Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان ◌َّ يراعي مشاعرهم، ويختار الألفاظ المناسبة في تسميتهم:
عنْ جابِرِ بن عبد الله رَ عَّهَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: «انطلقوا بنا إلى البصيرِ الذي في
بني واقفٍ نعودهُ)). وكانَ رجلاً أعمى(١).
قال سفيان: وهم [أي: بنو واقفٍ] حىٌّ منَ الأنصارِ (٢).
فاستعمل النبي ◌َّ لفظاً لطيفاً لا يجرحُ مشاعرهُ.
الّسُّر في تسمية الأعمى بصيراً: قال الطحاوي: ((تأملنا هذا الحديثَ؛ لنقفَ على المعنى
الذي من أجله ذكرَ رسولُ اللهِ وَلِّ ذلكَ الرجلَ البصيرَ، وهو محجوبُ البصر، وقد ذکر
الله عَجَلَّ من هو مثله في كتابه بالعمى، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾
[النور: ٦١]، وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّيْ ل) أَنْ جَاءَهُ اُلْأَعْمَى﴾ [عبس: ١-٢].
فوجدنا الله تعالى قد ذكرَ من به العمى بغير ذلك، فقال: ﴿فَإِنَهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن
تَعْمَى الْقُلُوبُالَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فكان في ذلك ما قد دلَّ على أن الأعمى قد يقالُ له:
بصيرٌ؛ لبصره بقلبه ما يبصره به، وإن كان محجوبَ البصر.
فدلَّ ذلك أنه جائزٌ أن يوصفَ بالعمى الذي يبصرُ، وجائزٌ أن يوصفَ بالبصرِ الذي
في قلبه، فذكر رسول الله وَ ل﴾ ذلك الرجلَ بأحسنِ أمریهِ، وإن كان له أن یذکره بالآخر
منهما))(٣).
وقريبٌ من هذا: تسميتهم اللّديغَ سليماً تفاؤلاً بالسلامة (٤).
وتسميتهم الصحراءَ مفازةً وهي مهلكةٌ؛ تفاؤلاً لصاحبها بالفوز والنجاة(٥).
(١) رواه البيهقي في الكبرى [٢١٣٧٢]، وصححه الألباني في الصحيحة [٥٢١].
(٢) شعب الإيمان [٩١٩٤].
(٣) شرح مشكل الآثار [٢١٩/١٠].
(٤) الاشتقاق - لابن دريد [٣٦/١].
(٥) ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس [٣٣١/١] لابن الأنباري.

٢٦١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
ويحاول دائماً رفع معنويّاتهم، وبيان أن الجسم ليس هو ميزانَ التفاضل بين البشرِ:
عنِ ابنِ مسعودٍ رَّهُ أنّهُ كانَ يجتني سواكاً منَ الأراكِ، وكانَ دقيقَ السّاقينِ، فجعلتِ
الرّيحُ تكفؤهُ، فضحكَ القومُ منهُ.
فقالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((ممَّ تضحكونَ؟!).
قالوا: يا نبيَّ الله، منْ دقّةِ ساقيهِ.
فقالَ: ((والّذي نفسي بيدهِ، لهما أثقلُ في الميزانِ منْ أحدٍ))(١).
فلا يضرُّ عبدَ الله ◌َّهُ ضعفه ونحوله، فإن لصاحبِ تلك الساقينِ فضائلَ تثقّلُ الميزانَ،
فقد كان جامعاً بين جمال السيرةِ، ونقاءِ السريرةِ.
عنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ يزيدَ قالَ: سألنا حذيفةَ عنْ رجلٍ قريبِ السّمتِ، والهديٍ منَ
النّبِّ وَِّ حتّى نأخذَ عنهُ.
فقالَ: ((ما أعرفُ أحداً أقربَ سمتاً(٢)، وهدياً ودلَّاً(٣) بالنّبِّ وََّ منِ ابنِ أمِّ عبدٍ(٤) [أي:
ابن مسعود]».
وفي رواية قال حذيفة: ((كانَ أقربُ النّاسِ هدياً، ودلّاً، وسمتاً برسولِ الله ◌َّ ابنُ
مسعودٍ حتّی یتواری منّا في بیتِهِ)).
ولقدْ علمَ المحفوظونَ منْ أصحابٍ رسولِ اللهِ ◌ّهِ أَنَّ ابنَ أَمِّ عبدٍ هوَ منْ أقربهمْ إلى الله
زلفى))(٥).
والميزانُ الحقيقيُّ عند الله لا يكون بالصّورِ ولا المناظرِ، ولكن بالجوهرِ، والعملِ.
(١) رواه أحمد [٣٩٨١] وصححه الألباني في الصحيحة [٢٧٥٠].
(٢) أي: حسن هيئته، ومنظره في الدّين، وليس من الحسن والجمال. النهاية [٢/ ٩٨٨]
(٣) الدُّ: الحالة التي يكونُ عليها الإنسانُ من السّكينة والوقار وحسن السّيرة والطّريقة واستقامةِ المنظر والهيئة. النهاية
[٣١٥/٢].
(٤) رواه البخاري [٢٧٦٣].
(٥) رواه الترمذي [٣٨٠٧]، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٧٠٢٣].

٢٦٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقد كان ابنُ مسعودٍ رجلاً نحيفاً قصيراً.
عنْ زيدِ بنِ وهبٍ، قالَ: إنّي لجالسٌ مِعَ عمرَ بنِ الخطّابِ، إِذْ جاءَ ابنُ مسعودٍ، فكادَ
الجلوس يوارونهُ منْ قصرهِ، فضحكَ عمرُ حينَ رآهُ.
فجعلَ عمرُ يكلّمهُ، ويتهلّلُ وجههُ، ويضاحكهُ، وهوَ قائمٌ عليهِ، ثمَّ ولّ، فأتبعهُ عمرُ
بصرهُ حتّى توارى، فقالَ: كنيفٌ ملئَ علمً (١).
زيارته وَ لا لهم وإجابته طلباتهم:
عنْ محمود بن الرّبيع الأنصاريُّ أنَّ عتبانَ بنَ مالكِ، وهوَ منْ أصحابِ رسولِ الله ◌ِّ
ممّنْ شهدَ بدراً منَ الأنصارِ، أتى رسولَ الله ◌َّهِ، فقالَ: يا رسولَ الله أنا رجلٌ ضريرُ البصرِ،
وأنا أصلّي لقومي، فإذا كانتِ الأمطارُ سالَ الوادي الّذي بيني وبينهمْ لمْأستطِعْ أنْ آتِيَ
مسجدهمْ، فأصلّيَ بهمْ، ووددتُ يا رسولَ الله أنّكَ تأتيني، فتصلّيَ في بيتي، فأنّخذهُ مصلَّى.
فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّ: ((سأفعلُ إنْ شاءَ الله)).
قالَ عتبانُ: فغدا رسولُ اللهِ ◌ّهِ، وأبو بكرٍ [زاد مسلم في رواية: ((ومنْ شاءَ الله منْ
أصحابهِ] حينَ ارتفعَ النّهارُ.
فاستأذنَ رسولُ اللهِوَّةِ، فأذنتُ لهُ، فلمْ يجلسْ حتّى دخلَ البيتَ، ثمَّ قالَ: «أينَ تحبُّ أنْ
أصلّيَ منْ بيتكَ؟)).
قالَ: فأشرتُ لهُ إلى ناحيةٍ منَ البيتِ، فقامَ رسولُ الله ◌َّ فكبَّ، فقمنا، فصفّنا، فصلّى
ركعتينِ، ثمَّ سلّمَ.
فحبسناهُ على خزيرةٍ صنعناها لهُ.
قالَ: فآبَ في البيتِ رجالٌ منْ أهلِ الدّارِ ذوو عددٍ، فاجتمعوا فقالَ قائلٌ منهمْ: أينَ
مالكُ بنُ الدّخيشنِ أوِ ابنُ الدّخشنِ؟
(١) سير أعلام النبلاء [١/ ٤٣٦].

٢٦٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلّله عليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فقالَ بعضهمْ: ذلكَ منافقٌ لا يحبُّ الله ورسولهُ.
فقالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((لا تقلْ ذلكَ، ألا تراهُ قدْ قالَ لا إلهَ إلَّ الله يريدُ بذلكَ وجهَ الله؟)).
قالَ: الله ورسولهُ أعلمُ.
قالَ: فإنّا نرى وجههُ ونصيحتهُ إلى المنافقينَ.
قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: «فإنَّ الله قدْ حرّمَ على النّارِ مِنْ قالَ لا إلهَ إلّ الله يبتغي بذلكَ وجهَ
الله))(١).
(حبسناهُ) أيْ: منعناهُ منَ الرّجوعِ.
(خزيرة) نوعٌ منَ الأطعمة، قالَ ابن قتيبة: تصنعُ منْ لحم يقطّع صغاراً ثمَّ يصبُّ عليهِ
ماء كثير، فإذا نضجَ ذرَّ عليهِ الدّقيق، وإنْ لمْ يكنْ فيهِ لحم فهوَ عصيدة(٢).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: جوازُ إمامةُ الأعمى.
وفيهِ: إخبارُ المرء عنْ نفسه بما فيهِ منْ عاهة ولا يكون منَ الشّكوى.
وفيهِ: أنّهُ كانَ في المدينة مساجد للجماعةِ سوى مسجده وَله.
وفيهِ: التّخلّفُ عنِ الجماعة في المطر والظّلمة ونحو ذلكَ.
وفيهِ: إجابةُ الفاضل دعوة المفضول.
وفيهِ: قول إن شاء الله عن الوعد.
وفیهِ: الوفاء بالوعدٍ.
وفيهِ: اتّخاذُ مكان في البيت للصّلاةِ لا يستلزم وقفيّتُهُ، ولوْ أطلقَ عليهِ اسم المسجد.
(١) رواه البخاري [٤١٥] ومسلم [١٠٥٢].
(٢) فتح الباري [٥٢١/١].

٢٦٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: صلاة النّوافل جماعة [أحياناً].
وفيهِ: استصحابُ الزّائر بعض أصحابه إذا علمَ أنَّ المستدعي لا يكره ذلكَ.
وفيهِ: أنَّ عمومَ النّهي عنْ إمامة الزّائر منْ زارهُ مخصوصٌ بما إذا كانَ الزّائر هوَ الإمام
الأعظم فلا يكرهُ، وكذا منْ أذنَ لهُ صاحب المنزل.
وفيهِ: اجتماع أهل المحلّة على الإمام أوْ العالم إذا وردَ منزل بعضهمْ؛ ليستفيدوا منهُ.
وفيه: افتقاد من غابَ عنِ الجماعة بلا عذر.
وفيهِ: أنّهُ لا يكفي في الإيمان النّطق منْ غير اعتقاد.
وفيهِ: أنّهُ لا يخلّدُ في النّار منْ ماتَ على التّوحيد.
وفيهِ: أنَّ العمل الّذي يبتغى بهِ وجه الله تعالى ينجّي صاحبه إذا قبلهُ الله تعالى.
وفيهِ: أنَّ منْ نسبَ منْ يظهر الإسلام إلى النّفاق ونحوه بقرينةٍ تقوم عنده لا يكفرُ بذلكَ،
ولا يفسقُ بلْ يعذرُ بالتّأْوِيلِ(١).
فائدة:
هل يعتبرُ اتخاذُ مكانٍ معيّن في البيت للصلاة مخالفاً لحديثِ عبدِ الرّحمنِ بنِ شبلٍ رَ عَنْهُ
قالَ: نهى رسولُ الله ◌َّه عِنْ ثلاثٍ: عنْ نقرةِ الغرابِ، وعنْ فرشةِ السّبع، وأنْ يوطنَ الرّجلُ
المكانَ الّذي يصلّي فيهِ كما يوطنُ البعيرُ(٢).
الجواب: ليس هناك مخالفةٌ، فاتخاذُ المكانِ المعيّنِ للصلاةِ إنما هو في البيوتِ، أما في
المسجدِ؛ فلا يجوزُ؛ فإن المسجدَ ملكٌ لله، وليسَ ملكاً لأحدٍ.
ثم هو يؤدّي إلى المشاكلِ؛ لأن الذي يختصُّ مكاناً في المسجدِ لا يصلّي إلا فيه إذا سبقه
أحدٌ إلى هذا المكانِ فإنه يغضبُ، وربما تشاجرَ مع هذا السابقِ، وارتفعتْ أصواتهما في
المسجدِ، بل ربما تضاربا في النهاية!
(١) ينظر: فتح الباري [١/ ٥٢٣].
(٢) رواه أبو داود [٨٦٢]، والنسائي [١١١٢]، وابن ماجة [١٤٢٩]، وحسّنه الألباني بمجموع طرقه في الصحيحة
[١١٦٨].

٢٦٥
الباب الثالث: تعامل النبي صلَّالله عليهوسلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وكان ◌َّ يرشدهم لما فيه الخيرُ لهم:
عنْ أبي هريرةَ رَهُ قالَ: أتى النّبِيَّ ◌َّه رجلٌّ أعمى [هوَ عبد الله ابن أمّ مكتوم]، فقالَ:
يا رسولَ الله إنّهُ ليسَ لي قائدٌ يقودني إلى المسجدِ، فسألَ رسولَ الله ◌َّهِ أَنْ يرخّصَ لهُ فيصلّيَ
في بیتِهِ، فرخّصَ لهُ.
فلمّا ولّى دعاهُ، فقالَ: «هلْ تسمعُ الّداءَ بالصّلاةِ؟».
قالَ: نعمْ.
قالَ: ((فَأجبْ))(١).
وفي هذا دليل على أنَّ حضورَ الجماعةِ واجبٌ، ولوْ كانَ ذلكَ ندباً؛ لكانَ أولى منْ يسعهُ
التّخلّف عنها أهلُ الضّرر، والضّعفِ، ومنْ كانَ في مثل حال ابن أمّ مكتوم(٢).
قال ابنُ رجب: ((قد أشكلَ وجهُ الجمعِ بین حديث ابنِ أمِّ مكتومٍ وحديث عتبان بن
مالك، حيث جعل لعتبان رخصةً، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة؟.
فقيل: إن ابنَ أمِّ مكتومٍ كان قريباً من المسجدِ، بخلاف عتبانَ؛ ولهذا وردَ في بعض طرق
حديث ابنِ أمِّ مكتومٍ: أنه كان يسمع الإقامة.
ويحتملُ أن يكون عتبانُ جعلَ موضعَ صلاةِ النبيِّ ◌ٍَّ من بيته مسجداً يؤذّنُ فيهِ، ویقیمُ،
ويصلّي بجماعةِ أهلِ داره، ومن قربَ منه، فتكونُ صلاته حينئذٍ في مسجدٍ: إما مسجد
جماعةٍ، أو مسجد بیتٍ يجمعُ فيه.
وأما ابنُ أمِّ مكتومٍ فإنه استأذنَ في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقربُ ما جمعَ
به بين الحديثينِ. والله أعلم))(٣).
وكذلك فإن عبورَ عتبانَ وهو ضعيفُ البصرِ الواديَ مع وجودِ السیلِ یعتبرُ مهلکةً، بل
لا يمكنُ له بأيِّ حالٍ أن يعبرَ، بخلافِ حالةِ ابنِ أمِّ مکتومٍ، فإنه مجیتهُ إلی المسجد متیسٌّ.
(١) رواه مسلم [٦٥٣].
(٢) عون المعبود [٢٥٧/٢].
(٣) فتح الباري [٢/ ٣٩٢] لابن الباري.

٢٦٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
و کان ګ يقضي لهم حاجاتهم:
عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّهُ أَنَّ امرأةً كانَ في عقلها شيءٌ، فقالتْ: يا رسولَ الله إنَّ لي إليكَ
حاجةً.
فقالَ: ((يا أمَّ فلانٍ، انظري أيَّ السّككِ شئتِ حتّى أقضيَ لكِ حاجتكِ))، فخلا معها في
بعضِ الطّرقِ حتّى فرغتْ منْ حاجتها(١).
((كانَ في عقلها شيء)) أيْ: منْ الفتور، والنّقصانِ.
قال النووي: ((قوله: (خلا معها في بعض الطّرق) أيْ: وقفَ معها في طريق مسلوك؛
ليقضيَ حاجتها، ويفتيها في الخلوة.
ولمْ يكنْ ذلكَ منَ الخلوة بالأجنبيّةِ، فإنَّ هذا كانَ في ممّرِّ النّاس، ومشاهدتهمْ إيّاهُ وإيّاها،
لكنْ لا يسمعونَ كلامها؛ لأَنَّ مسألتها ممّا لا يظهرهُ. والله أعلمُ))(٢).
وهذا من حلمه وتواضعه ◌َّ، وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقد عاتبهُ الله في إعراضه عن الرجل الأعمى:
فذكر غيرُ واحدٍ من المفسّرين أن رسولَ الله وَّ كان يوماً يخاطبُ بعض عظماء قريش،
وقد طمعَ في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيهِ إذ أقبلَ ابنُ أمِّ مكتومٍ - وكان ممن أسلم قديماً
- فجعلَ يسألُ رسولَ اللهِوَّه عن شيء، ويلحُّ عليه، ووذَّالنبيُّ ◌َ﴿ أَن لو كفَّ ساعته تلكَ؛
ليتمكّنَ من مخاطبةِ ذلك الرجلِ؛ طمعاً ورغبةً في هدايته، وعبسَ في وجه ابنِ أمِّ مكتومٍ،
وأعرضَ عنهُ، وأقبلَ على الآخر.
فأنزل الله عََّجَلَّ: ﴿عَبَسَ وَتَوَّ (١) أَنْ جَاءَهُ اُلْأَعْمَى ١) وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَى﴾ [عبس: ١-٣]،
أي: يحصلُ له زكاةٌ، وطهارةٌ في نفسه.
﴿أَوْ يَذَّكِرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىَ﴾، أيْ: يحصلُ له اتّعاظٌ، وانزجارٌ عن المحارمِ.
(١) رواه مسلم [٢٢٣٦].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ٨٣].

٢٦٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَاللهُ عليهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
﴿أَمَّا مَنِ اُسْتَغْنَى ٥ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أيْ: أما الغنيُّ فأنت تتعرّض له؛ لعلّه يهتدي.
﴿ وَمَا عَلَيَّكَ أَلَّا يَزََّى﴾، أي: ما أنتَ بمطالبٍ به إذا لم يحصل له زكاة.
﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى ٥) وَهُوَ يَخْشَى﴾، أي: يقصدك، ويؤمّك؛ ليهتدي بما تقول له،
﴿فَنْتَ عَنْهُ نَلَهَى﴾، أي: تتشاغل.
ومن هاهنا أمر الله عََّجَلَّ رسوله ◌ٍَّ أَلا يخصَّ بالإنذار أحداً.
بل يساوى فيه بين الشريفِ والضعيفِ، والفقيرِ والغنيِّ، والسادةِ والعبيدِ، والرجالِ
والنساءِ، والصغارِ والكبارِ.
ثم الله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ، وله الحكمةُ البالغةُ والحجّةُ الدامغةُ(١).
فکان النبيُّ ◌َآلټ بعد ذلك یکرمه.
عنْ عائشةَ قالتْ: أنزلَ ﴿عَبَسَ وَتَوَّ﴾ في ابنِ أمِّ مكتوم الأعمى، أتى رسولَ الله ◌َّه
فجعلَ يقولُ: يا رسولَ الله أرشدني.
وعندَ رسولِ اللهِوَّه رجلٌّ منْ عظماءِ المشركينَ، فجعلَ رسولُ الله ◌َلَ يعرضُ عنهُ،
ويقبلُ على الآخرِ، ويقولُ: أترى بما أقولُ بأساً.
فیقولُ: (لا).
ففي هذا أنزلَ(٢).
وكان ييسّرُ عليهم، ويرفعُ الحرج عنهم:
عنْ زيدٍ بن ثابتٍ رَضَ عَتْهُ أَنَّ رسولَ الله وَّه أملى عليهِ: (لا يستوي القاعدونَ منَ المؤمنينَ
والمجاهدون في سبيلِ اللهِ).
قالَ: فجاءهُ ابنُ أمِّ مكتومٍ وهوَ يملّها عليَّ.
(١) تفسير ابن كثير [٤ /٥٦٨].
(٢) رواه الترمذي [٣٣٣١] وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [٢٦٥١].

٢٦٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: يا رسولَ الله لوْ أستطيعُ الجهادَ؛ لجاهدتُ، وكانَ رجلاً أعمى.
فأنزلَ الله تباركَ وتعالى على رسولِهِ وََّ، وفخذهُ على فخذي، فثقلتْ عليَّ حتّى خفتُ أنَّ
ترضَّ فخذي، ثمَّ سرّيَ عنهُ، فأنزلَ الله عََّجَلَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ ﴾ [النساء: ٩٥](١).
وقال تعالى - مخفّفاً عن ذوي الاحتياجاتِ الخاصّةِ -: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى
اُلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَّلَّ
يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الفتح: ١٧].
فرفع عنهم فريضةَ الجهادِ في ساحة القتالِ، فلم يكلّفهم بحملِ سلاحٍ، أو الخروج إلى
نفیرٍ في سبيل الله.
ولكن من تطوّع منهم، ورغب في الخروج للجهاد، لم یکن النبي ګ يمنعه منه.
عنْ أشياخِ منْ بني سلمةَ أَنّ عمرو بنَ الجموحِ كانَ رجلاً أعرجَ شديدَ العرجِ، وكانَ لهُ
بنونَ أربعةٌ مثلُ الأسدِ، يشهدونَ معَ رسولِ اللهِوَّ المشاهدَ.
فلّا كانَ يومُ أحد أرادوا حبسهُ، وقالوا لهُ: إنّ الله عَرَّجَلَّ قَدْ عذرك.
فأتى رسولَ الله وَّه فقالَ: إنّ بنيَّ يريدونَ أنْ يحبسوني عنْ هذا الوجهِ، والخروجِ معك
فيهِ، فوالله إنّي لأرجو أنْ أطأَ بعرجتي هذهِ في الجنّةِ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((أمّا أنتَ فقدْ عذرك الله، فلا جهادَ عليك)).
وقالَ لبنيهِ: ((ما عليكمْ أنْ لا تمنعوهُ، لعلَّ الله أنْ يرزقهُ الشّهادةَ)).
فخرجَ معهُ، فقتلَ يومَ أحدٍ(٢).
وعنْ أبي قتادةَ رَنهُ قالَ: أتى عمرو بنُ الجموح إلى رسولِ الله وَّه فقالَ: يا رسولَ الله
(١) رواه البخاري [٢٨٣٢]، ومسلم [١٨٩٨].
(٢) رواه ابن إسحاق في السيرة كما في السيرة النبوية لابن هشام [٤٠/٤]، ورجاله ثقات، وقال الشيخ
الألباني: ((سنده حسن إن لم يكن مرسلا، وقد روى بعضه أحمد بسند صحيح)). تحقيق فقه السيرة
[٢٦٠/١].

٢٦٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
أرأيتَ إنْ قاتلتُ في سبيلِ الله حتّى أقتلَ، أمشي برجلي هذهِ صحيحةً في الجنّةِ (وكانتْ رجلهُ
عرجاءَ).
قالَ رسولُ اللهِوَله: ((نعمْ)).
فقتلوا يومَ أحدٍ هوَ وابنُ أخيهِ ومولَى لهمْ، فمرَّ عليهِ رسولُ الله ◌َّ فقالَ: ((كأني أنظرُ
إليكَ تمشي برجلكَ هذهِ صحيحةً في الجنّةِ))(١).
كما رفع الله تعالى الحرج عن المجتمع في مخالطتهم، وحثَّ عليها؛ تطبيباً لنفوسهم:
فإن الناسَ إن تجنّبوهم في الطعام والشرابِ، والمخالطةِ؛ فإنهم يصيبونهم بحالةِ نفسيّةٍ
سيّئةٍ جدّاً؛ لذلك حثَّ الله تعالى على مخالطتهم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى
الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ
ءَابَابِكُمْ ... ﴾ الآية [النور: ٦١].
قال ابن جرير: ((اختلفَ أهلُ التأويلِ في هذه الآية في المعنى الذي أنزلتْ فيه: فقال
بعضهم: أنزلتْ هذه الآية ترخيصاً للمسلمين في الأكلِ مع العميانِ، والعرجانِ، والمرضى،
وأهل الزمانةِ من طعامهم؛ من أجلٍ أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم؛
خشيةَ أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئاً مما نهاهم الله عنه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]))(٢).
وقال الضحاك: ((كان أهلُ المدينةِ قبلَ أن يبعثَ النبيُّ ◌َّ لا يخالطهم في طعامهم أعمى،
ولا مريضٌ، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذّر، والتقزّز.
وقال بعضهم: المريضُ لا يستوفي الطعامَ كما يستوفي الصحيحُ، والأعرجُ المنحبس لا
يستطيعُ المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصرُ طيّبَ الطعام، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ﴾ أي: حرجٌ في مؤاكلة المريضِ، والأعمى، والأعرج))(٣).
(١) رواه أحمد [٢٢٦٠٦] وسنده حسن، كما قال الحافظ في الفتح [١٧٣/٣].
(٢) تفسير ابن جرير [٢١٩/١٩].
(٣) تفسير ابن جرير [٢١٩/١٩].

٢٧٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان ◌َ له يولي بعضهم بعضَ المهامِّ والولاياتِ:
ومن ذلك ما وقع في غزوةٍ أحدٍ لَّا استشارَ النبيُّ وََّ الناسَ في الخروجِ إلى لقاءِ المشركين
خارجَ المدينةِ، أو البقاءِ داخلَ المدينة وقتالهم بداخلها ... فخرجَ رسولُ الله ◌َّ﴾ في ألفٍ منَ
الصّحابةِ، واستعملَ ابنَ أمّ مكتومٍ على الصّلاةِ بمنْ بقيَ في المدينةِ(١).
وقد ولّاهُ النبيُّ وََّ على المدينةِ أكثرَ من مرّةٍ، وكذلك استخلفهُ؛ ليصلَّ بالناس في المدينة.
عنْ أنس بن مالكِ رَةُ أَنَّ النّبِيَّ ◌ََّ استخلفَ ابنَ أمِّ مكتومٍ على المدينةِ مرّتينٍ يصلّي
بهمْ وهوَ أعمى(٢).
وأوكلَ إليه الأذان الثانيَ في رمضان:
عنْ عبدِ الله بنِ عمرَ رَعَنْهَا أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: ((إنَّ بلالاً يؤذّنُ بليلٍ؛ فكلوا واشربوا
حتّى يناديَ ابنُ أمِّ مكتومٍ)).
ثمَّ قالَ: وكانَ رجلاً أعمى لا ينادي حتّى يقالَ لهُ: أصبحتَ أصبحتَ(٣).
وعنْ عائشةَ رََّها قالتْ: كانَ ابنُ أمِّ مكتومٍ يؤذّنُ لرسولِ الله وَّه وهوَ أعمى(٤).
وفي رواية: أَنَّ ابنَ أمّ مكتومٍ كانَ مؤذّناً لرسولِ الله ◌َّهِ وهوَ أعمى(٥).
فانظرْ إلى استغلالِ طاقاتِ ذوي العاهاتِ، فهذا ضريرُ البصرِ، ومع ذلك يؤذّنُ ويؤُ
الناسَ، ويتولّى الإمارةَ.
التحذير من إيذائهم:
عنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قالَ: قالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: «ملعونٌ منْ سبَّ أباهُ، ملعونٌ منْ سبَّ
(١) السيرة النبوية [٢/ ٦٣] لابن هشام.
(٢) رواه أبو داود [٢٩٣١]، وأحمد [١١٩٣٥]، وصححه الألباني في الإرواء [٥٣٠].
(٣) رواه البخاري [٦١٧]، ومسلم [١٠٩٢].
(٤) رواه مسلم [٣٨١].
(٥) رواه أبو داود [٥٣٥].

٢٧١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
أمّهُ، ملعونٌ منْ ذبحَ لغيرِ الله، ملعونٌ مِنْ غيَّ تخومَ الأرضِ (١)، ملعونٌ منْ كمةَ أعمى عنْ
طريقٍ (٢)، ملعونٌ منْ وقعَ على بهيمةٍ، ملعونٌ منْ عملَ بعملٍ قومٍ لوطٍ))(٣).
وأخبر النبيُّ ◌َله أن نصرة الأمة تكون بأمثالهم.
فقد رأى سعدٌ رَّهُ أَنَّ لهُ فضلاً على منْ دونهُ، فقالَ النّبيُّ ◌َِّ: «هلْ تنصرونَ،
وترزقونَ، إلّا بضعفائكمْ))(٤).
وفي رواية: ((إنّما ينصرُ الله هذِهِ الأمّةَ بضعيفها، بدعوتهمْ، وصلاتهمْ، وإخلاصهمْ)) (٥).
وعنْ أبي الدّرداءِ رَ عَنْهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ قال: ((ابغوني ضعفاءكمْ؛ فإنّما ترزقونَ، وتنصرونَ
بضعفائکمْ)) (٦).
فوجودُ الضعفاءِ والمساكينِ والمعاقين في المجتمع المسلم رحمةٌ عظيمةٌ، فهم بابٌ عظيمٌ
من أبوابِ الخيرِ يفتحه الله لعباده؛ ليكون هناك تنافسُ في البرِّ بهم، والإحسانِ إليهم،
ومساعدتهم، وليكون دعاءُ هؤلاء الضعفاءِ رحمةً ونصراً وعزّاً للمسلمين.
عفوه گیّے عن سفھائهم:
ويتجلّى ذلك في عفوه، وحلمه وَّ﴾ عندما توجّه بجيشه صوبَ أحدٍ، وعزم على المرور
بمزرعةٍ لرجلٍ منافقٍ ضريرٍ، اسمه: مربعُ بنُ قيظيٍّ.
(١) أيْ: معالمها وحدودها، واحدها تخم. النهاية [١ / ١٨٣].
(٢) أي أضلّه عنه، أو دلّه على غير مقصده.
وللأسف نجدُ الآنَ بعضَ الشبابِ السّفهاءِ يتلاعبونَ بالمكفوفينَ، إذا جاءهم ضريرٌ يسألُ عن الطريق دلّوه على
الطريق المعاكس؛ ليضحكوا عليه، ويسخروا منهُ.
بل إن بعضهم أخذَ بيدٍ أعمى زاعماً أنه يدلّه على الطريق، فسحبهُ حتى وصل إلى وسط الطريق، ثم تركه أمامَ
السيّارات، وأخذَ السائقون ينبّهونه، وهو لا يدري عن الخطرِ، وهم لا يدرون عن حاله، حتى اكتشفَ في النهايةِ
أنه قائمٌ في وجهِ السيّاراتِ، وحتى اكتشفوا أنه ضريرُ البصرِ!
(٣) رواه أحمد [١٨٧٨]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٥٨٩١].
(٤) رواه البخاري [٢٨٩٦].
(٥) رواه النسائي [٣١٧٨]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٦].
(٦) رواه أبو داود [٢٥٩٤]، والترمذي [١٧٠٢]، وصحّحه الألباني في الصحيحة [٧٧٩].

٢٧٢
تعاملات النبيّ صَ للَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ لرسولِ اللهِوَّه حينَ أجازَ في حائطِهِ: لا أحلُّ لك يا محمّدُ إنْ كنتَ نبيّاً أنْ تمرَّ في
حائطي، وأخذَ في يدهِ حفنةً منْ ترابٍ، ثمّ قالَ: والله لوْ أعلمُ أنّ لا أصيبُ بهذا التّرابِ
غيرك؛ لرمیتك بهِ.
فابتدرهُ القومُ؛ ليقتلوهُ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّةِ: (دعوهُ، فهذا الأعمى، أعمى القلب، أعمى البصيرةٍ))(١).
فلم يأمر بقتله، أو حتى بأذّته، رغم أن الجيشَ الإسلاميَّ في طريقهِ للقتالِ، والوضعُ
متأزّمٌ، والأعصابُ متوتّرةٌ.
فليسَ من شيمِ المقاتلين المسلمين الاعتداءُ على أصحابِ العاهاتِ، أو النّيلِ من أصحاب
الإعاقات.
وقد حثَّ النبيُّ ◌َّ أمّته على الاتّعاظ بحالهم، وسؤال الله العافية مما ابتلاهم به.
فعلّمَ النبيُّ وَّ أمّته إذا رأوا من أصيبَ بعاهةٍ أن يحمدوا الله على العافيةِ.
فعن عمرَ بن الخطابِ رَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: «منْ رأى صاحبَ بلاءٍ، فقالَ:
الحمدُ لله الّذي عافاني مما ابتلاك بهِ، وفضّلني على كثيرٍ ممّنْ خلق تفضيلاً؛ إلّا عوفيَ منْ ذلكَ
البلاءِ))(٣).
(الحمدُ لله الّذي عافاني ممّا ابتلاك بهِ)) فإنَّ العافيةَ أوسعُ منَ البليّةِ؛ لأنّها مظنّةُ الجزعِ،
والفتنةِ، وحينئذٍ تكونُ محنةً أيَّ محنةٍ، والمؤمنُ القويُّ أحبُّ إلى الله منَ المؤمنِ الضّعيفِ.
((وفضّلني على كثيرٍ ممّنْ خلق تفضيلاً) أي: في الدّينِ والدّنيا، والقلبِ والقالب))(٣).
((قال العلماء: ينبغي أن يقولَ هذا الذكرَ سرّاً بحيثُ يسمعُ نفسه، ولا يسمعه المبتلى))(٤).
(١) السيرة النبوية [٢٤٤/٢] لابن كثير، السيرة النبوية [٥٧/٣] لابن هشام، زاد المعاد [٣ / ١٧٢].
(٢) رواه الترمذي [٣٤٣١]، وحسّنه الألباني في صحيح سنن الترمذي [٣٤٣١].
(٣) تحفة الأحوذي [٩/ ٢٧٥].
(٤) فيض القدير للمناوي [٦/ ١٣٠].

٢٧٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
لكن لو كانَ البلاءُ في الدينِ كمن رأى فاسقاً على معصيةٍ، فإنه يقولُ الذّكرَ أمامه جهراً
من بابِ الزجرِ، والنّهي عن المنكرِ.
ولا بد أن نعلم أن المعاقَ على الحقيقة هو الكافرُ بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
لأن الله خلق له سمعاً، وبصراً، وفؤاداً؛ ليؤمنَ به ويعبده، ويتّبعَ صراطه المستقيمَ، فعطّلَ
كلَّ ذلك، وكفرَ بالله الذي خلقهُ، وسوّاه، وأعطاه السمعَ، والبصرَ، والفؤاد: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَ
لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا
يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فهذا حالُ الكافرِ الذي عطّل سمعه، وبصره، وفؤاده، فلم يستفدْ به إلا استفادةَ الحيوان
بحواسّه، وذلك في الطعامِ، والشرابِ، والجماع.
أما المؤمنُ فإنه استفادَ بحواسّه، وعقله الذى منحهُ الله إيّاهُ، فاستعمله فيما خلق له.
ثم إن العمى على الحقيقةِ ليس فقدَ البصرِ، بل العمى الحقيقيُّ هو فقدُ البصيرةِ، والإيمانِ،
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُاَلَِّى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٧].
((أي: هذا العمى الضارُّ في الدينِ عمى القلبِ عن الحقِّ، حتى لا يشاهده كما لا يشاهدُ
الأعمى المرئيّاتِ، وأما عمى البصرِ، فغايته بلغةٌ، ومنفعةٌ دنيويّةٌ)(١).
إذا أبصرَ القلبُ المروءةَ والتّقى
فإنَّ عمى العينينِ ليسَ يضيرُ
وإن الأعرجَ، أو المشلولَ المقعدَ أحسنُ حالاً، وأطيبُ منقلباً من صاحب القدمينِ
واليدينِ الذي استخدمَ هذه الجوارحَ في معاصي الله سُبْحَانَهُوَتَعَلَى.
ولأنْ يكونَ المسلمُ فاقداً لعضوٍ لا يستعمله في معصيةٍ خيرٌ ممّن أوتي هذه الجوارحَ،
وسخّرها في خدمةِ الشيطانِ.
وإذا قارنّا بين فقدِ البصرِ مثلاً، وفقدِ الشّرفِ، وبينَ بترِ اليدِ أو الرّجلِ، وبترِ الكرامِةِ
والأخلاقِ، وتشوّهِ الدّينِ؛ لوجدنا الفارقَ العظيمَ.
(١) تفسير السعدي [٥٤٠/١].

٢٧٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إن تلكَ المقارنةَ لتحملُ على الحمدِ والرضا بسلامةِ ذي العاهةِ الجسديّة من الإصابةِ
بعاهةِ النفسِ.
اصبرْ علی غصصِ البلايا ولیکنْ
وإذا ابتليتَ فلستَ أوّلَ مبتلى
إِنْ أنتَ لمْ تصبرْ لربّكَ راضياً
وعظَ النّبيُّ ذوي البلاءِ مصبّراً
حتّى تمنّوا حينَ نالوا أجرهمْ
ويزورهمْ خيرُ البريّةِ عائداً
فإذا رأوا وجهَ النّبيِّ استبشروا
ويكونُ في حاجاتهمْ متواضعاً
ما ملَّ منهمْ لا، ولمْ یضجرْ بھمْ
ما بالُ أهلِ ذوي الحوائجِ، والبلا
ولربّما غدرَ الشّقيُّ بأمّهِ
لا تعجلنَّ، ففي غدٍ لكَ مثلها
لا تؤذينَّ، ولا تصاحبْ مؤذياً
كنْ للضّعافِ، وللعجائزِ خادماً
لكَ في ثوابِ الله خيرُ عزاءِ
فلكلِّ حيٍّ خصَّ نوعُ بلاءٍ
ألجئتَ بعدَ العجزِ والإعياءِ
ومبشّراً بالجنّةِ العلياءِ
لوْ نالهمْ منْ قبلُ ضعفُ الدّاءِ
يدعو لهمْ ودعاهُ خیرُ دعاءِ
منْ حسنِ طلعتِهِ بقربِ شفاءِ
ومبادراً فيها بحسنِ قضاءٍ
بلْ سرّهمْ بالطّلعِةِ السّمحاءِ
أقصوهمُ هرباً منَ الأعباءِ
ورمى بها كالنّاقةِ الجرباءِ
شرُّ الدّيونِ أذيّةُ الآباءِ
إِنَّ الخسارَ مقارنُ الإيذاءِ
بالبرِّ كلَّ صبيحةٍ ومساءٍ

٢٧٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
تعامله وقداخلة مع أصحاب المصائب والبلاء
لقد اقتضتْ حكمةُ الله تعالى ألا تخلوَ هذه الحياةُ من المنغّصاتِ والمكدّراتِ. كيف لا وقد:
طبعتْ على كدرٍ، وأنتَ تريدها صفواً منَ الأقذاءِ، والأكدارِ
ومن أرادَ أن تدومَ له السلامةُ والعافيةُ من غيرِ بلاءٍ؛ فما عرفَ التكليفَ، ولا فهمَ
التسلیم.
فالإنسانُ في هذه الدنيا لا بدَّ أن يصابَ بمصيبةٍ، إما في ماله، أو بدنه، أو أهله.
ومن أنفعِ الأمورِ للمصابِ أن يطفئ نارَ مصيبته ببردِ التأسّي بأهل المصائبِ، وأن يعلمَ
أنَّ في كلِّ بيتٍ من البيوتِ مصابٌ، ولو فتّش لم يرَ في الناسِ إلا مبتلَّى، إما بفواتٍ محبوبٍ،
أو حصولِ مکروهٍ.
فيومٌ علينا، ويومٌ لنا ويومٌ نساءُ، ويومٌ نسرُّ
ولذلك كانَ من المهمِّ أن نقفَ وقفاتٍ مع التعاملاتِ النبويّة معَ أهلِ المصائبِ، والابتلاءِ.
وقد بيّنَ النبيُّ ◌َ ﴾ أن من أراد الله به خيراً فإنه يبتليه بالمصائب:
عن أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((من يرد الله بهِ خيراً؛ يصبْ منْهُ))(١).
قال الباجي: ((يريدُ - والله أعلمُ - يصبْ منهُ بالمرضِ المؤثّرِ في صحّتِهِ، وأخذِ المالِ المؤثّرِ
في غناهُ، والحزنِ المؤثّرِ في سرورهِ، والشّدّةِ المؤثّرةِ في صلاحِ حالِهِ، فإذا صبرَ واحتسبَ؛ كانَ
ذلكَ سبباً لما أرادهُ الله تباركَ وتعالى بهِ منَ الخيرِ))(٢).
(١) رواه البخاري [٥٦٤٥].
(٢) المنتقى شرح الموطأ [٣٥٧/٤].

٢٧٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَهُ أَن رسولَ اللهَوَّه قال: «عظمُ الجزاءِ معَ عظم البلاءِ، وإِنَّ الله
إذا أحبَّ قوماً؛ ابتلاهمْ، فمنْ رضِيَ فلهُ الرّضا، ومنْ سخطَ فلهُ السّخطُ))(١).
(أي: منْ رضيَ بما ابتلاهُ الله بهِ، فلهُ الرّضا منهُ تعالى وجزيلُ الثّوابِ.
ومنْ كرهَ بلاءَ الله، وفزعَ، ولمْ يرضَ بقضائِهِ، فلهُ السّخطُ منهُ تعالى وأليمُ العذابِ، ومنْ
يعملْ سوءاً يجزَ بِهِ.
والمقصودُ: الحثُّ على الصّبرِ على البلاءِ بعدَ وقوعِهِ))(٢).
قال الهرويُّ: ((من جواهرِ البِرِّكتمانُ المصيبة، حتى يظنَّ أنك لم تصبْ قطُّ)(٣).
وقال بعضهم: ((العاقلُ يفعلُ في أوّلِ يومٍ من المصيبةِ ما يفعله الجاهلُ بعدَ أيامٍ، ومن لم
يصبرْ صبرَ الكرامِ؛ سلا سلوَّ البهائمِ)(٤).
أتصبرُ للبلوى عزاءً وحسبةً
فتؤجرَ، أمْ تسلو سلوَّ البهائمِ؟
وكان ◌َّه يدعو المصابَ إلى الصبر، والاحتساب، ويحزنُ حزنه، وربما بكى:
عن أسامةُ بنُ زيدٍ رَعَنْهَا قالَ: أرسلتْ ابنةُ النّبِّ وَّه إليهِ: إنَّ ابناً لي قبضَ فأتنا.
فأرسلَ يقرئُّ السّلامَ ويقولُ: ((إنَّ لله ما أخذَ، ولهُ ما أعطى، وكلَّ عندهُ بأجلٍ مسمَّى؛
فلتصبر ولتحتسب)).
فأرسلتْ إليهِ تقسمُ عليهِ؛ ليأتينّها، فقامَ ومعهُ سعدُ بنُ عبادةَ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبيُّ
بنُ كعبٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، ورجالٌ، فرفعَ إلى رسولِ الله ◌ِِّ الصّبيُّ، ونفسهُ تتقعقعُ كأنّها
شنٌّ(٥)، ففاضتْ عيناهُ.
(١) رواه الترمذي [٢٣٩٦]، وابن ماجة [٤٠٣١]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٢١١٠].
(٢) تحفة الأحوذي [٦٦/٧].
(٣) تسلية أهل المصائب [ص ١٧] لمحمد بن محمد المنبجي.
(٤) تسلية أهل المصائب [ص٢٩].
(٥) معناهُ: لها صوت وحشرجة كصوتِ الماء إذا ألقيَ في القربة البالية.

٢٧٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فقالَ سعدٌ: يا رسولَ الله ما هذا؟(١)
فقالَ: ((هذهِ رحمةٌ جعلها الله في قلوبٍ عبادهِ، إنّما يرحمُ الله من عبادهِ الرّحماءَ))(٢).
((إنَّ لله ما أخذَ)) معناهُ: الحثُّ على الصّبر والتّسليم لقضاءِ الله وتقديره، فإنَّ هذا الّذي
أخذَ منكمْ كانَ لهُ لا لكمْ، فلمْ يأخذ إلّا ما هوَ لهُ، فينبغي ألّا تجزعوا كما لا يجزع منِ استردّتْ
منهُ وديعةً، أوْ عاريةً.
((ولهُ ما أعطى)) فما وهبهُ لكمْ ليسَ خارجاً عنْ ملكه، بلْ هوَ سُبْحَانَهُ وَعَالَى يفعلُ فيهِ ما يشاءُ.
((وكلُّ عندهُ بأجلِ مسمَّى)) معناهُ: اصبروا، ولا تجزعوا؛ فإن كلّ من یأتي قد انقضى أجله
المسمّی، فمحالٌ تقدّمه، أو تأخّره عنه.
فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم (٣).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: جوازُ استحضار ذوي الفضل للمحتضرِ لرجاءِ دعائهمْ.
وفيهِ: جوازُ القسم عليهمْ لذلكَ.
وفيهِ: جوازُ المشي إلى التّعزية والعيادة بغيرِ إذن بخلافِ الوليمة.
وفيهِ: استحبابُ إبرار القسم.
وفيهِ: أمرُ صاحبِ المصيبة بالصّبرِ قبل وقوع الموت؛ ليقعَ وهوَ مستشعر بالرّضا مقاوماً
للحزنِ بالصّبرِ.
وفيهِ: إخبارُ منْ يستدعي بالأمرِ الّذي يستدعى منْ أجله.
(١) ظنَّ سعد أنَّ جميع أنواع البكاء حرام، وأنَّ دمع العين حرام، وظنَّ أَنَّ النّبِيَّّه ◌ِسَبِي فذكرهُ، فأعلمهُ النّبِيّ ◌َ أنَّ
مجرّد البكاء ودمعَ بعينٍ ليسَ بحرامٍ، ولا مكروه، بلْ هوَ رحمة وفضيلة، وإنّما المحرّم النّوح، والنّدب، والبكاء
المقرون بهما.
(٢) رواه البخاري [١٢٨٤]، ومسلم [٩٢٣].
(٣) شرح النووي على مسلم [٢٢٦/٦].

٢٧٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: تقديمُ السّلام على الكلام.
وفيهِ: عيادةُ المريضِ، ولوْ كانَ مفضولاً، أوْ صبيّاً صغيراً.
وفيهِ: استفهامُ التّابع منْ إمامه عما يشكل عليهِ ممّا يتعارض ظاهره.
وفيهِ: حسنُ الأدبِ في السّؤالِ؛ لتقديمِهِ قوله ((يا رسول الله ((على الاستفهام.
وفيهِ: التّرغيبُ في الشّفقة على خلق الله، والرّحمة لهمْ.
وفيهِ: التّرهيبُ منْ قساوةِ القلب، وجمودِ العين.
وفيهِ: جوازُ البكاء منْ غير نوح ونحوه(١).
وكان يعلّمهم كيفيّة الصبر:
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَّهُ قالَ: مَرَّ النّبيُّ ◌َِّ بامرأةٍ تبكي عندَ قبِرٍ على صبيّ لها، فقالَ:
((اتّقي الله واصبري))(٢).
قالتْ: إليكَ عنّي، فإنّكَ لمْ تصبْ بمصيبتي، ولمْ تعرفهُ(٣).
فقيلَ لها: إنّهُ النّبِيُّ ◌َ(٤).
فأتتْ بَابَ النّبِّ وََّ، فلمْ تجدْ عندهُ بوّابِينَ(٥).
فقالتْ: لمْ أعرفكَ.
(١) ينظر: فتح الباري [١٥٨/٣].
(٢) في رواية أبي نعيم: يا أمة الله اتّقي الله، قالَ القرطبيّ: والظّاهر أنّهُ كانَ في بكائها قدر زائد منْ نوح، أوْ غيره، ولهذا
أمرها بالتّقوى. فتح الباري [١٤٩/٣].
(٣) أيْ: خاطبته بذلكَ، ولم تعرف أنّهُ رسول الله.
(٤) في رواية للبخاري [٧١٥٤]: ((فمرَّ بها رجل فقالَ لها: إنّهُ رسول الله، فقالتْ: ما عرفته))، وزادَ مسلم في رواية لهُ:
((فأخذها مثل الموت)) أيْ: منْ شدّة الكرب الّذي أصابها لَّا عرفتْ أنّهُ وَ خجلاً منهُ ومهابة.
(٥) فائدة هذهِ الجملة أنّهُ لَّا قيلَ لها إنّهُ النّبيّ ◌َّه استشعرتْ خوفاً، وهيبة في نفسها، فتصوّرتْ أنّهُ مثل الملوك لهُ
حاجبٌ وبوّابٌ يمنع النّاس منَ الوصول إليهِ، فوجدتِ الأمر بخلافٍ ما تصوّرتهُ. الفتح [١٤٩/٣].

٢٧٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَالله عليهوسلّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فقالَ: ((إنّما الصّبرُ عندَ الصّدمِ الأولى))(١).
قالَ الخطّابِيُّ: ((المعنى: أنَّ الصّبرَ الّذي يحمد عليهِ صاحبه ما كانَ عند مفاجأة المصيبة،
بخلافِ ما بعد ذلكَ فإنّهُ على الأيّام يسلو))(٢). ولذلك قيل: كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر
إلا المصيبة، فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر.
إِنَّ الشّدائدَ لا يدومُ مقامها
لا تجزعنَّ إذا بليتَ بشدّةٍ
ما هبَّ حتّى أدبرتْ أيّامها
كمْ شدّةٍ نامَ الفتى لورودها
تمضي، ويبقى بردها وسلامها
فاصبرْ على نوبِ الزّمانِ؛ فإنّها
قالَ الزّين بن المنير: ((فائدةُ جوابِ المرأة بذلكَ أنّها لَّا جاءتْ طائعة لما أمرها بهِ منَ
التّقوى، والصّبر معتذرةً عنْ قولها الصّادر عنِ الحزنِ؛ بيّنَ لها أنَّ حقّ هذا الصِّرِ أنْ يكون
في أوّل الحال، فهوَ الّذي يترتّب عليهِ الثّواب)). انتهى(٣).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: ما كانَ فيِهِ وَّهِ مِنَ التّواضع، والرّفق بالجاهلِ.
وفيهِ: مسامحةُ المصابِ، وقبول اعتذاره.
وفيهِ: ملازمةُ الأمرِ بالمعروفِ، والنّهيِ عنِ المنكر معَ كلِّ أحد.
وفيهِ: الاعتذارُ إلى أهل الفضلِ إذا أساءَ الإنسانُ أدبه معهمْ.
وفيهِ: أنَّ القاضيَ لا ينبغي لهُ أنْ يتّخذَ منْ يحجبهُ عنْ حوائجِ النّاسِ.
وفيهِ: أنَّ منْ أمَرَ بمعروفٍ ينبغي لهُ أنْ يقبل، ولوْ لمْ يعرف الآمرَ.
وفيهِ: أنَّ الجزعَ منَ المنهيّات لأمرهِ لها بالتّقوى مقروناً بالصّيرِ.
(١) رواه البخاري [١٢٨٣] ومسلم [٩٢٦].
(٢) فتح الباري [١٥٠/٣].
(٣) فتح الباري [١٥٠/٣].