Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
تعامل النبيِّ وَجُلَّ مع زوجاته
قد أمرنا الله بالاقتداءِ بالنبيِّ وَّةِ، والتأسي بهديه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ
حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاُلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَاللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومنْ هنا فعلى الجميع أن يعرفوا رسولَ الله ◌َله بحسب مواقعهم؛ ليتمكّنوا من التأسّي
به ټ.
فلا يسعُ الزوجَ إلا أن يعرفَ الرسولَ الزّوجَ، ولا يسعُ الحاكمَ إلا أن يعرفَ الرسولَ
العادلَ في حكمهِ، ولا يسعُ القائدَ إلا أن يعرفَ الرسولَ القائدَ القدوةَ.
وقد كانَ النبيُّ ◌ََّ قدوةً في فنِّ التعامل مع الزوجةِ، ونبراساً؛ لإرشادِ الناسِ إلى الرقيِّ
بالتعامل مع الزوجةِ معاملةً حسنةً يظهرُ أثرها الإيجابيُّ في الحياةِ الزوجيةِ والاجتماعيةِ.
من ثمَّ سيكون الحديثُ في هذا الفصل بعون الله من عدة جوانب:
الجانبُ الأوّلُ: صورٌ من حياة النبيِّ ◌َّ الزوجية.
الجانبُ الثّاني: تربية النبي ◌ِّه لنسائه؛ ليكنَّ قدوةً لنساءِ المؤمنين.
الجانبُ الثّالثُ: مشاكل في بيت النبوة وكيفية حل النبي ◌َّ لها.
وإليك -أخي القاري- بیان ذلك فيما يلي:
الجانب الأول: صور من حياة النبيِّ وَلا الزوجية:
فقد كان للنبيِّ وَّه إحدى عشرةَ زوجةً، وهن: خديجةُ بنتُ خويلد، وعائشةٌ
بنت أبي بكرٍ، وحفصةُ بنت عمر، وسودةُ بنت زمعةَ العامرية، وزينبُ بنتُ جحشِ الأسدية،

٤٢
تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وزينبُ بنتُ خزيمةَ الهلالية، وأمُّ سلمةَ هند بنت أبي أمية المخزوميّة، وأمّ حبيبة رملة بنت
أبي سفيان الأموية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويريّة بنت الحارث المصطلقية،
وصفيّة بنت حيي النضيرية رَ عَنْظُنّ.
وقد ماتَ عن تسع منهنَّ، وماتتْ خديجة بنت خويلدٍ، وزينبُ بنتُ خزيمةَ رَ عَنْهَا
قبله گال ..
وقد عاشَ رسولُ الله ◌ِ لّه مع زوجاته الطاهراتِ حياةً سعيدةً طيّبةً، تمثّلُ تطبيقاً عمليّاً
دقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، والمعروفُ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ فعلِ
وقولٍ وخلقِ نبیلٍ.
والنبيُّ ◌َّ كان خيرَ الناسِ في تعامله مع زوجاته، كيفَ لا وهو القائل: «خیر کمْ خیر کمْ
الأهلِهِ، وأنا خيركمْ لأهلي))(١)، فكانَ بِّه حلوَ المعاشرةِ لزوجاته، حسنَ التعامل معهنَّ، وقد
بدا ذلك واضحاً في سيرته ◌َّ﴾ معهنَّ.
ولو اقتدى الناسُ بالنبيِّ وَّ في تعامله مع زوجاته؛ لانحلّتْ كثيرٌ من المشكلاتِ
الزوجيّة التي نسمعُ عنها اليومَ.
فإن المرءَ ليعجبُ من كثرةِ ما يرى ويسمعُ ويقرأ من المشكلاتِ الزوجيّةِ التي تعاني منها
الأسرُ والبيوتُ، وتشير الإحصائيّاتُ إلى أن معدّلَ الطلاق في العالم الإسلامي وصل إلى
حدٍّ مخيفٍ، وفي ازدياد مستمرِّ؛ فقد أظهرتْ إحصائيّةٌ حديثةٌ لعام (١٤٣٠ هـ) صادرةٌ من
وزارةِ العدلِ بالسعوديةِ ارتفاعَ حالاتِ الطلاقِ مقارنةً مع حالات الزواجِ بنسبةٍ (٢١٪)،
وتصدّرتِ الرياضُ مناطق المملكةِ من حيثُ عدد الحالات(٢).
ومع هذهِ المشكلاتِ الزوجيةِ، وكثرةٍ حالاتِ الطلاقِ نحتاجُ أن نستعرضَ كيفَ كانتِ
الحياةُ في بيت النبوةٍ، وكيفَ كانَ رسولُ اللهِوَلَه يعاملُ زوجاته، وكيفَ كانَ يصبرُ عليهنَّ،
ويتغاضى عن بعضِ أخطائهنَّ؛ فإن لنا في رسولِ الله وَّه أسوةً حسنةً.
(١) رواه الترمذي [٣٨٩٥] عن عائشة رَّعَنْهَا، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٣٣١٤].
(٢) جريدة الوطن أون لاين [٢٠-٣ - ٢٠١٢ م].

٤٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
كانَ ◌َّه يحرصُ على مجالسةِ زوجاتِهِ، ومؤانستهنَّ كلَّ يومٍ:
فعنِ ابن عبّاسِ رََّّهَ قالَ: ((كانَ رسول الله ◌َّه إذا صلّى الصّبحَ جلسَ في مصلّاهُ،
وجلسَ النّاس حوله حتّى تطلع الشّمس، ثمَّ يدخل على نسائِهِ امرأةً امرأةً، يسلّمُ عليهنَّ،
ويدعو هنَّ، فإذا كان يوم إحداهنَّ كان عندها)(١).
ففي كلِّ يومٍ مع أولِ النهارِ له مرورٌ على زوجة من زوجاته رََّ عَنْفَ للسلام عليها،
والدعاءِ لها.
وفي آخر النهار يجالسها جلسةً يحادثها فيها، ويؤانسها، فعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: ((كانَ
رسولُ الله ◌َّ﴿ إذا انصرفَ منَ العصرِ دخلَ على نسائِهِ، فيدنو منْ إحداهنَّ))(٢).
قولها: ((فيدنو منْ إحداهنَّ))، المراد به: التقبيلُ والمباشرةُ من غير جماع(٣).
قال ابن حجر رَحمَةُاللَّهُ: ((الّذي كانَ يقع في أوّل النّهار سلام ودعاء محض، والّذي في آخره
معهُ جلوسٌ، واستئناسٌ، ومحادثةٌ))(٤).
وقالتْ عائشةُ رَوَّعَنْهَ: ((قَلَّ يومٌ إلّ وهوَ يطوفُ علينا جميعاً، فيدنو منْ كلِّ امرأةٍ منْ غيرِ
مسيسٍ، حتّى يبلغَ إلى الّتي هوَ يومها فيبيتَ عندها))(٥).
((وإنما كانَ يفعلُ ذلكَ تأنيساً لهنَّ، وتطبيباً لقلوبهنَّ؛ حتى ينفصلَ عنهنَّ إلى التي هو في
يومها، ويتركها طيّةَ القلبِ))(٦).
فكان نساؤه لا يفقدنه، بل يرينه في كلِّ يومٍ، فأينَ هذا ممن يهجرُ زوجته، ويتركها الأيامَ
واللیالي، بل الشهورَ !!
(١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط [٨٧٦٤]، وسكت عنه الحافظ.
(٢) رواه البخاري [٥٢١٦]، ومسلم [١٤٧٤].
(٣) عمدة القاري [٣٠/ ٩٢].
(٤) فتح الباري [٣٧٩/٩].
(٥) رواه أبو داود [٢١٣٥]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٨٥٢].
(٦) المفهم للقرطبي [٩٠/١٣].

٤٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ومن الناسِ من يجالسُ أصحابه كلَّ يومٍ، ويسهرُ معهم إلى وقتٍ متأخّرٍ، حتى إذا عادَ إلى
البيتِ كانَ قد استفرغَ جميعَ طاقته، وقد نام أهله، فيلقي بنفسه على فراشه، وينامُ.
((والحديث: فيهِ دليلٌ على أنّهُ يجوزُ للرّجلِ الدّخولُ على منْ لمْ يكنْ في يومها منْ نسائِهِ،
والتّأنيس لها، واللّمس والتّقبيل.
وفيه بيانُ حسنِ خلقه ◌َّةِ، وأنّهُ كانَ خيرَ النّاسِ لأهلِهِ)(١).
وأما في الليل، فربما اجتمعنَ في بيتٍ واحدةٍ منهنَّ، فيأتيهنَّ، ويحادثهن، ويؤنسهن، عنْ
أنسِ بنِ مالكِ رَتُ قالَ: ((كانَ للنّبِّ وَّ تسعُ نسوةٍ، فكانَ إذا قسمَ بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأةِ
الأولى إلّا في تسعِ [أي: بعد انقضاء التّسع]، فكنَّ يجتمعنَ كلَّ ليلةٍ في بيتِ الّتي يأتيها))(٢).
ففيهِ: أنّهُ يستحبُّ للزّوجِ أنْ يأتي كلّ امرأة في بيتها، ولا يدعهنَّ إلى بيته(٣).
وقد كان النبيُّ وَّ مع كثرة مشاغله، وعظم أعبائه، يسهر مع زوجاته ويؤنسهنَّ،
ويستمع منهن لطرائف الأخبار.
فقد حدّثت عائشةٌ رََّ عَنْهَا رسولَ الله وَلَه بحديثٍ أمِّ زرع، وهو: أن إحدى عشرةَ امرأةً
تعاهدنَ، وتعاقدنَ أن لا يكتمنَ من أخبارِ أزواجهنَّ شيئاً، فوصفت كلُّ واحدةً زوجها،
فكانتْ أحسنهنَّ وصفاً لزوجها وأكثرهن تعداداً لنعمه عليها زوجة أبي زرعٍ.
قالتْ عائشةٌ رَّعَنْهَا، فقال لي رسول الله وَّ: ((كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ)) (٤).
فلا بدَّ للزوجِ من أن يخصّصَ وقتاً للجلوسِ مع زوجته لسماع حديثها ومؤانستها.
وتشتكي معظمُ الزوجاتِ اليومَ من أزواجهنّ؛ لأن الواحد منهم في العملِ طوالَ النهارِ،
وعندما يعودُ في الليل يجلسُ أمامَ التلفازِ حتى نصف الليلِ، وهي تنتظره، ثم يأوي بعد
ذلك إلى فراشه متعباً، فينامُ كالجيفةِ، وربما نام والريموت في يده! ولا يبالي بزوجته المسكينةِ.
(١) عون المعبود [١٢٢/٦].
(٢) رواه مسلم [١٤٦٢].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠ / ٤٧].
(٤) رواه البخاري [٥١٨٩]، ومسلم [٢٤٤٨].

٤٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
وقد تجدُ بعضاً من رجال الأعمالِ جالساً بين أوراقه حتى في البيت، فیرجعُ من مقرِّ عمله
إلى بيته، فيكونُ الدوام الثاني له في البيتِ، وأهله في انتظاره!
ومعَ وسائلِ الاتصالِ الحديثةِ یستطیعُ المرءُ أن يبقى على اتصالٍ مع زوجته دائما، من
خلالِ الرسائلِ والاتصالاتِ، فالاتصالُ؛ للاطمئنانِ على الزوجةِ قد لا يكلّفك أكثرَ من
دقيقةٍ واحدةٍ، ولكنه يعني عند الزوجةِ الكثيرَ، والكثيرَ.
وكانَ ◌َّ يعطي نساءهُ حقّهنَّ منَ المعاشرةِ:
عن أنسٍ بِنَ مالكِ رَلَّهُ أَنَّ نبيَّ الله ◌ََّ كانَ يطوفُ على نسائِهِ في اللّيلةِ الواحدةِ، ولهُ
يومئذٍ تسعُ نسوةٍ، قَالَ قتادة رَحِمَةُ لَهُ: قلتُ لأَنْسِ رَّعَنُ: أو كانَ يطيقهُ؟ قالَ: «كنّا نتحدّثُ
أنّهُ أَعطيَ قوّةَ ثلاثينَ))(١).
قال ابن حجر رَحِمَةُاللهُ: ((وكانَ معَ كونه أخشى النّاس لله وأعلمهمْ بِهِ يكثر التّزويج لمصلحةِ
تبليغ الأحكام الّتي لا يطّلع عليها الرّجال، ولإظهارِ المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونِهِ
كانَ لا يجد ما يشبع بهِ منَ القوت غالباً، وإنْ وجدَ كانَ يؤثر بأكثرِهِ، ويصومُ كثيراً ويواصل،
ومعَ ذلكَ فكانَ يطوف على نسائِهِ في اللّيلة الواحدة، ولا يطاق ذلكَ إلّا معَ قوّة البدن ...
والعربُ كانتْ تمدح بكثرةِ النّكاح؛ لدلالتهِ على الرّجوليّة ... ولمْ تشغلهُ كثرتهنَّ عنْ عبادة))(٢).
ولم تكن تمنعه العبادةُ وَّ من مؤانسةِ زوجته، ومسامرتها، ومحادثتها، فعنْ عائشةَ رَعَنْهَا
أَنَّ النّبِيَّ ◌َلِ كَانَ إذا صلّى، فإنْ كنتُ مستيقظةً حدّثني، وإلّا اضطجعَ حتّى يؤذّنَ بالصّلاةِ(٣).
وحتى في السفر كان يماشي زوجته ويحادثها، عنْ عائشةَ رَتها: ((أَنَّ النّبِيَّ ◌َ كانَ إذا
خرجَ أقرعَ بينَ نسائِهِ، فطارتِ القرعةُ لعائشةَ وحفصةَ، وكانَ النّبِيُّ ◌َ﴿ إِذا كانَ باللّيلِ سارَ
معَ عائشةَ يتحدّثُ ... ))(٤).
(١) رواه البخاري [٢٦٨]، واللفظ له، ومسلم [٣٠٩].
(٢) فتح الباري [٩/ ١١٥].
(٣) رواه البخاري [١١٦١].
(٤) رواه البخاري [٥٢١١]، ومسلم [٢٤٤٥].

٤٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ولم يتركِ النبيُّ ◌َّ هذا الهدي مع نسائه حتى في ليلة بنائه بزوجة جديدة، عنْ أنسِ
بنِ مالكِ رَّعَنْهُ قالَ: ((بنيَ على النّبِّوَّه بزينبَ بنتِ جحشٍ، بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلتُ على
الطّعامِ داعياً، فيجيءُ قومٌ، فيأكلونَ ويخرجونَ، ثمَّ يجيءُ قومٌ، فيأكلونَ ويخرجونَ، فدعوتُ
حتّى ما أجدُ أحداً أدعو، فقلتُ: يا نبيَّ الله، ما أجدُ أحداً أدعوهُ، قالَ: ارفعوا طعامكمْ ...
فخرجَ النّبِيُّ ◌َِّ، فانطلقَ إلى حجرةٍ عائشةَ، فقالَ: (السّلامُ عليكمْ أهلَ البيتِ ورحمةُ الله))،
فقالتْ: وعليكَ السّلامُ ورحمةُ الله، كيفَ وجدتَ أهلكَ، باركَ اللهُ لكَ.
فتقرّى حجرَ نسائِهِ كلّهنَّ، يقولُ لهنَّ كما يقولُ لعائشةَ، ويقلنَ لهُ كما قالتْ عائشةٌ))(١).
قوله: ((تقرّى))، أيْ: تتبّعَ الحجرات واحدة واحدة(٢).
((فدورانه على حجرٍ نسائه تفقّدٌ لأحوالهنَّ، وجبرٌ لقلوبهنَّ، واستدعاءٌ لما عندهنَّ من
أحوالٍ قلوبهن؛ لأجل تزويجه؛ ولذلك استلطفنهُ بقوهنّ له: کیف وجدت أهلك یا رسول
الله؟!
وصدورُ مثلِ هذا الكلامِ عنهنَّ في حالِ ابتداءِ اختصاصِ الضّرّةِ الداخلةِ به؛ يدلُّ على
قوةٍ عقولهنَّ، وصبرهنَّ، وحسن معاشرتهنَّ، وإلاَّ فهذا موضعُ الطيشِ، والخفّةِ للضرائِ،
لكنّهنَّ طِيّاتُ لطيّبٍ))(٣).
وفي رواية: فجعلَ يمرُّ على نسائِهِ فيسلّمُ على كلِّ واحدةٍ منهنَّ: ((سلامٌ علیکمْ،
كيفَ أنتمْ يا أهلَ البيتِ))، فيقولونَ: بخيرٍ يا رسولَ الله، كيفَ وجدتَ أهلكَ؟ فيقولُ:
(بخيرٍ ... ))(٤).
قال النووي: ((في هذا أنّهُ يستحبُّ للإنسانِ إذا أتى منزله أنْ يسلّمَ على امرأته وأهله،
وهذا ممّا يتكبِّرُ عنهُ كثيرٌ منَ الجاهلينَ المترفّعِينَ.
(١) رواه البخاري [٤٧٩٢]، ومسلم [١٤٢٨].
(٢) فتح الباري [٥٣٠/٨].
(٣) المفهم [١٣/ ١٥] للقرطبي.
(٤) رواه مسلم [١٤٢٨].

٤٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
ومنها: سؤال الرّجل أهلهُ عنْ حالهمْ، فربّما كانتْ في نفس المرأة حاجةٌ، فتستحيي أنْ
تبتدئ بها، فإذا سألها؛ انبسطتْ لذكرِ حاجتها))(١).
وكانَ بَّه وفيّاً لزوجتهِ، يحفظُ لها حقّها، ولا ينسى لها سابقَ عهدها:
فقد أثنی پګ على خديجة في حياتها، وبعد موتها ما لم يثنِ على غيرها، وکان يحرص على
بیانٍ فضلها، ومكانتها في قلبه حتى بعد وفاتها.
عَنْ عائشةَ رَّوَّعَنْها قالتْ: ((ما غرتُ على أحدٍ منْ نساءِ النّبِّ ◌َِّ ما غرتُ على خديجةَ،
وما رأيتها، ولكنْ كانَ النّبيُّ ◌َّه يكثرُ ذكرها، وربّما ذبحَ الشّاةَ ثُمَّ يقطّعها أعضاءً، ثمَّ يبعثها
في صدائقِ خديجةَ، فربّما قلتُ لهُ: كأنّهُ لمْ يكنْ في الدّنيا امرأةٌ إلّا خديجةُ !! فيقولُ: ((إنّها
كانتْ، وكانتْ، وكانَ لي منها ولدٌ))(٢).
فلم يكفّ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ عن ذكرها، والثناءِ عليها بانتهاءِ العلاقةِ الزوجيّةِ،
بل استمرَّ ذلك بعد وفاتها، وكان يقولُ: ((إنّا كانتْ وكانتْ)) أيْ: كانتْ فاضلةً، وكانتْ
عاقلةً، ونحوَ ذلكَ.
((وكانَ لي منها ولد))، فجميعُ أولاد النّبِيِّوَّ مِنْ خديجة، إلّا إبراهيمَ فإنّهُ كانَ منْ
جاريته ماریةً.
والمتّفق عليهِ منْ أولاده منها: القاسمُ، وبناته الأربعُ: زينبُ، ثمَّ رقيّةُ، ثمَّ أمُّ كلثومِ، ثمَّ
فاطمةُ، وعبد الله ولدَ بعد المبعثِ، فكانَ يقال لهُ الطّاهرُ والطّيّب(٣).
ولا يذكرها وَّه إلا ويثني عليها، ويستغفر لها، عنْ عائشةَ قالتْ: ((كانَ رسولُ الله ◌َ
إذا ذكرَ خديجةَ، لمْ يكنْ يسأمُ منْ ثناءٍ عليها، والاستغفارِ لها)) (٤).
وعند النظرِ في حالِ الناسِ اليومَ نجدُ العجبَ العجابَ، تجدُ الرجلَ قد ماتت زوجته،
فتزوّج بأخرى، ثم يجلس يمدح الأخرى، ويقبّحُ أفعالَ المتوفّةِ، وأنها كانتْ، وكانتْ.
(١) شرح صحيح مسلم [٢٢٥/٩].
(٢) رواه البخاري [٣٨١٨]، ومسلم [٢٤٣٥].
(٣) فتح الباري [٧/ ١٣٧].
(٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير [٣١٩/١٦]، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد [٣٦٠/٩].

٤٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أو يقعُ فراقٌ بسببٍ طلاقٍ، فيذمّها أينما جلسَ، وأنه كان صابراً عليها، وما طلّقها إلا
بعد نفادِ صبره، فلا يذكرها أو يتذكّرها إلا وهو ذامٌ لها.
كما أن بعضَ الناسِ لا يذكرُ امرأتهُ بخيرٍ أبداً، وإن كانَ لها فضلٌ عليهِ.
وكان ◌َّ تنبسطُ أساريرُ وجهه إذا رأى، أو سمع ما يذكّره بزوجته خديجة رَعَنْهَا، فعنْ
عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: ((استأذنتْ هالةُ بنتُ خويلدٍ أختُ خديجةَ على رسولِ الله ◌َلآ، فعرفَ
استئذانَ خديجةَ(١)، فارتاعَ لذلكَ(٢)، فقالَ: ((اللهمَّ هالةَ))(٣)، قالتْ: فغرتُ، فقلتُ: ما تذكرُ
منْ عجوزٍ منْ عجائِ قريشٍ، حمراءِ الشّدقینِ [أي: قدْ سقطتْ أسنانها منْ الكبر]، هلكتْ
في الدّهرِ، قدْ أبدلكَ اللهُ خيراً منها، فتمعّرَ وجههُ [أي: تغيّر] تمعّراً ما كنتُ أراهُ إلّا عندَ
نزولِ الوحي، أوْ عندَ المخيلةِ(٤)، فقالَ: ((ما أبدلني اللهُ عَجَنَ خيراً منها، قدْ آمنتْ بِي إِذْ كفرَ
بي النّاسُ، وصدّقتني إِذْ كَذّبني النّاسُ، وواستني بمالها إذْ حرمني النّاسُ، ورزقني اللهُ عَلَّ
ولدها إذْ حرمني أولادَ النّساءِ))، فقالت عائشة: والّذي بعثك بالحقِّ لا أذكرها بعد هذا إلّا
بخيرٍ)) (٥).
((وفي الحديث أنَّ منْ أحبَّ شيئاً أحبَّ محبوباته، وما يشبههُ، وما يتعلّق بِهِ)) (٦).
((وهذا منْ أعجبٍ شيءٍ أنْ تغارَ رَتْهَ منِ امرأةٍ توفّيتْ قبلَ تزوّجِ النّبِيِّ وَّ بها))(٧).
وممّا كافأَ النّبيُّ ◌َّ بِهِ خديجة في الدّنيا: أنّهُ لمْ يتزوّج في حياتها غيرها فعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا
قالتْ: ((لمْ يتزوّجِ النّبيُّ ◌ََّ على خديجةَ حتّى ماتتْ))(٨).
(١) لشبهِ صوتها بصوتٍ أختها فتذكّرَ خديجة بذلكَ.
(٢) أيْ: هشَّ لمجيئها، واهتزَّ لذلكَ سروراً.
(٣) أي: اللهم اجعلها هالة.
(٤) السحابة التي يظنُّ أن بها مطراً.
(٥) رواه أحمد [٢٤٣٤٣]، والطبراني في المعجم الكبير [٢٣ / ١٤]، وقال شعيب الأرنؤوط: ((إسناده صحيح)).
(٦) فتح الباري [٧/ ١٤٠].
(٧) سير أعلام النبلاء [٢/ ١١٢].
(٨) رواه مسلم [٢٤٣٦].

٤٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
((وهذا ممّا لا اختلاف فيهِ بين أهل العلم بالأخبارِ.
وفيهِ دليلٌ على عظم قدرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنّها أغنتهُ عنْ غيرها، واختصّتْ
بِهِ بقدرِ ما اشتركَ فيهِ غيرها مرّتينٍ؛ لأَنّهُ مَلِّ عاشَ بعد أنْ تزوّجها ثمانيةً وثلاثينَ عاماً،
انفردتْ خديجة منها بخمسةٍ وعشرينَ عاماً، وهيَ نحوُ الثّلثينِ منَ المجموع.
ومعَ طول المدّةِ فصانَ قلبها فيها منَ الغيرة، ومنْ نكدِ الضّرائر ... ، وهيَ فضيلة لمْ
يشاركها فيها غيرها))(١).
والله معها أنه كان يصل صديقاتها بعد وفاتها، فعن عائشة رَضِ اللَّهُ عَنْهَا
ومن حسن عهده
قالتْ: ((كانَ النّبِيُّ ◌َِِّ يكثرُ ذكرها، وربّما ذبحَ الشّاةَ ثُمَّ يقطّعها أعضاءً، ثمَّ يبعثها في
صدائقِ خديجةَ))(٢)، وفي رواية: ((وإنْ كانَ ليذبحُ الشّاةَ، فيهدي في خلائلها منها ما
يسعهنَّ))(٣).
وفي رواية: ((وإنْ كانَ ليذبحُ الشّاةَ، فيتتبّعُ بها صدائقَ خديجةَ، فيهديها لهنَّ)(٤).
((فيتبّعُ))، أيْ: يتطلّبُ، «فإهداءُ النّبِيِّ وَّهِ اللّحمَ لأصدقاءِ خديجةَ وخلائلها، رعياً منهُ
لذمامها، وحفظاً لعهدها))(٥).
((وفي هذا كلّه دليل لحسنِ العهد، وحفظ الودِّ، ورعايةِ حرمةِ الصّاحب، والعشير في
حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلكَ الصّاحب))(٦).
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَّهُ قال: كانَ النّبِيُّ ◌َّه إذا أتيَ بالشّيءٍ يقولُ: ((اذهبوا بهِ إلى فلانةٍ؛
فإنّها كانتْ صديقةَ خديجةَ، اذهبوا بهِ إلى بيتٍ فلانةٍ، فإنّها كانتْ تحبُّ خديجةَ))(٧).
(١) فتح الباري [٧/ ١٣٧].
(٢) رواه البخاري [٣٥٣٤]، ومسلم [٢٤٣٥].
(٣) صحيح البخاري [٣٨١٦].
(٤) رواه الترمذي [١٩٤٠].
(٥) تحفة الأحوذي [٦/ ١٣٤].
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ٢٠٢].
(٧) رواه البخاريُّ في الأدب المفرد [٢٣٢]، وحسّنه الألباني في صحيح الأدب المفرد [١٧٢].

٥٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ويخصُّ صواحبها أيضاً بمزيد فضل وإحسان، فعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: جاءتْ
عجوزٌ إلى النّبِّ ◌َِّ، وهوَ عندي، فقالَ لها رسولُ اللهِوَّهِ: ((منْ أنتِ؟»، قالتْ: أنا جثّامةُ
المزنيّةُ، فقالَ: ((بل أنتِ حسّانُ المزنيّةُ كيفَ أنتمْ، كيفَ حالكمْ، كيفَ كنتمْ بعدنا؟»،
قالتْ: بخيرٍ بأبي أنتَ وأمّي يا رسولَ الله، فلمّا خرجتْ، قلت: يا رسولَ الله تقبلُ على
هذهِ العجوزِ هذا الإقبالَ! فقالَ: ((يا عائشةُ، إنّها كانتْ تأتينا زمانَ خديجةَ، وإنَّ حسنَ
العهدِ منْ الإيمانِ))(١).
فائدةٌ: مع أن هذهِ المرأةَ عجوزٌ إلا أن النبيَّ ◌ََّ غيّر اسمها إلى اسم أجملَ وألطفَ؛ لأن
الجثّامةَ هو الإنسانُ البليدُ الكسلان الذي لا يميل إلى الحركة.
والحسّانةُ أشدُّ حسناً من الحسناء، وهو اسم جميل قلَّ من يتسمّى به من النساء في هذا الزمن(٢).
فحسنُ العهدِ والوفاءُ من أخلاقِ أهلِ الإيمانِ، وهذا الموقفُ من النبيِّ وَّل فيه مقابلةٌ
طيّبةٌ، وملاطفةٌ جميلةٌ، وتودّدٌ محمودٌ، ووفاءٌ نبيلٌ لزوجته خديجةَ التي طالما أيّدتهُ، وخفّفتْ
عنهُ، وواستهُ.
وكثيرٌ من الأزواج اليومَ یتنگّرُ لزوجته التي کدحتْ معه بدایةً عمره، ووضعتْ يدها
بیده، وساعدتهُ في بناء بيته، وليس هذا من حسن العهد.
وكان ◌َّ لا يجدُ غضاضةً في التصريح بحبّه لزوجته، وقد قالل ◌َّه عن خديجةَ: ((إنّ قدْ
رزقتُ حبّها))(٣).
((وفيهِ إشارة إلى أنَّ حبّها فضيلةٌ حصلتْ))(٤).
وحبّه مَّهِ لعائشة رَّ عَنْها أشهرُ من أن يذكرَ، فلم يحبَّ رسولُ الله ◌َّهامرأةً حبّها، ولا
تزوّجَ بکراً سواها.
(١) أخرجه الحاكمُ في المستدرك [١/ ١٧]، وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٦].
(٢) وقد سمّى الشيخُ الألبانيُّ رَحَمَةُ اللَّهُ إحدى بناته بهذا الاسم اقتداءً بالنبي ◌َّةِ. انظر: السلسلة الصحيحة [٢١٥/١].
(٣) رواه مسلم [٢٤٣٥] عن عائشة رَّلَّعَنْهَا.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ٢٠١].

٥١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
وكان يظهر ذلك الحبَّ، ولا يخفيه، حتى إن عمرو بن العاص سألَ النبيَّ وَّ: أيُّ النّاسِ
أحبُّ إليكَ؟ قالَ: ((عائشةُ))، قلتُ: منَ الرّجالِ؟ قالَ: ((أبوها))(١).
أمّا الآنَ فتجدُ من الرجالِ من يعاشرُ زوجتهُ السنين الطّوالَ، دونَ أن يصارحها بحبه
لها، وبعضهم يعدُّ ذلك من خوارمِ المروءةِ، وربما يستحيي بعضهم من ذلكَ ...!
وكثيرٌ من الناسِ لا يعلمُ أن تصريحه بحبّه لزوجته من أفضلٍ ما يساعدُ على تعزيزِ
العلاقاتِ، واستمرارِ الحياةِ السعيدةِ، وزيادة الثقةِ بينهما.
فالزوجةُ تريدُ من زوجها أن يشعرها أنه يحبّها، ويصرّحُ لها بذلك، ویکثر منه.
وكم من امرأة وقعتْ في المنكرِ بسبب أنها وجدتْ من يتكلّمُ معها، ويقولُ لها كلاماً
معسولاً، لم تجدهُ عند زوجها.
وكانَ ◌ِّ يقبّلُ زوجتهُ قبلَ خروجهِ منَ البيتِ:
عنْ عروةَ عنْ عائشةَ رَتْهَا أَنَّ النّبِيّ ◌َّهِ قِبَلَ بعضَ نسائِهِ، ثمَّ خرجَ إلى الصّلاةِ ولمْ
يتوضّأْ، قلتُ: منْ هيَ إلّا أنتِ، فضحكتْ(٢).
بل حتى وهو صائمٌّ كانَ يقبّلُ نساءهُ، عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: (كانَ النّبِيُّ ◌َِّ يقبّلُ
ويباشرُ، وهوَ صائمٌ، وكانَ أملككمْ لإربِهِ)(٣).
وكانَ وَّه يشربُ منَ المكانِ الّذي تشربُ منهُ زوجتهُ:
عن عائشةَ رَّ ◌َتها قالتْ: ((كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثمَّ أناولهُ النّبيَّ نَِّ، فيضعُ فاهُ على
موضعٍ فيَّ فيشربُ، وأتعرّقُ العرقَ [وهو العظم إذا أخذ عنه معظم اللّحم] وأنا حائضٌ، ثمَّ
أناولهُ النّبِيَّ ◌َِّ، فيضعُ فَاهُ على موضعٍ فيَّ)(٤).
(١) رواه البخاري [٣٦٦٢]، ومسلم [٢٣٨٤].
(٢) رواه الترمذي [٧٩]، وأبو داود [١٧٨]، والنسائي [١٧٠]، وابن ماجة [٥٠٢]، وصححه الألباني في صحيح
أبي داود [١٧٢].
(٣) أيْ: حاجته، والحديث رواه البخاري [١٩٢٧]، ومسلم [١١٠٦].
(٤) رواه مسلم [٣٠٠].

٥٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفي لفظ: ((كانَ رسولُ الله ◌َّ يضعُ فاهُ على الموضعِ الّذي أشربُ منهُ، ويشربُ منْ
فضلِ شرابي، وأنا حائضٌ))(١).
((وهذا من غاية موافقته لها حبّاً))(٢)، وكم يكون لهذا الفعل من أثرٍ طيّب على الزوجةِ؛
فالنبيُّ وَِّ يضعُ فمهُ مكانَ فمِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها في المأكلِ أو المشربِ، يفعلُ ذلك
وَّ وهي حائضٌ؛ إظهاراً للمودّةِ والمحبةِ.
وكانَ بِّه يتسوّكَ بالسّواكِ الّذي تسوّكتْ بهِ زوجتهُ:
عن عائشةَ رَّعنها قالت: ((إنَّ منْ نعم الله عليَّ أنَّ رسولَ الله ◌َل﴾ توفي في بيتي، وفي يومي،
وأنَّ اللهَ جمعَ بينَ ريقي وريقِهِ عندَ موتِهِ، دخلَ عليَّ عبدُ الرّحمنِ وبيدِهِ السّواكُ، وأنا مسندةٌ
رسولَ الله ◌َّهِ، فرأيتهُ ينظرُ إليهِ، وعرفتُ أنّهُ يُحِبُّ السّواكَ، فقلتُ: آخذهُ لكَ؟ فأشارَ
برأسهِ: أنْ نعمْ، فتناولتهُ، فاشتدَّ عليهِ، وقلتُ: أليّنهُ لكَ؟ فأشارَ برأسهِ: أنْ نعمْ، فقضمتهُ،
ثمَّ مضغتُهُ، فأعطيتهُ رسولَ الله ◌َّهِ، فاستنَّ بِهِ [أي: استاك به] وهوَ مستندٌ إلى صدري))(٣).
((فقضمتهُ))، أيْ: مضغته، والقضم الأخذ بطرفِ الأسنان، أيْ: كسرته أوْ قطعته(٤).
فقد جمعَ الله بينَ ريقه وريقها في آخرِ يومٍ له من أيامِ الدنيا، وأولِ يومٍ من أيامِ الآخرة،
فأيُّ فضلٍ عظيمٍ نالتهُ رَعَنْهَا؟!
وربّما نامَ على فخذها:
فلمّا أخّرتْ عائشةُ الرّكبَ في إحدى السّفراتِ بحثاً عن عقدها الذي ضاعَ، وليس مع
الناسِ ماءٌ، جاء أبو بكر يعاتبها، قالتْ: ((عاتبني أبو بكرٍ، وجعلَ يطعنني بيدهِ في خاصرتي،
فلا يمنعني منْ التّحرّكِ إلّا مكانُ رسولِ اللهِوَّةِ، ورأسهُ على فخذي)) (٥).
(١) رواه النسائي [٣٨٧].
(٢) مرقاة المفاتيح [٢/ ٤٨٧].
(٣) رواه البخاري [٤٤٣٨].
(٤) ينظر: النهاية [٤ /١٢٤].
(٥) رواه البخاري [٤٦٠٧]، ومسلم [٥٥٠].

٥٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله
وقالتْ: ((كانَ النّبيُّ ◌َِّ يَّكِىُّ في حجري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القرآنَ))(١).
وهذا من طیب عشر ته ێ﴾، و کریم خلقه.
وفيه: عدمُ الأنفةِ من الحائضِ، أو كراهتها خلافاً لليهودِ الذين لا يؤاكلونها، ولا
یجالسونها إذا حاضتْ.
بل كانَ النّبيُّ يضطجعُ معها في لحافٍ واحدٍ وهيَ حائضٌ:
فعن أمّ سلمةَ رَّعَنْهَا قالتْ: ((بينا أنا معَ النّبِيِّ ◌َّ مضطجعةً في خميصةٍ، إِذْ حضتُ؛
فانسللتُ فأخذتُ ثيابَ حيضتي))(٢)، قالَ: ((أنفستِ؟)) [أي: أحضتِ]، قلتُ: نعم،
فدعاني، فاضطجعتُ معهُ في الجميلةِ))(٣)، وفي لفظ: ((فدعاني، فأدخلني معهُ في الخميلةِ)).
الخميلة: هيَ القطيفة، وكلّ ثوب لهُ خمل منْ أيِّ شيءٍ كانَ(٤).
ففيهِ: جوازُ النّومِ معَ الحائضِ، والاضطجاعِ معها في لحافٍ واحدٍ.
وأمّا قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمرادُ: اعتزلوا
وطأهنَّ(٥).
وعنْ ميمونةَ زوجَ النّبِّوَ﴿ قالتْ: ((كانَ رسولُ الله ◌َّه يضطجعُ معي وأنا حائضٌ،
وبيني وبينهُ ثوبٌ))(٦).
وبعضُ الأزواجِ إذا حاضتْ زوجته؛ فارقها في المضجع وتركها، وهذا الفعلُ مخالفٌ
لهدي النبيِّ ◌ََّ، ومضرٌّ بحالِ الزوجةِ، فإن الزوجةَ حالَ الحيضِ تنتابها اضطراباتٌ نفسيّةٌ
(١) رواه البخاري [٣٦٧٢]، ومسلم [٢٦٧].
(٢) أيْ: ذهبت في خفية، ويحتمل ذهابها أنها خافتْ وصول شيء منَ الدّم إليهِ وََّ، أَوْ تقذّرتْ نفسها. انظر: شرح
النووي على صحيح مسلم [٢٠٧/٣]
(٣) رواه البخاري [٢٩٨]، ومسلم [٢٩٦].
(٤) النهاية [١٥٣/٢].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٠٧/٣].
(٦) رواه مسلم [٢٩٥].

٥٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تعكّرُ عليها مزاجها، وتضعفُ نفسيّتها، فإذا انضافَ إلى ذلك مباعدةُ الزوج عن فراشها؛
ضاعفَ ذلك من سوءٍ حالتها.
بل توقّيَ رسولُ الله ◌َّه ورأسهُ على صدرِ زوجتهِ عائشةَ رَوَ عَنْهَا:
قالت عائشةُ رنولغتها: «توقّ النّبيُّ ێ في بيتي، وفي نوبتي، وبين سحري ونحري))(١)،
وفي لفظ: ((قبضهُ اللهُ بينَ سحري ونحري))(٢). والسّحر: هَوَ الصّدر والرئة، تريد أنه مات
وهو مستند لصدرها، ما بين جوفها وعنقها(٣).
وكانَ يغتسلُ معَ زوجاتِهِ منْ إناءٍ واحدٍ:
كما قالتْ عائشةُ رَّعَتِهَا: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ◌َّهِ مِنْ إناءٍ واحدٍ بيني وبينهُ، يبادرني
وأبادرهُ، حتّى يقولَ: (دعي لي))، وأقولُ أنا: (دعْ لي)) (٤). ((يبادرني))، أي: يسبقني؛ لأخذِ الماءِ.
وعنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا أَنَّ النّبِيّ ◌َّهِ وميمونةَ كانا يغتسلانِ منْ إناءٍ واحدٍ(٥).
وعنْ أمَّ سلمةَ رَنْهَا قالت: «كنتُ أغتسلُ أنا والنّبِيُّ نَّهِ مِنْ إناءٍ واحدٍ منَ الجنابةِ))(٦).
وفي هذا بيان حسنِ تبعّلِ الرسولِ بَلِ﴾.
وفي زمننا يأنفُ بعضُ الرجالِ أن ينامَ مع أهله في لحافٍ واحدٍ، أو يأكلَ معهم؛ بسببٍ
عاداتٍ ورثوها.
وكانَ يدلّلُ زوجتهُ فيرخّمُ اسمها:
فعنْ عائشةَ رَّ ◌َتها قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌َّ يوماً: ((يا عائشَ، هذا جبريلُ يقرئكِ
السّلامَ))، فقلتُ: وعليهِ السّلامُ ورحمةُ الله وبركاتهُ))(٧).
(١) رواه البخاري [٣١٠٠]، ومسلم [٤٤٧٤].
(٢) البخاري [١٣٨٩]، ومسلم [٢٤٤٣].
(٣) فتح الباري [١٣٠/١].
(٤) رواه البخاري [٢٥٠]، ومسلم [٣٢١]، والنسائي [٢٣٩]، واللفظ له.
(٥) رواه البخاري [٢٥٣]، ومسلم [٣٢٢].
(٦) رواه البخاري [٣٢٢]، ومسلم [٣٢٢].
(٧) رواه البخاري [٣٢١٧]، ومسلم [٢٤٤٧].

٥٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله
ويقول لها: يا حميراءُ(١)، فعن عائشة قالتْ: دخلَ الحبشةُ المسجد يلعبونَ، فقالَ لي
النّبِيُّ ◌َِّ: ((يا حميراءُ، أتحبّينَ أنْ تنظري إليهمْ؟))، فقلت: نعمْ(٢).
قال القاضي عياض: ((وهو تصغيرُ إشفاقٍ، ورحمةٍ، ومحبّةٍ))(٣).
وكان يكنيها بأم عبد الله، فعنْ عائشةَ، قالتْ: لّا ولدَ عبد الله بنُ الزّبيِرِ أتيتُ بِهِ النّبِيَّ وََّ،
فتفلَ في فيهِ، فكانَ أوّلَ شيءٍ دخلَ جوفهُ، وقالَ: ((هوَ عبد الله، وأنتِ أمُّ عبدالله))، فما زلتُ
أكنّى بها، وما ولدتُ قطُّ(٤).
واليوم تجد بعض الرجال يسمّون زوجاتهم في هواتفهم الجوالةِ بأسماءٍ قبيحة، مثل:
((نشبة))، ((ورطة))، ((بلية))، ((شيطونة))، ((غلطة عمري))، بينما يسمّي آخرون زوجاتهم في
جوالاتهم بأسماءٍ جميلة حسنة، مثل: ((الأهل))، ((الغالية))، ((شريكة العمر))، (القمر))، ((أم
فلان))، فسبحانَ من قسّمَ الأخلاقَ بينَ الأزواجِ كما قسّمَ الأرزاقَ.
ومنْ حسنٍ معاشرتِ نَّهلهنَّ أنّهُ كان أحياناً يصحبهنَّ معهُ إلى الولائمِ:
عنْ أنس بن مالكٍ رَنة: ((أَنَّ جاراً لرسولِ اللهِوَِّ فارسيّاً كانَ طيّبَ المرقِ، فصنعَ
لرسولِ اللهِوَ﴿ثمَّ جاءَ يدعوهُ، فقالَ: ((وهذهِ)) - لعائشةَ-، فقالَ: لا، فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا))،
فعادَ يدعوهُ، فقالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((وهذه)، قالَ: لا، قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا))، ثمَّ عادَ يدعوهُ،
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((وهذهِ))، فقالَ في الثّالثةِ: نعمْ، فقاما يتدافعانِ حتّى أتيا منزلهُ)) (٥).
قال النووي: (كرةَ وَّ الاختصاص بالطّعامِ دونها، وهذا منْ جميل المعاشرة، وحقوق
المصاحبة، وآداب المجالسة المؤكّدة))(٦).
(١) الحميراء: تصغير الحمراء، وهي البيضاء المشربة بحمرة.
(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى [٨٩٥١]، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [٣٢٧٧]، وقال الحافظ:
(إسنادهُ صحيحٌ، ولَمْ أَرَ في حديثٍ صحيحٍ ذكرَ الحميراءِ إلّا في هذا». فتح الباري [٢/ ٤٤٤].
(٣) مشارق الأنوار [١/ ٧٠٢].
(٤) رواه ابن حبان [٧١١٧]، وقال شعيب الأرنؤوط: ((إسناده قوي)).
(٥) رواه مسلم [٢٠٣٧].
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٠٩/١٣].

٥٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وإذا زارتهُ إحداهنَّ قامَ معها يشيّعها حتّى ولوْ كانَ معتكفاً:
فعنْ صفيّةَ بنْتِ حيِيٍّ ◌َعَنْهَا قالتْ: كَانَ رسولُ الله ◌َِّ معتكفاً، فأتيتهُ أزورهُ ليلاً، فحدّثتهُ،
ثمَّ قمتُ فانقلبتُ، فقامَ معي؛ ليقلبني، فمرَّ رجلانٍ منَ الأنصارِ، فلمّا رأيا النّبِيّ ◌َّ؛ أسرعا،
فَقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((على رسلكما إنّهَا صفيّةُ بنتُ حبيٍ))، فقالا: سبحانَ الله يا رسولَ الله! قالَ: ((إنَّ
الشّيطانَ يجري منَ الإنسانِ مجرى الدّمِ، وإنّ خشيتُ أنْ يقذفَ في قلوبكما سوءاً)(١).
فتأمّل كيف قام معها من المعتكفِ؛ ليرجعها إلى البيت؛ ليحميها ويرعاها، مع أن
المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لضرورةٍ.
زوجاتنا قدْ نوّرتْ فيها
أبياتنا بالحبِّ نبنيها
وبسنّةِ المختارِ نحييها
بالبرِّ والتّقوى نعمّرها
تكفيكَ سنّتهُ وتكفيها
هذا رسولُ الله قدوتنا
وسواهُ يستعلي فيخفيها
يبدي محبّتهُ لزوجتهِ
وبأجملِ الأسما يناديها
بدعابةٍ منهُ یضاحكها
ذكرى لها فمهُ على فيها
قبلَ الخروجِ دنا يقبّلها
بل تلكَ نبعُ الخيرِ يجريها
ما مدَّ يوماً كَفّهُ بأذَّى
لقد عاش رسول الله وَّ مع زوجاته الطاهراتِ حياةً سعيدةً طيبةً؛ إذ كانت تطبيقاً
عمليّاً دقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
فلا عجبَ بعد ذلك أن نرى النبيَّ ◌َلّم يتحدّثُ عن حياته الزوجيةِ بقوله ◌َّ: «خیر کمْ
خيركمْ لأهلهِ، وأنا خيركمْ لأهلي))(٢).
وقال ◌َّ: ((أكملُ المؤمنينَ إيماناً أحسنهمْ خلقاً، وخياركمْ خياركمْ لنسائهمْ خلقاً)(٣).
ولم ينقل عنه ◌َله في يومٍ من الأيام أنه ضربَ امرأةً أو حقرها، فعنْ عائشةَ رَّ عَنْهَا
(١) رواه البخاري [٢٠٣٨]، ومسلم [٢١٧٥].
(٢) رواه الترمذي [٣٨٩٥] عن عائشة رَّعَنْهَا، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٣٣١٤].
(٣) رواه الترمذي [١٠٨٢] عن أبي هريرة رَ عَنهُ، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [١٢٣٠].

٥٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
قالتْ: «ما ضربَ رسولُ اللهَِّ شيئاً قطُّ بيدِهِ، ولا امرأةً، ولا خادماً إلّا أنْ يجاهدَ في
سبيلِ الله))(١).
وأينَ هذا من حالِ بعضِ الرجالِ اليومَ، تجدُ الرجلَ تمتدُّيدهُ إلى زوجته، ويضربها إما
على وجهها، أو رأسها، أو ظهرها، وربما استخدم عصاً، أو حذاءً، أو غيرَ ذلك؛ لأتفهِ
الأسباب.
وقد ثبتَ عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((لا تضربوا إماءَ الله))، فجاءَ عمرُ رَنهُ إلى رسولِ الله وَّه
فقالَ: ذئرنَ النّساءُ على أزواجهنَّ [أي: نشزن عليهم واجترأنَ](٢)، فرخّصَ في ضربهنَّ،
فأطافَ بآلِ رسولِ اللهِوَلَه نساءٌ كثيرٌ يشكونَ أزواجهنَّ، فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((لقدْ طافَ بآلِ
محمّدٍ نساءٌ كثيرٌ يشكونَ أزواجهنَّ، ليسَ أولئكَ بخیار کمْ))(٣).
((أي: أن الرجالَ الذين يضربون نساءهم ليسوا بخياركم، بل خياركم لا يضربون
نساءهم ويتحمّلونهنَّ))(٤).
ولذا قالت العرب: ((لا يكرمهنَّ إلا كريمٌ، ولا يهينهنَّ إلا لئيمٌ، يغلبنَ الكرامَ، ويغلبهنَّ
اللئام)).
وقد أوصى وَّ بالرفق بالنساء، فقال: ((استوصوا بالنّساءِ خيراً، فإنّهنَّ خلقنَ منْ
ضلعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضّلعِ أعلاهُ، فإنْ ذهبتَ تقيمهُ كسرتهُ، وإنْ تركتهُ لمْ يزل أعوجَ،
فاستوصوا بالنّساءِ خيراً» (٥).
((في هذا الحديث: الحثَّ على الرّفق بالنّساءِ واحتمالهنَّ، وملاطفةُ النّساءِ والإحسانُ
إليهنَّ، والصّبرُ على عوج أخلاقهنَّ، واحتمالهن))(٦).
(١) رواه مسلم [٢٣٢٨].
(٢) النهاية [٣٧٥/٢].
(٣) رواه أبو داود [٢١٤٦]، وابن ماجة [١٩٨٥]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٨٦٣].
(٤) عون المعبود [٦/ ١٣٠] بتصرف.
(٥) رواه البخاري [٣٣٣١]، ومسلم [١٤٦٨] عن أبي هريرة رَُّ عَنْهُ.
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠ / ٥٧] بتصرف.

٥٨
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
وقال ◌َّهِ: ((إنَّ المرأةَ خلقتْ منْ ضلعٍ، وإنّكَ إِنْ تردْ إقامةَ الضّلعِ تکسرها، فدارها تعشْ
بها)» !).
فمن الواجب على الرجل أن يصبر عليها، ويتحمل ما يصدر منها.
وما زال النبي ◌َّ يكرر هذه الوصية كلما حانت الفرصة.
ففي خطبةِ حجة الوداع أفرد لها جانباً من خطبته العظيمةِ حيثُ قال ◌َّةِ: ((ألا
واستوصوا بالنّساءِ خيراً، فإنّما هنَّ عوانٌ عندكمْ [أي: أسيرات]، ليسَ تملكونَ منهنَّ شيئاً
غيرَ ذلكَ ... ))(٢).
وإنما كان النبيُّ وَِّ يكرّرُ وصيته بالنساءِ؛ لما يعلمه من حالهنَّ التي قد لا يقدرُ على تحمّلها
بعضُ الرجال الذين لا يملكون أنفسهم عند الغضبِ؛ فيحمله وجُ المرأةِ على أن يفارقها؛
فيتفرّقُ شمله، وتتشتّتُ أسرته وأهله.
ولذا أرشدَ النبيُّ وَجِّ الأزواجَ في حديثٍ آخرَ إلى ما فيه صلاحُ أحوالهم مع أسرهم
فقال: ((لا يفركْ - أي: لا يبغض - مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خلقاً، رضي منها آخرَ)(٣).
((أيْ: ينبغي أنْ لا يبغضها؛ لأنّهُ إِنْ وجدَ فيها خلقاً يكره؛ وجدَ فيها خلقاً مرضيّاً، بأنْ
تكون شرسة الخلق لكنّها ديّةٌ، أَوْ جميلةٌ، أوْ عفيفٌ، أوْ رفيقةٌ بهِ، أَوْ نحوُ ذلكَ)) (٤).
وهكذا فقد كانَ النبيُّ ◌َّ حسنَ العشرةِ مع زوجاته، دائمَ البشرِ، حريصاً على إدخالٍ
السرورِ إلى نفوسهنَّ، يجلسُ إليهنَّ، ويأكلُ معهنَّ، ويحادثهن، ويمازحهنَّ، ويشاورهنَّ،
ويستمعُ إليهنَّ، ويواسيهنَّ، ويطمئنُّ عليهنَّ، ويتغاضى عن تقصيرهنَّ وأخطائهنَّ.
بل كان يوصي بأهل نسائه خيراً:
عن أبي ذرِّ الغفاري رَ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنّكمْ ستفتحونَ مصرَ، وهيَ أرضٌ
(١) رواه أحمد [١٩٥٨٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٩٤٤].
(٢) رواه الترمذي [١٠٨٣]، وابن ماجة [١٨٥١] عن عمرو بن الأحوص رَ عنه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع
[٧٨٨٠].
(٣) رواه مسلم [٢٦٧٢] عن أبي هريرة رَضَلَّهُ عَنْهُ.
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي [١٠/ ٥٨].

٥٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله
يسمّى فيها القيراطُ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإنَّ لهمْ ذمّةً ورحماً). أوْ قالَ: ((ذمّةً
وصهراً) (١).
الذّمّة: هيَ الحرمة والحقّ. وأمّا الرّحم فلكونِ هاجرَ أمّ إسماعيل منهمْ. وأمّا الصّهر
فلكونِ مارية أمّ إبراهيم منهمْ(٢).
وكان ◌َّ يراعي مشاعر زوجته:
ويعرف هل هي راضيةٌ عليه أم ساخطةٌ، فها هو يقول لعائشة ◌َّعَنْهَا: ((إنّ لأعلمُ
إذا كنتِ عنّي راضيةً، وإذا كنتِ عليَّ غضبى))، فقالت: ومنْ أينَ تعرفُ ذلكَ؟ قالَ: ((أمَّا
إذا كنتِ عنّي راضيةً؛ فإنّكِ تقولينَ: لاَ، وربٍّ محمّدٍ، وإذا كنتِ غضبى؛ قلتِ: لاَ، وربِّ
إبراهيمَ))، قالت: أجل والله يا رسولَ الله، ما أهجرُ إلّا اسمكَ(٣).
فلم يكنُّ من الرجالِ الذين لا يبالون بزوجاتهم، رضينَ أم سخطنَ.
فهذا النبيُّ العظيمُ وَّه الذي لم تشغلهُ همومُ الدولةِ، والغزو، والجهاد، وتجهيز الجيوشِ،
ونشر الدعوةِ في العالم، وإرسال الرسائلِ إلى كسرى وقيصرَ، ومتابعة الأمورِ العظيمةِ، لم
یشغلهُ ذلك عن مراعاة مشاعرٍ زوجته.
فأينَ هذا، ممن لا يراعي مشاعرَ زوجته، ولا يبالي بأمرها، سواء كانت راضيةً أم ساخطةً،
سعيدةً أم حزينةً؟!
ومن ذلك: مراعاته لمشاعر أم المؤمنين صفية رََّتهَا، فلما عيّرتها حفصة بأنها ابنة
يهوديٍّ؛ دافعَ عنها رسولُ اللهِوَلَهَ، وطيّبَ خاطرها بكلام يشرحُ الصدرَ، ويهدّئُ
الخاطرَ.
فعنْ أنسِ بن مالك رَّعَنْهُ قالَ: بلغَ صفيّةَ أَنَّ حفصةَ قالتْ: بنتُ يهوديٌّ، فبكتْ،
فدخلَ عليها النّبيُّ ◌َّه وهيَ تبكي، فقالَ: ((ما يبكيكِ؟»، فقالتْ: قالتْ لي حفصةُ: إنّ بنتُ
(١) رواه مسلم [٢٥٤٣].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦ / ٩٧].
(٣) رواه البخاري [٥٢٢٨]، ومسلم [٢٤٣٩].