Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢٠ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويستحبُّ أن يجمع الأقارب في موضع، لقوله: ((وأدفنُ إليهِ منْ ماتَ منْ أهلي)»، وكان عثمان أخوه من الرضاعة، وأول من دفن إليه إبراهيم ابنه(١). وكان ◌َّه يستشيرُ أصحابه؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِ اُلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. قال ابن بطال: ((المشاورةُ سنةٌ لا يستغني عنها أحدٌ، ولو استغنيَ عنها لكان النبي أغنى الناس عنها؛ لأن جبريلَ كان يأتيه بصوابِ الرأي من السماءِ. صَلى له وسلم وأما العزيمة والعمل فإلى الإمام لا يشركه فيه أحد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فجعلَ العزيمةَ إليه، وجعله مشاركاً في الرأي لغيره)(٢). وقال الحسن البصري رَحمَةُ اللهُ: «ما حزبَ قوماً قطُّ أمرٌ فاجتمعوا فتشاوروا فيهِ إلّا أرشدهمُ الله لأصوبهِ))(٣). قال الشاعر: الرّأيُ قبلَ شجاعةِ الشّجعانِ هوَ أوَّلِّ، وهيَ المحلُّ الثّاني فإذا هما اجتمعا لنفسِ حرّةٍ بلغتْ منَ العلياءِ كلَّ مكانٍ وكان ◌َّ يستمعُ لآرائهم، ويستجيبُ لمقترحاتهم: عن أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: كنّا قعوداً حولَ رسولِ الله ◌َِّ معنا أبو بكرٍ وعمرُ في نفرٍ. فقامَ رسولُ الله ◌َّهِ مِنْ بينِ أظهرنا، فأبطأَ علينا، وخشينا أنْ يقتطعَ دوننا [أيْ: يصاب بمكروهِ منْ عدوٌّ]، وفزعنا. (١) مرقاة المفاتيح [٤٥٧/٥]. (٢) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٣٣٤/٥]. (٣) روضة العقلاء [١/ ١٩٢] لابن حبان. ٢٢١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله فقمنا، فكنتُ أوّلَ منْ فزعَ. فخرجتُ أبتغي رسولَ الله ◌َّه حتّى أتيتُ حائطاً للأنصارِ لبني النّجّارِ، فدرتُ بهِ هْ أجدُ لهُ باباً، فلمْ أجدْ. فإذا ربيعٌ يدخلُ في جوفِ حائطٍ منْ بئرِ خارجٍ - والرّبيعُ الجدولُ- فاحتفزتُ كما يحتفزُ الثّعلبُ (١)، فدخلتُ على رسولِ الله ◌َّ. فقالَ: ((أبو هريرةَ؟)). فقلتُ: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: ((ما شأنكَ؟)). قلتُ: كنتَ بينَ أظهرنا، فقمتَ فأبطأتَ علينا، فخشينا أنْ تقتطعَ دوننا، ففزعنا، فكنتُ أوّلَ منْ فزعَ، فأتيتُ هذا الحائطَ، فاحتفزتُ كما يحتفزُ الثّعلبُ، وهؤلاءِ النّاسُ ورائي. فقالَ: ((يا أبا هريرةَ - وأعطاني نعليهِ - اذهبْ بنعليَّ هاتينٍ، فمنْ لقيتَ منْ وراءِ هذا الحائطِ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله مستيقناً بها قلبهُ؛ فبشّرهُ بالجنّةِ))(٢). فكانَ أوّلَ منْ لقيتُ عمرُ، فقالَ: ما هاتانِ النّعلانِ يا أبا هريرةَ؟. فقلتُ: هاتانِ نعلا رسولِ اللهِ له بعثني بهما، منْ لقيتُ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله مستيقناً بها قلبهُ بشّرتهُ بالجنّةِ. فضربَ عمرُ بيدهِ بينَ ثدييَّ؛ فخررتُ لاستي(٣). فقالَ: ارجعْ يا أبا هريرةَ. فرجعتُ إلى رسولِ الله ◌َّةِ، فأجهشتُ بكاءً. (١) أي: تضاممتُ؛ ليسعني المدخل (٢) إعطاؤهُ النّعلِن؛ لتكونَ علامة ظاهرة معلومة عندهمْ يعرفونَ بها أنّهُ لقيَ النّبيَّ ◌ََّ، ويكون أوقع في نفوسهمْ لما يخبرهمْ بِهِ عِنْهُ وَّهِ، ولا ينكر كون مثل هذا يفيد تأكيداً، وإنْ كانَ خبره مقبولاً منْ غير هذا. (٣) دفع عمر رَةُ لهُ لم يقصد بهِ سقوطه وإيذاؤهُ بلْ قصد ردّهُ عمّ هوَ عليهِ، وضربَ بيدهِ في صدره ليكونَ أبلغَ في زجره. ٢٢٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وركبني عمرُ (١)، فإذا هوَ على أثري. فقالَ لي رسولُ الله ◌َّهِ: «ما لكَ يا أبا هريرةَ)). قلتُ: لقيتُ عمرَ، فأخبرتهُ بالّذي بعثتني به، فضربَ بينَ ثدييَّ ضربةً خررتُ لاستي، وقالَ ارجعْ. فقالَ لهُ رسولُ الله: «یا عمرُ ما حملكَ علی ما فعلتَ». قالَ: يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمّي، أبعثتَ أبا هريرةَ بنعليكَ منْ لقيَ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله مستيقناً بها قلبهُ بشّرهُ بالجنّةِ. قالَ: «نعمْ)). قالَ: فلا تفعلْ؛ فإنّي أخشى أنْ يتّكلَ النّاسُ عليها، فخلّهمْ يعملونَ. قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((فخلّهمْ))(٢). فأقرَّ ◌َّ عمر على قوله، وقبل اقتراحه. (وليسَ فعل عمر رََّّهُ ومراجعته النّبيّ ◌َ اعتراضاً عليهِ وردّاً لأمرِهِ، إذْ ليسَ فيما بعثَ بِهِ أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمّة وبشراهمْ، فرأى عمر رَوَّعَتُ أنَّ كتم هذا أصلحَ لهمْ وأحرى أنْ لا يتكلوا، وأنّهُ أعود عليهمْ بالخيرِ منْ معجّل هذهِ البشرى. فلمّا عرضهُ على النّبِيّ ◌َّ- صوّبهُ فيهِ))(٣). من فوائد الحديث: فيهِ: جلوس العالم لأصحابهِ، ولغيرهمْ منَ المستفتينَ، وغيرهمْ، يعلّمھمْ، ويفيدهمْ، ويفتیهم. وفيهِ: أنّهُ إذا أرادَ ذكر جماعة كثيرة فاقتصرَ على ذكر بعضهمْ ذكر أشرافهمْ أوْ بعض أشرافھمْ، ثمّ قالَ: وغیرهمْ. (١) تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة. (٢) رواه مسلم [٣١]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٣٨/١]. ٢٢٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله وفيهِ: بيانُ ما كانتْ الصّحابة رََّّهُ عليهِ منَ القيام بحقوقِ رسول الله وَّ، وإكرامه، والشّفقة عليهِ، والانزعاج البالغ لما يطرقهُ وَل . وفيهِ: اهتمامُ الأتباع بحقوقٍ متبوعهمْ، والاعتناء بتحصيلِ مصالحه، ودفع المفاسد عنهُ. وفيهِ: جواز دخول الإنسان ملك غيره بغيرِ إذنه إذا علمَ رضاه بذلكَ؛ لمودّةٍ بينهما أوْ غير ذلكَ؛ فإنَّ أبا هريرة رَوَّ ◌َنهُ دخَلَ الحائط، وأقرّهُ النّبيّ وََّ على ذلكَ، ولمْ ينقل أنّهُ أنكرَ عليهِ. وهذا غير مختصٍّ بدخولِ الأرض بلْ يجوز لهُ الانتفاع بأدواتهِ، وأكل طعامه، والحمل منْ طعامه إلى بيته، وركوب دابّته، ونحو ذلكَ منَ التّصرّف الّذي يعلم أنّهُ لا يشقّ على صاحبه. وفيهِ: أنَّ الإيمان المنجي منَ الخلود في النّار لا بدّ فيهِ منْ الاعتقاد والنّطق. وفيهِ: جواز إمساك بعض العلوم الّتي لا حاجة إليها؛ لمصلحةِ أوْ خوف المفسدة. وفيهِ: إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراهُ مصلحة، وموافقة المتبوع لهُ إذا رآهُ مصلحة، ورجوعه عّا أمرَ بهِ بسببهِ. وفيهِ: جواز قول الرّجل للآخِرِ بأبي أنتَ وأمّي(١). ويوم بدرٍ نزل رسول الله وَلّه على رأي أحدٍ أصحابه. بلغ رسول الله پ﴾ بدراً، ونزل بها. فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نقدمه، ولا نتأخّر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: ((بلْ هوَ الرّأيُ والحربُ والمكيدةُ)). فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزلٍ؛ فانهض بالناسِ حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من القومِ، (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١/ ٢٣٨]. ٢٢٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فننزله، ثم تغوّرَ ما وراءه من القلبِ(١) ثم نبني عليه حوضاً، فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله وَّ: ((لقدْ أشرتَ بالرّأيٍ)). فنهضَ رسولُ الله ◌َّةِ، ومن معهُ من الناس، فسارَ حتى إذا أتى أدنى ماء من القومِ نزل عليه، ثم أمر بالقلبِ فغوّرتْ، وبني حوضاً على القلبِ الذي نزل فملئَ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية(٢). ويوم أحدٍ نزل رسول الله وَّل عن رأيه إلى رأيهم. فعن عبد الله بن عبّاس رێعنها قالَ ((تنفّلَ رسول الله ێ سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهوَ الذي رأی فیهِ الرّؤیا یوم أحد. وذلكَ أنَّ رسول الله وَّهلَّا جاءهُ المشركونَ يوم أحد كانَ رأيُ رسول الله،وَلِ أَنْ يقيم بالمدينةِ، فيقاتلهمْ فيها، فقالَ لهُ ناس لمْ يكونوا شهدوا بدراً: اخرجْ بنا يا رسول الله إليهمْ؛ نقاتلهمْ بأحدٍ، ونرجو أنْ نصيب منَ الفضيلة ما أصابَ أهل بدر. فما زالوا برسولِ اللهِوَلّه حتّى لبسَ لأمته، فلمّا لبسها ندموا، وقالوا: يا رسول الله أقمْ، فالرّأي رأيك، فقالَ: ((ما ينبغي لنبيٍّ أنْ يضع أداته بعد أنْ لبسها حتّى يحكم الله بينه وبين عدوّهُ .. )). الحديث(٣). وفي حادثة الإفك استشار أصحابه: عنْ عائشةَ رَّ عَنْهَا قالتْ: لَّا ذكرَ منْ شأني الّذي ذكرَ وما علمتُ بِهِ قامَ رسولُ الله ◌َّه فيَّ خطيباً، فتشهّدَ فحمدَ الله وأثنى عليه بما هو أهلهُ، ثمَّ قالَ: ((أمّا بعدُ أشيروا عليَّ في أناسٍ أبنوا أهلي (٤)، وايمُ الله ما علمتُ على أهلي منْ سوءٍ، (١) أي: الآبار. (٢) السير النبوية [٣/ ١٦٧] لابن هشام، وإسناده ضعيف. (٣) رواه الحاكم [٢٥٨٨]، وصححه ووافقه الذهبي، وعلّقه البخاري في كتاب الاعتصام باب قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾﴾. (٤) أي: اتهموها. ٢٢٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وأبنوهمْ بمنْ والله ما علمتُ عليهِ منْ سوءٍ قطٌّ، ولا يدخلُ بيتي قطَّ إلَّا وأنا حاضرٌ، ولا غبتُ في سفرٍ إلّا غابَ معي)) ... الحديث(١). وكان النبيُّ ◌َّ يهتمُّ بشؤون أصحابه، ويرثي لحال بعضهم، ويحزن لذلك: فلقد تحمّل الصحابةُ الكرامُ رضوان الله عليهم من المشقّة والجهدِ ما لا يخفى خصوصاً من كان قبلَ الإسلامِ في ترفٍ من العيشِ، فهذا مصعب بن عمير رَّهُ ترك الدنيا كلّها، وترك أمّه وأهله، وهاجر إلى الله ورسوله ێ. فعنْ محمّدٍ بنِ كعبِ القرظيِّ حدّثني منْ سمعَ عليَّ بن أبي طالبٍ يقولُ: خرجتُ في يومٍ شاتٍ منْ بيتِ رسولِ اللهِوَِّ جائعاً، وقد أوبقني(٢) البردُ، فأخذتُ إهاباً معطوباً(٣)، فحوّلتُ وسطهُ، فأدخلتهُ عنقي، وشددتُ وسطي، فحزمتهُ بخوصِ النّخلِ، أستدفئُ به. وإنّ لشديدُ الجوعِ، ولوْ كانَ في بيتِ رسولِ اللهِوَّه طعامٌ؛ لطعمتُ منهُ. فخرجتُ ألتمسُ شيئاً. فمررتُ بيهوديٍّ في مالٍ لهُ، وهوَ يسقي ببكرةٍ لهُ(٤). فاطّلعتُ عليهِ منْ ثلمةٍ في الحائطِ. فقالَ: ما لكَ يا أعرابيُّ، هلْ لكَ في كلِّ دلوٍ بتمرةٍ. قلتُ: نعمْ، فافتحْ البابَ حتّى أدخلَ. ففتحَ، فدخلتُ، فأعطاني دلوهُ. فكلّما نزعتُ دلواً أعطاني تمرةً، حتّى إذا امتلأتْ كفّي أرسلتُ دلوهُ، وقلتُ حسبي. (١) رواه الترمذي [٣١٨٠]، وأصله في الصحيحين البخاري [٤١٤١]، ومسلم [٢٧٧٠]. (٢) أهلكني. (٣) هوَ الجلد المتمزّقُ الشّعرِ. (٤) هيَ خشبةٌ مستديرةٌ في وسطها محزٌّ يستسقى عليها الماءُ. ٢٢٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكلتها، ثمَّ جرعتُ منَ الماءِ فشربتُ. ثمَّ جئتُ المسجدَ، فوجدتُ رسولَ الله ◌َّ فِیهِ. وإنّا لجلوسُ معَ رسولِ اللهِوَّه في المسجدِ إذْ طلعَ مصعبُ بنُ عميرٍ ما عليهِ إلّ بردةٌ لهُ مرقوعٌ بفروٍ(١). فلّا رَآهُ رسولُ اللهِوَّه بكى للّذِي كانَ فِيهِ منَ النّعمةِ، والّذي هوَ اليومَ فيهِ. ثمَّ قالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((كيفَ بكمْ إذا غدا أحدكمْ في حلّةٍ، وراحَ في حلّةٍ(٢)، ووضعتْ بينَ يديهِ صحفةٌ، ورفعتْ أخرى(٣)، وسترتمْ بيوتكمْ كما تستُ الكعبةُ؟))(٤). قالوا: يا رسولَ الله نحنُ يومئذٍ خيرٌ منّا اليومَ، نتفرّغُ للعبادةِ، ونكفى المؤنةَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لأنتمْ اليومَ خيرٌ منكمْ يومئذٍ))(٥). وكان يطيب خاطرهم إذا لم يعطهم لأجل المصلحة: عن أبي سعيد الخدريِّ رَنهُ قالَ: لَّا أعطى رسولُ اللهِوَّ ما أعطى منْ تلكَ العطايا في قريشٍ، وقبائلِ العربِ، ولمْ يكنْ في الأنصارِ منها شيءٌ وجدَ هذا الحيُّ منَ الأنصارِ في أنفسهمْ حتّى كثرتْ فيهمُ القالةُ حتّى قالَ قائلهمْ لقيَ رسولُ الله ◌َ﴾ قومهُ، فدخلَ علیهِ سعدُ بنُ عبادةَ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا الحيَّ قدْ وجدوا عليكَ في أنفسهمْ؛ لما صنعتَ في هذا الفيءِ الّذي أصبتَ قسمتَ في قومكَ، وأعطيتَ عطايا عظاماً في قبائلِ العربِ، ولمْ يكنْ في هذا الحيِّ منَ الأنصارِ شيءٌ. (١) أيْ بجلد، ومصعب بن عمير قرشيّ هاجرَ إلى النّبِيِّ وَّهِ وتركَ النّعمةَ والأموالَ بمكّةَ، وهوَ منْ كبارِ أصحابٍ الصّفّةِ، وكانَ منْ أجلّةِ الصّحابةِ وفضلائهمْ، وكانَ في الجاهليّةِ منْ أنعمِ النّاسِ عيشاً وألينهمْ لباساً، فلّا أسلمَ زهدَ في الدّنيا. (٢) أيْ: كيفَ يكونُ حالكمْ إذا كثرتْ أموالكمْ بحيثُ يلبسُ كلِّ منكمْ أوّلَ النّهارِ حّةً وآخرهُ أخرى منْ غايةِ التّنعّم. (٣) وهوَ كنايةٌ عنْ كثرةِ أصنافِ الأطعمةِ الموضوعةِ على الأطباقِ بين يديْ المتنعّميَن. (٤) والمعنى زيّنتموها بالثّيابِ النّفيسةِ منْ فرطِ التّنعّمِ. (٥) أيْ: ليسَ الأمرُ كما ظننتمْ؛ لأنَّ الغنيَّ يشتغلُ بدنياهُ، ولا يتفرّغُ للعبادةِ مثلُ منْ لهُ كفافٌ؛ لكثرةِ اشتغالِهِ بتحصيلِ المالِ. والحديث رواه الترمذي [٢٤٧٣] [٢٤٧٦] وحسنه، وضعفه الألباني ٢٢٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله قالَ: ((فأينَ أنتَ منْ ذلكَ يا سعدُ؟)). قالَ: يا رسولَ الله ما أنا إلّا امرؤٌ منْ قومي، وما أنا. قالَ: «فاجمعْ لي قومكَ في هذهِ الحظيرةِ». قالَ: فخرجَ سعدٌ، فجمعَ النّاسَ في تلكَ الحظيرةِ. قالَ: فجاءَ رجالٌ منَ المهاجرينَ، فتركهمْ، فدخلوا، وجاءَ آخرونَ، فردّهمْ. فلّا اجتمعوا أتاهُ سعدٌ، فقالَ: قدِ اجتمعَ لكَ هذا الحيُّ منَ الأنصارِ. قالَ: فأتاهمْ رسولُ الله ◌َّةِ، فحمد الله وأثنى عليهِ بالّذي هوَ لهُ أهلٌ، ثمَّ قالَ: ((يا معشرَ الأنصارِ، ما قالٌ بلغتني عنكمْ وجدةٌ وجدتموها في أنفسكمْ؟ ألمْ آتكمْ ضلّالاً، فهداكمُ اللهُ، وعالةً، فأغناكمُ اللهُ، وأعداءً، فَأَلْفَ الله بينَ قلوبكمْ؟». قالوا: بلِ الله ورسولهُ أمنُّ وأفضلُ. قالَ: ((ألا تجيبونني يا معشر الأنصارِ؟)). قالوا: وبماذا نجيبكَ يا رسولَ الله، ولله ولرسولهِ المنُّ والفضلُ؟ قالَ: ((أما والله لوْ شئتمْ؛ لقلتمْ، فلصدقتمْ، وصدّقتمْ أتيتنا مكذّباً، فصدّقناكَ، ومخذولاً، فنصر ناكَ، وطريداً، فآويناكَ، وعائلاً فأغنيناكَ. أوجدتمْ في أنفسكمْ يا معشرَ الأنصارِ في لعاعةٍ منَ الدّنيا تألّفتُ بها قوماً؛ ليسلموا وو کلتکمْ إلى إسلامكمْ؟ أفلا ترضونَ يا معشر الأنصارِ أنْ يذهبَ النّاسُ بالشّاةِ والبعيرِ، وترجعونَ برسولِ الله ◌ِّه في رحالکمْ؟ فوالّذي نفسُ محمّدٍ بيدهِ لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً منَ الأنصارِ، ولوْ سلكَ النّاسُ شعباً، وسلكتِ الأنصارُ شعباً؛ لسلكتُ شعبَ الأنصارِ. اللهمَّ ارحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنصارِ)). قالَ: فبكى القومُ حتّى أخضلوا لحاهمْ، وقالوا: رضينا برسولِ الله قسماً وحظّاً. ٢٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ انصرفَ رسولُ اللهِ وَّةِ، وتفرّقنا(١). وكان يدرك الصفاتِ الخاصّة التي يتمتّع بها أصحابه: فكان يدركُ ما يتمتّعُ به كلّ واحد منهم من صفات تميزه عن الآخر، وهو القائل: ((أرحمُ أمّتي بأمّتي أبو بكرٍ ، وأشدّهمْ في أمرِ الله عمرُ، وأصدقهمْ حياءً عثمانُ، وأقضاهمْ علُّبنُ أبي طالبٍ، وأعلمهمْ بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، وأفرضهمْ زيدُ بنُ ثابتٍ، وأقرؤهمْ لكتابٍ الله أبُّ بن كعبٍ، ألا وإنَّ لكلِّ أمّةٍ أميناً وأمينُ هذهِ الأمّةِ أبو عبيدةَ بنُ الجَّاحِ)(٢). ((أرحمُ أمّتي بأمّتي أبو بكرٍ)) أي: أكثرهم رأفةً أبو بكر؛ لأن شأنه العطفُ، والرحمةُ، واستعمالُ اللينِ مع الكبير والصغير. ((وأشدّهمْ في أمرِ الله عمرُ)) أي: أقواهم صرامةً، وأصلبهم شكيمةً، ووصفَ عمرُ بالقوة في الدين، فالشيطانُ لا يسلكُ الطريقَ الذي فيه عمر؛ كما قال النبيِّ: ((إِيهِ يا ابنَ الخطّابِ، والّذي نفسي بيدهِ ما لقيكَ الشّيطانُ سالكاً فجّاً إلّا سلكَ فجّاً غيرَ فجّكَ))(٣). ((وأصدقهمْ حياءً عثمانُ)) من الله ومن الخلقِ، فكانَ يستحي حتى من حلائله وفي خلوته، ولشدّةٍ حيائه كانت تستحي منه ملائكةُ الرحمنِ. ((وأقضاهمْ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ)) أي: أعرفهم بالقضاءِ. ((وأفرضهمْ زيدُ بنُّ ثابتٍ)) أي: أكثرهم علماً بمسائل قسمة المواريث، وهو علمُ الفرائض. ((وأقرؤهمْ لكتابِ الله أبيُّ بنُ كعبٍ)) أي: أعلمهم بقراءةِ القرآن، أو أنه أتقنهم للقرآنِ، وأحفظهم له. ((وأعلمهمْ بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ)) أي: بمعرفةِ ما يحلّ ويحرم من الأحكام. (١) رواه أحمد [١١٣٢٢]، وقال الهيثمي: ((ورجالُ الرّوايةِ الأولى لأحمدَ رجالُ الصّحيحِ غيَر محمّدٍ بنِ إسحاقَ، وقدْ صرّحَ بالسّماعِ)). مجمع الزوائد [٣٠/١٠]، وحسنه شعيب الأرناؤوط. (٢) رواه الترمذي [٣٧٩٠]، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة [١٢٢٤]. (٣) رواه البخاري [٦٠٨٥]، ومسلم [٢٣٩٧] عن سعد بن أبي وقاص رَّعَنْهُ. ٢٢٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ((وأمينُ هذهِ الأمّةِ أبو عبيدةَ بنُ الجرّاح)» أي: يأمنونه، ويثقون به، ولا يخافون غائلته، فهو أشدّهم محافظةً على الأمانةِ، وتباعداً عن مواقع الخيانة(١). فخصَّ النّبِيُّ وَّ كلَّ واحدٍ منَ الكبار بفضيلةٍ ووصفهُ بها، فأشعرَ بقدرٍ زائد فيها على غيره، كالحياءِ لعثمان، والقضاء لعليٍّ، ونحو ذلكَ(٢). وقالل ◌َّه عن أبي ذر رَوَّ عَنُ: ((ما أظلّتْ الخضراءُ، ولا أقلّتْ الغبراءُ (٣)، منْ ذي لهجةٍ أصدقَ لهجةً منْ أبي ذرٍّ، شبهِ عيسى ابنٍ مريمَ عَيْهِالسَّلامُ)). فقالَ عمرُ بنُ الخطّابِ - كالحاسِدِ (٤) -: يا رسولَ الله، أفتعرفُ ذلكَ لهُ؟ قالَ: ((نعمْ، فاعرفوهُ لهُ))(٥). وقال ◌َّهِ: ((منْ سرّهُ أنْ ينظرَ إلى تواضعٍ عيسى ابنِ مريمَ؛ فلينظرْ إلى أبي ذرٍّ))(٦). وكان النبي ◌َّ- يراعي الصفات الخاصّة لكل واحدٍ من أصحابه، فيعاملهم بمقتضى ذلك. وقد راعى صفةَ الغيرة في عمر: كما في حديث أبي هريرةَ رََّنهُ قالَ: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ◌َ﴿ إِذْه قالَ: ((بينا أنا نائمٌ، رأيتني في الجنّةِ، فإذا امرأةٌ تتوضّأَ إلى جانبٍ قصرٍ. فقلتُ: لمنْ هذا القصرُ؟ فقالوا: لعمرَ بنِ الخطّابِ، فأردتُ أنْ أدخلهُ فأنظرَ إليهِ، فذكرتُ غيرتكَ، فولّيتُ مدبراً)). فبكى عمرُ وقالَ: أعليكَ أغارُ يا رسولَ الله؟(٧). (١) ينظر: فيض القدير [٥٨٩/١، ٥٨٨]. (٢) فتح الباري [٤٤/١١]. (٣) الخضراءُ: السّماءُ، والعرب تطلقُ الأخضَر على كل لون ليس بأبيض ولا أحمر، والغبراءُ: أيْ الأرضُ (٤) أيْ: على طريقةِ الغبطةِ. (٥) رواه الترمذي [٣٨٠٢] عن أبي ذر رََّنهُ، وحسنه الألباني. (٦) رواه ابن أبي شيبة [٣٢٩٣٣] عن أبي هريرة رَ عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٦٢٩٢]. (٧) رواه البخاري [٣٢٤٢]، ومسلم [٢٣٩٥]. ٢٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي هذا الحديث ما كانَ عليهِ النّبِيّ ◌َِّ مِنْ مراعاة الصّحبة. وفيهِ: فضيلة ظاهرة لعمر. وفيهِ: الحكم لكلِّ رجل بما يعلم منْ خلقه (١). وراعى الحياءَ في عثمان، كما قالت عائشةَ رَّعَنْهَا: كانَ رسولُ الله ◌َّ مضطجعاً في بيتي، كاشفاً عنْ فخذیهِ، أوْ ساقیهِ. فاستأذنَ أبو بكرٍ، فأذنَ لهُ وهوَ على تلكَ الحالِ، فتحدّثَ. ثمَّ استأذنَ عمرُ، فأذنَ لهُ وهوَ كذلكَ، فتحدّثَ. ثمَّ استأذنَ عثمانُ، فجلسَ رسولُ الله وَّةِ، وسوّى ثيابهُ، فدخلَ، فتحدّثَ. فلمّا خرجَ قالتْ عائشةُ: دخلَ أبو بكرٍ، فلمْ تهتشَّ لهُ، ولمْ تبالِهِ، ثمَّ دخلَ عمرُ، فلمْ تهتشَّ لهُ، ولَمْ تبالِهِ، ثمَّ دخلَ عثمانُ، فجلستَ، وسوّيتَ ثيابكَ؟! فقالَ: ((ألا أستحي منْ رجلٍ تستحي منهُ الملائكةُ؟!))(٢). فيهِ: فضيلةٌ ظاهرٌ لعثمان، وجلالته عند الملائكة، وأنَّ الحياءَ صفةٌ جميلٌ منْ صفات الملائكة))(٣). وكان يبشّرهم بحسن العاقبة: كما في حديث أنسَ بنَ مالكٍ رَوَّعَنْهُ، أَنَّ النّبيّ ◌َِّ صعدَ أحداً وأبو بكرٍ وعمر وعثمانُ، فرجفَ بهِمْ، فقالَ: ((اثبتْ أحدُ، فإنّما عليكَ نبيٌّ، وصدّيقٌ، وشهيدانٍ)) (٤). والمعنى: عليك نبيٌّ، وصدّيقٌ وهوَ أبو بكر رَنهُ، وشهيدانِ: أيْ: عمر وعثمان رَضِلَّعَنَّمَ، وتحرّك أحد كانَ منَ المباهاة(٥). (١) فتح الباري [٧/ ٤٥]، شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٩/ ٥٤٤]. (٢) رواه مسلم [٢٤٠١]. (٣) شرح النووي [٨/ ١٤١]. (٤) رواه البخاري [٣٦٧٥]. (٥) عون المعبود [١٦٨/١٠]. ٢٣١ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله صَلىالـ وست وكان يبشّرهم بالجنة، ويبيّنُ تفاضلهم فيها: عن أبي موسى الأشعريُّ رَّ ◌َنهُ أَنّهُ توضّأَ في بيتِهِ ثمَّ خرِجَ، فقلتُ: لألزمنَّ رسولَ الله ولأكوننَّ معهُ يومي هذا. فجاءَ المسجدَ، فسألَ عنْ النّبِيِّ وَ صَلى له فقالوا: خرجَ، ووجّهَ ها هنا. فخرجتُ على إثرهِ أسألُ عنهُ، حتّى دخلَ بئرَ أريسٍ(١)، فجلستُ عندَ البابِ، وبابها منْ جريدٍ، حتّى قضى رسولُ الله ◌َِّ حاجتهُ. فتوضّأَ. فقمتُ إليهِ، فإذا هوَ جالسٌ على بئرِ أريسٍ وتوسّطَ قفّها (٢)، وكشفَ عنْ ساقيهِ، ودلاهما في البئرِ. فسلّمتُ عليهِ، ثمَّ انصرفتُ، فجلستُ عندَ البابِ، فقلتُ: لأكوننَّ بَوّابَ رسولِ الله وَل اليومَ. فجاءَ أبو بكرٍ فدفعَ البابَ، فقلتُ: منْ هذا؟ فقالَ: أبو بكرٍ. فقلتُ: على رسلكَ. ثُمَّ ذهبتُ، فقلتُ يا رسولَ الله: هذا أبو بكرٍ يستأذنُ. فقالَ: ((ائذنْ لهُ، وبشّرهُ بالجنّةِ)». فأقبلتُ حتّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادخلْ، ورسولُ الله ◌َّه يبشّركَ بالجنّةِ. فحمدَ اللهَ. (١) بستان بالمدينةِ معروف، وهوَ بالقربِ منْ قباء، وفي بئرها سقط خاتم النّبيّ وَّ مِنْ إصبع عثمان رَضَ لَهُعَنْهُ. (٢) أي: حافّة البئر. ٢٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخلَ أبو بكرٍ، فجلسَ عنْ يمينِ رسولِ اللهَوَّل معهُ في القفِّ، ودلّى رجليهِ في البئرِ كما صنعَ النّبِيُّ ◌َِّ، وكشفَ عنْ ساقيهِ. ثمَّ رجعتُ، فجلستُ وقدْ تركتُ أخي يتوضّأُ، ويلحقني، فقلتُ: إِنْ يردِ الله بفلانٍ خيراً یریدُ أخاهُ يأتِ بهِ. فإذا إنسانٌ يحرّكُ البابَ، فقلتُ: منْ هذا؟ فقالَ: عمرُ بنُ الخطّابِ. فقلتُ: على رسلكَ. ثمَّ جئتُ إلى رسولِ الله ◌َّةِ، فسلّمتُ عليهِ، فقلتُ: هذا عمرُ بنُ الخطّابِ يستأذنُ. فقالَ: ((ائذنْ لهُ، وبشّرهُ بالجنّةِ)». فجئتُ فقلتُ: ادخلْ، وبشّركَ رسولُ اللهِ وََّ بالجنّةِ. فحمدَ اللهَ. فدخلَ، فجلسَ معَ رسولِ الله ◌ِّ﴾ في القفِّ عنْ یسارهِ، ودلّ رجلیهِ في البئرِ. ثمَّ رجعتُ، فجلستُ فقلتُ: إنْ يردِ الله بفلانٍ خیراً يأتِ بهِ. فجاءَ إنسانٌ يحرّكُ البابَ. فقلتُ: منْ هذا؟ فقالَ: عثمانُ بنُ عفّانَ. فقلتُ: على رسلكَ، فجئتُ إلى رسولِ الله وٍَّ فأخبرتهُ. فقالَ: ائذنْ لهُ، وبشّرهُ بالجنّةِ على بلوى تصيبهُ(١). فجئتهُ فقلتُ: لهُ ادخلْ، وبشّركَ رسولُ اللهِ وَّه بالجنّةِ على بلوى تصيبكَ. (١) أشارَ وَّه بالبلوى المذكورة إلى ما أصابَ عثمان في آخر خلافته منَ الشّهادة يوم الدّار، وقدْ وردَ عنهُ وَلا أَصرح منْ هذا فروى أحمد [٥٩١٧] عن ابن عمر قالَ: ذكرَ رسول الله،َّه فتنة، فمرَّ رجل فقالَ: يقتل فيها هذا يومئذٍ ظلماً، قالَ فنظرت فإذا هوَ عثمان. وإسناده صحيح؛ كما الحافظ في الفتح [٣٨/٧]. ٢٣٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فحمدَ الله، ثمَّ قالَ: الله المستعانُ. فدخلَ، فوجدَ القفَّ قَدْ ملىَ، فجلسَ وجاههُ منَ الشّقِّ الآخرِ. قالَ سعيدُ بنُ المسيّبِ: فأوّلتها قبورهمْ(١). من فوائد الحدیث: فيهِ: جواز الثّناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليهِ فتنة الإعجاب ونحوه. وفيه: فضيلة أبي بكر وعمر وعثمان، وأنهم من أهل الجنة، وفضيلة لأبي موسى. وفيه: استحباب قول: ((الله المستعان)) في مثل حال عثمان. وفيهِ: معجزةٌ ظاهرةٌ للنّبِّ ◌َِّ لإخبارهِ بقصّةِ عثمان وبالبلوى، وأنَّ الثّلاثة يستمرّونَ على الإيمان والهدى(٢). وقد بشّر عدداً منهم بالجنة، وصرّح بأسمائهم في حديث واحد، عرف بحديث العشرة المبشرين بالجنّة، فقال: ((أبو بكرٍ في الجنّةِ، وعمرُ في الجنّةِ، وعثمانُ في الجنّةِ، وعليٌّ في الجنّةِ، وطلحةٌ في الجنّةِ، والزّبيرُ بنُ العوّامِ في الجنّةِ، وسعدُ في الجنّةِ، وعبدُ الرّحمنِ بنُ عوفٍ في الجنّةِ، وسعيدُ بنُ زيدٍ في الجنّةِ))(٣). وقال ◌َّ: ((الحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنّةِ))(٤). وقال ◌َّهِ: ((أريتُ الجنّةَ فرأيتُ امرأةَ أبي طلحةَ، ثمَّ سمعتُ خشخشةً أمامي فإذا بلالٌ))(٥). والمبشّرون بالجنة بالنصِّ كثيرون، وليس المقامُ مقامَ حصرهم. (١) والمراد اجتماع الصّاحبين معَ النّبيّ ◌َّه في الدّفن، وانفراد عثمان عنهمْ في البقيع. والحديث رواه البخاري [٣٦٧٤]، ومسلم [٢٤٠٣]. (٢) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٧٠]. (٣) رواه أبو داود [٤٦٤٩] الترمذي [٣٧٤٨]، وابن ماجة [١٣٤] عن سعيد بن زيد رَُّعَنهُ، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٠١٠]. (٤) رواه الترمذي [٣٧٦٨] عن أبي سعيد الخدري رَلَعنه، وصححه الألباني. (٥) رواه البخاري [٣٦٧٩]، ومسلم [٢٤٥٧] عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َّعَنْم] . ٢٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدَّى لصحابةِ المختارِ نفسي نوقّرهمْ، ونتبعهمْ وفاءً ويحشرُ منْ يحبُّ القومَ معهمْ لقدْ صحبوا النّبيَّ، وتابعوهُ وقدّرهمْ رسولُ الله حتّى وأعلنَ حبّهمْ، والحبُّ يبدو ولا يرضى بذكرهمُ بسوءٍ ويغضي عنهمُ ما ليسَ يغضي وقدْ كانوا سواعدهُ اعتماداً يشاورهمْ، ويقبلُ ما أشاروا برقّتهِ مشاعرهمْ يراعي وإنْ غابوا تفقّدَ غائبيهِمْ ويرعى أهلَ منْ قدْ ماتَ منهمْ الموتهمُ بكى حزناً عليهمْ وإنَّ أحبّتي لهمُ فداءُ ومنْ أخلاقهمْ عرفَ الوفاءُ ولوْ منْ بعدِ عصرِ القومِ جاءوا فكانَ لهمْ بصحبتِهِ العلاءُ أشادَ بهمْ، وقدْ طابَ الثّنَاءُ فما في قدرهمْ فينا خفاءُ فويلٌ للّذينَ لهُمْ أساءوا لغيرهمُ، لهُ بهمُ اعتناءُ لهمْ في كلِّ ناحيةٍ مضاءُ وآراءُ الحكيمِ لها سناءُ فرحمتهُ لخاطرهمْ دواءُ فما منْ أخلاقهِ يوماً جفاءُ كذلكمُ المحبّةُ والوفاءُ ليهنهمُ التّرحّمُ والدّعاءُ ٢٣٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله تعامل النبي بعد الخلاء مع الخدم والإماء ضربَ النبيُّ ◌َ﴿ أروع الأمثال في حسنِ التعامل مع الخدمِ، والموالي، والإماءِ، من رأفةٍ بهم ورحمةٍ، وإنصافٍ لهم؛ تصديقا لما كان عليه من الخلق الكريم، وحثّاً للأمة على ذلك. تعامله مع الخدم والعبيد: لقد كانتْ معاملةُ رسولنا ◌َّ لمن يخدمه معاملةَ الوالِدِ الشفوقِ لولده، والأخِ الرحیمِ لأخيهِ، لا يميِّزُ بين رقيقٍ وأجيرٍ ومتطوّعٍ، مما جعلَ زيد بن حارثةَ رَهُ يفضّله على والديه وعشيرته. ذكر أهلُ السّيرِ أن سعدى بنتُ ثعلبةَ أم زيد بن حارثة زارتْ قومها وزيدٌ معها، فأغارت خيلٌ على أبياتٍ بني معنٍ، فاحتملوا زيداً وهو غلامٌ، فأتوا به في سوقَ عكاظٍ، فعرضوه للبيعِ، فاشتراهُ حكيمُ بنُ حزامٍ لعمته خديجة بأربعمائة درهم. فلما تزوّجها رسولُ الله ◌ِ﴾؛ وهبتهُ له. وكان أبوه حارثةُ بنُ شراحيل حين فقده قال: أحيٌّ، فيرجى أمْ أتى دونهُ الأجلْ بكيت على زيدٍ ولمْ أدرِ ما فعلَ أغالك بعدي السّهلُ أمْ غالك الجبلْ فوالله ما أدري، وإنّي لسائلٌ فحجَّ ناسٌ من كلبٍ، فرأوا زيداً، فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات: فإنّ قطين البيتِ عندَ المشاعرِ أحنُّ إلى أهلي، وإنْ كنتُ نائياً ولا تعملوا في الأرضِ نصَّ الأباعِ فكفّوا منَ الوجدِ الّذي قدْ شجاکمْ فانطلقوا، فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعاً، فخرجَ حارثةُ وكعبٌ أخوه بفدائه، فقدما مكةَ، فسألا عن النبيِّ وَّةِ، فقيل: هو في المسجدِ، فدخلا علیه. ٢٣٦ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالا لهُ: يا ابنَ عبدِ المطّلبِ، يا ابنَ سيّدٍ قومِهِ، أنتمْ جيرانُ الله، وتفكّونَ العانيَ، وتطعمونَ الجائعَ، وقدْ جئناكمْ في ابننا عبدك؛ لتحسنَ إلينا في فدائِهِ. فقالَ: ((أو غير ذلكَ)). فقالا: وما هوَ؟ فقالَ: ((ادعوهُ، وأخيّرهُ، فإنْ اختار كما فذاكَ، وإنْ اختارني فوالله ما أنا بالّذي أختارُ على منْ اختارني أحداً)). فقالا لهُ: قدْ زدت على النّصفِ. فدعاهُ رسولُ اللهِ وَّهِ، فلمّا جاءَ قالَ: ((منْ هذانٍ؟)). فقالَ: هذا أبي حارثةُ بنُ شراحيلَ وهذا عمّي: كعبُ بنُ شراحيلَ. فقالَ: ((قدْ خيّتك، إنْ شئتَ ذهبتَ معهما، وإنْ شئت أقمت معي)». فقالَ: بلْ أقيمُ معك. فقالَ لهُ أبوهُ: يا زيدُ أتختارُ العبوديّةَ على الحرّيّةِ وعلى أبيك وأمّك وبلدك وقومك؟ فقالَ: إنّ قدْ رأيتُ منْ هذا الرّجلِ شيئاً، وما أنا بالّذي أفارقهُ أبداً. فعندَ ذلكَ أخذَ رسولُ اللهِوَلّه بِيدِهِ وقامَ بهِ إلى الملاِ منْ قريشٍ، فقالَ: ((اشهدوا أنَّ هذا ابني، وارثاً وموروثاً)). فطابتْ نفسُ أبيهِ عندَ ذلكَ، وكانَ يدعى: زيدَ بنِ محمّدٍ حتّى أنزلَ الله تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِأَّبَآِبِهِمْ﴾ [الأحزاب: كيف كان يعامل الخدم المماليك حتى أحبوه هذا الحبَّ، وفضّلوا البقاء معه على أهلهم وعشيرتهم؟ كان ◌َ له لا يأنفُ من المشي مع خادمه، أو أمته إلى أيِّ مكانٍ يريده؛ ليقضي له حاجته: (١) الطبقات الكبرى لابن سعد [٤٢/٣]، الإصابة في معرفة الصحابة [٣٩٢/١]، الأخبار الموفقيات [ص ١٨٨]. ٢٣٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله عن أنس بن مالكٍ رََّّعَنْهُ قالَ: «إنْ كانتِ الأمةُ منْ إماءِ أهلِ المدينةِ؛ لتأخذُ بیدِ رسولِ الله وَّةِ، فتنطلقُ بهِ حيثُ شاءتْ))(١). وفي رواية: ((إنْ كانتِ الوليدةُ منْ ولائِدِ أهلِ المدينةِ، لتجيءُ، فتأخذُ بيدِ رسولِ الله عَلى اللّه وَسـ فلا ينزعُ يدهُ منْ يدها حتّى تذهبَ بهِ حيثُ شاءتْ))(٢). (الوليدةُ) أيْ: الجاريةُ. قال ابن حجر: ((والتّعبير بالأخذِ باليدِ إشارة إلى غاية التّصرّف حتّى لوْ كانتْ حاجتها خارج المدينة والتمستْ منهُ مساعدتها في تلكَ الحاجة على ذلكَ، وهذا دالٌّ على مزيد تواضعه وبراءته منْ جميع أنواع الكبر وَّ))(٣). فائدة: كيف يجمع بين هذا الحديث وبين كونه ◌َّ لم يمس يد امرأة؟ أجاب العلماء بأجوبة: ١. أن المقصود منَ الأخذ باليدِ: لازمهُ، وهوَ الرّفق، والانقياد. قاله الحافظ ابن حجر (٤). ٢. أن الجاريةَ ليس لها حكمُ المرأةِ، فالجاريةُ، تباعُ وتشترى؛ ولهذا لا تحتجبُ الجاريةُ حتی من الأجانب. ٣. يحتملُ أنها جاريةٌ صغيرةٌ، أي: طفلة، أي: أنها دون البلوغ(٥). ورواية أحمد تدلُّ على هذا الوجه الثالث. وكان ◌ٍَّ لا يأنفُ من الأكلِ مع خدمه، بل وحثَّ أمّته على ذلك: عن أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِّ وَّ قالَ: ((إذا أتى أحدكمْ خادمهُ بطعامهِ فإنْ لمْ يجلسُ معهُ، فليناولهُ أكلةً، أوْ أكلتينٍ، أوْ لقمةً، أوْ لقمتينٍ؛ فإنّهُ ولِيَ حرّهُ وعلاجهُ))(٦). (١) رواه أحمد [١١٥٣٠]، وعلقه البخاري [٦٠٧٢]. (٢) رواه أحمد [١٢٣٦٩]، وابن ماجة [٤١٧٧]، وصححه الألباني في مختصر الشمائل [٢٨٥]. (٣) فتح الباري [١٠/ ٤٩٠]. (٤) فتح الباري [١٠/ ٤٩٠]. (٥) قالهما الشيخ عبد العزيز الراجحي. إسلام ويب. (٦) رواه البخاري [٥٤٦٠]، ومسلم [١٦٦٣]. ٢٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولفظ مسلم: ((إذا صنعَ لأحدكمْ خادمهُ طعامهُ، ثمَّ جاءهُ بهِ وقدْ ولِيَ حرّهُ ودخانهُ، فليقعدهُ معهُ فليأكلْ، فإنْ كانَ الطّعامُ مشفوهاً(١)؛ فليضعْ في يدهِ منهُ أكلةً، أوْ أكلتِن)). ((فإنّهُ ولِيَ حرّهُ)) أيْ: عند الطّخ. ((وعلاجه)) أيْ: عند تحصيل آلاته، وقبل وضع القدر على النّار. قال النووي: ((وفي هذا الحديث: الحثُّ على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطّعام، لا سيّما في حقِّ منْ صنعهُ أوْ حملهُ؛ لأنّهُ ولِيَ حرّه ودخانه، وتعلّقتْ بِهِ نفسه، وشمَّ رائحته)(٢). وكان يأمرُ من عنده خدمٌ أن يطعمهم من الطعام الذي يأكله، ويلبسهم ممّا يلبسُ: عنِ المعرورِ بنِ سويدِ قالَ: لقيتُ أبا ذرِّ بالرّبذةِ (٣)، وعليهِ حلّةٌ، وعلى غلامِهِ حلّةٌ، فسألتهُ عنْ ذلكَ، فقالَ: إنّي ساببتُ رجلاً، فعيّتَهُ بأمّهِ. (٤) فقالَ لِي النّبِيُّ ◌َّهِ: ((يا أبا ذرِّ أعيّتَهُ بأمّهِ؟! إنّكَ امرؤٌ فيكَ جاهليّةٌ (٥) إخوانكمْ خولکمْ، جعلهم الله تحتَ أيديكمْ، فمنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فليطعمهُ ممّا يأكلُ، وليلبسهُ ممّا يلبسُ، ولا تكلّفوهمْ ما يغلبهمْ، فإنْ كلّفتموهمْ فأعينوهمْ))(٦). (إخوانكمْ خولكمْ)) الخول: همُ الخدم، سمّوا بذلكَ؛ لأنّهمْ يتخوّلونَ الأمور أيْ: يصلحونها. وفي تقديم لفظ إخوانكمْ على خولكمْ إشارة إلى الاهتمام بالأخوّةِ. ((فليطعمهُ ممّا يأكلُ)) أيْ: منْ جنسِ ما يأكلُ(٧). (١) أيْ: قليلاً بالنّسبةِ إلى منِ اجتمعَ علیهِ قليلا (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٣٥]. (٣) من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. معجم البلدان [٢٤/٣]. (٤) في رواية للبخاري [٦٠٥٠]: ((وكانتْ أمّه أعجميّة فنلت منها)) وفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان [٤٧٧٢]: ((قلت لهُ يا ابن السّوداء» وقيلَ: إنَّ الرّجل المذكور هوَ بلال. (٥) أيْ: هذا التّعبير منْ أخلاق الجاهليّة، ففيك خلق منْ أخلاقهمْ. (٦) رواه البخاري [٣٠]، ومسلم [١٦٦١]. (٧) فتح الباري [١٧٤/٥]. ٢٣٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَهُ عَيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله قال النووي: ((والأمر بإطعامهمْ ممّا يأكل السّيّد، وإلباسهمْ ممّا يلبس محمولٌ على الاستحباب لا على الإيجاب، وهذا بإجماعِ المسلمينَ. وأمّا فعل أبي ذرّ في كسوة غلامه مثل كسوته فعملٌ بالمستحبِّ، وإنّما يجب على السّيّد نفقة المملوك وكسوته بالمعروفِ بحسبِ البلدان والأشخاص، سواء كانَ منْ جنس نفقة السّیّد ولباسه، أوْ دونه، أوْ فوقه. حتّى لوْ قَتّرَ السّيّد على نفسه تقتيراً خارجاً عنْ عادة أمثاله إمّا زهداً، وإمّا شحّاً، لا يحلّ لهُ التّقتير على المملوك، وإلزامه وموافقته إلّا برضاهُ))(١). ((ولا تكلّفوهمْ ما يغلبهمْ)) أيْ: بما يعجزونَ عنهُ لعظمِهِ أوْ صعوبته. ((فإنْ كلّفتموهمْ)) المراد: أنْ يكلّفَ العبد جنس ما يقدرُ عليهِ، فإنْ كانَ يستطيعهُ وحده وإلّا فلیعنهُ بغیرهِ(٢). من فوائد الحديث: فيهِ: النّهي عنْ سبِّ الرّقيق، وتعییرهمْ بمنْ ولدهمْ. وفيهِ: النهيُ عن التعبيرِ وتنقيصِ الآباءِ والأمّهاتِ، وأنه من أخلاقِ الجاهليّةِ. وفيهِ: أنّهُ ينبغي للمسلمِ أن لا يكونَ فيه شيءٌ من أخلاقِ الجاهليّةِ. وفيهِ: الحثّ على الإحسان إلى الرقيق والخدمِ، والرّفق بهمْ، ويلتحق بالرّقيقِ منْ في معناهمْ منْ أجیرٍ وغيره. وفيهِ: عدمُ التّرفّع على المسلم، والاحتقار لهُ. وفيهِ: المحافظةُ على الأمرِ بالمعروفِ، والنهي عن المنكرِ. وفيهِ: إطلاق الأخ على الرّقيق(٣). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٣٣]. (٢) فتح الباري [٥/ ١٧٥]. (٣) ينظر: فتح الباري [١٧٥/٥]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٣٣/١١].