Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٠
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: ((الثّلثُ يا سعدُ، والثّلثُ كثيرٌ، إنّكَ أنْ تذرَ ذرّتكَ أغنياءَ خيرٌ منْ أنْ تذرهمْ عالةً
يتكفّفونَ النّاسَ، ولستَ بنافق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلّا آجركَ الله بها، حتّى اللّقمةَ تجعلها
في في امرأتكَ [أي: فمها].
قلتُ: يا رسولَ الله أخلّفُ بعدَ أصحابي(١).
قالَ: ((إنّكَ لنْ تخلّفَ، فتعملَ عملاً تبتغي بها وجه الله إلّ ازددتَ بهِ درجةً، ورفعةً،
ولعلّكَ تخلّفُ حتّى ينتفعَ بكَ أقوامٌ، ويضرَّ بكَ آخرونَ(٢). اللهمَّ أمضٍ لأصحابي هجرتهمْ،
ولا تردّهمْ على أعقابهمْ (٣)، لكنْ البائسُ سعدُ بنُ خولةَ)).
قال الزهريُّ: يرئي لهُ رسولُ اللهِ وَلِ أَنْ توفّيّ بمكّةَ(٤). (٥).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: استحبابُ عيادةِ المريض، وأنّها مستحبّةٌ للإمامِ كاستحبابها لآحادِ النّاس.
وفيهِ: جوازُ ذكرِ المريض ما يجدهُ؛ لغرضٍ صحيحٍ منْ مداواة، أوْ دعاء صالح، أَوْ وصيّة،
أوِ استفتاءٍ عنْ حاله ونحو ذلكَ، وإنّما يكره منْ ذلكَ ما كانَ على سبيل التّسخّطِ، ونحوه؛
فإنّهُ قادحٌ في أجر مرضه.
وفيهِ: تحريمُ الوصيّةِ بما يزيدُ على الثّلثِ لمن له ورثةٌ، وهو متّفقٌ عليه بين العلماءِ.
(١) معناهُ: أخلّف بمكّة بعد أصحابي؟ قال ذلك إشفاقاً منْ موته بمكّة؛ لكونهِ هاجرَ منها، وتركها لله تعالى، فخشَي
أنْ يقدح ذلكَ في هجرته، وكانوا يكرهونَ الإقامة في الأرض الّتي هاجروا منها وتركوها لله تعالى، فمنْ ثمَّ
خشيَ سعد بن أبي وقاص أنْ يموت بها. شرح النووي على صحيح مسلم [٧٨/١١].
(٢) أيُّ: ينتفع بك المسلمونَ بالغنائمِ تَما سيفتحُ الله على يديك منْ بلاد الشّك، ويضّر بك المشركونَ الّذينَ يهلكونَ
على يديك.
(٣) فيهِ: إشارة إلى الدّعاء لسعدٍ بالعافيةِ؛ ليرجعَ إلى دار هجرته، وهيَ المدينة، ولا يستمرَّ مقيمًا بسببِ الوجع بالبلدِ
الّتي هاجرَ منها وهيَ مكّة. فتح الباري [١١/ ١٨٠].
(٤) وذكرَ البخاريّ أنّهُ هاجرَ وشهدَ بدراً ثمَّ انصرفَ إلى مكّة وماتَ بها، فسبب بؤسه سقوط هجرته؛ لرجوعهِ
مختاراً، وموته بها. شرح النووي [١١/ ٨٠].
(٥) رواه البخاري [١٢٩٦] ومسلم [١٦٢٨].

٣٦١
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وفيهِ: الحثُّ على صلة الأرحام، والإحسانِ إلى الأقاربِ، والشّفقةِ على الورثةِ.
وفيهِ: أنَّ صلةَ القريبِ الأقربِ، والإحسانَ إليهِ أفضلُ منَ الأبعدِ.
وفيهِ: استحبابُ الإنفاق في وجوه الخيرِ.
وفيهِ: أنَّ الأعمالَ بالنّاتِ، وأنّهُ إنّما يثابُ على عمله بنيّتِهِ.
وفيهِ: أنَّ الإنفاقَ على العيال يثابُ علیهِ إذا قصدَ بهِ وجه الله تعالى.
وفيهِ: أنَّ المباحَ إذا قصدَ بهِ وجه الله تعالى صارَ طاعة، ويثابُ عليهِ، وذلكَ كالأكلِ
بنّةِ التّقوّي على طاعةِ الله تعالى، والنّوم للاستراحةِ؛ ليقومَ إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع
بزوجتهِ وجاريته؛ ليكفّ نفسهُ وبصره ونحوهما عنِ الحرام؛ وليقضيَ حقّها؛ وليحصّل ولداً
صالحاً.
وفيهِ: فضيلةُ طولِ العمرِ؛ للازديادِ منَ العمل الصّالح.
وفيهِ: الحثّ على إرادة وجه الله تعالى بالأعمالِ(١).
وكان يأمرهم بالعدل في الأعطيات بين الأولاد:
بعضُ الآباءِ والأمّهاتِ للأسفِ يميلونُ لبعضِ الأبناءِ أكثرَ من بعضٍ، فيدعوهم ذلك
إلى تفضيلِ بعضهم على بعضٍ في العطاءِ، وهذا جورٌ وظلمٌ نهى عنه رسول الله ◌َاللّ.
عنِ النّعمانُ بنُ بشيرِ رَعَتِهَا أَنَّ أمّهُ عمرةَ بنت رواحةَ سألتْ أباهُ بعضَ الموهبةِ منْ مالِهِ
لابنها، فالتوى بها سنةً ثمَّ بدا لهُ فقالتْ: لا أرضى حتّى تشهدَ رسولَ الله ◌َ ◌ٍّ على ما وهبتَ
لابني. فأخذَ أبي بيدي وأنا يومئذٍ غلامٌ فأتى رسولَ الله ◌َّه فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ أمَّ هذا
بنتَ رواحةَ أعجبها أنْ أشهدكَ على الّذي وهبتُ لابنها.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((يا بشيرُ ألكَ ولدٌ سوى هذا؟)).
قالَ: نعمْ.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [٧٦/١١].

٣٦٢
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أكلّهمْ وهبتَ لهمْ مثلَ الّذي وهبتَ لابنكَ هذا؟)).
قالَ: لا.
قالَ: ((فلا تشهدني إذاً، فإنّ لا أشهدُ على جوٍ))(١).
وفي رواية لمسلم: ((أيسرّكَ أنْ يكونوا إليكَ فى البرِّ سواءً)).
قالَ: بلى.
قالَ: ((فلاَ إذاً)).
وفي رواية لهما: ((اتّقوا اللهَ، واعدلوا فى أولادكمْ)). فرجعَ أبى فردَّ تلكَ الصّدقةَ.
وفي رواية لأبي داودَ (٢٥٤٢): ((إنَّ لهمْ عليك منْ الحقّ أنْ تعدلَ بينهمْ، كما أنَّ لك
عليهمْ منَ الحقِّ أنْ يبرّوك)).
فلا بد من العدل في العطية بين الأولاد.
وكان يبيّنُ لهم أن مال الإنسانِ الحقيقيَّ هو ما قدّمه في سبيل الله، وأن ما تركوه هو الفاني:
عنْ عبدِ الله بن مسعود رََّنهُ قالَ: قَالَ النّبيُّ ◌ََّ: «أَيُكمْ مالُ وارثِهِ أحبُّ إليهِ منْ
مالٍ؟)).
قالوا: يا رسولَ الله ما منّا أحدٌ إلّا مالهُ أحبُّ إلیهِ منْ مالٍ وارثِهِ.
قالَ: ((فإنَّ مالهُ ما قدّمَ، ومالُ وارثِهِ ما أخّرَ)(٢).
(فإنَّ مالهُ ما قدّمَ)) أي: قدّمه قبلَ موته بأن صرفه في حياته في مصارفِ الخيرِ.
((ومالُ وارثهِ ما أخّرَ)) أي: ما أخّره من المالِ الذي يتركه، ولا يتصدّقُ منه حتى يموتَ.
قالَ ابن بطّال: «فيهِ: التّحريض على تقديمٍ ما يمكن تقديمه منَ المال في وجوه القربة
والبرِّ؛ لينتفعَ بِهِ في الآخرة، فإنَّ كلّ شيء يخلفهُ المورّثُ يصيرُ ملكاً للوارثِ، فإنْ عملَ
(١) رواه البخاري [٢٥٨٧]، ومسلم [١٦٢٣].
(٢) رواه البخاري [٦٤٤٢].

٣٦٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فيهِ بطاعةِ الله اختصَّ بثوابٍ ذلكَ، وكانَ ذلكَ الّذي تعبَ في جمعه ومنعه، وإنْ عملَ فِيهِ
بمعصية الله فذاكَ أبعدُ لمالكهِ الأوّل منْ الانتفاع بهِ إِنْ سلمَ منْ تبعته.
فإن قيل: هذا الحديثُ يدلُّ على أن إنفاقَ المالِ في وجوهِ البرِّ أفضلُ من تركه لوارثه،
وهذا يعارضُ قوله {َّ لسعد: «إنّكَ أنْ تذرَ ذرّيّتكَ أغنياءَ خيرٌ منْ أنْ تذرهمْ عالةً يتكفّفونَ
النّاسَ)).
قيل: لا تعارض بينهما، وإنما حضَّ النبيُّ ◌َّ سعداً على أن يترك مالاً لورثته؛ لأن سعداً
أراد أن يتصدّق بماله کلّه في مرضه، فأمرهُ ێ﴾ بأن يتصدّقَ منه بثلثه، ویکونَ باقیه لورثته.
وحديثُ ابن مسعودٍ إنها خاطبَ بِهِ وَّه أصحابهُ في صحّتهم، ونبّه به من شحَّ على ماله، ولم
تسمحْ نفسه بإنفاقه في وجوه البرِّ أن ينفقَ منه في ذلك؛ لئلا يحصلَ وارثه عليه كاملاً موفّراً،
ويخيبَ هو من أجرهِ، وليس فيه الأمرُ بصدقةِ المالِ كلّه؛ حتى يكونَ معارضاً لحديث سعد.
فحديث سعد محمولٌ على منْ تصدّقَ بمالهِ كلّه، أوْ معظمه في مرضه، وحدیثُ ابن
مسعود في حقِّ منْ يتصدّقُ في صحّته وشحّه(١).
عن عبد الله بن الشخير رَّهُ قالَ: أتيتُ النّبيَّ نَّه وهوَ يقرأُ: ﴿أَلْهَنْكُمُ الشَّكَاثُرُ﴾
[التكاثر: ١]، قالَ: ((يقولُ ابنُ آدَمَ: مالي مالي)). قالَ: «وهلْ لكَ يا ابنَ آدمَ منْ مالكَ إلّا ما
أكلتَ فأفنيتَ، أَوْ لبستَ فأبليتَ، أوْ تصدّقتَ فأمضيتَ؟))(٢).
ونحوه من حديث أبي هريرة وزاد: ((وما سوى ذلكَ فهوَ ذاهبٌ وتاركهُ للنّاسِ))(٣).
قال الشاعر:
زوجُ البناتِ وزوجةُ الأبناءِ
يا كانزَ الأموالِ سوفَ یحوزها
منْ غيرِ ما أهلٍ ولاَ أحماءِ
ولسوفَ تتركُ في المقابرِ مفرداً
في ساحةِ الأيتام والفقراءِ
فاجعلْ لنفسكَ منْ كنوزكَ حصّةً
(١) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٩ / ٢١٦].
(٢) رواه مسلم [٢٩٥٨].
(٣) رواه مسلم [٢٩٥٩].

٣٦٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان النبيُّ ◌َل﴿ لا يقبلُ من أحدهم التصدّق بجميعٍ ماله:
ولذلك لما قالَ كعب بن مالك رَّهُ للرسولِ وَله: إِنَّ منْ توبتي أنْ أنخلعَ منْ مالي
صدقةً إلى الله وإلى رسوله ێ.
قالَ له: ((أمسكْ عليكَ بعضَ مالكَ؛ فهوَ خيرٌ لكَ)(١).
عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َعَنْهَا قالَ: كنّا عندَ رسولِ اللهِوَّه إِذْ جاءهُ رجلٌ بمثلِ بيضةٍ منْ
ذهبٍ، فقالَ: يا رسولَ الله أصبتُ هذهِ منْ معدنٍ، فخذها، فهي صدقةٌ، ما أملكُ غيرها.
فأعرضَ عنهُ رسولُ الله ◌َّهِ، ثمَّ أتاهُ منْ قبلِ ركنِهِ الأيمنِ، فقالَ مثلَ ذلكَ، فأعرضَ
عنهُ، ثمَّ أتاهُ منْ قبلِ ركنِهِ الأيسرِ، فأعرضَ عنهُ رسولُ الله ◌َِّ، ثمَّ أتاهُ منْ خلفِهِ، فأخذها
رسولُ الله ◌َّهِ، فحذفهُ بها، فلوْ أصابتهُ؛ لأوجعتهُ، أَوْ لعقرتهُ.
فقالَ رسولُ اللهِّهِ: ((يأتي أحدكمْ بما يملكُ، فيقولُ: هذهِ صدقةٌ، ثمَّ يقعدُ يستكفُّ
النّاسَ! خيرُ الصّدقةِ ما كانَ عنْ ظهرٍ غنّى))(٢).
وربما قبل ذلك من بعضهم لما عنده من التوكّل، والصبر على الفقر، والتعفّف عن المسألة:
عنْ زيدِ بنِ أسلمَ عنْ أبيهِ قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطّابِ يقولُ: أمرنا رسولُ اللهِوَّ أَنْ
نتصدّقَ، فوافقَ ذلكَ عندي مالاً.
فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ إِنْ سبقتهُ يوماً، فجئتُ بنصفٍ مالي.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أبقيت لأهلكَ؟)).
قلتُ: مثلهُ.
وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عندهُ.
فقالَ: ((يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلكَ؟)).
(١) رواه البخاري [٢٧٥٨] ومسلم [٢٧٦٩].
(٢) رواه أبو داود [١٦٧٣]، والحاكم [١٥٠٧]، وصححه، وقال ابن الملقّن: "إسناده جيد، لولا عنعنة ابن
إسحاق". البدر المنير [٤١٦/٧]، وضعفه الألباني في الإرواء [٨٩٨].

٣٦٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قالَ: أبقيتُ هُمُ الله ورسولهُ.
قلتُ: والله لا أسبقهُ إلى شيءٍ أبداً(١).
((وإنما لم ينكرْ مَّ﴾ على أبي بكرٍ إتيانه بجميع ما عنده؛ لما علمه من حسنِ نيّته، وقوّةِ نفسه،
ولم يخفْ عليه الفتنةُ، ولا أن يتكفّفَ الناسَ، كما خافها على غيره)(٢).
قالَ الطّبريُّ: «قالَ الجمهور: منْ تصدّقَ بالهِ كلّه في صحّةِ بدنِهِ، وعقلهِ، حیثُ لا دینَ
عليهِ، وكانَ صبوراً على الإضافةِ(٣)، ولا عيالَ لهُ، أَوْ لهُ عيال يصبرونَ أيضاً، فهوَ جائز، فإنْ
فقدَ شيءٌ منْ هذهِ الشّروطِ کره)»(٤).
وكان يرشدهم إلى أن يظهروا نعمةَ الله عليهم:
من شكر النعمةِ: إظهارها. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
لذا كانَ النبيُّ ◌َّه يحثُّ الأغنياءَ من أصحابه على إظهارِ نعمةِ الله عليهم.
عنْ مالك بن نضلةَ رَ عَنْهُ قالَ: رآني رسولُ الله ◌ِّهِ وعليَّ أطمارٌ، (٥) فقالَ: «هلْ لكَ
مالٌ؟)).
قلتُ: نعمْ.
قالَ: ((منْ أيِّ المالِ؟)).
قلتُ: منْ كلِّ المالِ قَدْ آتاني الله عَلَّ، منَ الإبلِ، والرّقيقِ، والخيلِ، والغنمِ.
قالَ: ((إذا آتاكَ الله مالاً فليرَ عليكَ))(٦). وفي رواية: ((فلتَر نعمُ الله وكرامتهُ عليكَ)).
(١) رواه الترمذي [٣٦٧٥]، وأبو داود [١٦٧٨]، وحسنه الألباني.
(٢) شرح أبي داود للعيني [٦/ ٤٣٢]
(٣) أي: الضائقة.
(٤) فتح الباري [٢٥٩/٣].
(٥) الأطهارُ: الثيابُ الباليةُ. وفي رواية: أتيتُ رسولَ الله ◌َله وأنا قشفُ الهيئةِ.
(٦) رواه أبو داود [٤٠٦٣]، والترمذي [٢٠٠٦]، والنسائي [٥٢٢٣]، أحمد [١٥٤٥٧]، واللفظ له، وصححه
الألباني في غاية المرام [٧٥].

٣٦٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
والمعنى: البس ثوباً جيّداً؛ ليعرفَ الناسُ أنك غنيٌّ، وأن الله أنعم عليك بأنواع النّعمِ (١).
وعنْ عمرو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ الله يحبَّ أَنْ يرى
أثرَ نعمتهِ علی عبدِهِ»(٢).
فالمظهرُ الجيّدُ من باب شكرِ نعمةِ الله تعالى عليكَ، لا من بابِ الإسرافِ، ولا التكبّر على
الناس.
وعنْ عبدِ الله بنِ مسعودٍ رََّهُ عَنِ النّبِّ ◌ََّ قالَ: ((لا يدخلُ الجنّةَ مِنْ كانَ في قلبهِ مثقالُ
ذرّةٍ منْ کبٍ)).
قالَ رجلٌ: إنَّ الرّجلَ يحبُّ أنْ يكونَ ثوبهُ حسناً، ونعلهُ حسنةً.
قالَ: ((إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ، الكبرُ بطرُ الحقِّ، وغمطُ النّاسِ))(٣).
وكان ◌َّ يثني على أفعال الخيرِ التي يفعلونها تشجيعاً وتحفيزاً لهم على الزيادة:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ اللهِوََّ قالَ: ((منْ أنفقَ زوجينِ في سبيلِ الله؛ نوديَ منْ
أبوابِ الجنّةِ: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ.
فمنْ كانَ منْ أهلِ الصّلاةِ؛ دعيَ منْ بابِ الصّلاةِ، ومنْ كانَ منْ أهلِ الجهادِ؛ دعيَ منْ
بابِ الجهادِ، ومنْ كانَ منْ أهلِ الصّيامِ؛ دعيَ منْ بابِ الرّيّانِ، ومنْ كانَ منْ أهلِ الصّدقِةِ؛
دعيَ منْ بابِ الصّدقةِ».
فقالَ أبو بكرٍ رَّه: بأبي أنتَ وأمّي يا رسولَ الله، ما على منْ دعيَ منْ تلكَ الأبوابِ منْ
ضرورةٍ، فهلْ يدعى أحدٌ منْ تلكَ الأبوابِ كلّها؟
قالَ: ((نعمْ وأرجو أنْ تكونَ منهمْ)) (٤).
(١) مرقاة المفاتيح [١٣ /٩٩].
(٢) رواه الترمذي [٢٨١٩]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [١٨٨٧].
(٣) رواه مسلم [٩١]، وغمطُ النّاسِ أي: احتقارهم.
(٤) رواه البخاري [١٨٩٧]، ومسلم [١٠٢٧].

٣٦٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وعنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((منْ أصبحَ منكمْ اليومَ صائماً؟».
قالَ أبو بكرٍ: أنا.
قالَ: ((فمنْ تبعَ منكمُ اليومَ جنازةً؟ ».
قالَ أبو بكرٍ: أنا.
قالَ: ((فمنْ أطعمَ منكمُ اليومَ مسكيناً)).
قالَ أبو بكرٍ : أنا.
قالَ: ((فمنْ عادَ منكمُ اليومَ مريضاً؟)).
قالَ أبو بكرٍ: أنا.
فقالَ رسولُ اللهِوَّ: «ما اجتمعنَ في امرئٍ إلّا دخلَ الجنّةَ))(١).
وعنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ سمرةَ رَّعَنْهُ قالَ: جاءَ عثمانُ بنُ عِفّانَ إلى النّبِّ ◌َّ بألفِ دينارٍ في
ثوبهِ حينَ جهّزَ النّبيُّ ◌َّه جيش العسرةِ، فصبّها في حجرِ النّبيِّ ◌َيّ.
فجعلَ النّبِيُّ ◌َّه يقلّبها بيدهِ، ويقولُ: ((ما ضرَّ ابنَ عفّانَ ما عملَ بعدَ اليومِ)) يردّدها
مراراً(٢).
وعنِ الأحنفِ بنِ قيسٍ قالَ: خرجنا حجّاجاً، فقدمنا المدينةَ، ونحنُ نريدُ الحجَّ، فبينا
نحنُ في منازلنا نضعُ رحالنا إذْ أتانا آتٍ، فقالَ: إِنَّ النّاسَ قدْ اجتمعوا في المسجدِ، وفزعوا،
فانطلقنا، فإذا النّاسُ مجتمعونَ على نفرٍ في وسطِ المسجدِ، وفيهمْ عليٌّ والزّبيرُ وطلحةُ وسعدُ
بنُ أبي وقّاصٍ، فإنّا لكذلكَ إِذْ جاءَ عثمانُ رَّهُ عليهِ ملاءةٌ صفراءُ قدْ قنّعَ بها رأسهُ، فقالَ:
أهاهنا طلحةُ أهاهنا الزّبيرُ؟ أهاهنا سعدٌ؟
قالوا: نعمْ.
(١) رواه مسلم [١٠٢٨].
(٢) رواه الترمذي [٣٧٠١]، وأحمد [٢٠١٠٧]، وحسنه الألباني.

٣٦٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: فإنّي أنشدكمْ بالله الّذي لا إلهَ إلّا هوَ أتعلمونَ أنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: «منْ يبتاعُ مربدَ
بني فلانٍ غفرَ الله لهُ))، فابتعتهُ بعشرينَ ألفاً، أوْ بخمسةٍ وعشرينَ ألفاً، فأتيتُ رسولَ الله وَلِّ،
فأخبرتهُ، فقالَ: ((اجعلهُ في مسجدنا، وأجرهُ لكَ))؟.
قالوا: اللهمَّ نعمْ.
قالَ: أنشدكمْ بالله الّذي لا إلهَ إلّا هوَ أتعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ لّه قالَ: «منِ ابتاعَ بثرَ
رومةً غفرَ الله لهُ)).
فابتعتها بكذا وكذا، فأتيتُ رسولَ اللهِ وَلَه، فقلتُ: (قدِ ابتعتها بكذا وكذا).
قالَ: ((اجعلها سقايةً للمسلمينَ، وأجرها لكَ))؟.
قالوا: اللهمَّ نعمْ.
قالَ: أنشدكمْ بالله الّذي لا إلهَ إلّا هُوَ أتعلمونَ أنَّ رسولَ الله وَّ نظرَ في وجوهِ القومِ،
فقالَ: ((منْ يجهّزُ هؤلاءِ غفرَ الله لهُ))؟ يعني: جيشَ العسرةِ، فجهّزتهمْ حتّى لمْ يفقدوا عقالاً،
ولا خطاماً؟
فقالوا: اللهمَّ نعمْ.
قالَ: اللهمَّ اشهدْ، اللهمَّ اشهدْ، اللهمَّ اشهدْ(١).
وكان ◌َله يعوّدهم على التجارة مع الله تعالى، لأنها هي التجارة الرابحة:
التجارة مع الله هي أربحُ تجارةً قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّنْ تَهُورَ ا لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ
وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: إِنَّهُ غَفُورُ شَكُرُ ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠].
قال السعدي: ((﴿تِجَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾، أي: لن تكسدَ وتفسدَ، بل تجارةٌ هي أجلَّ
التّجاراتِ، وأعلاها، وأفضلها، ألا وهي رضا ربّهم، والفوزُ بجزيلِ ثوابه، والنجاةُ من
سخطه، و عقابه))(٢).
(١) رواه النسائي [٣١٨٢]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٦٨٨١].
(٢) تفسير السعدي [٦٨٩/١].

٣٦٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
عنْ أنس بن مالك رَّعَنهُ أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ الله إنَّ لفلانِ نخلةً، وأنا أقيمُ حائطي
بها، فأمرهُ أنْ يعطيني حتّى أقيم حائطي بها.
فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َِّ: («أعطها إيّاهُ بنخلةٍ في الجنّةِ)).
فأبى.
فأتاهُ أبو الدّحداحِ، فقالَ: بعني نخلتكَ بحائطي، ففعلَ.
فأتى النّبِيَّ وَِّ، فقالَ: يا رسولَ الله إنّي قدِ ابتعتُ النّخلةَ بحائطي، فاجعلها لهُ، فقدْ
أعطيتکھا.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((كمْ منْ عذقٍ (١) راحَ لأبي الدّحداحِ في الجنّةِ))، قالها مراراً
قالَ: فأتى امرأتهُ، فقالَ: يا أمَّ الدّحداحِ، اخرجي منَ الحائطِ فإنّي قدْ بعتهُ بنخلةٍ في الجنّةِ.
فقالتْ: ربحَ البیعُ(٢).
وكان ◌َّ يختار لأهل التجارة منهم الاسمَ الحسنَ، ويحثّهم على الصدقة:
عنْ قيسِ بنِ أبي غرزةَ رََّنهُ قالَ: كّا في عهدِ رسولِ اللهِّ نسمّى السّماسرةَ، فمرَّبنا
رسولُ الله ◌َّه، فسّانا باسم هوَ أحسنُ منهُ فقالَ: ((يا معشرَ التّجّارِ إِنَّ البيعَ يحضرهُ اللّغوُ
والحلفُ فشوبوا (٣) بيعكمْ بالصّدقةِ))(٤).
قالَ الخطّابُّ: ((السّمسارُ أعجميٌّ، وكانَ كثيرٌ مَّنْ يعالجُ البيعَ، والشّراءَ فيهمْ عجماً،
فتلقوا هذا الاسمَ عنهمْ، فغيّرهُ رسولُ الله ◌ِ ◌ّه إلى التّجارةِ الّتي هيَ منَ الأسماءِ العربيّةِ)) (٥).
((فشوبوا بيعكمْ بالصّدقةِ)): بيّن أن تجارتهم قد يقع فيها من اللّغوِ والحلف ما يقع، فقال
(١) العذق هوَ الغصن منْ النّخلة، وأمّا العذق فهوَ النّخلة بكمالها، وليسَ مراداً هنا.
(٢) رواه أحمد [١٢٠٧٣]، وصححه الألباني في السلسلة [٢٩٦٤].
(٣) أيْ: اخلطوا.
(٤) رواه الترمذي [١٢٠٨]، وأبو داود [٣٣٢٦]، والنسائي [٣٧٩٧]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٧٣].
(٥) معالم السنن [١٣١/٢].

٣٧٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لهم: ((اخلطوا ما ذكرَ من اللغوِ والحلف بالصدقةِ؛ فإنها تطفئُ غضبَ الرّبِّ، وإن الحسناتِ
يذهبن السيئاتِ))(١).
وكان يخالطهم في أسواقهم، فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر:
عنْ رفاعةَ قالَ: خرجنا معَ رسولِ اللهِّه، فإذا النّاسُ يتبايعونَ بكرةً فناداهمْ: ((يا معشرَ
التّجّارِ)).
فلّا رفعوا أبصارهمْ ومدّوا أعناقهمْ قالَ: ((إنَّ التّجّارَ يبعثونَ يومَ القيامةِ فجّاراً إلّ منِ
اتّقى الله، وبرَّ، وصدقَ)(٢).
((إلّا منِ اتّقى الله) بأنْ من لمْ يرتكبْ كبيرةً، ولا صغيرةً منْ غشٍّ، وخيانةٍ، وأحسنَ إلى
النّاسِ في تجارتِهِ، أَوْ قامَ بطاعةِ الله، وعبادتِهِ))(٣).
قالَ القاضي: ((لما كانَ منْ ديدنِ التّجّارِ التّدليسُ في المعاملاتِ، والتّهالكُ على ترويجٍ
السّلْعِ بما تيسّرَ لهُمْ مِنَ الأيمانِ الكاذبةِ، ونحوها؛ حكمَ عليهمْ بالفجورِ، واستثنى منهمْ منِ
اتّقى المحارمَ، وبرَّ في يمينهِ، وصدقَ في حدیثِ))(٤).
وكان ينهاهم عن الغشِّ في البيعِ والشراءِ:
عنْ أبي هريرةَ رَهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َلّهِ مَّ على صبرةِ طعام(٥)، فأدخلَ يدهُ فيها فنالتْ
أصابعهُ بللاً، فقالَ: ((ما هذا يا صاحبَ الطّعامِ؟)).
قالَ: أصابتهُ السّماءُ [أي: المطر] يا رسولَ الله!
قالَ: ((أفلا جعلتهُ فوقَ الطّعامِ؛ كيْ يراهُ النّاسُ؟ منْ غشَّ فليسَ منّي))(٦).
(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: [٩/ ٢٨١].
(٢) رواه الترمذي [١٢١٠]، وابن ماجه [٢١٤٦]وقال الألباني: صحيح لغيره. صحيح الترغيب والترهيب [١٧٨٥].
(٣) تحفة الأحوذي [٣٣٦/٤].
(٤) تحفة الأحوذي [٣٣٦/٤].
(٥) الصّبرة: الطعام المجتمع كالكومةِ. النهاية [٩/٣]
(٦) رواه مسلم [١٠٢].

٣٧١
الباب الثالث: تعامل النبي صَّالَّهُعَلَيهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قالَ النّوويُّ: ((أي: ليس ممّنِ اهتدى بهديي، واقتدى بعلمي، وعملي، وحسنٍ طريقتي.
وكانَ سفيانُ بنُ عيينةَ يكرهُ تفسيرَ مثلِ هذا، ويقولُ: بلْ يمسكُ عنْ تأويلِهِ؛ ليكونَ أوقعَ
في النّفوسِ، وأبلغَ في الزّجرِ)(١).
وعنْ أبي هريرةَ رََّنُ عَنِ النّبِيِّ ◌َِّ قال: ((لا تصرّوا (٢) الإبلَ والغنمَ، فمنِ ابتاعها بعدُ
فإنّهُ بخيرِ النّظرينِ بعدَ أنْ يحتلبها، إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردّها وصاعَ تمٍ))(٣).
قال النووي: ((اعلمْ أنَّ التّصرية حرامٌ سواءٌ تصريةُ النّاقةِ، والبقرةِ، والشّاةِ، والجاريةِ،
والفرسِ، والأتانِ، وغيرها؛ لأنّهُ غشِّ وخداعٌ، وبيعها صحيح معَ أنّهُ حرامٌ، وللمشتري
الخيار في إمساكها، وردّها))(٤).
وكان ◌َّ إذا صنعَ إليه أحدهم معروفاً كافأه عليه:
عنْ أبي هريرةَ رََّّهُ قالَ: خرِجَ النّبِيُّ ◌َّه في ساعةٍ لا يخرجُ فيها، ولا يلقاهُ فيها أحدٌ،
فأتاهُ أبو بكرٍ، فقالَ: «ما جاءَ بكَ يا أبا بكرٍ ؟)).
فقالَ: خرجتُ ألقى رسولَ الله ◌َّهِ، وأنظرُ في وجهِهِ، والتّسليمَ علیهِ.
فلمْ يلبثْ أنْ جاءَ عمرُ، فقالَ: ((ما جاءَ بكَ يا عمرُ؟)).
قالَ: الجوعُ يا رسولَ الله.
قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((وأنا قدْ وجدتُ بعضَ ذلكَ)).
فانطلقوا إلى منزلٍ أبي الهيثمِ بنِ التّيهانِ الأنصاريِّ، وكانَ رجلاً كثيرَ النّخلِ والشّاءِ، ولمْ
يكنْ لهُ خدمٌ، فلمْ يجدوهُ، فقالوا لامرأتهِ أينَ صاحبكِ؟
فقالتْ: انطلقَ يستعذبُ لنا الماءَ.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠٩/١].
(٢) المصّراة: هي التي لا تحلبُ أيّاماً حتّى يجتمعَ اللبنُ في ضرعها، فإذا حلبها المشتري استغزرها. النهاية [٢٧/٣].
(٣) رواه البخاري [٢١٤٨]، ومسلم [١٥١٥].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ١٦٢].

٣٧٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فلمْ يلبثوا أنْ جاءَ أبو الهيثمِ بقريةٍ يزعبها، فوضعها، ثمَّ جاءَ يلتزمُ النّبِيَّ ◌َّهِ، ويفدّيهِ
بأبيهِ وأمّهِ، ثمَّ انطلقَ بهمْ إلی حدیقتِهِ.
فبسطَ لهمْ بساطاً، ثمَّ انطلقَ إلى نخلةٍ، فجاءَ بقنوٍ، فوضعهُ، فقالَ النّبيُّ ◌َّ: ((أفلا تنقّيْتَ
لنا منْ رطبهِ».
فقالَ: يا رسولَ الله، إنّ أردتُ أنْ تختاروا، أوْ قالَ: تخيّروا منْ رطبهِ وبسرهِ.
فأكلوا، وشربوا منْ ذلكَ الماءِ، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «هذا والّذي نفسي بيدهِ منَ النّعِيمِ
الّذي تسألونَ عنهُ يومَ القيامةِ، ظلِّ باردٌ، ورطبٌ طيّبٌ، وماءٌ باردٌ))، فانطلقَ أبو الهيثمِ؛
ليصنعَ لهمْ طعاماً، فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((لا تذبحنَّ ذاتَ دِّ)).
قالَ: فذبحَ لهمْ عناقاً، أوْ جدياً، فأتاهمْ بها، فأكلوا.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: «هلْ لكَ خادمٌ؟)).
قالَ: لا.
قالَ: ((فإذا أتانا سبيٌّ؛ فأتنا))، فأتيَ النّبِيُّ ◌َّه برأسينِ ليسَ معهما ثالثٌ، فأتاهُ أبو الهيثم،
فقالَ النّبيُّ ◌َِّ: ((اخترْ منهما)).
فقالَ: يا نبيَّ الله، اخترْلي.
فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((إنَّ المستشارَ مؤتمرٌ، خذْ هذا؛ فإنّي رأيتُهُ يصلّي، واستوصٍ بِهِ معروفاً)).
فانطلقَ أبو الهيثمِ إلى امرأتِهِ، فأخبرها بقولِ رسولِ الله وََّ، فقالتِ امرأتهُ: ما أنتَ ببالغِ
ما قالَ فِيهِ النّبِيُّ ◌َّهَ إلّا أنْ تعتقهُ.
قالَ: فهوَ عتيقٌ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ الله لمْ يبعثْ نبيّاً، ولا خليفةً إلّا ولهُ بطانتانِ بطانةٌ تأمرهُ بالمعروفِ،
وتنهاهُ عنِ المنكرِ، وبطانةٌ لا تألوهُ خبالاً. ومنْ يوقَ بطانةَ السّوءِ؛ فقدْ وقيَ))(١).
(١) رواه الترمذي [٢٣٦٩] بطوله، وصححه الألباني في الصحيحة [١٦٤١]، ورواه مسلم [٢٠٣٨] بدون قصة
الخادم ودون تسمية أبي الهثيم، وقد سبق مع ذكر بعض فوائده في الفصل السادس من الباب الأول.

٣٧٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّللَّهُعليْهِوَسَلَّمَ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وكان وَلّ يدعو لهم بالبركة:
فقد دعا لعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ بالبركةِ في ماله. عنْ أنس بن مالكٍ رَّهُ أَنَّالنّبيَّ ◌َ
رأى على عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ أثرَ صفرةٍ قالَ: ((ما هذا؟)).
قالَ: إنّ تزوّجتُ امرأةً على وزنِ نواةٍ منْ ذهبٍ.
قالَ: ((باركَ الله لكَ، أولمْ ولوْ بشاةٍ»(١).
قال النووي: ((أولمْ ولوْ بشاةٍ)) فيه دليلٌ على أنّهُ يستحبُّ للموسرِ أنْ لا ينقصَ عنْ شاةٍ،
ونقلَ القاضي الإجماعَ على أنّهُ لا حدَّ لقدرها المجزئِ، بلْ بأيِّ شيءٍ أولمَ منَ الطّعامِ حصلتٍ
الوليمةُ، وقدْ ذكر مسلم بعد هذا وفي وليمةِ عرسٍ صفيّةَ أنّها كانتْ بغيرِ لحمٍ، وفي وليمةِ
زينبَ: (أشبعنا خبزاً، ولحماً) وكلَّ هذا جائز تحصل به الوليمة لكن يستحبُّ أَنْ تكونَ على
قدرِ حالِ الزّوجِ))(٢).
وعنْ عروةَ البارقيِّ قالَ: عرضَ للنّبيِّ نَّه جلبٌ، فأعطاني ديناراً، وقالَ: ((ائتِ الجلبَ،
فاشترٍ لنا شاةً)).
فأتيتُ الجلبَ، فساومتُ صاحبهُ، فاشتريتُ منهُ شاتينٍ بدينارٍ ، فجئتُ أسوقهما، فلقيني
رجلٌ، فساومني، فبعتهُ شاةً بدينارٍ، فجئتُ بالدّينارِ، وجئتُ بالشّاةِ، فقلتُ: يا رسولَ الله
هذا ديناركمْ، وهذهِ شاتكمْ، وحدّثتُهُ الحديثَ.
فقالَ: ((اللهمَّ باركْ لهُ في صفقةِ یمینِهِ)).
فلقدْ رأيتني أقفُ بكناسةِ الكوفةِ، فأربحُ أربعينَ ألفاً قبلَ أنْ أصلَ إلى أهلي (٣).
وقد دعا النبي ◌َّ للمتسامحين في البيع والشراء:
فعنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َّهَ أَنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((رحم الله رجلاً سمحاً [أي:
سهلاً] إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) (٤).
(١) رواه البخاري [٥١٥٥]، ومسلم [١٤٢٧].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/ ٢١٧].
(٣) رواه البخاري [٣٦٤٣] مختصراً، وأحمد [١٨٨٧٣]، واللفظ له.
(٤) رواه البخاري [٢٠٧٦].

٣٧٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
من فوائد الحدیث:
فيهِ: الحضُّ على السّماحةِ في المعاملة، واستعمالِ معالي الأخلاق، وتركِ المشاحّةِ.
وفيهِ: الحضُّ على ترك التّضييق على النّاس في المطالبة، وأخذ العفوِ منهمْ.(١)
وأخبر أن الله يحبّهم:
عنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قالَ: ((إنَّ الله يحبُّ سمحَ البيعِ، سمحَ الشّراءِ،
سمحَ القضاءِ))(٢).
وأخبر أن هذا التسامح سبب في دخول الجنة: عن عثمانَ بنِ عفّانَ رَنَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه
قال: ((أدخلَ الله الجنّةَ رجلاً كانَ سهلاً بائعاً، ومشترياً، ومقتضياً) (٣).
وكان النبيُّ مَل﴾ يدعو للمتصدّقين، والمزكّين منهم:
عنْ عبدِ الله بنِ أبي أوفى رَّهُ قَالَ: كَانَ النّبِيُّ نَّه إذا أتاهُ قومٌ بصدقتهمْ قالَ: ((اللهمَّ
صلِّ على آلٍ فلانٍ))، فأتاهُ أبي بصدقتِهِ، فقالَ: ((اللهمَّ صلِّ على آلٍ أبي أوفى))(٤).
((هذا الدّعاء - وهوَ الصّلاة - امتثالٌ لقولِ الله عَجَلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ ◌َهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٠٣]))(٥).
((واستدلَّ بهِ على استحبابِ دعاءِ آخذِ الزّكاةِ لمعطيها)»(٦).
وكان يغضبُ ممن تظهرُ عليه آثارُ التكبّ منهم:
عنْ عبدِ الله بنِ عمِرٍ وَ رَّعَنْهُ قالَ: أتى النّبِيَّ وَّ أعرابيٌ عليهِ جبّةٌ منْ طيالسةٍ مكفوفةٌ
(١) فتح الباري [٤/ ٣٠٧].
(٢) رواه الترمذي [١٣١٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٨٨٨].
(٣) رواه ابن ماجة [٢٢٠١]، وأحمد [٤١٢]، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع [٢٤٣].
(٤) رواه البخاري [١٤٩٨]، ومسلم [١٠٧٨].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [٧ /١٨٥].
(٦) فتح الباري [٣٦٢/٣].

٣٧٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
بديباجٍ، أوْ مزرورةٌ بديباجٍ، فقالَ: إنَّ صاحبكمْ هذا [يقصد النبي(وَ] يريدُ أنْ يرفعَ كلَّ
راعٍ ابنِ راعٍ، ویضعَ كلِّ فارسٍ ابنِ فارسٍ.
فقامَ النّبِيُّ ◌َِّ مغضباً، فأخذَ بمجامع جبّتِهِ، فاجتذبهُ، وقالَ: لا أرى عليكَ ثيابَ منْ لا
يعقلُ، ثمَّ رجعَ رسولُ الله ◌َّهِ، فجلسَ، فقالَ:
((إنَّ نوحاً عليهِ السّلامِ لّا حضرتهُ الوفاةُ دعا ابنيهِ، فقالَ: إنّي قاصرٌ عليكما الوصيّةَ، آمر كما
باثنتينِ، وأنها كما عنِ اثنتينٍ.
أنهاكما عنِ الشّركِ والكبرِ، وآمر كما بلا إلهَ إلّا الله؛ فإنَّ السّمواتِ والأرضَ، وما فيهما لوْ
وضعتْ في كفّةِ الميزانِ، ووضعتْ لا إلهَ إلّا الله في الكفّةِ الأخرى؛ كانتْ أرجحَ.
ولوْ أنَّ السّمواتِ والأرضَ كانتا حلقةً، فوضعتْ لا إلهَ إلّا الله عليها؛ لفصمتها أوْ
لقصمتها.
وآمر كما بسبحانَ الله وبحمدهِ؛ فإنّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يرزقُ كلُّ شيءٍ))(١).
وعن سعيد بن أيمنَ مولى كعبٍ بنِ سورٍ قالَ: بينما رسولُ اللهِوَّ يحدّثُ أصحابهُ، إِذْ
جاءَ رجلٌ منَ الفقراءِ، فجلسَ إلى جنبٍ رجلٍ منَ الأغنياءِ، فكأنّهُ قبضَ منْ ثيابهِ عنْهُ.
فتغيّرَ رسولُ اللهِوَّةِ، فقالَ: «أخشيت يا فلانُ أنْ يعدوَ غناك عليهِ، وأنْ يعدوَ فقرهُ
عليك؟)).
قالَ: يا رسولَ الله وشرّ الغنى؟
قالَ: ((نعمْ إِنَّ غناك يدعوك إلى النّارِ، وإنَّ فقرهُ يدعوهُ إلى الجنّةِ)).
فقال: فما ینجيني منه.
قال: ((تواسیهِ)).
قال: إذاً أفعل.
(١) رواه أحمد [٧٠٦١]، وصححه الألباني في الصحيحة [١٣٤].

٣٧٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقال الآخرُ: لا أربَ لي فيهِ.
قال: ((فاستغفرْ، وادعُ لأخيكَ))(١).
وكان يغضبُ على من منع الزكاة منهم:
عنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َتهُ قالَ: بعثَ رسولُ الله ◌ِِّ عمَرَ على الصّدقةِ، فقيلَ: منعَ ابنُ جميلٍ،
وخالدُ بنُ الوليدِ، والعبّاسُ عُّ رسولِ الله ◌ِّ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إلّا أنَّهُ كانَ فقيراً فأغناهُ الله، وأمّا خالدٌ فإنّكمْ تظلمونَ
خالداً، قدِ احتبسَ أدراعهُ، وأعتادهُ (٢) في سبيلِ الله، وأمّا العبّاسُ فهيَ عليَّ، ومثلها معها)).
ثمَّ قالَ: ((يا عمرُ أما شعرتَ أنَّ عمَّ الرّجلِ صنوُ أبيهِ؟))(٣).
قال النووي: ((قوله ◌َّه: «هيَ عليَّ ومثلها معها)» معناهُ: أنّي تسلّفتُ منهُ زكاة عامينٍ،
وقالَ الَّذِينَ لا يجوزونَ تعجيل الزّكاة: معناهُ: أنا أؤدّيها عنهُ.
قالَ أبو عبيد وغيره: معناهُ: أَنَّ النّبيّ وََّ أَخّرها عنِ العبّاس إلى وقت يساره؛ من أجل
حاجته إليها.
والصّواب أنَّ معناهُ: تعجّلتها منهُ، وقدْ جاءَ في حديث آخر في غير مسلم: «إنّا تعجّلنا
منهُ صدقة عامينٍ)))(٤).
ولذلك كانَ ◌َّهِ يستعيذُ بالله من شرِّ فتنةِ الغنى:
عَنْ عائشةَ رََّهَا أَنَّالنّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يقولُ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الكسلِ، والهرمِ،
والمأثمِ، والمغرمِ، ومنْ فتنةِ القبِ، وعذابِ القبرِ، ومنْ فتنةِ النّارِ، وعذابِ النّارِ، ومنْ شرِّ فتنةِ
الغنى، وأعوذُ بكَ منْ فتنةِ الفقرِ، وأعوذُ بكَ منْ فتنةِ المسيحِ الدّجّالِ.
(١) رواه الإمام أحمد في الزهد [ص٣٨]، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٢) هوَ ما أعدّه الرجلُ منَ السّلاحِ والدّوابِّ وآلةِ الحرب. النهاية [١٧٦/٣].
(٣) رواه البخاري [١٤٦٨]، ومسلم [٩٨٣].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ٥٧].

٣٧٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
اللهمَّ اغسلْ عنّي خطايايَ بماءِ الثّلجِ والبردِ، ونقِّ قلبي منَ الخطايا كما نقّيتَ الثّوبَ
الأبيضَ منَ الدّنسِ، وباعدْ بيني وبينَ خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ))(١).
قال النووي: ((استعاذتهُ بَّهِ مِنْ فتنةِ الغنى، وفتنةِ الفقرِ؛ فلأنّهما حالتانِ تخشى الفتنةُ فيهما
بالتّسخّطِ، وقلّة الصّبر، والوقوع في حرام أوْ شبهة للحاجةِ.
ويخافُ في الغنى منَ الأشر، والبطر، والبخل بحقوقِ المال، أوْ إنفاقه في إسراف وفي
باطلٍ، أوْ في مفاخرَ.
وأمّا الكسلُ فهوَ عدمُ انبعاثِ النّفْسِ للخيرِ، وقلّةِ الرّغبةِ معَ إمکانِهِ.
قالَ الخطّابِيُّ: ((إنّما استعاذَ ◌َّهِ مِنَ الفقرِ الّذي هوَ فقرُ النّفسِ لا قلّة المال. قالَ القاضي:
وقدْ تكونُ استعاذته منْ فقرِ المال، والمرادُ الفتنة في عدم احتماله، وقلّة الرّضا بهِ.
وأمّا استعاذته وٍَّ منَ المغرم، وهوَ الدّينُ، فقدْ فسّرَهُ وَّهِ أَنَّ الرّجلَ إذا غرمَ حدّثَ،
فكذبَ، ووعدَ، فأخلفَ، ولأنّهُ قدْ يمطلُ المدينُ صاحبَ الدّينِ، ولأنّهُ قَدْ يشتغل بهِ قلبه،
وربّما ماتَ قبل وفائِهِ، فبقيتْ ذمّته مرتهنة بِهِ))(٢).
وبيّن لهم أن الغنى الحقيقيَّ هو في القلب:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ وَِّ قالَ: «ليسَ الغنى عنْ كثرةِ العرضِ(٣)، ولكنَّ الغنى
غنى النّفْسِ)) (٤).
قال النووي: ((معنى الحديث: الغنى المحمودُ غنى النّفس، وشبعها، وقلّة حرصها، لا
كثرة المال معَ الحرصِ على الزّيادة؛ لأنَّ منْ كانَ طالباً للزّيادةِ لمْ يستغنِ بما معهُ فليسَ لهُ
غنّى))(٥).
(١) رواه البخاري [٦٣٦٨] ومسلم [٥٨٩].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٨/١٧].
(٣) وهوَ متاعُ الدّنيا.
(٤) رواه البخاري [٦٤٤٦]، ومسلم [١٠٥١].
(٥) شرح النووي على صححي مسلم [٧ / ١٤٠].

٣٧٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقالَ ابنُ بطّالٍ: ((معنى الحديثِ: ليسَ حقيقةُ الغنى كثرةَ المالِ لأَنَّ كثيراً ممّنْ وسّعَ الله عليهِ
في المالِ لا يقنعُ بما أوتِيَ، فهوَ يجتهدُ في الازديادِ، ولا يبالي منْ أينَ يأتيِهِ، فكأنّهُ فقيرٌ لشدّةِ حرصهِ.
وإنّما حقيقةُ الغنى غنى النّفسِ، وهوَ منِ استغنى بما أوتيَ وقنعَ بِهِ ورضيَ، ولمْ يحرصْ على
الازديادِ، ولا ألحّ في الطّلبِ، فكأنّهُ غنيٌّ))(١).
وعنْ أبي ذرِّ رَ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((يا أبا ذرٍّ، أترى كثرةَ المالِ هوَ الغنى؟)).
قلتُ: نعمْ يا رسولَ الله.
قالَ: ((فترى قلّةَ المالِ هوَ الفقرُ؟».
قلتُ: نعمْ يا رسولَ الله.
قالَ: ((إنّما الغنى غنى القلبِ، والفقرُ فقرُ القلبِ))(٢).
وكان يبيّنُ لهم أهميّة اقتران الغنى بالتقوى:
عنْ عبدِ الله بنِ خبيبٍ عنْ عمّهِ قالَ: كنّا في مجلسٍ، فطلعَ علينا رسولُ الله ێ، وعلى
رأسهِ أثرٌ ماءٍ.
فقلنا: يا رسولَ الله نراكَ طيّبَ النّفسِ.
قالَ: ((أجلْ، والحمدُ لله)).
ثُمَّ خاضَ القومُ في ذكرِ الغنى، فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((لا بأسَ بالغنى لمنِ اتّقَى الله عَلَّ،
والصّحّةُ لمنْ اتّقى الله خيرٌ منْ الغنى، وطيبُ النّفسِ منَ النّعِيمِ))(٣).
فالغنى بغيرِ تقوى هلكة، يجمعهُ منْ غير حقّهِ، ويمنعهُ منْ حقّهِ، ويضعهُ في غیر حقّهِ،
فإذا كانَ هناكَ معَ صاحبهِ تقوى ذهبَ البأسُ، وجاءَ الخير (٤).
(١) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٠/ ١٥٦].
(٢) رواه ابن حبان [٦٨٥]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٣٢٠٣]، وقد سبق.
(٣) رواه ابن ماجه [٢١٤١]، وصححه الألباني.
(٤) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [٤/ ٣٧٠].

٣٧٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلًَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
(والصّحّة لمنِ اتّقى خيرٌ منَ الغنى)) فإنَّ صحّة الجسد تعينُ على العبادة، فالصّحّةُ مالٌ
ممدودٌ، والسّقمُ عجزٌ حاجزٌ، والصّحّة معَ العمر خير منَ الغنى معَ العجز، والعاجز كالميّتِ.
((وطيب النّفس منْ النّعيم)) أي: انشراحُ الصدرِ المقتضي للشكرِ، والصبرِ المستوي عنده
الغنى والفقرُ من جملةِ النعيم(١).
تدورُ بِهِ، وتفتتحُ الأمورُ
بهذا المالِ دنيانا تسيرُ
فحاولْ في مناكبها اتّجاراً
وما صلحَ الغنى إلّا بتقوى
ويعرفُ فضلَ أهلِ الفضلِ منهمْ
يزورهمُ، ويأكلُ منْ قراهمْ
يذكّرهمْ بتوصيةٍ، وبذلٍ
فإنْ تبذلْ جميعَ المالِ تندمْ
ويأمرهمْ إذا أعطوا بنيهمْ
فظلمُ الأقربينَ أمرُّ طعماً
وأظهرْ نعمةَ الرّحمنِ شكراً
وتاجرْ في سبيلِ الله تربحْ
وينصحهمْ رسولُ الله نصحاً
بإبداءِ العيوبِ بغيرِ غِّ
وإنْ يوصلْ بمعروفٍ يكافئْ
وليستْ كثرةُ الأموالِ تغني
وتقوى الله خيرُ الزّادِ ذخراً
وحصّلهُ، فأنتَ بهِ جدیرُ
ولا محقَ الغنى إلّ الفجورُ
رسولُ الله، فهوَ بهمْ بصيرُ
ويرعاهمْ، ومرضاهمْ يزورُ
وثلثُ المالِ إنْ يبذلْ كثيرٌ
وأنتَ عليهِ منكسرٌ حسيرُ
بميزانِ العدالةِ لا يجورُ
وظلمُ النّاسِ ممقوتٌ مريرُ
فكاتمها لنعمتهِ كفورُ
معَ الله التّجارةُ لا تبورُ
إذا هوَ في متاجرهمْ يسيرُ
وفيهِ عليهمُ اشتدَّ النّكيرُ
كذلكَ يفعلُ البرُّ الشّكورُ
ولكنْ في غنى النّفسِ السّرورُ
تقودهمُ، ودربهمُ تنيرُ
(١) مرقاة المفاتيح [١٥ /٢٠١].