Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ◌َ لّه يسألُ الله حبَّ الفقراء والمساكين: فكان يقول في صلاته: ((اللهمَّ إنّي أسألكَ فعلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكينِ، وإذا أردتَ بعبادكَ فتنةً؛ فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ))(١). وكان يأمر أصحابه بحب المساكين والقرب منهم: فعنْ أبي ذرِّ الغفاريِّ رَّ ◌َنهُ قالَ: أمرني خليلي ◌َّه بسبع: ((أمرني بحبِّ المساكين، والدّنِّ منهمْ، وأمرني أنْ أنظرَ إلى منْ هوَ دوني، ولا أنظرَ إلى منْ هُوَ فوقي، وأمرني أنْ أصلَ الرّحمَ وإنْ أدبرتْ، وأمرني أنْ لا أسألَ أحداً شيئاً، وأمرني أنْ أقولَ بالحقِّ وإنْ كانَ مرّاً، وأمرني أنْ لا أخافَ في الله لومة لائم، وأمرني أنْ أكثرَ منْ قولٍ: ((لا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله)) فإنّهَنَّ مِنْ كنزٍ تحتَ العرشِ))(٢). وكان ◌َله يتفقّدهم، ويسأل عن أحوالهم. عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حنيفٍ رَعَنْهَا أَنَّ مسكينةَ مرضتْ، فأخبرَ رسولُ الله ◌َِّ بمرضها، وكانَ رسولُ الله ◌ٍَّ يعودُ المساكينَ، ويسألُ عنهمْ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((إذا ماتتْ فآذنوني بها)). فخرجَ بجنازتها لیلاً، فکرهوا أنْ یوقظوا رسولَ الله فلّا أصبحَ رسولُ الله ◌َّ﴿ أَخبرَ بالّذي كانَ منْ شأنها فقالَ: ((ألمْ آمركمْ أنْ تؤذنوني بها؟». فقالوا: يا رسولَ الله كرهنا أنْ نخرجكَ ليلاً ونوقظكَ. فخرجَ رسولُ الله ◌َِّ حَتّى صفَّ بالنّاسِ على قبرها، وكبَّ أربعَ تكبيراتٍ(٣). وكذلك اهتمَّ بالمعدمين من المساكين، ومنهم ذو البجادينِ : عنْ عبدَ الله بنَ مسعودٍ رَّكَّهُ قال: قمتُ منْ جوفِ اللّيلِ، وأنا معَ رسولِ الله ◌َ ﴾ في (١) رواه الترمذي [٣٢٣٣] عن ابن عباس رَّعَنْهَ)، وصحّحه الألباني في الإرواء [٦٨٤]. (٢) رواه أحمد [٢٠٩٠٦]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٦٦]. (٣) رواه مالك في الموطأ [٥٣١]، والنسائي [١٩٠٧]، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي [١٩٠٧]، وروى البخاري [٤٥٨]، ومسلم [٩٥٦] نحوه من حديث أبي هريرة رَُّ عَنْهُ. ٣٢١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة غزوة تبوكَ، فرأيت شعلةً منْ نارٍ في ناحيةِ العسكرِ، فاتّبعتها أنظرُ إليها، فإذا رسولُ الله ◌َله وأبو بكرٍ وعمرُ. وإذا عبدُ الله ذو البجادينِ المزنيّ قدْ ماتَ، وإذا همْ قدْ حفروا لهُ، ورسولُ اللهِوَلِ في حفرتِهِ، وأبو بكرٍ وعمرُ يدلّانِهِ إليهِ، وهوَ يقولُ: ((أدنيا إليّ أخاكما)) فدلّیاهُ إليهِ. فلمّا هيّأهُ لشقّهِ، قالَ: ((اللهمَّ إنّي أمسيتُ راضياً عنهُ؛ فارضَ عنْهُ)). قالَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ: يا ليتني كنتُ صاحبَ الحفرةِ(١). قالَ ابنُ هشامٍ: وإنّما سمّيَ ذا البجادينِ؛ لأنّهُ كانَ ينازعُ إلى الإسلامِ، فيمنعهُ قومهُ منْ ذلكَ، ويضيّقونَ عليهِ حتّى تركوهُ في بجادٍ ليسَ عليهِ غيرهُ. والبجادُ: الكساءُ الغليظُ الجافي. فهربَ منهمْ إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فلمّا كانَ قريباً منهُ شقّ بجادهُ باثنينٍ، فاتّزرَ بواحدٍ، واشتملَ بالآخرِ، ثمّ أتى رسولَ الله وََّ، فقيلَ لهُ ذو البجادينِ لذلكَ(٢). ويقضي حاجة المحتاج منهم: عنْ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رَّة، قالتْ: تزوّ جني الزّبيرُ وما لهُ في الأرضِ منْ مالٍ، ولا مملوكٍ، ولا شيءٍ غيرَ ناضح، وغيرَ فرسِهِ، فكنتُ أعلفُ فرسهُ، وأستقي الماءَ ... فلمْ يكنْ منَ الخدمةِ شيءٌ أشدَّ عليّ منْ سياسةِ الفرسِ كنتُ أحتشُّ لهُ، وأقومُ عليهِ، وأسوسهُ. قالَ: ثمَّ جاءَ النّبيّ ◌َّ سبيٌّ، فأعطاها خادماً(٣). قالتْ: كفتني سياسةَ الفرس، فألقتْ عنّي مئونتهُ(٤). تنبيه: في رواية ((حتّى أرسلَ إليَّ أبو بكر بخادم تكفيني سياسة الفرس، فكأنّما أعتقني)) (٥). (١) السيرة النبوية [٥٢٧/٢] لابن هشام، وقال ابن حجر في الإصابة [١٦٢/٤]: ((رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا)). (٢) السيرة النبوية [٢/ ٥٢٧] لابن هشام. (٣) أي: جارية. (٤) رواه البخاري [٤٨٢٣]، ومسلم [٢١٨٢]. (٥) رواه البخاري [٥٢٢٤]، ومسلم [٢١٨٢]. ٣٢٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الحافظ ابن حجر: ((ويجمع بين الرّوايتينِ بأنَّ السّبي ◌َّا جاءَ إلى النّبيّ ◌َلّ أعطى أبا بكر منهُ خادماً؛ ليرسلهُ إلى ابنته أسماء، فصدقَ أنَّ النّبِيّ ◌َّ هِوَ المعطي، ولكنْ وصلَ ذلكَ إليها بواسطةٍ))(١). ويسألهم عن حاجتهم؛ ليقضيها لهم: عنْ خادمِ للنّبِّ وَّه رجلٍ أوْ امرأةٍ قالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌ََّ مَّا يقولُ للخادمِ: «ألكَ حاجةٌ؟». قالَ حتّى كانَ ذاتَ يومٍ، فقالَ: يا رسولَ الله حاجتي. قالَ: ((وما حاجتكَ؟)). قالَ: (حاجتي أنْ تشفعَ لي يومَ القيامةِ). قالَ: ((ومنْ دلّكَ على هذا؟». قالَ: ربّي. قالَ: ((إمّا لا؛ فأعنّي بكثرةِ السّجودٍ)(٢). وكان يطلب من خادمه أن يسأله ما يشاءُ، فيجيبُ طلبه وإن عظم: عن ربيعةَ بنِ كعبِ الأسلميِّ رَعَنْهُ قالَ: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ الله ◌َِّ، فأتيتهُ بوضوئِهِ [أي: الماء الذي يتوضأ به]، وحاجتهِ، فقالَ لي: ((سلْ)). فقلتُ: أسألكَ مرافقتكَ في الجنّةِ. قالَ: ((أَوْ غيرَ ذلكَ)). قلتُ: هوَ ذاكَ. قالَ: ((فأعنّي على نفسكَ بكثرةِ السّجودِ))(٣). (١) فتح الباري [٣٢٤/٩]. (٢) رواه أحمد [١٥٦٤٦] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٨٣٦]. (٣) رواه مسلم [٤٨٩]. ٣٢٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَّهُعَلَيْهِوَسَلًَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وفي رواية عنْ ربيعةَ قالَ: كنتُ أَخدمُ رسولَ الله ◌َّهِ، وأقومُ لهُ في حوائجِهِ نهاري أجمعَ، حتّى يصلّيَ رسولُ الله ◌َّه العشاءَ الآخرةَ، فأجلسَ ببابهِ إذا دخلَ بيتهُ، أقولُ لعلّها أنْ تحدثَ لرسولِ اللهِ وَ ◌ّ﴾ حاجةٌ، فما أزالُ أسمعهُ يقولُ وَّهِ: ((سبحانَ الله سبحانَ الله سبحانَ الله وبحمدهِ)) حتّى أملَّ، فأرجعَ، أَوْ تغلبني عيني، فأرقدَ. قالَ: فقالَ لي يوماً لما يرى منْ خفّتي لهُ وخدمتي إيّاهُ: ((سلني يا ربيعةُ؛ أعطكَ)). قالَ: فقلتُ: أنظرُ في أمري يا رسولَ الله، ثمَّ أعلمكَ ذلكَ. قالَ: ففكّرتُ في نفسي، فعرفتُ أنَّ الدّنيا منقطعةٌ زائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقاً سيكفيني، ويأتيني، فقلتُ: أسألُ رسولَ الله ◌ٍَّ لآخرتي، فإنّهُ منَ الله عَلَ بالمنزلِ الّذي هوَ بهِ. قالَ: فجئتُ فقالَ: ((ما فعلتَ يا ربيعةُ؟». فقلتُ: نعمْ يا رسولَ الله أسألكَ أنْ تشفعَ لي إلى ربّكَ، فيعتقني منَ النّارِ. قالَ: فقالَ: ((منْ أمركَ بهذا يا ربيعةُ؟». قالَ: فقلتُ: لا والله الّذي بعثك بالحقِّ ما أمرني بهِ أحدٌ، ولكنّكَ لَّا قلتَ: ((سلني أعطكَ))، وكنتَ منَ الله بالمنزلِ الّذي أنتَ بهِ، نظرتُ في أمري، وعرفتُ أنَّ الدّنيا منقطعةٌ، وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقاً سيأتيني، فقلتُ: أسألُ رسولَ الله ◌َّ لآخرتي. قالَ: فصمتَ رسولُ الله ◌َّ طويلاً ثمَّ قالَ لي: ((إنّ فاعلٌ، فأعنّي على نفسكَ بكثرةِ السّجودِ))(١). وكان يشيدُ بفضلهم، وعظيم قدرهم حتى لا يحتقرهم أحدٌ من الناس؛ لفقرهم: عنْ سهلِ بنِ سعدِ السّاعديِّ رَنهُ أَنّهُ قالَ: مَرَّ رجلٌ على رسولِ الله فقالَ: ((ما تقولونَ في هذا؟». قالوا: رجلٌ منْ أشرافِ النّاسِ، هذا والله حريٌّ إنْ خطبَ أنْ ينكحَ، وإِنْ شفعَ أنْ يشفّعَ، وإنْ قالَ أنْ يستمعَ. (١) رواه أحمد [١٦١٤٣]، وحسّنه الألباني في إرواء الغليل [٢٠٩/٢]، وقد سبق. ٣٢٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سكتَ، فمرَّ رجلٌ منْ فقراءِ المسلمينَ، فقالَ: ((ما تقولونَ في هذا؟». قالوا: هذا رجلٌ منْ فقراءِ المسلمينَ، هذا حريٌّ إنْ خطبَ أنْ لا ينكحَ، وإِنْ شفعَ أَنْ لا يشفّعَ، وإِنْ قالَ أنْ لا يستمعَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «هذا خيرٌ منْ ملءِ الأرضِ مثلَ هذا))(١). قال ابن حجر: ((وفي الحديث بيانُ أنَّ السّيادة بمجرّدِ الدّنيا لا أثر لها، وإنّما الاعتبار في ذلكَ بالآخرةِ، وأنَّ الّذي يفوتهُ الحظُّ منَ الدّنيا يعاض عنهُ بحسنةِ الآخرة)) (٢). وعنْ أبي ذرِّ رََّنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((يا أبا ذرٍّ، أترى كثرةَ المالِ هوَ الغنى؟)). قلتُ: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: ((فترى قلّةَ المالِ هوَ الفقرُ؟)). قلتُ: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: ((إنّما الغنى غنى القلبِ، والفقرُ فقرُ القلبِ)). ثمَّ سألني عنْ رجلٍ منْ قريشٍ، فقالَ: «هلْ تعرفُ فلاناً؟)). قلتُ: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: «فكيفَ تراهُ وتراهُ؟». قلتُ: إذا سألَ أعطيَ، وإذا حضرَ أدخلَ. ثُمَّ سألني عنْ رجلٍ منْ أهلِ الصّفّةِ، فقالَ: «هلْ تعرفُ فلاناً؟)). قلتُ: لا والله ما أعرفهُ يا رسولَ الله. قالَ: فما زالَ يحلّيهِ، وينعتهُ حتّى عرفتهُ، فقلتُ: قدْ عرفتهُ يا رسولَ الله. (١) رواه البخاري [٥٠٩١]. (٢) فتح الباري [٢٧٨/١١] باختصار. ٣٢٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالَ: ((فكيفَ تراهُ أوْ تراهُ؟». قلتُ: رجلٌ مسكينٌ منْ أهلِ الصّفّةِ. فقالَ: ((هوَ خيرٌ منْ طلاعِ الأرضِ منَ الآخرِ)). قلتُ: يا رسولَ الله، أفلا يعطى منْ بعضِ ما يعطى الآخرُ؟ فقالَ: ((إذا أعطيَ خيراً فهوَ أهلهُ، وإنْ صرفَ عنهُ فقدْ أعطيَ حسنةً))(١). وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَوَّهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: «كمْ منْ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينٍ(٢) لا يؤبهُ لهُ لوْ أقسمَ على الله لأبرّهُ، منهمُ البراءُ بنُ مالكٍ))(٣). ويرفعُ معنويّاتهم بذكر فضائلهم في الآخرة: عنْ عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِيِ رَعَّهَا عِنْ رسولِ اللهِنَّهِ أَنّهُ قالَ: «هلْ تدرونَ أوَّلَ منْ يدخلُ الجنّةَ منْ خلقِ الله؟)). قالوا: الله ورسولهُ أعلمُ. قالَ: ((أوّلُ منْ يدخلُ الجنّةَ منْ خلقِ الله الفقراءُ المهاجرونَ الّذينَ تسدُّ بهمْ الثّغورُ، ويتّقى بهمُ المكارهُ، ويموتُ أحدهمْ وحاجتهُ في صدرهِ لا يستطيعُ لها قضاءً. فيقولُ الله عََّجَلَّ لمنْ يشاءُ منْ ملائكتهِ: ائتوهمْ، فحیّوهُمْ. فتقولُ الملائكةُ: نحنُ سكّانُ سمائكَ، وخيرتكَ منْ خلقكَ، أفتأمرنا أنْ نأتي هؤلاءٍ، فنسلّمَ عليهمْ؟ قالَ: إِنّهمْ كانوا عباداً يعبدوني لا يشركونَ بي شيئاً، وتسدُّ بهمْ الثّغورُ، ويتّقى بهمُ المكارهُ، ويموتُ أحدهمْ وحاجتهُ في صدرهِ لا يستطيعُ لها قضاءً)). (١) رواه ابن حبان [٦٨٥]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٣٢٠٣]. (٢) الطّمر: الثوبُ الخلق. النهاية [٣٠٦/٣]. (٣) رواه الترمذي [٣٨٥٤]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٥٧٣]. ٣٢٦ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((فتأتيهم الملائكةُ عندَ ذلكَ، فيدخلونَ عليهمْ منْ كلِّ بابٍ: ((سلامٌ علیکمْ بما صبرتمْ فنعمَ عقبى الدّارِ))(١). وقد بشّرهم بأنهم يسبقون الأغنياء بدخول الجنة بفارقٍ زمنيٌّ کبیرٍ. عنْ ثوبانَ رَّهُ مولى رسولِ اللهِ وَّه قالَ: كنتُ قائماً عندَ رسولِ الله وَّهِ، فجاءَ حبرٌ منْ أحبارِ اليهودِ، فقالَ: السّلامُ عليكَ يا محمّدُ، فدفعتهُ دفعةً كادَ يصرعُ منها. فقالَ: لم تدفعني؟ فقلتُ: ألا تقولُ: يا رسولَ الله؟ فقالَ اليهوديُّ: إنّما ندعوهُ باسمِهِ الّذي سمّاهُ بِهِ أهلهُ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اسمي محمّدٌ الّذي سّاني بِهِ أهلي)). فقالَ اليهوديُّ: جئتُ أسألكَ. فقالَ لهُ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أينفعكَ شيءٌ إنْ حدّثتَكَ؟». قالَ: أسمعُ بأذنيَّ. فنكتَ رسولُ اللهِ وَل﴿ بعودِ معهُ، فقالَ: ((سلْ)). فقالَ اليهوديُّ: أينَ يكونُ النّاسُ يومَ تبدّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسّمواتُ؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((هِمْ فِي الظّلمِ دونَ الجسرِ)). قالَ: فمنْ أوّلُ النّاسِ إجازةً؟ قالَ: ((فقراءُ المهاجرينَ)) ... الحديث(٢). وعن أبي عبدِ الرّحمنِ الحبليِّ قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عمرو بنِ العاصِ رَعَنْها - سألُهُ رجلٌ فقالَ: ألسنا منْ فقراءِ المهاجرينَ؟- فقالَ لهُ عبدُ الله: ألكَ امرأةٌ تأوي إليها؟. (١) رواه أحمد [٦٥٣٤]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٧٣٧٨]. (٢) رواه مسلم [٣١٥]. ٣٢٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالَ: نعمْ. قالَ: ألكَ مسكنٌ تسكنهُ؟. قالَ: نعمْ. قالَ: فأنتَ منَ الأغنياءِ. قالَ: فإنَّ لي خادماً. قالَ: فَأنتَ منْ الملوكِ. قالَ أبو عبدِ الرّحمنِ: وجاءَ ثلاثةُ نفرٍ إلى عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِ وأنا عندهُ، فقالوا: يا أبا محمّدٍ، إنّا والله ما نقدرُ على شيءٍ، لا نفقةٍ، ولا دابّةٍ، ولا متاعٍ. فقالَ لهمْ: ما شئتمْ، إِنْ شئتمْ رجعتمْ إلينا، فأعطيناكمْ ما يسّرَ الله لكمْ، وإنْ شئتمْ ذكرنا أمركمْ للسّلطانِ، وإنْ شئتمْ صبرتمْ، فإنّي سمعتُ رسولَ اللهِوَلّه يقولُ: ((إنَّ فقراءَ المهاجرينَ يسبقونَ الأغنياءَ يومَ القيامةِ إلى الجنّةِ بأربعينَ خريفاً)). قالوا: فإنّا نصبرُ، لا نسألُ شيئاً(١). وعنْ عبدِ الله بنِ عمرو رَّهَ قالَ: قال لي رسولُ الله ◌َّ: «أتعلمُ أوّلَ زمرةٍ تدخلُ الجنّةِ منْ أمّتي؟». قالَ: الله ورسولهُ أعلمُ. فقالَ: ((المهاجرونَ، يأتونَ يومَ القيامةِ إلى بابِ الجنّةِ، ويستفتحونَ، فيقولُ لهمُ الخزنةُ: أوَ قدْ حوسبتمْ؟ فيقولونَ: بأيِّ شيءٍ نحاسبُ؟ وإنّما كانتْ أسيافنا على عواتقنا في سبيلِ الله حتّى متنا على ذلكَ)). قالَ: ((فيفتحُ لهمْ، فيقيلونَ فيهِ أربعينَ عاماً قبلَ أنْ يدخلها النّاسُ))(٢). (١) رواه مسلم [٢٩٧٩]. (٢) رواه الحاكم [٢٣٨٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٩٦]. ٣٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ أبي هريرةَ رََّنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّةِ: «يدخلُ فقراءُ المسلمينَ الجنّةَ قبلَ أغنيائهمْ بنصفِ يومٍ، وهوَ خمسمائةٍ عامٍ)) (١). تنبيه: دلَّ حديثُ ابنِ عمرو على أن السبق بأربعين عاماً، ودلَّ حديثُ أبي هريرة على أن السبقَ بخمسمائةٍ عامٍ، والجمعُ بينهما بأمورٍ: ١. أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنياء المهاجرين بأربعين خريفاً، ويسبق سائرُ الفقراءِ سائرَ الأغنياء بخمسمائة عام. فقد بوّبَ ابنُ حبان لحديث عبد الله بن عمرو رَّعَّهُ بقوله: (ذكرُ تفضّلِ الله جلَّ وعلا على فقراءِ المهاجرين بإدخالهم الجنةَ قبل أغنيائهم بمددٍ معلومة))(٢). وبوّب لحديث أبي هريرة رَّعَنهُ بقوله: ((ذكر تفضّل الله جل وعلا على فقراءِ هذه الأمة الصابرين على ما أوتوا بإدخالهم الجنة قبل أغنيائهم بمدد معلومة))(٣). ٢. قال البيهقي: ((اختلفت الروايات في هذه المواقيت فإن كانت كلّها محفوظةً، فيحتملُ أن يكون اختلافها باختلافِ درجاتِ الفقراء، ومنازلهم من الطاعة)) (٤). قال ابن القيم رَحمَةُاللّهُ: ((والذي في الصحيحِ أن سبقهم لهم بأربعين خريفاً، فإما أن يكون هو المحفوظَ، وإمّا أن يكون كلاهما محفوظاً، وتختلفُ مدّةُ السبق بحسب أحوالِ الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبقُ بأربعين، ومنهم من يسبقُ بخمسمائة، كما يتأخّرُ مكثُ العصاة من الموحّدين في النار بحسب أحوالهم. والله أعلم)) (٥). ٣. أن الخمسمائة عام باعتبار أوّلِ الفقراء، وآخر الأغنياء(٦). (١) رواه الترمذي [٢٣٥٤]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٨٠٧٦]. (٢) صحيح ابن حبان [٢/ ٤٥٢]. (٣) نفسه [٢/ ٤٥١]. (٤) البعث والنشور [٤٢٦]. (٥) حادي الأرواح [٨١]. (٦) انظر: النهاية في الفتن والملاحم [١/ ٢٧٣]. ٣٢٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وعنْ عبدِ الله بنِ عمرِو رَعَنَّهَا قالَ: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ وَّةِ، وطلعتْ الشّمسُ، فقالَ: (يأتي الله قومٌ يومَ القيامةِ نورهمْ كنورِ الشّمسِ». فقالَ أبو بكرٍ: أنحنُ همْ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((لا، ولكمْ خيرٌ كثيرٌّ، ولكنّهمْ الفقراءُ والمهاجرونَ الّذينَ يحشرونَ منْ أقطارِ الأرضِ)). وقالَ: ((طوبى للغرباءِ، طوبى للغرباءِ، طوبى للغرباءِ))، فقيلَ: منْ الغرباءُ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((ناسٌ صالحونَ في ناسِ سوءٍ كثيرٍ، منْ يعصيهِمْ أكثرُ ممّنْ يطيعهمْ))(١). وأخبرهم بأنهم أكثرُ أهل الجنة: فعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ رَّهُ عَنِ النّبِّ وََّ قالَ: «اطّلعتُ في الجنّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراءَ، واطّلعتُ في النّارِ، فرأيتُ أكثرَ أهلها النّساءَ)) (٢). فهذا تعزيزٌ نفسيٌّ للفقراءِ الذين فاتتهمُ الدنيا، والأموال. قال ابن بطال: ((ليسَ قوله: ((اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) يوجب فضل الفقير على الغنيِّ، وإنّما معناهُ: أنَّ الفقراءَ في الدّنيا أكثر منَ الأغنياء، فأخبرَ عنْ ذلكَ كما تقول: أكثر أهل الدّنيا الفقراء إخباراً عنِ الحال. وليسَ الفقرُ أدخلهمُ الجنّةَ، وإنّما دخلوا بصلاحهمْ معَ الفقرِ، فإنَّ الفقيرَ إذا لمْ يكنْ صالحاً لا يفضل))(٣). وقال عن كفران العشير: ((بيِّنَ لهُمْ رسولُ الله ◌َّ أنه أرادَ كفرهنَّ حقَّ أزواجهنَّ، وذلك لا محالةَ ينقصُ من إيمانهنَّ، ودلَّ ذلك أن إيمانهنَّ يزيدُ بشكرهنَّ العشيرَ، وبأفعال البرِّكلّها، فثبتَ أن الأعمالَ من الإيمانِ، وأنه قولٌ وعملٌ، إذ بالعملِ الصالحِ يزيدُ، وبالعملِ السّئ ينقصُ. (١) رواه أحمد [٧٠٣٢]، وقال الألباني: (صحيح لغيره)). صحيح الترغيب والترهيب [٣١٨٨]. (٢) رواه البخاري [٣٢٤١]، ومسلم [٢٧٣٧]. (٣) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٠/ ١٧٣]. ٣٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: دليلٌ أن المرءَ يعذّبُ على الجحد للفضلِ، والإحسانِ، وشكرِ المنعمِ))(١). وعنْ أسامةَ بنِ زيدٍ رَعَنْغَ أَنَّ النّبِيَّ ◌ََّ قالَ: «قمتُ على بابِ الجنّةِ، فكانَ عامّةً منْ دخلها المساكينُ، وأصحابُ الجدِّ محبوسونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النّارِ قدْ أمَرَ بهمْ إلى النّارِ))(٢). قال ابن حجر: ((محبوسونَ) أيْ: ممنوعونَ منْ دخول الجنّة معَ الفقراء؛ من أجل المحاسبة على المال، وكأنَّ ذلكَ عند القنطرة الّتي يتقاصّونَ فيها بعد الجواز على الصّراط))(٣). وعن مالكِ بنِ دينارٍ قال: قدمتُ من سفرٍ لي، فلمّا صرتُ بالجسرِ قامَ العشّار [أي: جامع الضرائب، أو الجمارك]، فقال: لا يخرجنَّ من السفينةِ، ولا يقومُ أحدٌ من مكانه، فأخذتُ ثوبي، فوضعته على عنقي، ثم وثبتُ، فإذا أنا على الأرضِ. فقال لي: ما أخرجك؟ قلتُ: ليسَ معي شيءٌ. قال: اذهبْ. فقلتُ في نفسي: هكذا أمر الآخرة (٤). وكان يطلبُ حضورهم استنزالاً للنصر، والرزق بدعائهم: كان ◌َّه يرغبُ في الفقراء، يرغبُ في قربهم، وأن يكونَ معهم. عنْ أبي الدّر داءِ رَّ ◌َنَهُ أَنَّ النّبِيّ ◌ََّ قال: ((ابغوني ضعفاء كمْ؛ فإنّما ترزقونَ، وتنصرونَ بضعفائکمْ))(٥). (١) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٨٩/١]. (٢) رواه البخاري [٥١٩٦]، ومسلم [٤٩١٩]. (٣) فتح الباري [١١/ ٤٢٠]. (٤) يعني: أن الفقير يخفُّ حسابه؛ لأنه لا يملكُ مالًا يحاسبُ عليه. صفة الصفوة [٢٧٧/٣]. (٥) رواه أبو داود [٢٥٩٤]، والترمذي [١٧٠٢]، وصحّحه الألباني في الصحيحة [٧٧٩]. ٣٣١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة «ابغوني)) أي: اطلبوهم لي، استعين بهمْ. ((الضّعفاء)) أيْ: صعاليك المسلمينَ، وهمْ منْ يستضعفهمُ النّاس لرثاثةِ حالهمْ. ((تنصرونَ)) أيْ: تعاونونَ على عدوّكمْ، بسببهمْ، أَوْ ببركةِ دعائهمْ. وقد رأى سعدٌ رَّعَّهُ أَنَّ لهُ فضلاً على منْ دونهُ، فقالَ النّبِيُّ وَِّ: «هلْ تنصرونَ، وترزقونَ، إلّا بضعفائکمْ))(١). وفي رواية: ((إنّما ينصرُ الله هذهِ الأمّةَ بضعيفها، بدعوتهمْ، وصلاتهمْ، وإخلاصهمْ))(٢). ومعناهُ أنَّ عبادة الضّعفاء ودعاءهمْ أشدّ إخلاصاً لجلاءِ قلوبهمْ منَ التّعلّق بزخرفٍ الدّنيا وجعلوا همّهمْ واحد فأجيبَ دعاؤهمْ وزكتْ أعمالهمْ(٣). و کان ◌ِال﴾ يأمر باحترامهم وتقديرهم: ومن صورِ ذلك: نهيه عن إطعامهم من الطعام الذي لا يرغبه الناس. عنْ عائشةَ رَعَنْهَا أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ أَهديَ إليهِ ضبٌّ، فلمْ يأكلهُ، قالتْ عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ الله ألا أطعمهُ المساكينَ؟ فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((لا تطعموهمْ ممّا لا تأكلونَ))(٤). وفي هذا تطبيق لأمر الله تعالى في قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِشَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. عنِ البراءِ بن عازب رَنْهَا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، قالَ: نزلتْ فينا معشرَ الأنصارِ. (١) رواه البخاري [٢٨٩٦]. (٢) رواه النسائي [٣١٧٨]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٦]. (٣) ينظر: فتح الباري [٨٩/٦]، شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٥/ ٩٠]، عون المعبود [٢٥٦/٧]. (٤) رواه أحمد [٢٤٢١٥]، وحسّنه الألباني في الصحيحة [٢٤٢٦]. ٣٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كنّا أصحابَ نخلٍ، فكانَ الرّجلُ يأتي منْ نخلِهِ على قدرِ كثرتِهِ وقلّتِهِ، وكانَ الرّجلُ يأتي بالقنوِ(١) والقنوينِ، فيعلّقهُ في المسجدِ. وكانَ أهلُ الصّفّة ليسَ لهُمْ طعامٌ، فكانَ أحدهمْ إذا جاعَ أتى القنوَ، فضربهُ بعصاهُ، فيسقطُ منَ البسِرِ والتّمرِ فيأكلُ. وكانَ ناسٌٌ مَّنْ لا يرغبُ في الخيرِ يأتي الرّجلُ بالقنوِ فيهِ الشّيصُ(٢)، والحشفُ (٣)، وبالقنوِ قدْ انكسرَ، فيعلّقهُ؛ فأنزلَ الله تباركَ تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرُجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِتَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾، قالَ: لوْ أنَّ أحدكمْ أهديَ إليهِ مثلُ ما أعطاهُ لمْ يأخذهُ إلّا على إغماضٍ، أوْ حیاءٍ. قالَ: فكنّا بعدَ ذلكَ يأتي أحدنا بصالحِ ما عندهُ(٤). موقف لأحدِ السلف: عنْ منذرِ الثّوريِّ: أنَّ الرّبيعَ بن خثيم أخذَ يطعمُ مصاباً [أي: في عقله] خبيصاً(٥)، فقيلَ لهُ: ما يدريهِ ما أكلَ؟ فقالَ: ((لكنَّ الله يدري!))(٦). ومن ذلك: نهيه عن تجاهلهم في الولائم: عن أبي هريرة رَنهُ قال: «شرُّ الطّعامِ طعامُ الوليمةِ، يدعى لها الأغنياءُ، ويتركُ الفقراءُ، ومنْ تركَ الدّعوةَ فقدْ عصى الله ورسولهُ))(٧). (١) القنو: العذق بما فيه من الرّطب. النهاية [٤/ ١٩٢]. (٢) الشّيصُ والشّيصاءُ رديء التمر. لسان العرب [٥٠/٧]. (٣) الحشف: اليابس الفاسد من التمر. النهاية [١/ ٣٩١]. (٤) رواه الترمذي [٢٩٨٧]، وابن ماجة [١٨٢٢]، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [١٨٢٢]. (٥) وهي نوع من أجود أنواع الحلوى. (٦) سير أعلام النبلاء [٧/ ٢٩٠]. (٧) رواه البخاري [٥١٧٧]، ومسلم [١٤٣٢]، وله حكم الرفع، وقد صّرح مسلم برفعه في إحدى رواياته. ٣٣٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَاللَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح اجتماعية مخصوصة قال النووي: ((ومعنى هذا الحديث: الإخبارُ بما يقع منَ النّاس بعده ◌ِِّ مِنْ مراعاةٍ الأغنياءِ في الولائم، ونحوها، وتخصيصهمْ بالدّعوةِ، وإيثارهمْ بطيّبِ الطّعام، ورفع مجالسهمْ، وتقديمهمْ، وغير ذلكَ ممّا هوَ الغالب في الولائم. والله المستعان))(١). فإذا دعيتْ إلى وليمةٍ فلابد أن تجيبَ إذا لم يكن فيها منكراتٌ. ولكن للأسفِ نرى الولائمَ يدعى إليها الأغنياءُ الذين ليسَ لهم إلى ما فيها من الطعامِ حاجةٌ، ويتركُ الفقراءُ الذين هم في أمسِّ الحاجةِ لأكلةٍ طيّةٍ يقيمون بها أودهم. فيا صاحب الوليمة، لا تنسَ الفقراءَ، ليكنْ للفقراءِ نصيبٌ من وليمتكَ. وكان يحثّهم على التعفّف: وكان ◌َ لّ يعطي من سأله عن حاجة وفاقة ولو تكرّرت مسألته، وربما بيّن له أن التعفّف أولى وأفضل: إن من الصفاتِ التي امتدحَ الله بها المؤمنينَ في كتابه: التعفّف، وهو تكلّفُ العفّةِ، والعفّةُ هي الكفُّ عما لا يحلُّ ولا يجملُ، والكفُّ عن سؤالِ الناسِ(٢). قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. قال الطبريُّ: ((﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ ﴾ يعني بذلك: يحسبهم الجاهلُ بأمرهم وحالهم أغنياءَ من تعفّفهم عن المسألةِ، وتركهم التعرّضَ لما في أيدي الناسِ، صبراً منهم على البأساءِ والضّاءِ. ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي: تعرفهم يا محمدُ بعلامتهم وآثارهم كالتخشّع والتواضع، أو جهد الحاجة في وجوههم، أو رثاثة الثياب، أو نحو ذلك. (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/ ٢٣٧]. (٢) ينظر: لسان العرب [٢٥٣/٩]. ٣٣٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَسَْلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ يقال: قد ألحفَ السائلُ في مسألته إذا ألحّ. فإن قال قائل: أفكانَ هؤلاءِ القومُ يسألونَ الناسَ من غيرَ إلحافٍ؟ قيل: بل لا يسألون الناسَ أصلاً، وذلك أن الله عََّجَلَّ وصفهم بأنهم أهلُ تعفّفٍ، وأنهم إنها كانوا يعرفون بسيماهم. فلو كانتِ المسألةُ من شأنهم، لم تكن صفتهم التعفّف. ولكنَّ المعنى مدحهم بنفي الشّرهِ التي تكون في الملحّين عنهم))(١). وقد كان النبيُّ وَّه يربّ أصحابه على هذه الصّفة الجميلةِ. عنْ حكيمَ بنَ حزامِ رَوَعَنّهُ قالَ: سألتُ رسولَ الله ◌َّ، فأعطاني. ثُمَّ سألتهُ، فأعطاني. ثمَّ سألتهُ، فأعطاني. ثُمَّ قالَ: ((يا حكيمُ إِنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ(٢) فمنْ أخذهُ بسخاوةِ نفسِ (٣)؛ بوركَ لهُ فيهِ ومنْ أخذهُ بإشرافٍ نفسٍ؛ لمْ يباركْ لهُ فيهِ كالّذي يأكلُ، ولا يشبعُ اليدُ العليا خيرٌ مِنْ الیدِ السّفلی)). قالَ حكيمٌ: فقلتُ: يا رسولَ الله، والّذي بعثكَ بالحقِّ لا أرزأُ أحداً (٤) بعدكَ شيئاً حتّى أفارقَ الدّنيا. فكانَ أبو بكرٍ رََُّّ يدعو حكيماً إلى العطاءِ، فيأبى أنْ يقبلهُ منهُ. ثُمَّ إِنَّ عمرَ رَنُ دعاهُ؛ ليعطيهُ، فأبى أنْ يقبلَ منهُ شيئاً. فقالَ عمرُ: إنّ أشهدكمْ يا معشرَ المسلمينَ، على حكيمِ أنّي أعرضُ عليهِ حقّهُ منْ هذا الفيءِ، فیأبی أنْ يأخذهُ. (١) تفسير الطبري [٥٩٣/٥ - ٦٠٠] باختصار وتصّرف. (٢) أنّثَ الخبر لأنَّ المرادَ الدّنيا (٣) أيْ: بغيرِ شرهٍ ولا إلحاح أيْ: منْ أخذه بغير سؤال. (٤) لا أنقصُ مالهُ بالطّلبِ منهُ. ٣٣٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فلمْ يرزأُ حكيمٌ أحداً منَ النّاسِ بعدَ رسولِ اللهِوَّهِ حَتّى توفّيَ(١). قال الحافظ ابن حجر: ((وإنّما امتنعَ حكيمٌ منْ أخذِ العطاءِ معَ أنّهُ حقّهُ لأنّهُ خشَيَ أَنْ يقبلَ منْ أحدٍ شيئاً، فيعتادُ الأخذَ، فتتجاوزُ بهِ نفسه إلى ما لا يريدهُ، ففطمها عنْ ذلكَ، وتركَ ما یریبُ إلى ما لا یریبُ. وإنّما أشهدَ عليهِ عمر؛ لأنّهُ أرادَ أنْ لا ينسبهُ أحدٌ لمْ يعرفْ باطنَ الأمرِ إلى منعٍ حكيمٍ منْ حقّهِ)) (٢). وإذا لم يكن عندَ النبيِّ وَّ ما يعينُ به الفقراء قابلهم بالقول الجميل، واعتذر منهم بأحسن عذرٍ : كما قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. عن أبي سعيد الخدريِّ رََّّعَنهُ أنَّ ناساً منَ الأنصارِ سألوا رسولَ الله ◌َِّ، فأعطاهمْ، ثمَّ سألوهُ، فأعطاهمْ، ثمّ سألوهُ، فأعطاهمْ حتّى نفدَ ما عندهُ. فقالَ: ((ما يكونُ عندي منْ خيرٍ فلنْ أدّخرهُ عنكمْ، ومنْ يستعففْ يعفّهُ الله، ومنْ يستغنِ يغنِهِ الله، ومنْ يتصبِّرْ يصبّهُ الله، وما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ منَ الصّبِ))(٣). ((ومنْ يستعففْ يعفّهُ الله)) أي: من يمتنعُ عن السؤالِ يجازيه الله على استعفافه بصيانةٍ وجهه، ودفع فاقته. ((ومنْ يستغنِ))، أي: بالله عمن سواه ((يغنِهِ الله) يعطيه ما يستغني به عن السؤال(٤). ومن ذلك قصة الذين جاءوا النبيَّ وَّه حينَ خروجه لغزوة تبوكَ يطلبونَ منهُ أن يعطيهم دوابَّ يجاهدون عليها، فاعتذرَ لهم بأنه لا يجد دوابَّ يحملهم عليها. (١) رواه البخاري [١٤٧٢]، ومسلم [١٠٣٥]. (٢) فتح الباري [٣٣٦/٣]. (٣) رواه البخاري [١٤٦٩] ومسلم [١٠٥٣]. (٤) فتح الباري [٣٠٤/١١]. ٣٣٦ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوْ لِلَّهِ وَرَسُولِهٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) وَلَا عَلَى اُلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُمَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١-٩٢]. عنْ أبي موسى الأشعري رَ عَنْهُ قال: أتيتُ النّبِيَّ ◌َّه في نفرٍ منَ الأشعريّينَ نستحملهُ(١). فقالَ: ((والله لا أحملكمْ، وما عندي ما أهملكمْ علیهِ)). قالَ: فلبثنا ما شاءَ الله، ثمَّ أَتيَ بإبلٍ، فأمرَ لنا بثلاثِ ذودٍ(٢) غرِّ الذّرى(٣). فلّا انطلقنا قلنا، أوْ قالَ بعضنا لبعضٍ: لا يباركُ الله لنا، أتينا رسولَ الله ◌َّ نستحملهُ، فحلفَ أنْ لا يحملنا، ثمَّ حملنا، فأتوهُ فأخبروهُ. فقالَ: ((ما أنا حملتكمْ، ولكنَّ الله حملكمْ، وإنّ والله إنْ شاءَ الله لا أحلفُ علی یمینٍ، ثمَّ أرى خيراً منها إلّا كفّرتُ عنْ يميني، وأتيتُ الّذي هوَ خِيرٌ))(٤). وكان يقدّم حاجةَ الفقراء على حاجة أهل بيته: عنْ عليٍّ بن أبي طالب رَّعَنهُ أَنَّ فاطمةَ شكتْ ما تلقى في يدها منَ الرّحى، فأتتِ النّبِيَّ وَّ تسألهُ خادماً. فلمْ تجدهُ، فذكرتْ ذلكَ لعائشةَ، فلمّا جاءَ أخبرتهُ. قالَ: فجاءنا وقدْ أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقومَ. فقالَ: ((على مكانكما))، فجلسَ بيننا حتّى وجدتُ بردَ قدميهِ على صدري. فقالَ: ((ألا أدلّكما على ما هوَ خيرٌ لكما من خادم إذا أويتما إلى فراشكما، أوْ أخذتما مضاجعكما؛ فكبّرا ثلاثاً وثلاثينَ، وسبّحا ثلاثاً وثلاثينَ، واحمدا ثلاثاً وثلاثينَ، فهذا خيرٌ لكما منْ خادمِ))(٥). (١) أي: نطلبُ منه ما يحملنا من الإبل، ويحمل أثقالنا. (٢) الذود: الإبل من الثلاث إلى العشر. (٣) أي: بيض الأسنمة. (٤) رواه البخاري [٣١٣٣]، ومسلم [١٦٤٩]. (٥) رواه البخاري [٣١١٣] ومسلم [٢٧٢٧]. ٣٣٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وفي رواية عنْ عليٍّ رَّهُ أَن النبي ◌َّ قال: ((لا أعطيكمْ وأدعُ أهلَ الصّفّةِ تلوّى بطونهمْ منَ الجوعِ))، وقالَ مرّةً: ((لا أخدمكما، وأدعُ أهلَ الصّفّةِ تطوى))(١). قالَ المهلّب: ((علّمَ قَّهابنته منَ الذّكر ما هوَ أكثر نفعاً لها في الآخرة، وآثرَ أهل الصّفّة؛ لأنّهمْ كانوا وقفوا أنفسهمْ لسماعِ العلم، وضبط السّنّةِ على شبع بطونهمْ لا يرغبونَ في كسب مال ولا في عيال، ولكنّهمُ اشتروا أنفسهمْ منَ الله بالقوتِ)) (٢). وكان يعينُ الفقراء بالدّلالة على وجوه التكسّب، ويحذّرهم من المسألة: عنْ أبي هريرةَ رَنْهُ أَنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((منْ سألَ النّاسَ أموالهمْ تكثّراً؛ فإنّما يسألُ جمراً، فليستقلَّ، أَوْ ليستكثرْ))(٣). وعنهُ رَّهُ أَنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: «والّذي نفسي بيدهِ لأنْ يأخذَ أحدكمْ حبلهُ، فيحتطبَ على ظهرهٍ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأتيَ رجلاً، فيسألهُ أعطاهُ أَوْ منعهُ)) (٤). فمهنةُ الاحتطابِ على ما فيها من مشقّةٍ، وما تحوي من نظرات الازدراءِ، وما يرجى فيها من ربحٍ ضئيلٍ خيرٌ من البطالةِ، وتكفّف الناس. وقد شجّعُ النبيُّ ◌َّهِ، ودلَّ على وجوه العمل الشريف مثل: • الزراعة: عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَهُ أنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: ((ما منْ مسلم يغرسُ غرساً، أوْ يزرعُ زرعاً، فيأكلُ منهُ طيرٌ، أوْ إنسانٌ، أَوْ بهيمةٌ إلّا كانَ لهُ بِهِ صدَقَةٌ)) (٥). قال النووي: ((في هذِهِ الأحاديث: فضيلة الغرسِ، وفضيلة الزّرعِ، وأنَّ أجرَ فاعلي ذلكَ مستمرٌّ ما دامَ الغراسُ والزّرعُ، وما تولّدَ منهُ إلى يوم القيامة))(٦). (١) رواه أحمد [٥٩٧]، وصححه أحمد شاكر والأرناؤوط. (٢) فتح الباري [١١ / ١٢٤]. (٣) رواه مسلم [١٠٤١]. (٤) رواه البخاري [١٤٧٠]، ومسلم [١٠٤٢]. (٥) رواه البخاري [٢٣٢٠]، ومسلم [١٥٥٣]. (٦) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٢١٣]. ٣٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَوَنُ أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قالَ: ((إنْ قامتِ السّاعةُ، وبيدِ أحدكمْ فسيلةٌ(١)، فإن استطاعَ أنْ لا يقومَ حتّى يغرسها؛ فليفعلْ))(٢). • الصناعة: عنِ المقدامِ رَُّ عنْ رسولِ الله ◌ََّ أنه قال: ((ما أكلَ أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أنْ يأكلَ من عملٍ يدهِ، وإنَّ نبيَّ الله داودَ عليه السّلام كان يأكلُ من عملٍ يدِ)(٣). قال ابنُ حجرٍ: «الحكمةُ في تخصيصٍ داودَ بالذّكرِ أنَّ اقتصاره في أكلِهِ علی ما یعملهُ بيدِهِ لمْ يكنْ منَ الحاجةِ؛ لأنّهُ كانَ خليفةً في الأرضِ كما قالَ الله تعالى. وإنّما ابتغى الأكلَ منْ طريقِ الأفضلِ؛ ولهذا أوردَ النّبيُّ ◌َّ قصّتهُ في مقامِ الاحتجاجِ بها على ما قدّمهُ منْ أنَّ خيرَ الكسبِ عملُ اليدِ))(٤). • التجارة: قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ ﴾ [النساء: ٢٩]. عنِ ابنِ عبّاسٍ رَوََّنْهَا قالَ: كانتْ عكاظُ ومجنّةُ وذو المجازِ أسواقاً في الجاهليّةِ، فتأثّموا أنْ يتّجروا في المواسمِ؛ فنزلتْ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨](٥). تنبيه: قوله: ((في مواسمِ الحجِّ)) هي قراءةُ ابن عبّاسٍ، وهي قراءةٌ شاذّة، وحكمها عند الأئمة حكمُ التفسير (٦). عنْ عروةَ البارقي رَّهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ أعطاهُ ديناراً يشتري لهُ بهِ شاً، فاشترى لهُ بهِ (١) الفسيلة: الصغيرة من النخل. لسان العرب [٥١٩/١١]. (٢) رواه أحمد [١٢٥٦٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٤٢٤]. (٣) رواه البخاري [١٩٦٦]. (٤) فتح الباري [٣٠٦/٤]. (٥) رواه البخاري [٤٥١٩]. (٦) فتح الباري [٥٩٥/٣]. ٣٣٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة شاتينٍ، فباعَ إحداهما بدينارٍ، وجاءهُ بدينارٍ وشاةٍ، فدعا لهُ بالبركةِ في بیعِهِ، فقالَ لهُ: ((باركَ الله لكَ في صفقةِ يمينكَ». فكانَ لوْ اشترى التّرابَ لربحَ فيهِ(١). • ولقد عمل الأنبياءُ في أعمالٍ وحرفٍ عدّةٍ، منها: رعي الأغنام: عن أبي هريرةَ رَُّ عَنِ النّبِّ ◌َِّ قالَ: ((ما بعثَ الله نبيّاً إلّا رعى الغنمَ)). فقالَ أصحابهُ: وأنتَ؟ فقالَ: ((نعمْ، كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلٍ مكّةَ))(٢). • الحدادة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ، وَالطَّيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ن أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾ [سبأ: ١٠-١١]. • النّجارة: عنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َتْهُ أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ قالَ: ((كانَ زكريّا عَلَيْهِالسَلَامُ نجّاراً) (٣). من فوائد الحدیث: فیهِ: جوازُ الصّنائع. وفيهِ: أنَّ النّجارة لا تسقط المروءة، وأنّها صنعة فاضلة. وفيهِ: فضيلةٌ لزكريّا ◌َلِّ، فإنّهُ كانَ صانعاً يأكل منْ كسبه(٤). وهكذا فعلَ ورثةُ الأنبياءِ من العلماء الربانيّينَ، فاشتهرتْ أسماءٌ تدلّ على الصنائع أمثال: البزّاز، الجصّاص، الخوّاص، الجزّار، الزجّاج، الحدّاد، الحذّاء ... وغيرها. وأما الكسلُ والقعود عن العمل مع القدرة فهو مذمومٌ؛ ولهذا لم يجعلِ الرسولُ وَّ لبطّالٍ (١) رواه البخاري [٣٦٤٣] والترمذي [١٢٥٨]، والزيادة للترمذي. (٢) رواه البخاري [٢٢٦٢]. وقوله: ((على قراريط)) يعني كلّ شاة بقيراطٍ، وهوَ جزء منْ الدّينار أوْ الدّرهم. (٣) رواه مسلم [٢٣٧٩]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٣٥].