩٩٩]، والألباني في تحقيق رياض الصالحين [٣٦٠]، وعلى كلِّ حال فمعناه صحيحٌ. ٣٨٢ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعنِ ابنِ عبّاسٍ رَهَا أَنَّ رسولَ اللهَوََّعامَ الفتحِ جاءهُ العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ بأبي سفیانَ بنِ حربٍ، فأسلمَ. فقالَ لهُ العبّاسُ: يا رسولَ الله! إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ الفخرِ، فلوْ جعلتَ لهُ شيئاً؟ فقالَ النبيِّ: «نعمْ، منْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهوَ آمنٌ، ومنْ أغلقَ علیهِ بابهُ فهوَ آمنٌ)) (١). وعن أبي هريرة في قصة الفتح قال: ( ... وصعدَ رسولُ اللهِ وَّه الصّفا، وجاءتِ الأنصارُ، فأطافوا بالصّفا. فجاءَ أبو سفيانَ، فقالَ: يا رسولَ الله أبيدتْ خضراءُ قريشٍ، لا قريشَ بعدَ اليومِ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((منْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهوَ آمَنٌ، ومنْ ألقى السّلاحَ فهوَ آمَنٌ، ومنْ أغلقَ بابهُ فهوَ آمنٌ))(٢). قال النووي: ((وفيهِ تأليفٌ لأبي سفيان، وإظهار لشرفِهِ))(٣). وعنْ عائذِ بنِ عمرٍ و أنَّ أبا سفيانَ أتى على سلمانَ، وصهيبٍ، وبلالٍ في نفرٍ [وهذا الإتيان لأبي سفيان كانَ وهوَ كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية]، فقالوا: والله ما أخذتْ سيوفُ الله منْ عنقِ عدوِّ الله مأخذها (٤). فقالَ أبو بكرٍ : أتقولونَ هذا الشیخِ قریشٍ وسیّدهمْ؟! فأتى النّبيَّ ◌ََّ فأخبرهُ، فقالَ: ((يا أبا بكرٍ لعلّكَ أغضبتهمْ، لئنْ كنتَ أغضبتهمْ؛ لقدْ أغضبتَ ربّكَ)). فأتاهمْ أبو بكرٍ فقالَ: يا إخوتاهْ أغضبتكمْ؟ (١) رواه أبو داود [٣٠٢١] وحسّنه الألباني في صحيح أبي داود [٣٠٢١]. (٢) رواه مسلم [١٧٨٠]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٢٧]. (٤) أي: ما استوفت حقّها من المكافأة له على صنيعه بالمسلمين. ٣٨٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالوا: لا، يغفرُ الله لكَ يا أخي(١). فلم ينكرْ على أبي بكرٍ قوله من وجوب حفظِ مكانةٍ سيّدٍ قريش، وإنما نهاه أن يكون قد أغضبَ أصحابهُ. ولما قدم سعدُ بنُ معاذ سيّدُ الخزرج رَ عنه؛ ليحكم في بني قريظة أمرهم ◌َّ أن يقوموا إلیه إكراماً له. عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَنهُ قالَ: نزلَ أهلُ قريظةَ على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فأرسلَ رسولُ الله ◌َّه إلى سعدٍ، فأتاهُ على حمارٍ. فلّ دنا قريباً منَ المسجدِ قالَ رسولُ الله ◌َّه للأنصارِ: ((قوموا إلى سيّدكمْ، أَوْ خيركم، فأنزلوه)). فقعدَ عندَ النبيّ صَلىالله (٢) . قال ابن حجر رَحِمَةُ لهُ: «فيهِ: إكرامُ أهلِ الفضلِ)»(٣). وهذا القيامُ ليس من القيامِ المنهيِّ عنه، وذلك؛ لأن القيامَ على ثلاثةِ أقسام: الأول: القيامُ إلى الرجل، وهو من السّنّة، إذا كان الرجلُ الّذي قمتَ إليه أهلاً لذلك، مثل ما لو دخل إنسانٌ له فضلٌ في علمه، أو دينه، أو ماله، ثم قمتَ لتتلقّاه فهذا من السّنّة، ومنه حديث: ((قوموا إلى سيّدكمْ))، ولأن هذا من الإكرامِ لذوي الفضل، وإكرامُ ذوي الفضل من محاسنِ الأعمالِ، والآدابِ. الثاني: القيامُ على الرجل، وهذا منھيٌّ عنه، نهى النبيُّ ◌َال﴾ عن ذلك، وقال لأصحابه لما صلوا قياما وهو جالس: ((إنْ كدتمْ آنفاً لتفعلونَ فعلَ فارسَ والرّومِ، يقومونَ على ملو کھمْ وهمْ قعودٌ، فلا تفعلوا))(٤). (١) رواه مسلم [٢٥٠٤]. (٢) رواه البخاري [٣٠٤٣]، ومسلم [١٧٦٨]. (٣) فتح الباري [٤٩/١١]. (٤) رواه مسلم [٤١٣] عن جابر بن عبد الله رَلَهُ عَنْهُ. ٣٨٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثالث: القيامُ للرجل، وصورته أن يدخلَ رجلٌ علينا، فنقوم له تكريماً، فهذا لا بأسَ به، لكن الأولى تركه؛ لأن منْ هدي الرسول وَّل أنه كان يكرهُ أن يقومَ أصحابه له؛ وهذا كان الرسولُ وَلَه يدخلُ، ولا يقومون له، وهو أشرفُ البَشِرِ بَّهِ، وكان يجلسُ حيثُ ينتهي به المجلس(١). وكان يحرصُ وَّل على دعوتهم إلى الله، ويطمعُ في إسلام كبراء القوم ووجهائهم رغبةً في إسلام من وراءهم، ولذلك كان يوليهم عناية خاصّة في الدعوة. ومن ذلك: انشغاله بدعوة الوليد بن المغيرةِ، وهو من عظماء قريش وكبرائهم؛ طمعا في إسلامه. وهو الذي انشغلَ النبيُّ ◌َّه بدعوته لَّا جاءه ابنُ أمّ مكتوم، فأعرض رسولُ اللهَوَّل عن ابنِ أمِّ مكتوم، وأقبل عليه. عنْ عائشةَ قالتْ: أنزلَ ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ﴾ [عبس: ١] في ابنِ أمِّ مكتومِ الأعمى، أتى رسولَ الله ◌َّةِ، فجعلَ يقولُ: يا رسولَ الله أرشدني. وعندَ رسولِ اللهِوَّه رجلٌ منْ عظماءِ المشركينَ، فجعلَ رسولُ الله ◌َّ يعرضُ عنهُ، ويقبلُ على الآخرِ، ويقولُ: ((أترى بما أقولُ بأساً)). فیقولُ: ((لا)). ففي هذا أنزلَ (٢). ومما يدلُّ على حرصه على هداية الناس، وخاصّة الزّعماء منهم: قوله: ((اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرّجلينِ إليكَ: بأبي جهلٍ، أَوْ بعمرَ بنِ الخطّابِ)). قال: وكان أحبّهما إليه عمرُ))(٣). (١) انتهى ملخّصاً من لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين [٥٩ / ٢٥] بتصرف. (٢) رواه الترمذي [٣٣٣١] وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [٢٦٥١]. (٣) رواه الترمذي [٣٦٨١] عن عبد الله بن عمر رَّعَنْها، وصحّحه الألباني في سنن الترمذي [٢٩٠٧]. ٣٨٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وعنْ عائشةَ رَتْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َّه قال: ((اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بعمر بنِ الخطّابِ خاصّةً))(١). ولا منافاة بين الحديثين؛ قال الألبانيُّ رَحِمَةُ لهُ: ((لا منافاةَ؛ لاحتمالٍ أن يكونَ هذا قاله ◌َال﴾ في أوّلِ الأمرِ، فلما رأى عنادَ أبي جهلٍ، وإصراره على معاداته ◌َّهِ؛ دعا لعمرَ خاصّةً، واستجابَ الله دعاءه، وأعزَّ الله به دینه، کما هو معروفٌ في سيرته رقتلتهعنه، وهو ما صرّح به عبد الله بن مسعود رَّهُ بقوله: «ما زلنا أعزّةً منذُ أسلمَ عمرُ))(٢). ولما اشتدَّ البلاءُ من قريش على رسول الله ◌َ ◌ّهبعد موت عمّه خرج إلى الطائف، رجاء أن يؤووهُ، وينصروه على قومه، ويمنعوهُ منهم حتى يبلّغَ رسالةَ ربّه. ودعاهم إلى الله عَرَجَلَّ، فلم يرَ منْ يؤويهِ ولا من ينصره، وآذوهُ أشدَّ الأذى، ونالوا منه ما لم ينل قومه، فأقام بينهم عشرة أيام، لا يدعُ أحداً من أشرافهم إلا كلّمه(٣). وذلك لأن استجابةَ الأشرافِ والكبراءِ لدعوته يتبعها استجابةُ منْ وراءهم من الناسِ والأتباعِ. ومن ذلك: دعوته للطّفيل بن عمرو، وهو من سادة قومه. عن محمّدٍ بنِ إسحاق، قال: ((كان الطّفيلُ بنُ عمرٍو الدّوسيُّ يحدّثُ أنّهُ قدمَ مكّةً، ورسولُ الله ێ بها. فمشى إليهِ رجالٌ منْ قريشٍ - وكانَ الطّفيلُ رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً -، فقالوا لهُ: يا طفيلُ إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرّجلُ الّذي بينَ أظهرنا قدْ أعضلَ بنا [أي: أشتدَّ أمره علينا]، وقدْ فرّقَ جماعتنا، وشتّتْ أمرنا، وإنّما قولهُ كالسّحرِ يفرّقُ بينَ الرّجلِ وبينَ أبيهِ، وبينَ الرّجلِ وبينَ أخيهِ، وبينَ الرّجلِ وبينَ زوجتِهِ، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قدْ دخَلَ علينا، فلا تكلّمنّهُ، ولا تسمعنَّ منهُ شيئاً. (١) رواه ابن حبان [٦٨٨٢]، وصحّحه الحاكم [٤٤٨٥]، والذهبي، والحافظ في الفتح [٤٨/٧]، والألباني في الصحيحة [٣٢٢٥]. (٢) أخرجه البخاري [٣٨٦٣]. وانظر: الصحيحة [٢٨/١٣]. (٣) زاد المعاد [٢٨/٣]. ٣٨٦ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: فوالله ما زالوا بي حتّى أجمعتُ أنْ لا أسمعَ منهُ شيئاً، ولا أكلّمهُ حتّى حشوتُ في أذني حينَ غدوت إلى المسجدِ كرسفاً (١)، فرقاً منْ أنْ يبلغني شيءٌ منْ قولهِ، وأنا لا أريدُ أنْ أسمعهُ. قالَ: فغدوت إلى المسجدِ، فإذا رسولُ الله ◌َّه قائمٌ يصلّي عندَ الكعبةِ، فقمتُ منهُ قريباً، فأبى الله إلّا أنْ يسمعني بعضَ قولِهِ. فسمعتُ كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكلَ أمّي، والله إنّي لرجلٌ لبيبٌ شاعرٌ، ما يخفى عليَّ الحسنُ منَ القبيحِ، فما يمنعني أنْ أسمعَ منْ هذا الرّجلِ ما يقولُ، فإنْ كانَ الّذي يأتي بهِ حسناً قبلتهُ، وإنْ كانَّ قبيحاً تركتهُ. فمكثتُ حتّى انصرفَ رسولُ اللهِ وَّه إلى بيتِهِ، فاتّبعته، حتّى إذا دخلَ بيتهُ دخلتُ علیهِ. فقلتُ: يا محمّدُ، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتّى سددتُ أذني بكرسفٍ؛ لئلّا أسمعَ قولك، ثمّ أبى الله إلّا أنْ يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسناً، فاعرضْ عليَّ أمرك. فعرضَ عليَّ رسولُ الله ◌َّهالإسلامَ، وتلا عليّ القرآنَ، فلا والله ما سمعتُ قولاً قطّ أحسنَ منهُ، ولا أمراً أعدلَ منهُ. فأسلمتُ، وشهدتُ شهادةَ الحقِّ، وقلتُ: يا نبيَّ الله إنّي امرؤ مطاعٌ في قومي، وأنا راجعٌ إليهمْ، وداعيهمْ إلى الإسلامِ، فادعُ الله أنْ يجعلَ لِي آيَةً تكونُ لِي عوناً عليهمْ فيما أدعوهمْ إليهِ. فقالَ: ((اللهمّ اجعلْ لهُ آيَةً)). فخرجتُ إلى قومي، حتّى إذا كنت بثنيّةِ(٢) تطلعني على الحاضِر(٣)، وقعَ نورٌ بَيَن عينيَّ مثلَ المصباحِ، فقلتُ: اللهمَّ في غيرِ وجهي، إنّي أخشى أنْ يظنّوا أنّها مثلةٌ وقعتْ في وجهي؛ لفراقِ دینھمْ. (١) وهو القطن. (٢) الثنية: الطريق في الجبل. (٣) الحاضر: القوم النازلون على الماء. ٣٨٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّعليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة فتحوّلَ، فوقعَ في رأسٍ سوطي. فجعلَ الحاضرُ يتراء ونَ ذلكَ النّورَ في سوطي كالقنديلِ المعلّقِ، وأنا أهبطُ إليهمْ منَ الثّنّةِ، حتّی جئتھمْ، فأصبحتُ فیھمْ. فلّا نزلتْ أتاني أبي، وكانَ شيخاً كبيراً، فقلتُ: إليكَ عنّي يا أبتِ، فلستُ منك، ولست منّي. قالَ: ولمّ يا بنيَّ؟ قلتُ: أسلمتُ، وتابعتُ دينَ محمّدٍ وَلّ .. قالَ: أيْ بنيَّ، فديني دينك. فقلتُ: فاذهبْ، فاغتسلْ، وطهّرْ ثيابك، ثمَّ تعالَ حتّى أعلّمك ما علّمتُ. فذهبَ، فاغتسلَ، وطهّرَ ثيابهُ، ثمّ جاءَ، فعرضتُ عليهِ الإسلامَ، فأسلمَ. ثمّ أتتني صاحبتي، فقلتُ: إليك عنّي، فلستُ منك، ولست منّي. قالتْ: لم؟ بأبي أنتَ وأمّي. قلتُ: قَدْ فرّقَ بيني وبينك الإسلامُ، وتابعتُ دينَ محمّدٍ وٍَّ. قالتْ: فديني دينكَ. قلتُ: فاذهبي فتطهّري. فاغتسلتْ، ثمّ جاءتْ، فعرضتُ عليها الإسلامَ، فأسلمتْ. ثمّ دعوتُ دوساً إلى الإسلامِ، فأبطئوا عليّ. ثمّ جئتُ رسولَ الله ◌َّه بمكّةَ، فقلتُ لهُ: يا نبيَّ الله أنّهُ قَدْ غلبني على دوسِ الزّنا، فادعُ الله عليهمْ. فقالَ: «اللهمّ اهدِ دوساً، ارجعْ إلی قومك فادعھمْ، وارفقْ بہمْ». ٣٨٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ قالَ: فلمْ أزلْ بأرضِ دوسٍ، أدعوهم إلى الإسلامِ حتّى هاجرَ رسولُ اللهِوَّه إلى المدينةِ، ومضى بدرٌّ، وأحدٌ، والخندقُ. ثمّ قدمتُ على رسولِ اللهَوَّه بمنْ أسلمَ معي منْ قومي، ورسولُ الله ◌َّ بِخیرِ، حتّى نزلتُ المدينةَ بسبعينَ، أوْ ثمانينَ بيتاً منْ دوسٍ. ثمّ لحقنا برسولِ اللهِ وَلَه بخييرِ، فأسهمَ لنا معَ المسلمينَ. حتّى إذا فتحَ الله عليهِ مكّةَ، قلتُ: يا رسولَ الله، ابعثني إلى ذي الكفّينِ صنمٍ عمرو بنِ حممةَ حتّى أحرّقهُ. فخرجَ إليهِ، فجعلَ طفيلٌ يوقدُ عليهِ النّارَ، ويقولُ: يا ذا الكفّينِ لستُ منْ عبّادكا ميلادنا أقدمُ منْ ميلادكا إنّي حشوت النّارَ في فؤادكا ثمّ رجعَ إلى رسولِ اللهِ بَّهَ، فكانَ معهُ بالمدينةِ، حتّى قبضَ الله رسولهُ ◌ََّ(١). ومن ذلك: دعوته لملوكِ الأرضِ: لأنهم إذا أسلموا أسلمَ قومهم تبعاً لهم. في أواخرِ السنةِ السادسةِ حينَ رجعَ رسولُ اللهِوَلِّ مِن الحديبيةِ كتبَ إلى الملوكِ يدعوهم إلى الإسلامِ (٢). قال ابن هشام: ((فبعثَ رسولُ اللهِوَلَه رسلاً منْ أصحابهِ، وكتبَ معهمْ كتباً إلى الملوكِ يدعوهمْ فيها إلى الإسلامِ. (١) رواه البيهقي في دلائل النبوة [٥/ ٤٦٠]، وقال ابن كثير: هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا إسناد، ولخبره شاهدٌ في الحديث الصحيح. السيرة النبوية لابن كثير [٢ / ٧٦] فعن أبي هريرةَ رَّهُ قال: قدمَ طفيلُ بنُ عمرٍو الدّوسُّ وأصحابهُ على النّبِّ وَّهِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّ دوساً عصتْ وأبتْ؛ فادعُ الله عليها، فقيلَ: هلكتْ دوسُ قالَ: ((اللهمَّ اهِدِ دوساً، وأتِ بهِمْ)). رواه البخاري [٢٩٣٧]، ومسلم [٢٥٢٤]. (٢) الرحيق المختوم [ص ٣٢٠]. ٣٨٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة فبعثَ دحيةَ بنَ خليفةَ الكلبيَّ إلى قيصرَ، ملكِ الرّومِ. وبعثَ عبدَ الله بنَ حذافةَ السّهميَّ إلی کسری، ملك فارسَ. وبعثَ عمرو بن أميّةَ الضّمريَّ إلى النّجاشِّ، ملكِ الحبشةِ. وبعثَ حاطبَ بنَ أبي بلتعةَ إلى المقوقسِ، ملكِ الإسكندريّةِ ... ))(١). وفي قصة أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم قالَ هرقل لأبي سفيان: إنْ يكنْ ما تقولُ فيهِ حقّاً فإنّهُ نبيٌّ، وقدْ كنتُ أعلمُ أنّهُ خارجٌ، ولمْ أكنْ أظنّهُ منكمْ، ولوْ أنّي أعلمُ أنّ أخلصُ إليهِ؛ لأحببتُ لقاءهُ، ولوْ كنتُ عندهُ لغسلتُ عنْ قدميهِ، وليبلغنَّ ملكهُ ما تحتَ قدميّ. قالَ: ثمَّ دعا بكتابٍ رسولِ اللهِوََّ، فقرأهُ، فإذا فيهِ: ((بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيمِ منْ محمّدٍ رسولِ الله إلى هرقلَ عظيمِ الرّومِ: سلامٌ على منِ اتّبعَ الهدى أمّا بعدُ، فإنّ أدعوكَ بدعايةِ الإسلامِ، أسلمْ تسلمْ، وأسلمْ؛ يؤتكَ الله أجركَ مرّتينٍ، وإنْ تولّيتَ فإنَّ عليكَ إِثْمَ الأريسيّينَ))(٢). وكان ◌ِّ يفرحُ بإسلامٍ من أسلمَ منهم: عنِ ابنِ شهابِ الزهري: أنَّ أَمَّ حكيمٍ بنتَ الحارثِ بنِ هشامٍ كانتْ تحتَ عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ، فأسلمتْ يومَ الفتحِ، وهربَ زوجها عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ منَ الإسلامِ حتّى قدمَ الیمنَ. فار تحلتْ أمُّ حكيمٍ حتّى قدمتْ عليهِ باليمنِ، فدعتهُ إلى الإسلامِ. فأسلمَ، وقدمَ على رسولِ الله وَّ عامَ الفتحِ. فلّا رَآهُ رسولُ الله ◌َّه وثبَ إليهِ فرحاً، وما عليهِ رداءٌ، حتّى بايعهُ(٣). (١) السيرة النبوية [٢/ ٦٠٧] لابن هشام. (٢) رواه البخاري [٧]، ومسلم [١٧٧٣] عن ابن عباس رَّعَنْم]. (٣) رواه مالك في الموطأ [١١٥٦]، وعبد الرزاق في المصنف [١٢٦٤٦]، وقال النووي: روي مرسلًا، ويجوز الاحتجاج به لشواهده. الترخيص بالقيام [ص ٤٤]. ٣٩٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ قال الباجي: ((وقولهُ: ((فلّا رَآهُ رسولُ اللهِوَلَه وثبَ إليهِ فرحاً وما عليهِ رداءٌ))، وذلكَ منْ حرصِ النّبِّ ◌َِّ على دخولِ النّاسِ في الإسلامِ ... لا سيّما مِنْ كانَ منْ عظماءِ النّاسِ وأعيانهمْ، كعكرمةَ في قومه، فإنّهُ كانَ منْ ساداتِ بني مخزومٍ، وعظمائهمْ))(١). وكذلك فرح بإسلام عديٌّ بن حاتم الطائيِّ، الذي كان سيّدَ قبيلة طبّئ بعد موتٍ أبيه. عنْ عديٍّ بنِ حاتمٍ رَ عَهُ قال: ما منْ رجلٍ منَ العربِ كانَ أشدَّ كراهيةً لرسولِ الله ◌َّ حينَ سمعَ بِهِ منّي. أمّا أنا فكنت امرأً شريفاً، وكنتُ نصرانيّاً، وكنت أسيرُ في قومي بالمرباعِ (٢)، فكنتُ في نفسي علی دینٍ، و کنت ملكاً في قومي؛ لما كانَ يصنعُ بي. فلمّا سمعتُ برسولِ الله ◌َّ﴾ كرهته، فقلت لغلام كانَ لي عربيٍّ، وكانَ راعياً لإبلي: لا أبا لك، أعددْ لي منْ إبلي أجمالاً ذللاً(٣) سماناً، فاحتبسها قريباً منّي، فإذا سمعتُ بجيشٍ لمحمّدٍ قدْ وطئَ هذهِ البلاد؛ فآذنّي. ففعلَ. ثمّ إنّهُ أتاني ذاتَ غداةٍ، فقالَ: يا عديُّ ما كنتَ صانعاً إذا غشيتكَ خيلُ محمّدٍ؛ فاصنعهُ الآنَ، فإنّ قدْ رأيتُ راياتٍ، فسألتُ عنها، فقالوا: هذهِ جيوشُ محمّدٍ. فقلت: فقرّبْ إليَّ أجمالي، فقرّبها، فاحتملت بأهلي، وولدي. ثمّ قلتُ: ألحقُ بأهلِ ديني منَ النّصارى بالشّامِ. وخلّفتُ بنتاً لحاتمٍ في الحاضرِ، فلمّا قدمتُ الشّامَ أقمتُ بها. وتخالفني خيلٌ لرسولِ الله ◌َّهِ، فتصيبُ ابنةَ حاتمٍ فيمنْ أصابتْ، فقدمَ بها على رسولِ الله ◌ِ﴾ في سبايا منْ طِّئٍ. (١) المنتقى شرح الموطأ [٣٤٦/٣]. (٢) ربع الغنيمة كان سادات الجاهلية يأخذونه. ينظر: النهاية [١٨٦/٢]. (٣) جمع ذلول، وهي السهلة المطيعة. ٣٩١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّله عليهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وقدْ بلغَ رسولَ اللهِوَّ هربي إلى الشّامِ. فجعلتْ بنتُ حاتمٍ في حظيرةٍ(١) ببابِ المسجدِ كانتِ السّبایا يحبسنَ فیھا، فمرّ بها رسولُ الله ◌َ﴿ فقامتْ إلَيهِ، وكانتِ امرأةً جزلةً(٢)، فقالتْ: يا رسولَ الله هلكَ الوالدُ، وغابَ الوافدُ، وأنا عجوزٌ كبيرةٌ ما بي منْ خدمةٍ، فمنَّ عليَّ، منَّ الله عليكَ. قالَ: ((ومنْ وافدك؟)). قالتْ: عدُّبنُ حاتمِ. قالَ: ((الفارُّ منَ الله ورسولهِ؟». قالت: ثمّ مضى رسولُ الله ◌َّ، وتركني. حتّى إذا كانَ منَ الغدِ مرّ بي، فقلتُ لهُ مثلَ ذلكَ، وقالَ لي مثلَ ما قالَ بالأمسِ. حتّى إذا كانَ بعدَ الغدِ مرّ بي، وقدْ يئستُ منهُ، فأشارَ إليَّ رجلٌ منْ خلفهِ أنْ قومي، فکلّمیهِ. فقمتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله هلكَ الوالدُ، وغابَ الوافدُ، فامننْ عليّ منّ الله عليك. فقالَ وَّهِ: ((قدْ فعلتُ، فلا تعجلي بخروج حتّى تجدي منْ قومك منْ يكونُ لهُ ثقةً؛ حتّى يبلّغك إلى بلادك، ثمّ آذنيني)). فسألتُ عنِ الرّجلِ الّذي أشارَ إليّ أنْ أكلّمهُ، فقيلَ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضوانُ الله عليهِ. وأقمتُ حتّى قدمَ ركبٌ منْ قضاعةَ، فجئتُ رسولَ اللهِوَّةِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، قدْ قدمَ رهطٌ منْ قومي، لي فيهمْ ثقةٌ وبلاٌ. قالتْ: فكساني رسولُ الله ◌َّةِ، وحملني، وأعطاني نفقةً. فخرجتُ معهمْ حتّى قدمتُ الشّامَ. (١) شيء يعمل من شجر ليقي البرد والحر والريح. ينظر: النهاية [٤٠٤/١] (٢) أيْ تامّة الخلق. ويجوزُ أنْ تكونَ ذاتَ كلامِ جزلٍ: أيْ قويّ شديدٍ. النهاية [١/ ٢٧٠] ٣٩٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ عدٌّ: فوالله إنّ لقاعدٌ في أهلي، إذْ نظرتُ إلى ظعينةٍ تصوّبُ إليَّ تؤمّنا، فقلتُ: ابنةُ حاتمٍ، فإذا هيَ هيَ. فلّا وقفتْ عليَّ انسحلتْ(١) تقولُ: القاطعُ، الظّالُ، احتملتَ بأهلك، وولدك، وتركتَ بقيّةً والدك عورتك! قلت: أيْ أخيّةُ، لا تقولي إلّا خيراً، فوالله ما لي من عذرٍ، لقدْ صنعتُ ما ذكرتِ. ثمّ نزلتْ، فأقامتْ عندي، فقلتُ لها: وكانتِ امرأةً حازمةً: ماذا ترينَ في أمرِ هذا الرّجلِ؟ قالتْ: أرى والله أنْ تلحقَ بِهِ سريعاً، فإنْ يكنِ الرّجلُ نبيّاً؛ فللسّابِقِ إليهِ فضلهُ، وإنْ یکنْ ملكاً، فلنْ تذلَّ في عزِّ اليمنِ، وأنتَ أنتَ(٢). قلتُ: والله إنّ هذا الرّأيُ. فخرجتُ حتّى أقدمَ على رسولِ الله ◌َّهِ المدينةَ، فدخلتُ عليهِ، وهوَ في مسجدهِ، فسلّمتُ علیهِ. فقالَ القومُ: هذا عديُّ بنُ حاتمٍ. وجئتُ بغيرِ أمانٍ، ولا کتاب. فلّا دفعتُ إليهِ أخذَ بيدي، وقدْ كانَ قالَ قبلَ ذلكَ: إنّي لأرجو أنْ يجعلَ الله يدهُ في يدي، فقامَ رسولُ الله ◌َِّ، فانطلقَ بي إلی بیتِهِ. فوالله إنّهُ لعامدٌ بي إليهِ إذْ لقيتهُ امرأةٌ ضعيفٌ كبيرةٌ، فاستوقفتهُ، فوقفَ لها طويلاً تكلّمهُ في حاجتها. فقلتُ في نفسي: والله ما هذا بملكٍ. ثمّ مضى بي رسولُ الله ◌َِّ حَتّى إذا دخلَ بي بيتهُ، تناولَ وسادةً منْ أدم محشوّةً ليفاً، فقذفها إليَّ، فقالَ: ((اجلسْ على هذهِ)). (١) من السّحل، بمعنى السّحِّ والصّبِّ. النهاية [٣٤٨/٢] (٢) قالته على سبيل العرض والتنزّل؛ لتحرّضه على مجيئه إلى النبي وَّ؛ لأنها كانت قد أسلمت. ٣٩٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة قلتُ: بلْ أنتَ، فاجلسْ عليها. فقالَ: ((بلْ أنتَ)). فجلستُ عليها، وجلسَ رسولُ اللهِوَّ﴿ بالأرضِ. فقلتُ في نفسي: والله ما هذا بأمرٍ ملكٍ. فقالَ لي: ((يا عديُّ بنَ حاتمٍ، أسلمْ؛ تسلمْ)). قلتُ: إنّ منْ أهلِ دین. قالَ: «یا عديُّ بنَ حاتمِ أسلمْ تسلمْ)). قلتُ: إنّي منْ أهلِ دينٍ. قالَ: «أنا أعلمُ بدينكَ منكَ)). قلتُ: أنتَ أعلمُ بديني منّي !. قالَ: ((نعم)). ثمّ قالَ: ((إِيهِ يا عديُّ بنَ حاتم، ألمْتكُ ركوسيّاً؟))(١). قلت: بلى. قالَ: ((أولمْ تكنْ تسيرُ في قومك بالمرباعِ؟)). قلت: بلى. قالَ: ((فإنَّ ذلكَ لمْ يكنْ يحلُّ لك في دينك)). قلتُ: أجلْ والله، وعرفتُ أنّهُ نبيٌّ مرسلٌ، يعلمُ ما يجهلُ. قالَ: وبينا أنا عندَ النّبِّ وَّهِ إِذْ أَتَاهُ رجلٌ، فشكا إليهِ الفاقةَ، ثمَّ أتاهُ آخرُ، فشكا إليهِ قطعَ السبيل. (١) نسبة إلى فرقة من النصارى. ٣٩٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمّ قالَ: ((لعلّك يا عديٌّ، إنّما يمنعكَ مِنْ دخولٍ في هذا الدّينِ ما ترى منْ حاجتهمْ، فوالله ليوشكنَّ المالُ أنْ يفيضَ فيهمْ حتّى لا يوجدَ منْ يأخذهُ. ولعلّك إنّما يمنعك منْ دخولٍ فيهِ ما ترى منْ كثرةِ عدوّهمْ، وقلّةِ عددهمْ، فوالله ليوشكنَّ أنْ تسمعَ بالمرأةِ تخرجُ منَ القادسيّةِ على بعيرها حتّى تزورَ هذا البيتَ لا تخافُ)). فقلتُ فيما بيني وبينَ نفسي: فأينَ دعّارُ طيٍّ، الّذِينَ قَدْ سعّروا البلادَ. قال: ((ولعلّك إنّما يمنعك منْ دخولٍ فيهِ أنّك ترى أنَّ الملكَ والسّلطانَ في غیرهمْ، وایمُ الله ليوشكنَّ أنْ تسمعَ بالقصورِ البيضِ منْ أرضٍ بابلَ قَدْ فتحتْ علیھمْ)). قالَ: فأسلمتُ، فرأيتُ وجههُ استبشرَ. [وفي رواية: فرأيتُ وجههُ تبسّطَ فرحاً]. قالَ عدٌّ: فرأيتُ الظّعينَ ترتحلُ منَ الحيرةِ حتّى تطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إلّ اللهَ، وكنتُ فيمنْ افتتحَ كنوزَ كسرى بنِ هرمزَ، ولئنْ طالتْ بكمْ حياةٌ لترونَّ ما قالَ النّبيُّ أبو القاسمِّ، وايمُ الله لتكوننّ الثّالثةُ: ليفيضنَّ المالُ حتّى لا يوجدَ منْ يأخذهُ(١). وكان ◌َّم- يظهرُ لهم الاحترامَ، والتقديرَ، والاهتمامَ، والحفاوةَ. عنِ المسورِ بنِ مخرمةَ رَعَنَّ أَنَّ أباهُ مخرمةَ قالَ لهُ: يا بنيِّ إنّهُ بلغني أنَّ النّبِيَّ ◌َّ قدمتْ علیهِ أقبيةٌ(٢)، فهوَ يقسمها، فاذهبْ بنا إلیهِ. فذهبنا، فوجدنا النّبيَّ وَّ في منزلهِ. فقالَ لي: يا بنيِّ ادْعُ لي النّبِيَّ ◌َّ. فأعظمتُ ذلكَ، فقلتُ: أدعو لكَ رسولَ الله ◌َّ! (١) السيرة النبوية [٢/ ٥٨٠] لابن هشام، وقال ابن كثير: هكذا أورد ابن إسحاق رَحِمَةُاللَّهُ هذا السياق بلا إسناد، وله شواهد من وجوه أخرَ. ورواها الطبراني في المعجم الأوسط [٦ / ٣٥٩] مسندةً، وبعضها في مسند أحمد [١٩٤٠٠]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [٣٠٦/٦]: ((رجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش وهو ثقة))، وصححه أحمد شاكر، وقال السهيلي: ((وحديث إسلام عدي بن حاتم صحيح عجيب)). الروض الأنف [٧/ ٤٧٧]. (٢) جمع قباء، وهو ثوبٌ يلبسُ فوق الثّابِ، أو القميص، ويتمنطقُ عليهِ. المعجم الوسيط [٢/ ٧١٣] ٣٩٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فقالَ: يا بنيِّ، إنّهُ ليسَ بجبّارٍ. فدعوتهُ، فخرجَ، وعليهِ قباءٌ منْ ديباجٍ مزرّرٌ بالذّهبِ. فقالَ: ((يا مخرمةُ هذا خبأناهُ لكَ)) فأعطاهُ إيّاهُ(١). (وعليهِ قباءٌ) قال ابن حجر: ((ظاهرهُ: استعمالُ الحريرِ. قيلَ: ويجوزُ أنْ يكونَ قبلَ النّهي، ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ أنّهُ نشرهُ على أكتافِهِ؛ ليراهُ مخرمةُ كلّهُ، ولمْ يقصدْ لبسهُ. قلتُ: ولا يتعيّنُ كونهُ على أكتافِهِ، بلْ يكفي أنْ يكونَ منشوراً على يديهِ، فيكونُ قولهُ (عليهِ) منْ إطلاقِ الكلِّ على البعضِ، وقَدْ وقعَ في روايةٍ حاتمٍ، فخرجَ ومعهُ قباءٌ، وهوَ یریهِ محاسنهُ))(٢). وقوله وَّه لمخرمةَ: ((خبّأت هذا لك)) هوَ منْ باب التّألّفِ(٣). قال ابن بطال: «المدارة من أخلاق المؤمنين، وهى خفضُ الجناحِ للناسِ، ولينُ الكلمةِ، وتركُ الإغلاظِ لهم في القولِ، وذلك من أقوى أسبابِ الألفة، وسلِّ السخيمة))(٤). وفي الحديث: تواضع النّبيّ وَّ، وحسن تلطّه بأصحابهِ(٥). ومن ذلك: حسنُ إنصاته واستماعه لحديثهم. عنْ محمّدٍ بنِ كعبِ القرظيّ قالَ: حدّثت أنّ عتبةَ بنَ ربيعةَ وكانَ سيِّداً قالَ يوماً وهوَ جالسٌ في نادي قريشٍ ورسولُ الله ◌َّه جالسٌ في المسجدِ وحدهُ: يا معشر قريشٍ، ألا أقومُ إلى محمّدٍ فأكلّمهُ، وأعرضَ عليهِ أموراً لعلّهُ يقبلُ بعضها، فنعطيهِ أيّها شاءَ، ويكفُّ عنّا؟ وذلكَ حينَ أسلمَ حمزةُ، ورأوا أصحابَ رسولِ الله ◌َّه يزيدونَ ويكثرونَ. (١) رواه البخاري [٣٨٦٥]، ومسلم [١٠٥٨]. (٢) فتح الباري [١٠/ ٢٧٠]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤٨/٧]. (٤) شرح صحيح البخارى لابن بطال [٣٠٥/٩]. (٥) فتح الباري [٣١٥/١٠]. ٣٩٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: بلى يا أبا الوليدِ، قمْ إليهِ فكلّمهُ. فقامَ إليهِ عتبةُ حتّى جلسَ إلى رسولِ الله وَّ. فقالَ: يا ابنَ أخي، إنّك منّ حيثُ قدْ علمتَ منَ السّطةِ في العشيرةِ (١)، والمكانِ في النّسبِ، وإنّك قدْ أتيت قومك بأمرٍ عظيمٍ، فرّقتَ بهِ جماعتهمْ، وسفّهتَ بِهِ أحلامهمْ، وعبتَ بهِ آلهتهمْ ودينهمْ، وكفّرتَ بهِ منْ مضى منْ آبائهمْ. فاسمعْ منّي أعرضُ عليك أموراً تنظرُ فيها؛ لعلّك تقبلُ منها بعضها. فقالَ لهُ رسولُ اللهِوَّةِ: ((قلْ يا أبا الوليدِ، أسمعْ)). قالَ: يا ابنَ أخي إنْ كنتَ إنّما تريدُ بما جئتَ بهِ منْ هذا الأمرِ مالاً، جمعنا لك منْ أموالنا، حتّى تكونَ أكثرنا مالاً. وإنْ كنتَ تريدُ بِهِ شرفاً سوّدناك علينا، حتّى لا نقطعَ أمراً دونك. وإنْ كنتَ تريدُ بِهِ ملكاً ملّكناك علينا. وإنْ كانَ هذا الّذي يأتيكَ رئيّاً تراهُ لا تستطيعُ ردّهُ عنْ نفسك، طلبنا لك الطّبَّ، وبذلنا فيهِ أموالنا حتّى نبرئكَ منهُ، فإنّهُ ربّما غلبَ التّابعُ على الرّجلِ حتّى يداوى منهُ. حتّى إذا فرغَ عتبةُ ورسولُ الله ◌َلَ يستمعُ منهُ قالَ: ((أقدْ فرغت يا أبا الوليدِ؟)). قال: نعم. قالَ: «فاسمعْ منّي)). قالَ: أفعلُ. فقالَ: بِسِالهِ الرَّمْنِ الرَّحِيمِ ﴿حَمَّ ا تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كِنَبُ فُصِّلَتْءَايَتُهُ. قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَّرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِيّ ءَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَآ (١) أي: الشرف. ٣٩٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ أَنَمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَأُسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَبِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت: ١- ٦]. ثمّ مضى رسولُ الله ێ﴾ فيها يقرؤها علیهِ. فلما سمعها منهُ عتبةُ أنصتَ لها، وألقى يديهِ خلفَ ظهرهِ معتمداً عليهما، يسمعُ منهُ. ثمّ انتهى رسولُ الله ◌َّه إلى السّجدةِ منها، فسجدَ. فقامَ عتبةُ إلى أصحابِهِ، فقالَ بعضهمْ لبعضٍ : نحلفُ بالله لقدْ جاءكمْ أبو الوليدِ بغيرِ الوجهِ الّذي ذهبَ بهِ. فلّا جلسَ إليهمْ قالوا: ما وراءك يا أبا الوليدِ؟ قالَ: ورائي أنّي قدْ سمعتُ قولاً والله ما سمعت مثلهُ قطُّ، والله ما هوَ بالشّعرِ، ولا بالسّحِرِ، ولا بالكهانةِ، يا معشر قريشٍ أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بينَ هذا الرّجلِ وبينَ ما هوَ فيهِ فاعتزلوهُ؛ فوالله ليكوننَّ لقولِهِ الّذي سمعتُ منهُ نبأٌ عظيمٌ، فإنْ تصبهُ العربُ فقدْ كفيتموهُ بغيركمْ، وإنْ يظهرْ على العربِ فملكهُ ملككمْ، وعزّهُ عزّكمْ، وكنتمْ أسعدَ النّاسِ به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانهِ. قالَ: هذا رأيي فيهِ، فاصنعوا ما بدا لكمْ(١). وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّهُ قال: بينما نحنُ جلوسُ معَ النّبِيِّ ◌َّ في المسجدِ دخلَ رجلٌ على جملٍ، فأناخهُ في المسجدِ، ثمَّ عقلهُ. ثمَّ قالَ لهُمْ: أَيْكُمْ محمّدٌ؟ والنّبِيُّ ◌َّ مِّكِىُّ بِينَ ظهرانيهمْ. فقلنا: هذا الرّجلُ الأبيضُ المتكئُّ. فقالَ لهُ الرّجلُ : يا ابنَ عبدِ المطّلبِ. (١) رواه البيهقي في دلائل النبوة [٢ / ٢٠٤]. ٣٩٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َ: ((قدْ أجبتكَ)). فقالَ الرّجلُ للنّبِّ ◌َّهِ: إنّ سائلكَ، فمشدّدٌ عليكَ في المسألةِ؛ فلا تجدْ عليَّ في نفسكَ. فقالَ: ((سلْ عمّا بدا لكَ)). فقالَ: أسألكَ بربّكَ، وربِّ منْ قبلكَ: اللهُ أرسلكَ إلى النّاسِ كلّهِمْ؟ فقالَ: ((اللهمَّ نعمْ)). قالَ: أنشدكَ بالله: آللهُ أمركَ أنْ نصلّيَ الصّلواتِ الخمسَ في اليومِ واللّيلةِ؟ قالَ: ((اللهمَّ نعمْ)). قالَ: أنشدكَ بالله اللهُ أمركَ أنْ نصومَ هذا الشّهرَ منَ السّنّةِ؟ قالَ: ((اللهمَّ نعمْ)). قالَ: أنشدكَ بالله: آللهُ أمركَ أنْ تأخذَ هذهِ الصّدقةَ منْ أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقالَ النّبيُّ ◌ََّ: ((اللهمَّ نعمْ)). فقالَ الرّجلُ: آمنتُ بما جئتَ بِهِ، وأنا رسولُ منْ ورائي منْ قومي، وأنا ضمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ بنِ بکرٍ(١). وكان يعتذرُ لهم، ويتحمّلُ منهم ما يصدر عنهم، بل دعا إلى التجاوز عن أخطائهم: فحثَّ النبيُّ ◌َِّ على التجاوزِ عمن وقعَ في هفوةٍ من ذوي الهيئاتِ من المسلمينَ؛ لأنه كما قيل: لكل جوادٍ كبوةٌ، ولكل عالمٍ هفوةٌ، ولكل صارم نبوةٌ، وكما قال الشاعر: ومنْ ذا الّذي ترضى سجاياهُ كلّها كفى المرءَ نبلاً أَنْ تعدَّ معايبهْ فالتجاوز عن ذوي الهيئات منهجٌّ نبويٌّ، عن عائشةَ رَّعنها قالت: قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((أقيلوا ذوي الهيئاتِ عثراتهمْ إلّا الحدودَ))(٢). (١) رواه البخاري [٦٣]. (٢) رواه أبو داود [٤٣٧٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١١٨٥]. ٣٩٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة ((أقيلوا)) أمر منَ الإقالة أيٍ: اعفوا. ((ذوي الهيئاتِ))، أيْ: أصحابَ المروءاتِ، والخصالِ الحميدةِ. قال ابنُ الملكِ: الهيئةُ: الحالةُ الّتي يكونُ عليها الإنسانُ منَ الأخلاقِ المرضيّةِ. ((عثراتهمْ))، أيْ: زلّاتهمْ، وأرادَ منَ العثراتِ ما يتوجّهُ فيهِ التّعزيرُ؛ لإضاعةِ حقٍّ منْ حقوق الله. ((إلّا الحدود))، أيْ: إلّا ما يوجب إقامة الحدود(١). قال ابنُ القيم: ((والظاهرُ أنهم ذوو الأقدارِ بينَ الناسِ، من الجاهِ، والشرفِ، والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوعٍ تكريمٍ وتفضيلٍ على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده ... وأديلَ عليه شيطانه، فلا نسارعُ إلى تأنيبه، وعقوبته، بل تقال عثرته، ما لم يكن حدّاً من حدودِ الله، فإنه يتعيّنُ استيفاؤه من الشريفِ، كما يتعيّنُ أخذه من الوضيع))(٢). ((ومعنى الحديث: استحبابُ تركِ مؤاخذةِ ذي الهيئةِ إذا وقع في زلّةٍ، أو هفوةٍ لم تعهدْ عنه، إلا ما كان حدّاً من حدودِ الله تعالى، وبلغ الحاكمَ، فيجبُ إقامته))(٣). عن أبي هريرة رََّنُ أَنَّ سعدَ بنَ عبادةَ قالَ: يا رسولَ الله أرأيتَ الرّجلُ يجدُ معَ امرأتِهِ رجلاً أيقتلهُ؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا)). قالَ سعدٌ: بلى والّذي أكرمكَ بالحقِّ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((اسمعوا إلى ما يقولُ سيّدكمْ!))(٤). (١) عون المعبود [٢٥/١٢]. (٢) بدائع الفوائد [٣ / ٦٦١] بتصرف يسير. (٣) فتاوى اللجنة الدائمة [٥٦/٢٢]. (٤) رواه البخاري [١٤٩٨]، ومسلم [١٤٩٨].