Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٠١٢
الجُبَّة فغسلهما ومَسَح خُفَّيْه. وانتهينا إلى عبد الرحمن بن عَوفرقدر گچ بالناس ،
فسبّح الناسُ بعبد الرحمن بن عَوف حين رأَوا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
حتى كادوا أَن يَفْتَتِنوا، فجعل عبد الرحمن يُريد أَن يَنْكُصَ وَراءه ، فأَشار
إليه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن اثبتْ، فصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
خَلْفَ عبد الرحمن رَكْعَة، فلمّا سلَّم عبد الرحمن تواثب الناسُ ، وقامٍ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقضى الرَّكْعَة الباقية ، ثم سلَّم بعد فراغه
منها ، ثم قال : أَحسنتم! إِنَّه لم يُتَوَفَّ نِىُّ حتى يَؤُمَّه رجلٌ صالحٌ من
أُمَّتْهُ .
وأتاه يومئذٍ يَعْلَى بن مُنَبِّه بأجيرٍ له ، قد نازع رجلاً من العسكر،
فعضَّه ذلك الرجل ، فانتزع الأُجيرُ يدَه من فِى العاضِّ فانتزع ثَنِيَّته،
فَلِزْمه المجروح فبلغ به النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم. [قال ] : وقمت مع
أجيرى لأنظر ما يصنع ، فأتى بهما النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يَعمِد
أَحدُكم فيَعَضُّ أَخاه كما يَعَضُِّ الفَحْل. فأَبطل رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ما أَصاب من ثَنِيِّتَه .
وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّكم سَتَأْتُون غدًا إن شاءَ الله عينَ
تَبوه ، وإِنَّكم لن تنالوها حتى يَضحَى النهارُ، فمَن جاءَهَا فلا يَمَسَّ
من مائها شيئاً حتى آتى . قال معاذ بن جَبَل : فجئناها وقد سبق إِليها رجلان ،
والعين مثل الزُّلال تَبِضُّ (١) بشيءٍ من ماء، فسألهما: هل مَسِستُما من مائها
شيئاً ؟ قالا: نعم . فسبّهما النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال لهما ،! شاءَ الله
أن يقول. ثم غَرَفوا بأيديهم قليلاً قليلاً حتى اجتمع فى ثَمنّ (٢)، ثم غسل
(١) بض الماء يبض بضيضاً: أى سال قليلا قليلا. (الصحاح، ص ١٠٦٦).
(٢) الشن: القربة الحلقة. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٨٩).

١٠١٣
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه وجهَه ويدَيْه، ثم أَعاده فيها، فجاءت العين
بماءٍ كثيرٍ فاستقى الناس . ثم قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يُوشك يا معاذ
إِن طالت بك حَياةٌ أَن تَرَى ما هاهنا قد مُلِيُّ جِناناً! قالوا: وكان عبد الله
ذو البِجادَيْنِ(١) من مُزينة، وكان يتيمًا لا مالَ له ، قد مات أبوه فلم يُورثه
شيئاً، وكان عمّه مَيِّلاً (٢)، فأخذه وكَفَله حتى كان قد أَيسر، فكانت له
إبلٌ وغَنَمٌ ورقيق، فلمّا قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة جعلت
نَفْسُه تَتوق إلى الإِسلام ، ولا يقدر عليه من عمّه ، حتى مضت السنون
والمشاهدُ كلُّها . فانصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من فتح مكَّة راجعاً
إلى المدينة، فقال عبد الله لعمّه : يا عمّ، قد انتظرتُ إِسلامك فلا أراك
تُريد محمّدًا ، فائذنْ لى فى الإِسلام ! فقال: واللهِ، لئن اتَّبعتَ محمّدًا
لا أترك بيدك شيئاً كنت أعطيتكه إِلَّ نزعتُه منك حتى ثَوْبَيْك. فقال عبد
العُزَّى، وهو يومئذٍ اسمه: وأَنا واللّهِ مُتَّبَع محمّدًا ومُسلم ، وتاركٌ عبادة
الحَجَر والوَثَن ، وهذا ما بيدى فخُذْهُ ! فأخذ كلَّ ما أعطاه، حتى جرّده من
إزاره ، فأَنى أُمّه فقطعت بِجادًا لها باثنين فائتزر بواحدٍ وارتدى بالآخر ، ثم
أقبل إلى المدينة وكان بوَرِقان - جبل من حمى المدينة - فاضطجع فى المسجد
فى السَّحَر، ثم صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصبح، وكان رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يتصفَّح الناس إذا انصرف من الصبح ، فنظر إليه
فأنكره، فقال: مَن أَنتم فانتسب له، فقال: أَنت عبد الله ذو البِجادَيْن!
ثم قال : انزل منِّى قريباً . فكان يكون فى أَضيافه ويعلِّمه القرآن ، حتى
(١) البجاد: الكساء الغليظ الجافى، كما ذكر ابن هشام. (السيرة النبوية، ج ٤،
ص ١٧٢ ) .
(٢) أى ذا مال. ( لسان العرب، ج ١٤، ص ١٥٩).

١٠١٤
قرأَ قُرآناً كثيرًا، والناس يتجهَّزون إِلى تَبُوك. وكان رجلاً صَيِّتاً، فكان يقوم
فى المسجد فيرفع صوته بالقراءة ، فقال عمر : ، يا رسول الله، أَلا تسمح
إلى هذا الأَعرابىّ يرفع صوته بالقرآن حتى قد منع الناسَ القراءة؟ فقال
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دَعْهُ، يا عمر! فإنَّه خرج مهاجرًا إِلى الله
ورسوله . قال : فلمّا خرجوا إلى تبوك قال: يا رسول الله، ادعُ الله لى بالشهادة.
قال: أَبْلِغَنى لِحَاءَ (١) سَمُرَة. فأَبلغه لِيحاءَ سَمُرَّة، فربطها رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم على عَضُده وقال : اللَّهمّ إِنِّى أُحرّم دمه على الكفَّار ! فقال :
يا رسول الله، ليس أردتُ هذا. قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّك إِذا
خرجتَ غازياً فى سبيل الله فأَخذتك الحُمَّى فقتلتك فأَنت شهيد، ووَقَصَتْك
دابْتُك فأَنت شهيد، لا تُبال(٢) بأَيَّةٍ كان . فلمّا نزلوا تَبوكاً فأَقاموا بها
أَيّاماً تُوفّى عبدُ الله ذو البِجادَيْنِ. فكان بِلال بن الحارث يقول : حضرتُ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومع بِلالِ المؤذِّنِ شُعْلَةٌ من نارٍ عند القبر
واقفاً بها، وإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى القبر، وإذا أَبو بكر وعمر
رضى الله عنهما يُدلِّيانه إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول: أَدنِيا إِلّ
أَخاكما ! فلمّا هيّآه لشِقه قال: اللَّهمّ إِنِّى قد أَمسيت عنه راضياً فارضَ
عنه ، قال : فقال عبد الله بن مسعود: يا لَيْتَنى كنت صاحبَ اللَّحْد !
وقالوا : أَتينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مسيره وهو مُردِفٌ سُهَيل
ابن بيضاءَ خلفَه ، فقال سُهَيل: ورفع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم صوته
فقال : يا سُهَيل ! كلّ ذلك يقول سُهَيل: يا لَبَّيْك ! ثلاث مرات،
حتى عرف الناس أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُريدهم ؛ فانثنى عليه
(١) اللحاء: قشر الشجر. (الصحاح، ص ٢٤٨٠).
(٢) فى الأصل: ((لا تبالى)).

١٠١٥
مَنْ أَمامه، ولحقه مَن خَلْفَه من الناس، ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
مَن يشهد أَنْ لا إِله إِلَّ الله وحده، لا شريك له، حرّمه اللهُ على النار .
قالوا : وعارض الناس فى مَسيرهم حَيَّةٌ، ذُكر من عِظَمها وخَلْقِها،
وانصاع الناس عنها . فأقبلت حتى واقفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو
على راحلته طويلاً، والناس ينظرون إليها ،ثم التَوَتْ حتى اعتَزَلَت الطريق
فقامت قائمةً ؛ فأَقبل الناس حتى لحقوا برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال
لهم : هل تدرون مَن هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : فإِنَّ هذا أَحد
الرَّهْط. الثّانية من الجِنّ الذين يُريدون أن يسمعوا القرآن، فرأى عليه من
الحقّ - حين أَلَمّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ببلده - أَن يُسلم عليه،
وها هو ذا يُقرئكم السَّلام ، فسلِّموا عليه ! فقال الناس جميعاً : وعليه السَّلامِ
ورحمة الله! يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَجيبوا (١) عِبادَ الله
مَن كانوا .
قالوا : قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَبوكاً وأقام بها عشرين ليلةً
يُصلِّى ركعتين، وهِرَقْل يومئذٍ بحِمْص . وكان عُقبة بن عامر يقول :
خرجنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تّبوك، حتى إذا كنا منها على لَيْلَةِ
استرقد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يَستَيْفِظْ حتى كانت الشَّمْسُ قِيدَ
رُمْح ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا بِلال، أَلم أَقل لك اكالأُ(٢)
لنا الليلَ ؟ فقال بِلال : ذهب بى النوم ، ذهب بى الذى ذهب بك !
قال : فارتحل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ذلك المكان غير بعيد ،
ثم صلَّى ركعتَيْن قبل الفجر، ثم صلَّى الفجر، ثم هَذَب (٣) بقيَّةَ يومه
(١) فى الأصل: ((أحبوا)).
(٢) الكلامة : الحفظ والحراسة. ( النهاية، ج ٤، ص ٣٠) .
(٣) هذب: أى أسرع السير. (النهاية، ج ٤، ص ٢٤٥).

١٠١٦
وليلتَه فأَصبح بتبوك ، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم
قال: أَيّها الناس! أَمّا بعد ، فإِنَّ أَصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأَوْثقَ
العُرَى كلمةُ التَّقْوى، وخيرَ المِلَل مِلَّةُ إبراهيم عليه السلام، وخيرَ السُّنَن
◌ُنَنُ محمّد، وأَشرفَ الحديث ذِكْرُ الله، وأَحسنَ القَصَص هذا القرآن ،
وخيرَ الأُمور عَواقِبُها، وشرَّ الأُمور مُحدَثاتُها ، وأَحسنَ الهَدْى هَدْىُ الأَنبياءِ،
وَأَشرفَ القَتْلِ قَتْلُ الشهداءِ ، وأَعمى الضلالة الضلالةُ بعد الهُدى، وخيرَ
الأعمال ما نفع ، وخيرَ الهَدْى ما اتّبع، وشرَّ العمى عمى القلب ؛ واليد
العُليا خيرٌ من السُّغلى، وما قلَّ وكفى خيرٌ ممّا كَثُر وَأَلْهَى، وشرَّ الأُمور
السَعْذِرَةُ حين يَحضُر المرت ، وشَرَّ الندامة يوم القيامة . ومن الناس من لا
يأتِى الجُمُعة إِلَّا نَزْرًا، ومنهم مَن لا يذكر الله إِلَّا هُجْرًا (١)؛ ومن أعظم
الخطايا اللسان الكَذوب، وخير الغِى غنى النفس، وخير الزاد النَّقْوى،
ورأس الحُكْم (٢) مخافة الله، وخير ما أُلقى فى القلب اليقينُ، والارتياب من
الكُفْر، والنِّياحة من عمل الجاهليّة، والغُلول من جَمْر جهنّم، والسُّكْر
كِنٌّ من النار، والشِّعر من إِبليس ، والخَمْر جماع الإِثم ، والنساء حِبالة
الشيطان ، والشباب شُعبة من الجنون ؛ وشرّ المكاسب كَسْب الرِّبا، وشرّ
المأكل مال اليتيم. والسَّعيد مَن وُعِظ بغيره، والشَّ مَن شَقِى فى بَطْن أُمّه،
وإنما يَصير أَحَدُكم إلى موضع أربعة أَذْرُعٍ؛ والأَمر إلى آخره، وملاك العمل
خَواتمه، والرِّبا ربا الكَذِب. وكلّ ما هو آتٍ قريبٌ، وسباب المُؤْمن
فُسوقٌ، وقَتْل المؤمن كُفْرٌ، وأكل لحمه من معصية الله، وحُرمة ماله كحُرمة
دمه. ومَن يتأَلّ (٣) على الله يُكذّبْه، ومَن يَعْفُ يَعْفُ الله عنه، ومَن يَكْظِمِ الغَيْظ.
(١) هو الخنا والقبيح من القول. (النهاية، ج ٤، ص ٢٤٠).
(٢) هكذا فى الأصل، وهو والحكمة بمعنى. (النهاية، ج ١، ص ٣٤٦).
(٣) أى من حكم عليه وحلف. (النهاية، ج ١، ص ٣٩).

١٠١٧
يَأْجُرْه الله، ومَن يصبر على الرَّزيّة يُعوّضْه الله، ومَن يتبع السُّمعة يُسمِّعِ
الله به ، ومَن يصبرْ يُضاعفِ الله له، ومَن يَعْصِ الله يُعذِّبْه الله. اللَّهِمَّ اغفرْ
لى ولأُمَّى، اللَّهِمَّ اغفرْ لى ولأَّتِى، أستغفر الله لى ولكم.
وكان رجلٌ من بنى عُذْرَة يقال له عَدىّ يقول: جئت رسول الله صلَّى
اله عليه وسلَّم بتبوك فرأيته على ناقةٍ حمراء يطوف على الناس يقول : أيّها
الناس ، يد الله فوقَ يد المُعطِى، ويد المُعطِى الوُسطى، ويد المُعطَى
السُّفلى. أَيّها الناس، اقنعوا ولو بِحَزْمُ الحَطَب! اللَّهمّ، هل بلَّغتُ ؟
ثلاثاً. فقلت : يا رسول الله، كان لى امرأتان (١) اقتتلتا فرميتُ فأَصبت
إحداهما (٢ ) فَرُّبِيٍ فى زّ رَمْيَتى - يعنى ماتت، كما تقول العرب: رُبى فى
جنازته . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : تَعْقِلُها ولا تَرِثُها .
وجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى موضع مسجده بتبوك ، فنظرنحو
اليمين ورفع يديه يُشير إلى أهل اليمن فقال : الإيمان يَمانٍ ! ونظر نحو
المَشرق وأشار بيده: إِنَّ الجَفَاءَ وغِلَظَ القلوب فى الفَدّادين (٣) أَهلِ الوَبَر
من نحو المَشرق حيث يُطْلِعِ الشيطان قَرْنَيْه .
وقال رجلٌ من بنى سعد [بن ] مُذَيم: جئت رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وهو جالسٌ بَتَبوك - فى نَفَرٍ من أصحابه ، هو سابعهم - فرقفت
فسلَّمت ، فقال: اجلس! فقلت : يا رسول الله، أشهد ألاّ إله إلا الله
,أَنَّك رسول الله ! قال: أَفلح وَجْهُك ! ثم قال: يا بِلال، أَطْعِمنا !
(١) فى الأصل: ((يا رسول الله امرأتين اقتتلتا)). وما أثبتناه عن ابن الأثير. ( النهاية،
ج ٢ ، ص ١٠٦) .
(٢) فى الأصل: ((أحدهما)).
(٣) الفدادون: الذين تعلو أصواتهم فى حروثهم ومواشيهم، واحدهم نداد. (النهاية، ج ٣ ،
٠ ٠" ..
ص ١٨٧ ) .

١٠١٨
قال: فبسط، بِلالٌ نِطْعً(١)، ثم جعل يُخرج من حَميتٍ (٢) له ، فأُخرج
خَرجاتٍ بيده من تَمْرٍ معجونٍ بالسَمْن والأَّقِط.، ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : كُلُوا! فأَكلنا حتى شَبِعنا فقلت: يا رسول الله، إن كنتُ لَآكلُ
هذا وَحْدى ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : الكافر يأُكلُ فى سبعة
أَمْعاءٍ (٣) والمؤمن يأْكل فى مِعِىّ واحد. قال: ثم جثته من
الغد مُتَحِيِّناً لغَدائه لأَزْداد فى الإِسلام يقيناً ، فإِذا عشرةُ نفرٍ حوله . قال :
فقال : ماتٍ أَطعِمنا يا بِلال . قال : فجعل يُخرج من جِراب تَمْرٍ بكفِّه
قبضةٌ قبضةً، فقال: أَخرِجْ ولا تَخَفْ من ذى العَرْش إِفْتارًا! فجاءً بالجِراب
فَنَثّره. قال: فِحَزَرْتُهُ مُدَّيْن . قال : فوضع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
يده على التمر ، ثم قال : كُلُوا باسم الله ! فأَكل القوم وأكلتُ معهم ،
وكنت صاحبَ تمر . قال: فأكلت حتى ما أَجد له مَسْلَكاً. قال : وبقى على
النِّطْعِ مثلُ الذى جاءً به بِلالٌ، كأَنَّا لم نأكل منه تمرةً واحدةً . قال :
ثم عدتُ من الغد. قال: وعاد نفرٌ حتى باتوا ، فكانوا عشرة أَو يزيدون
رجلاً أَو رجلَيْن ، فقال: يا بِلالُ، أَطعمنا ! فجاءَ بذلك الجِراب بعينه أعرفه
فَنَّثَره، ووضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده عليه فقال : كُلوا باسم
الله، فأَكلنا حتى نَهِلنا ، ثم رفع مثل الذى صبَّ ، ففعل مثل ذلك ثلاثةَ
أَيَّام .
قال: وكان هِرَقْل قد بعث رجلاً من غسّان إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فينظر إلى صِفَته وإِلى عَلاماته، إِلى حُمْرَة فى عَيْنيه ، وإِلى خاتم النبوّة
بين كتفّيْه، وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة ، فوعَى أَشياءَ من حال النبىّ
(١) النطع: بساط من الأديم. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٨٩).
(٢) الحميت: الزق الذى لا شعر عليه، وهو السمن. (الصحاح، ص ٢٤٧).
(٣) الأمعاء: جمع معى، وهى المصارين. (النهاية، ج ٤، ص ١٠١).

١٠١٩
صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم انصرف إلى حِرَقْل فذكر له ذلك، فدعا قومه إِلى
التصديق به ؛ فأَبَوْا حتى خافهم على مُلْكه، وهو فى موضعه لم يتحرَّك ولم
يزحف . وكان الذى خُبّر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم - من بعثته أصحابَه وَدُنوِّه
إلى أدنى الشام - باطلاً، ولم يُرد ذلك ولم يَهُمّ به. وشاور رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فى التقدّم ، فقال عمر بن الخطّاب رضى اللهعنه: إِن كنتَ
أُمِرتَ بالمسير فسِرْ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لو أُمِرتُ به ما
استشرتكم فيه ! قال: يا رسول الله، فإِنَّ للروم جُموعاً كثيرةً ، وليس بها
أَحدٌ من أَهل الإِسلام، وقد دنوتَ منهم حيث تَرَى ، وقد أَفزعهم دُنُوّك،
فلو رجعتَ هذه السَّنَة حتى تَرَى، أَو يُحدِث الله عزَّ وجلّ لك فى ذلك أمرًا .
قالوا : وهاجت ريحٌ شديدةُ بتَبوك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
هذا لِمَوْت مُنافقٍ عظيمِ النِّفاق . قال : فقدموا المدينة فوجدوا مُنافقاً قد
مات عظيمَ النِّفاق .
قال: وأُتِى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بجُبْنَةٍ بتَبوك فقالوا :
يا رسول الله، إِنَّ هذا طعامٌ تَصْنَعه فارس، وإِنَّا نخشى أن يكون فيه
مَيْنَة . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ضعوا فيه السكِّين واذكروا
اسم الله !
قال : وأَهدى رجلٌ من قُضاعة إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَرَساً ،
فأعطاه رجلاً من الأَنصار ، وأمره أَن يَربطه حِيالَه استئناساً بصَهيله ، فلم
يزل كذلك حتى قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة ففَقَد صهيلَ الفَرَس
فسأل عنه صاحبَه فقال: خَصَيْتُهُ يا رسول الله ! قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : فإِنَّ الخيل فى نَواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة ، اَّخذوا من نَسلها

١٠٢٠
وباهوا بصهيلها المشركين، أَعرافها أَدفاؤها(١)، وأذنابها مَذابُّها. والذى نفسى
بيده ، إِنَّ الشهداء ليأتون يوم القيامة بأسيافهم على عواتقهم، لا يمرّون
بأَحدٍ من الأنبياء إلَّا تنحّى عنهم، حتى إِنَّهم لَيمرّون بإبراهيم الخليل خليل
الرحمن فيتنحّى لهم حتى يجلسوا على منابر من نور . يقول الناس : هؤلاء
الذين أُهَريقوا دماءهم لربّ العالمين، فيكون كذلك حتى يقضى الله عزَّ وجلّ
بین عباده !
٠.٢
قالوا : وبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتَبوك قام إلى فرسه الظَّرِب
فعلَّق عليه شِعارَه(٢) وجعل يمسح ظهرَه بردائه. قيل: يا رسول الله، تمسح ظهره
برداءك؟ قال : نعم، وما يُدريك؟ لعلّ جبريل أَمرنى بذلك، مع أَنِّى قد بِتُ
الليلة (٣)، وإِنَّ الملائكة لتُعاتبنى فى حَسّ (٤) الخيل ومَسْحها. وقال: أَخبرنى
خليلى جبريل أنَّه يُكتَب لى بكلّ حسنةٍ أَوفيتُها إيّاه حسنة ، وإنَّ ربّى عزّ
وجلّ يحطّ. عنِّى بها سيئة . وما من امرىء من المسلمين يَربِطِ. فَرَساً فى سبيل
الله فيُوفيه بعَليفه يلتمس به قُوَّته إلاَّ كتب الله له بكلّ حبّةٍ حسنة ،
وحطَّ. عنه بكلّ حبّةٍ سيئة ! قيل: يا رسول الله، وأَىّ الخيل خير ؟ قال :
أدهم (٥)، أَفرح، أَرثم، مُحَجَّل الثلث (٦)، مُطلق اليمين، فإن لم
(١) الأدفاء: جمع دفء، وهو ما يستدفأ به من الأوبار والأصواف. (النهاية، ج ٢.،
ص ٢٦ ) .
١
(٢) الشعار: ما ولى الجسد من الثياب. (الصحاح، ص ٦٩٩).
(٣) فى الأصل: ((مع أنى قريب الليلة))؛ ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) الحس: نفض التراب عن الدابة. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٠٦).
(٥) يقال فرس أدهم إذا اشتدت ورقته .. (الصحاح، ص ١٩٢٤).
(٦) الخيل الأقرح: هو ما كان فى جبهته قرحة، بالضم، وهى بياض يسير فى وجه الفرس
دون الغرة؛ والأرثم: الذى أنفه أبيض وشفته العليا؛ بالمحجل: هو الذى يرتفع البياض فى قوائمه
إلى موضع القيد. (النهاية، ج ٣، ص ٤٢٤٠ ج ٢، ص ٤٦٥ ج ١، ص ٢٠٤).

١٠٢١
.
يكن أَدهم فكُمَيتٌ على هذه الصفة. قال: وقيل: يارسول الله ، فما فى الصَّوم
فى سبيل الله ؟ قال : مَن صام يوماً فى سبيل الله تباعدت منه جهنّم مسيرةً
مائة سنة كَأَغَذِّ السير . ولقد فُضِّل نساء المجاهدين على القاعدين فى الحُرمة
كأُمّهاتهم ، وما من أحدٍ من القاعدين يُخالِف إلى امرأةٍ من نساء المجاهدين
فيخونه فى أَهله إلَّا وقف يوم القيامة فيقال له : إِنَّ هذا خانك فى أهلك فخذ
من عمله ما شئت ؛ فما ظَنُّكم ؟
وكان عبد الله بن عمر أَو عمرو بن العاص يُحدّث قال: فَزِع الناسُ
بتبوك ليلةً ، فخرجتُ فى سِلاحى حتى جلست إلى سالم مولى أَبى حُذيفة
وعليه سلاحه، فقلت: لأُقتدينَّ بهذا الرجل الصالح من أهل بدر ! فجلستُ
إلى جنبه قريباً من قُبّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فخرج رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم علينا مُغضَباً فقال: أَيّها الناس، ما هذه الخِفَّة ؟
ما هذا النَّزَق؟ أَلا صنعتم ما صنع هذان الرجلان الصالحان ؟ يعنينى وسالماً
مولى أَبى حُذيفة .
قالوا : ولمّا انتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تبوك وضع حَجَرًا قِبلةَ
مسجد تَبوك بيده وما يلى الحَجَر، ثم صلَّى الظُّهر بالناس ، ثم أقبل عليهم
فقال : ما هاهنا شام ، وما هاهنا يمن .
وكان عبد الله بن عمر يقول: كنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بتَبوك ، فقام يُصلى من الليل، وكان يُكثر التهجّد من الليل، ولا يقوم إِلاَّ
استاك، وكان إذا قام يُصلّى صلَّى بفناء خيمته، فيقوم ناسٌّ من المسلمين
فيحرسونه . فصلّى ليلة من تلك الليالى، فلمّا فرغ أقبل على مَن كان عنده
فقال : أُعطيتُ خمساً ما أُعطيهنَّ أَحدٌ قبلى: بُعِثْت إلى الناس كافَّةً ، وإِنما
كان النبيّ يُبعَث إلى قومه، وجُعِلتْ لى الأَرضُ مسجدًا وطّهورًا، أَينما أدركتنى

١٠٢٢
الصلاة تيمّمت وصلَّيت ، وكان مَن قبلى يُعظِمون ذلك ولا يُصُّون إِلَّا فِى
كنائسهم والبِيَع، وأُحِلَّت لى الغنائم آ كلُها، وكان مّن كان قبلى يُحرّمونها ،
والخامسة هى ما هى ، هى ما هى ، هى ما هى ! ثلاثاً . قالوا : وما هى
يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قيل لى: سَل، فكلّ نِيٍّ
قد سأل، فهى لكم ولمَن شهد أن لا إله إِلَّ الله .
ذكر ما نزل من القرآن فى غزوة تبوك
قوله عزَّ وجلّ : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مالَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فى
تَسَبيلِ اللهِ اَنَّاقَلْتُمْ .. ﴾(١) الآية. قالوا: غزا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى
حرِّ شديدٍ وجَهْدٍ من الناس ، وحين طابت الثمار واشتُهيت الظلال ، فأَبطأً
الناسُ فكشفت منهم ((براءة)) ما كان مستورًا، وأَبدت أَضغانهم ونفاقه
مَن نافق منهم. يقول: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾(٢) إِلَّ تخرجوا
مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ
الأَعْرابِ .. ﴾(٣) الآية. قال: كان قوم من أصحاب النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم خرجوا إلى البدو يُفقِّهون قومَهم ، فقال المنافقون : قد
بقى ناسٌّ من أصحاب محمّد فى البوادى . وقالوا : هلك أصحاب البوادى !
فنزلت: ﴿وَمَا كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾(٤). (انْفِرُوا خِفافاً وثِقالاً﴾(٥)
يقول : نشاطاً وغير نشاط، ويقال : الخِفاف: الشباب؛ والنِّقال : الكهول؛
(١) سورة ؟ التوبة ٣٨
(٢) سورة ٩ التوبة ٣٩
(٣) سورة ٩٠ التوبة ١٢٠
(٤) سورة ٩ التوبة ١٢٢
(٥) سورة ٩ التوبة ٤١

١٠٢٣
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبيلِ اللهِ﴾ يقول: أَنفقوا أموالكم فى
غزوكم ؛ وجاهدوا، يقول: قاتلوا؛ ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾(١) عشرين
ليلة ؛ ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ يعنى المُنافقين؟
﴿لَوْ كان عَرَضاً قريباً﴾ يقول: غنيمة قريبة؛ ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا لَّبَعُوكَ﴾ يعنى
حين خرج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تَبرك جعلوا يعتذرون بالعُسْرَة والمرض؛
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) يعنى فى الآخرة؛ ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمَّ أَكَاذِبُونَ﴾ أَنْهم
أقوياء أصحّاء . وكان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقبل عذرهم ويأذن لهم.
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا﴾(٢) حتى تبلوَهم بالسفر وتَعلم مَن هو صادقٌ ومَن هو كاذب .
(لايَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(٣) وصف المؤمنين الَّذين أَنفقوا
أَموالهم فى تلك الغزوة، وكانت تُسمّى غزوة العُسرة. ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(٤) يعنى المُنافقين. ثم ذكر المُنافقين فقال:
﴿لَقْدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٥) من قبل خروجك إلى تبوك وظهور أمرك
ي محمّد؛ ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لظهورك واتباع من اتّبعك من المسلمين.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لِ ولا تَفْتِنِّى﴾(٢) نزلت هذه فى الجَدّ بن قيس ،
وكان أكثر بنى سَلِمَة مالاً، وأعدّهم عدّة فى الظَّهْر، وكان رجلاً مُعجَباً
بالنساء ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ألا تغزو بنى الأصفر؟
(١) سورة ٩ التوبة ٤٢
(٢) سورة ٩ التوبة ٤٣
(٣) سورة ٩ التوبة ٤٤
(٤) سورة ٩ التوبة ٤٥
(٥) سورة ٩ التوبة ٤٨
(٦) سورة ٩ التوبة ٤٩

١٠٢٤
عسى أن تحتقب من بنات الأصفر . فقال : يا محمّد ، قد علم قومى أنه
ليس أحدٌ أَعجب بالنساءِ مِنِّى، فلا تفتنِّى بهنّ ! يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿أَلا فى
الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾(١) لتخلُّفه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ﴿إِنْ تُصِبْكَ
حَسَنَةٌ تَسُؤُّهُمْ)(٢) يقول: غنيمة وسلامة، الذين تخلَّقوا واستأذنرك ؛ ﴿وإِنْ
تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ البلاء والشدّة؛ ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾. ﴿قُلْ
لَنْ يُصيبَنَا إِلَّ مَا كَذَبَ اللهُ لنا﴾(٣) يقول: إِلَّا ما كان فى أُمّ الكتاب. ﴿قُلْ
هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ﴾(٤) الغنيمة أو الشهادة. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾(٥) كان رجال من المنافقين من ذى الطَّوْل
يُظهرون النفقة إذا رآهم الناس ليبلغ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويدرأون
بذلك عن أنفسهم القتل . يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ
نَفَقَاتُهُمْ﴾(٦) إلى قوله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فى الحَياةِ الدُّنيا﴾(٧)
يقول: يكون عليهم بيّنة لأن ما أكلوا منها أكلوه على نِفاقٍ، وما أنفقوا فإنما
هو رياء. ﴿ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾(٨) وهم البكَّاؤون وهم
سبعة؛ أَبو ليلى المازِنِىّ، وَسَلَمَة بن صَخر المازنىّ، وتَعلبة بن غَنَمَة الأَسلمىّ،
وعُلْبَة بن زيد الحارثّ، والعِرْباض بن سارية السُّلّمىّ من بنى سُلَيمٍ،
وعبد الله بن عمرو المُزَنِىّ، وسالم بن عُمَير العَمْرِىّ، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ
الخَوالِفِ﴾ (٩) يعنى مع النساء، الجَدّ بن قيس. ﴿وَمِمِّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ
(١) سورة ٩ التوبة ٤٩
(٢) سورة ٩ التوبة ٥٠
(٣) سورة ٩ التوبة ٥١
( ٤ ) سورة ٩ التوبة ٥٢
(٥ ) سورة ٩ التوبة ٥٣
(٦) سورة ٩ التوبة ٥٤
( ٧) سورة ٩ التوبة ٥٥
(٨) سورة ٩ التوبة ٩٢
(٩) سورة ٩ التوبة ٩٣

١٠٢٥
الأَعْرابِ مُنافِقُونَ﴾(١) كان رجال من العرب منهم غُيَيْنَة بن حِصْن وقومه
معه يُرضون أصحابَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويُرونهم أَنَّهم معهم ويُرضون
قومَهم. ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾(٢) مَن صلَّى
القِيلتَيْن .
غزوة أُكيْدِر بن عبد المَلِك بدُومة الجَنْدَل
فى رجب سنة تسع ، وهى على عشرة أميال من المدينة .
قال: حدّثنى ابن أبى حَبيبة، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرِمَة ،
عن ابن عبّاس رضى الله عنه ، ومحمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن
فَتادة، ومُعاذ بن محمّد، عن إسحاق بن عبد الله بن أَبى طَلحة، وإسماعيل
ابن إبراهيم ، عن موسى بن عُقبة ؛ وكلٌّ قد حدّثنى من هذا الحديث
بطائفة ، وعِماده حديث ابن أبى حَبيبة .
قالوا: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد من تَبوك فى
أربعمائة وعشرين فارساً إلى أُكَيْدِر بن عبد المَلِك بدُومة الجَنْدَل ـ وكان
أُكَيْدِر من كِنْدَة قد ملكهم وكان نصرانيًّا - فقال خالد: يا رسول الله،
كيف إلى به وَسْط. بلاد كَلْب، وإنما أَنا فى أُناس يسير؟ فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : ستَجِده يصيد البقر فتأخذه. قال: فخرج خالد
حتى إذا كان من حِصْنه بمَنظر العَين فى ليلةٍ مُقْمِرةٍ صائفة ، وهو على سطحٍ
له ومعه امرأته الرِّباب بنت أُنَيف بن عامر من كِنْدَة ، وصعد على ظهر
الحِصْن من الحرّ ، وقَيْنَتُه تُغنِّيه، ثم دعا بشرابٍ فشرب . فأقبلت البقر
(١) سورة ٩ التوبة ١٠٧
(٢) سورة ٩ التوبة :١٠٠

١٠٢٦
تَحُكُّ بقُرونها بابَ الحِصْن، فأَقبلت امرأَته الرَّباب فأَشرفت على الحِصْن
فرأَت البقر فقالت : ما رأَيتُ كاللَّيلة فى اللَّحْم! هل رأَيتَ مثل هذَا قَطُّ.؟
قال : لا ! ثم قالت (١): مَن يترك هذا؟ قال: لا أَحد ! قال : يقول
أُكَيْدِرِ: واللهِ، ما رأَيتُ جاءَتنا ليلةً بقرٌ غير تلك الليلة، ولقد كنت أُضمّر
لها الخيلَ إِذا أردت أَخْذَها شهرًا أَو أَكثر، ثم أَركبُ بالرجال وبالآلة .
فنزل فأمر بفَرَسِه فأُسرِج ، وأمر بخيلٍ فأُسرِجت ، وَرَكِب معه نفرٌ
من أَهل بيته، معه أخوه حَسّان ومملوكان، فخرجوا من حِصْنهم بمَطارِدهم(٢)؛
فلمّا فَصَلوا من الحِصْن، وخيل خالد تنظرهم لا يَصهَل منها فَرَسُ ولا يتحرّك،
فساعةً فَصَل أخذته الخيل ، فاستأُسر أُكَيْدِر وامتنع حَسّان ، فقاتل حتى
قُتِل ، وهرب المملوكان ومَن كان معه من أَهل بيته فدخلوا الحِصْن . وكان
علی حَسّان قباءُ دِیباج مُخوّص بالذهب ، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع عمرو بن أُمَيّة الضَّمْرىّ حتى قدم عليهم فأخبرهم
بأَخْذهم أُحَيْدِر .
قال أَنَس بن مالك، وجابر بن عبد الله : رأينا قباء حسّان أخى أُکیدِر
حين قُدِمٍ به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل المسلمون يتلمّسونه
بأيديهم ويتعجّبون منه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَتعجبون من
هذا؟ فوالذي نفسي بيده لَمناديل سعد بن مُعاذ فى الجنَّة أَحسنُ من هذا!
وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لخالد بن الوليد: إِن ظَفِرتَ
بأُكَيْدِر فلاتقتله وائتٍ به إلىّ، فإِن أَبى فاقتلوه ، فطاوعهم . فقال بُجير بن
(١) فى الأصل: (( ثم قال)).
(٢) المطارد: جمع المطرد، وزن منبر،، وهو رمح قصير يطرد به ، وقيل يطرد به الوحش .
( لسان العرب ، ج ٤، ص ٢٥٧) .

١٠٢٧
بُجَرَة من طيّئْ، ذكر قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لخالد ((إِنَّك تجده يصيد
البقر )) وما صنع البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديقُ قول رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم ، فقال شعرًا:
رأيتُ الله يَهدِی كلّ هادٍ
تَبَارَكَ سائقُ البقراتِ إِنِّى
فإِنَّا قد أُمِرنا بالجِهِادِ
ومَن يَكُ عائدًا عن ذى تبوكِ
وقال خالد بن الوليد لأُكَيْدِر : هل لك أن أُجيرك من القتل حتى آتى
بك رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أن تفتح لى دُومة ؟ قال : نعم ، ذلك
لك. فلمّا صالح خالد أُكَيْدِر، وأُكَيْدِر فى وَثاق ، انطلق به خالد حتى
أَدناه من باب الحِصْن ونادى أُكَيْدِر أَهله: افتحوا بابَ الحِصْن! فرأوا
ذلك، فأَبى عليهم مُضادٌ(١) أَخو أُكَيْدِر، فقال أُكَيْدِر لخالد: تعلم
واللهِ لا يفتحون لى ما رأَونى فى وَثاق ، فخلّ عنِّى فلك الله والأَمانة أَن أَفتح
لك الحِصْن إِن أَنت صالحتَنى على أهله . قال خالد : فإِنِّى أُصالحك .
فقال أُكَيْدِرِ : إِن شئتَ حَكَّمتُك وإِن شئتَ حَكِّمنى. قال خالد : بل ،
نَقبَل منكما أُعطيتَ. فصالحه على أَلْفَىْ بعير، وثمانمائة رأسِ (٢)، وأربعمائة
دِرْع، وأربعمائة رمح، على أن ينطلق به وأخيه إلى رسول الله صلَّى الَّه عليه وسلَّم
فيحكم فيهما حُكْمَه . فلمّا قاضاه خالد على ذلك خلَّى سبيلَه ففتح الحِصْن ،
فدخله خالد وأوثق أَخاهُ مُضادًا أَخا أُكَيْدِر ، وأخذ ما صالح عليه من الإِبل
والرقيق والسِّلاح، ثم خرج قافلاً إلى المدينة ، ومعه أُكَيْدِر ومُضاد . فلما قدم
بأُكَيْدِر على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صالحه على الجِزْيَة وحَقَن دمه ودم
(١) هكذا فى الأصل، وفى الزرقانى أيضاً يروى عن الواقدى. ( شرح على المواهب اللدنية،
ج ٣، ص ٩٢). وفى أكثر أصول السيرة: ((مصاد)».
(٢) هكذا فى الأصل. وفى الزرقانى: ((فرس)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٩٢).

١٠٢٨
أَخيه وخلَّى سبيلهما. وكتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتاباً فيه أَمانهم
وما صالحهم ، وختمه يومئذٍ بظُفْره .
قالوا : وأقبل واثلة بن الأسقع اللَّينيّ ، وكان ينزل ناحية المدينة ، حتى
أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصلّى معه الصبح، وكان رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم إذا صلَّى الصبح انصرف فيتصفّح وجوه أصحابِه ينظر إليهم .
فلمّا دنا من واثلة أَنكره فقال: مَن أَنت ؟ فأخبره فقال : ما جاءَ بك ؟
قال: أُبايع. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فيما أَطَفْتَ ؟ قال واثلة :
نعم. فبايعه - وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ يتجهَّز إلى تبوك
- فخرج الرجل إلى أهله ، فلقى أَباه الأسقع فلمّا رأى حاله قال: قد فعلتُها!
قال واثلة: نعم . قال أَبوه: واللهِ لا أُكلِّمك أبدًا. فأَنى عمّه، وهو مُولِى
ظهرَه الشمسَ ، فسَلَّم عليه فقال : قد فعلتَها ! قال: نعم . ولامه لائمةً
أَيسرَ من لائمة أَبيه وقال: لم يكن ينبغى لك أن تسبقنا بأمرٍ . فسمعت
أُخت واثلة كلامَه فخرجت إليه فسلَّمت عليه بتحيّة الإِسلام ، فقال واثلة :
أَنَّ لكِ هذا يا أُخَيّة ؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمّك . وكان واثلة
ذكر الإِسلام ووَصَفَه لعمّه، فأَعجب أُختَه الإِسلامُ فأَسلمت ، فقال
واثلة: لقد أراد الله بكِ أُخَيّة خيرًا! جهّى أَخاكِ جَهازَ غازٍ، فإِنَّ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم على جَناح سفر. فأَعطته مُدًّا من دقيقٍ فعجن الدقيق
فى الدلو، وأعطته تمرًا فأخذه. وأقبل إلى المدينة فوجد رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم قد تحمّل إلى تبوك، وبقى ◌ِيرات من النّاس وهم على الشُّخوص(١)
- وإنما رحل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ذلك بيومين - فجعل يُنادى
(١) شخوص المسافر: خروجه عن منزله. (النهاية، ج ٢، ص ٢٠٨) .

٠
١٠٢٩
بسُوق بنى قَيْنُقاع: مَن يحملنى وله سَهْمى ! قال: وكنت رجلاً لا رِجْلَةً
لى ، فدعانى كعب بن عُجْرَة فقال: أَنا أَحملك عُقْبَةً بالليل وعُقْبَةٌ
بالنهار ، ويدك أسوة يدى ولى سهمك ! قال واثلة: نعم . فقال واثلة بعد
ذلك : جزاه اللهُ خيرًا! لقد كان يحملنى عُقْبَتى، ويَزيدنِى وآكلُ معه
ويرفع لى ، حتى إذا بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد إلى
أُكَيْدِرِ الكِنْدَىّ بدُومة الجَنْدَل خرج كعب بن عُجْرَة فی جیش خالد بن الوليد ،
وخرجتُ معه فأَصبنا فيها كثيرًا ، فقسمه خالد بيننا، فأَصابِى ستُّ قَلائص (١)،
فأَقبلتُ أَسوقها حتى جئت بها خيمةً كعب بن عُجْرَة فقلت : اخرجْ رحمك
الله فانظرَّ إِلى قلائصك فاقبضها! فخرج إلىّ وهو يتبسّم ويقول: بارك الله
لك فيها ! ما حملتك وأنا أُريد أن آخذ منك شيئاً .
وكان أبو سَعيد الخُدرىّ رحمه الله يُحدّث يقول: أَسرنا أُكَيْدِر فأصابنى
من السلاح دِرْعٌ وبَيضةٌ ورمح ، وأَصابنى عشر من الإِبل .
وكان بِلال بن الحارث المُزَّ يُحدّث يقول: أَسرنا أُكَيْدِر وأخاه، فقدمنا
بهما على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعُزل يومئذٍ للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم
صَفىِّ خالصٌ قبل أَن يُقْسَم شىءٌ من الفىء، ثم خمّس الغنائم فكان
للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الخُمس. وكان عبد الله بن عمرو المُزَّ يقول:
كنا أربعين رجلاً من مُزَينة مع خالد بن الوليد ، وكانت سُهماننا خمس
فرائض ، كلّ رجلٍ مع سلاح، يُقْسَم علينا درعٌ ورماح .
قال: حدّثنى يعقوب بن محمّد الظَّفَرِىّ ، عن عاصم بن عمر بن
(١) القلائص: جمع قلوص وهى الشابة من الإبل. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣١٤).

١٠٣٠
قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، قال : رأيت أُكَيْدِر حين
قدم به خالد وعليه صَليبٌ من ذهب وعليه الدِّيباج ظاهر .
قال الواقدىّ: حدّثنى شيخٌ من أَهل دُومة أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
كتب له هذا الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتابٌ من محمّد
رسولِ الله لأُكَيْدر حين أجاب إلى الإِسلام وخلع الأنداد والأصنام ، مع خالد
ابن الوليد سيفِ الله، فى دُومة الجَنّدُل وأَكنافها. وإِنَّ لنا الضاحية (١) من
الضَّحْل، والبُور، والمَعامِ، وأَغْفال الأَرض، والحَلْقَة، والسلاح،
والحافِرِ ، والحِصْن ، ولكم الضامِنة من النَّخْلِ ، والمَعين من المَعْمور بعد
الخُمُس، لا تُعْدَل سارٍحَتُكم ولا تُعَدّ فاردَتُكم، ولا يُحْظَر عليكم النَّبات ،
ولا يُؤخذ منكم عُشْرِ البَتَات (٢)، تُقيمون الصلاةَ لوقتها، وتُؤْتون الزكاة
لحقُّها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصِّدق والوَفاء . شَهِد
الله ومَن حضر من المسلمين .
قال : الضَّحْل : الذى فيه الماء القليل ؛ والبُور : ما ليس فيه زرع ؛
والمَعامِى: ما ليست له حُدودٌ مَعلومة ؛ وأَغفال الأَرض: مِياهُ؛ ولا تُعَدُّ
فاردَتُكم : يقول لا يُعَدّ ما يبلغ أربعين شاة؛ والحافر : الخيل ؛ والمَعين:
الماء الظاهر ؛ والضامنة من النَّخْل : النَّبات من النَّخْل التى قد نبتت
عروقها فى الأَرض؛ ولا يُحْظَر عليكم النَّبات: ولا تُمْنَعوا أَن تزرعوه .
قالوا : وأَهدى له هَديّةً فيها كِسْوَة، وكتب له رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم كتاباً آمَنَه فيه وفيه الصلح ، وآمن أَخاه ووضع عليه فيه الجِزْيَةِ ،
فلم يَكُ فى يد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خاتمٌ فخَتَمْه بظُفْرهِ .
(١) الضاحية: أطراف الأرض، كما ذكر السهيلى. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٢٠).
(٢) البتات: المتاع ليس عليه زكاة. (لسان العرب، ج ٢، ص ٣١٢).

١٠٣١
وكانت دُومة، وأَيْلَة (١)، وتيماء (٢)، قد خافوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمّا
رأوا العرب قد أسلمت . وقدم يُحَنَّة بن رُؤْبَة على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وكان ملك أَيْلَةً، وَشفقوا أَن يبعث إليهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما
بعث إِلى أُكَيْدِر . وأقبل معه أَهل جَرْباء وأَذْرُح(٣)، فَأَتَوْه فصالحهم فقطع
عليهم الجِزْيَة ، جِزْيَة مَعلومة ، وكتب لهم كتاباً : بسم الله الرحمن الرحيم ،
هذا أَمَنَةٌ من الله ومحمّدِ النبىّ رسولِ الله ليُحَنَّة بن رُؤْبَة وأَهل أَيْلَة، لِسُفُنهم
وسائرهم فى البرّ والبحر ، لهم ذِمة الله وذِمَّة محمّدٍ رسولِ الله ، ولن كان معه
من أَهل الشام وأَهل اليَمَن وأَهل البحر . ومَن أَحدثَ حَدَثاً فإِنَّه لا يَحول
مالُه دون نَفْسه، وإِنَّه طيّبٌ لمَن أخذه من الناس، وإِنَّه لايحلّ أَن يُمْنَعوا
ماءٌ يُريدونه ، ولا طريقاً يُريدونه من برٍّ أَو بحر . هذا كتاب جُهَيم بن
الصَّلْت وشُرَحبيل بن حَسَنَة بإِذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . ووضع
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الجِزْيَة على أَهل أَيْلَة ؛ ثلاثمائة دينار كلّ سنة،
وكانوا ثلاثمائة رجل .
قال : حدّثنى يعقوب بن محمّد الظَّفَرِىّ، عن عاصم بن عمر بن قتادة،
عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه ، قال: رأيتُ يُحَنَّة بن رُوْبَة يوم أُتِىَ
به إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه صليبٌ من ذَهَب، وهو مَعقود الناصية ،
فلما رأَى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَفَّرَ(٤) وَأَوْمَأَ بِرَأْسِه، فَأَوْمَاً إليه النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم: ارفع رأسك! وصالحه يومئذٍ، وكساه رسولُ الله صلَّى
(١) أيلة: على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام. (معجم البلدان، ج ١، ص ٣٩١).
(٢) تيماء: على ثمانى مراحل من المدينة بينها وبين الشام. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٧٢).
(٣) جرباء وأذرّح: قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام. (معجم ما استعجم، ص ٨٤).
(٤) التكفير: إيماء الذمى برأسه ؛ والتكفير لأهل الكتاب أن يطأطىء أحديم رأسه لصاحبه
كالتسليم عندنا؛ والتكفير أن يضع يده أو يديه على صدره. ( لسان العرب ج ٦، ص ٤٦٦).