Indexed OCR Text
Pages 41-60
٩١٢ يرحم الله عبد الله بن أبى أُمَيّة! وأبعد الله عُثمان بن عبد الله بن ربيعة، فإنه كان يُبغض قُرَيشاً ! قال : وكان دعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعبد الله برحمة الله، فبلغه فقال : إنى لأرجو أن يرزقنى الله الشهادة فى وجهى هذا ! فقُتل فى حصار الطائف . وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم حُنّين: لولا ابنُ جَدَّامة الأصغر لفُضحت الخيل اليوم . وقالت امرأةٌ من خُزاعة يوم حُنّين : إِنَّ ماءٌ حُنَيْنٍ لَنا فخلّوهُ إِن تشربوا منه فلن تَعلوهْ هذا رسول الله لَنْ يعلوه أَنشدنيها ابن جعفر. [وقالت امرأة من المسلمين ... ](١) غلبت خَيْلُ اللَّهِ خيلَ اللَّتِ وَاللهُ أَحَقُّ بِالنَّبَاتِ وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد قدّم سُلِيماً فى مُقدّمته ، عليها خالد بن الوليد ، فمرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بامرأةٍ مقتولة والناس مجتمعون عليها ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : امرأةٌ قتلها خالد بن الوليد . فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم رجلاً يُدرك خالدًا فقال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ينهاك أَن تَقتُل امرأةً أو عَسيفاً (٢). ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم امرأةً أُخرى فسأل عنها فقال رجلٌ : أنا قتلتها يا رسول الله، أَردفتها ورائى فأرادت قتلى فقتلتها. فأَمر بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدُفنت . قالوا : لمّا هزم الله تعالى هَوَازِن اتّبعهم المسلمون يقتلونهم ، فنادت بنو سُلَيم بينها : ارفعوا عن بنى أُمّكم القَتْلَ! فرفعوا الرِّماح وكفّوا عن القتل - وأُمّ سُلّيم؛ بُكْمَة ابنة مُرّة أُخت تميم بن مُرّة - فلما رأى رسول الله (١) زيادة من ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج٤، ص ٩٢). (٢) السيف: الشيخ الفانى، وقيل العبد. (النهاية، ج ٣، ص ٩٦). ٩١٣ صلّى الله عليه وسلَّم الذى صنعوا قال: اللَّهمّ، عليك ببنى بُكْمَة - ولا يشعرون أنَّ لهم أمَّا اسمها بُكْمَة - أَمّا فى قومى فوضعوا السّلاح وَضْعاً، وأَمّا عن قومهم فرفعوا رفعاً! وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بطلب القوم ، ثم قال لخيله : إن قدرتم على بِجادٍ فلا يُفلِتِنَّ منكم! وقد كان أَحدث حَدَثاً عظيماً ، وكان من بنى سعد ، وكان قد أَتاه رجلٌ مسلمٌ ، فأخذه بِجادٌ فقطِّعه عُضْوًا عُضْوًا ثم حرّقه بالنار، فكان قد عرف جُرْمه فهرب . فأخذته الخيلُ، فضمّوه إلى الشَّيماء(١) بنت الحارث بن عبد العُزَّى أُخت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الرضاعة، فعَنُفُوا عليها فى السِّياق، فجعلت الشَّيْمَاءُ بنت الحارث تقول : إنى واللهِ أُخت صاحبكم! ولا يُصدِّقوها، وأخذها طائفةٌ من الأنصار، وكانوا أَشدّ الناس على هَوَازِن، حتى أَتوا بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا محمّد، إلى أُختك! قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: وما علامة ذلك؟ فأَرتْه عَضَّة [وقالت]: عضضتَنيها وأَنا مُتُورٌّ كَتُك(٢) بوادى السّرَر (٣)، ونحن يومئذٍ برِعائهم، أَبوك أبى وأُمّك أُمّى، قد نازعتُك الثِّدْى؛ وَتَذَكَّرْ يا رسول الله ... (٤) فعرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العلامة ، فوثب قائماً فبسط. رداءه ، ثم قال : اجلسى عليه ! ورحّب بها ، ودمعت عيناه، وسألها عن أُمّه وأبيه من الرضاعة ، فأخبرته بموتهما فى الزمان . ثم قال : إن أحببتٍ فَأُقيمى عندنا مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٍ ، وإِن أَحببتٍ أَن ترجعى (١) فى الأصل: ((الشماء بنت الحرث))؛ وما أثبتناه عن البلاذرى. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٩٣). وهكذا فى ابن إسحاق أيضاً. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٠٠). (٢) متوركة: أى حاملته على وركها. (النهاية، ج ٤، ص ٢٠٦). (٣) فى الأصل: ((وادى سور))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٦٩). والسرو على أربعة أميال من مكة . ( معجم البلدان، ج ٥، ص ٦٨) . (٤) جملة غامضة، شكلها فى الأصل: ((حلالى لك غير أبيك إطلال)). ولم يظهر لها معنى فى نظرنا . ٩١٤ إلى قومك وَصِلَتِكِ رجعتٍ إلى قومك. قالت: أَرجع إلى قوى. وأَسلمت فأعطاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثة أَعْبُدٍ وجارية، أحدهم يقال له : مَكحول ، فزوّجوه الجارية . قال عبد الصَّمَد : أَخبرنى أَبى أنه أَدرك نَسْلها فى بنى سعد ؛ ورجعت الشَّيماءُ إلى منزلها وكلَّمها النسوة فى بِجادٍ، فرجعت إليه فكلَّمته أنه يَهّبه لها ويعفو عنه . ففعل ثم أمر لها ببعيرٍ أو بعيرين، وسألها: مَن بقى منهم ؟ فأَخبرته بأُختها وأخيها وبعمّها أبى بُرقان، وأخبرته بقومٍ سألها عنهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم قال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: ارجعى إلى الجوِرّانة تكونين مع قومك ، فإلى أمضى إلى الطائف. فرجعت إلى الجعِرّانة، وأَتاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجِعِرَانه فأعطاها نَعَماً وشاءً لها ، ولمّن بقى من أَهل بيتها . قالوا: ولمّا انهزم الناس أتوا الطائف، وعسكر عَسْكرٌ بأَوْطاس، وتوجّه بعضهم نحونَخْلَة ولم يكن فيمن توجّه [ إلى أنَخْلَة إلّا بدو عَنَزَة من ثقيفٍ. فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيلاً تتبع مَن سلك نّخْلَة ، ولم تتبع مّن سلك اللَّنايا. ويُدرك ربيعةُ بن رُفَع بن أُهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يَربوع بن سّمّل (١) بن عَوف بن امرئ القيس من بنى سُلَيِمِ دُرَيدَ بن الصِّمَّة، فأخذ بخِطام جمله وهو يظنُّ أَنه امرأة. وذلك أنه كان فى شِجارٍ (٢) له. (١) فى الأصل: ((سبيل بن عوف))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ١، ص ٩٥). وعن ابن حزم أيضا. (جوامع السيرة، ص ٢٤٠). (٢) الشجار: مركب مكشوف دون الهودج. (النهاية، ج ٢، ص ٢٠٦). ٩١٥ فإذا هو رجلٌ فأَناخ به ، وهو شيخٌ كبيرٌ ابن ستّين ومائة سنة ، فإذا هو دُرَيد ولا يعرفه الغلام. قال الفتى: ما أُريد إِلى غيره ممَّن هو على مثل دينه . قال له دُرَيد: مَن أَنت؟ قال: أَنا ربيعة بن رُفَيِعِ السَّلَمى. قال: فضربه بسيفه فلم يُغْنِ شيئاً. قال دُرّيد: بِئْسَ ما سَلَّحَتْك أُمّك ! خُذ سيف من وراء الرَّحْل فى الشِّجار فاضرب به، وارفعْ عن الطعام واخفض عن الدِّماغ ، فإنى كنت كذلك أَقتل الرجال ، ثم إذا أتيتَ أُمّك فأخبرها أنَّك قتلتَ دُريد بن الصِّمَّة، فرُبَّ يومٍ قد منعتُ(١) فيه نساءك! زعمت بنو سُلَيم أَنَّ ربيعة لمّا ضربه تكشّف للموت عِجانُه (٢)، وبطونُ فَخِذَيه مثل القّراطيس من ركوب الخيل. فلمّا رجع رَبيعة إلى أُمّه أخبرها بقتله إيّاه فقالت: واللهِ لقد أعتق أُمّهات لك ثلاثاً فى غداة واحدة، وجرَّ ناصية أبيك. قال الفتى: لم أشعر . قالوا: وكان رسول اللهصلّى الله عليه وسلَّم قد بعث أبا عامر الأَشْعَرِىّ فى آثارمن توجّه إِلى أَوْطاس، وعقد له لواء، فكان معه فى ذلك البعث سَلَمَة بن الأكوع، فكان يُحدّث يقول: لمّا انهزمت هَوازِن عسكروا بأَوْطاس عسكرًاً عظيماً ، تفرّق منهم من تفرق، وقُتل من قُتل ، وأُسر من أُسر ؛ فانتهينا إلى عسكرهم فإذا هم مُمتنعون (٣) ، فبرز رجلٌ فقال : مَن يُبارِز ؟ فبرز له أبو عامر، فقال : اللَّهمّ اشهدْ ، فقتله أبو عامر حتى قتل تسعةً كذلك ، فلمّا كان التاسع برز له رجلٌ مُعلِمٌ يَنحُب (٤) للقتال ، وبرز له أبو عامر فقتله، فلمّا كان العاشر برز رجلٌ مُعلِمٌ بعمامةٍ صفراء ، فقال أبو عامر : اللَّهمّ (١) فى الأصل: ((ضيعت))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج٤، ص ٩٥°). (٢) العجان: الدبر، وقيل ما بين القبل والدبر. (النهاية، ج ٣، ص ٧١) . (٣) فى الأصل ((متمتعون))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ١٠٩). (٤) نحب: أى أجهد السير. (الصحاح، ص ٢٢٢). ٩١٦ اشهدْ! قال : يقول الرجل : اللَّهمّ لا تشهد ! فضرب أبا عامر فأثبته، فاحتملناه وبه رَمَقٌ، واستخلف أبا موسى الأَشْعَرىّ، وأخبر أبو عامر أبا موسى أَنَّ قاتله صاحب العمامة الصفراء. قالوا : وأوصى أَبو عامر إلى أبى موسى، ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسى وسلاحى للنبىّ صلَّى الله عليه وسلّم. فقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله عليه، وقتل قاتل أبى عامر ، وجاءً بسلاحه وَتَرِكَته وفرسه إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، وقال: إنَّ أَبا عامر أمرنى بذلك،. وقال: قل لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستغفر لى. فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فصلّى ركعتين ثم قال : اللَّهِمّ اغفر لأَبى عامر ، واجعله من أَعلى أُمّتِى فى الجنَّة! وأمر بتَرِكّة أَبى عامر فدُفعت إلى ابنه. قال: فقال أبو موسى: يا رسول الله، إنى أعلم أنَّ الله قد غفر لأَّبى عامر، قُتل شهيدًا، فادعُ الله لى . فقال: اللَّهمّ اغفر لأُبى موسى، واجعله فى أَعلى أُمّتى ! فيرون أنَّ ذلك وقع يوم الحَكْمَين . قالوا : واستحرّ القَتْل فى بنى نصر، ثم فى بنى رباب (١)، فجعل عبد الله بن قيس - وكان مُسلماً - يقول: يا رسول الله، هلكت بنو رباب. قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللَّهمّ، اجبرْ مُصيبتهم! ووقف مالِك بن عَوف على ثنيّةٍ من الثنايا معه فُرسان من أصحابه ، فقال . قفوا حتى يمضى ضعفاؤ كم تَلتم أخراكم . وقال : انظروا ماذا ترون . قالوا : نرى قوماً على خيولهم واضعين رماحهم على آذان خيولهم . قال : أولئك إخوانكم بنو سليم، وليس عليكم منهم بأس ، انظروا ماذا ترون . قالوا : (١) فى الأصل: ((فى بنى ركاب))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج٢، س ٩١٧ نرى رجالاً أكفالاً(١)، قد وضعوا رماحهم على أكفال (٢) خيولهم. قال: تلك الخزرج، وليس عليكم منهم بأس ، وهم سالكون طريق إِخوانهم. قال: انظروا ماذا ترون . قالوا : نرى أقواماً كأنهم الأصنام على الخيل . قال : تلك كعب بن لُؤَّىّ ، وهم مُقاتلوكم ! فلمّا غشيته الخيل نزل عن فرسه مخافةٌ أَن يُؤْسَر، ثم طِّقِ يلوذ بالشجر حتى سلك فى يَسومَ ، جبلٍ بأُعلى نَخْلَة، فأعجزهم هارباً . ويقال : قال : ما ترون ؟ قالوا : نرى رجلاً بين رجلين مُعلِماً بعصابة صفراء، يخبط. برجليه فى الأَرض، واضعاً رمحه على عاتقه . قال : ذلك ابن صّفيّة، الزُّبَير، وَآَيُ اللّهِ لِيُزيلنَّكم عن مكانكم! فلمّا بَصُر بهم الزُّبَير حمل عليهم حتى أهبطهم من الذَّنِيّة، وهرب مالِك بن عَوْف فتحصّن فى قصرٍ بِلِيَّةِ (٣). ويقال: دخل حصن ثقيف. وذكر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ رجلاً كان بِحُنَين قائل قتالاً شديدًا حتى اشتدّ به الجراح. فذُكر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: مِن أهل النار ! فارتاب المسلمون من ذلك، ووقع فى أنفسهم ما الله به عليمٌ ، فلمّا اشتدّ به الجراح أخذ مِشْقَصاً(٤) من كِنانته فانتحربه، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بِلالاً أن يُنادى: ألا لا دخل الجنَّة إِلاَّ مؤمن، وأَنّ الله يُؤَيّد الدين بالرجل الفاجر . قالوا: وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالغنائم تُجمّع، ونادى مُناديه: (١) الكفل من الرجال: الذى يكون فى مؤخر الحرب، والجمع أكفال. ( لسان العرب، ج ١٤ ، ص ١٠٨ ). (٢) الأكفال: جمع الكفل بالتحريك، وهو العجز، وقيل ردف العجز. (لسان العرب ، ج ١٤ . ص ١٠٧). (٢) فى الأصل: ((فى قصر بنيه)). ولية: من نواحى الطائف. (معجم البلدان ، ج ٧ ، ص ٣٤٨). (٤) المشقس من التصال: ما طال وعرض. ( الصحاح، ص ١٠٤٢). ٩١٨ مَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخر ، فلا يَغْلّ ! وجعل الناس غنائمهم فى موضعٍ حتى استعمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليها. وكان عَقيل بن أبى طالب دخل على زوجته وسيفُه مُتلطّخ دماً ، فقالت: إنى قد علمت أنك قد قائلت المشركين ، فماذا أصبتَ من غنائمهم ؟ قال : هذه الإبرة تُخيطين بها ثيابك ، فدفعها إليها ، وهى فاطمة بنت الوليد بن عُتبة بن ربيعة . فسُمع مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: مَن أصاب شيئاً من المغْم فلميردّه . فرجع عَقيل فقال : واللهِ ما أَرى إبرتكِ إلَّ قد ذهبت. فألقاها فى الغنائم . قال : حدّثنى ابن أبى سَبْرَة. عن عمارة بن غَزِيّة، أَنَّ عبد الله بن زيد المازنىّ أخذ يومئذ قوساً فربى عليها المشركين، ثم ردّها فى المَغم . وجاء رجلٌ إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بِكُبَّةً(١ )شّعَرٍ، فقال: يا رسول الله، اضرب بهذه ! أَى دعها(٢) لى. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمِ: أَمّا ما كان لى ولبنى عبد المطّلب فهو لك. وجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، هذا الحَبْل وجدته حيث انهزم العدوّ فأَشُدّ به على رَحْلى ؟ قال: نصيبي منه لك ، وكيف تصنع بأَنْصِباء المسلمين ؟ قال : فحدّثنى مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله ابن المُغيرة بن أَبِى بُرْدَة. أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أتى الناس عام خُنَين فى قبائلهم يدعو لهم ، وأنه نزل قبيلةٌ من القبائل وجدوا فى بُرْذَغة (٣) رجل منهم عقدًا من جَزَعٍ غُلولاً . فأتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (١) كبة الغزل: ما جمع منه. (لسان العرب، ج ٢ ، ص ١٩٠). (٢) فى الأصل: ((دعه لى». (٣) البرذعة: الحلس الذى يلى تحت الرحل. (الصحاح، ص ١١٨٤). ٩١٩ فكبّر عليهم كما يُكبّر على الميّت . قال: حدّثنى ابن أَبى سَبْرَة، عن عمارة بن غَزِيّة، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجد فى رَحْل رجلٍ من أصحابه تُولاً فبكَّته ولامه ، ولم يُعاقبه ولم يخرق رَحْله . قالوا : وأَصاب المسلمون سبايا يومئذٍ ، فكانوا يَكرَهون يَقعوا عليهن ولهنّ أَزْواجٌ ، فسألوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ: لا تُوطَأُ حاملٌ من السَّبْى حتى تَضّع حَمْلَها، ولا غيرُ ذات حَمْل حتى تَحيض حيضة. وسألوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ عن العَزْل، فقال: ليس من كلّ الماء يكون الولد، وإذا أراد اللهُ أَن يَخلُق شيئاً لم يمنعه شىءٌ . قالوا : وصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الظُّهْر يوماً بحُنَين، ثم تنحّى إِلى شجرةٍ فجلس إليها، فقام إليه عُيّيْنَة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر يطلب بدم عامر بن الأُضْبَط. الأُشجعىّ - وهوٍ يومئذٍ سيّد قُرَيش - ومعه الأَقْرَع بن حابس. يدفع عن مُحَلِّم بن جَثَّامة لمكانه من خِنْدِف، فاختصما بين يدى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعُيَيْنَة يقول: يا رسول الله، لا والله لا أدعه حتى أُدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائى. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: تأُخذ الدِّيَة؟ ويأبى عُبَيْنَة، فارتفعت الأصوات وكثر اللَّغَط. إلى أن قام رجلٌ من بنى لَيْث يقال له مُكَيْتَل، قصيرٌ . مُجتمِعٌ ، عليه شِكَّةٌ (٢) كاملة. ودَرَقَةٌ فى يده. فقال: يا رسول (١) سورة؛ النساء ٢٤ (٢) الشكة: السلاح. (الصحاح، ص ١٥٩٤). ٩٢٠ اللّه، إِنّى لم أجد لِما فعل هذا شبهاً فى غُرَّةُ(١) الإِسلام إلاَّ غَنَماً وَرَّدَتْ فَرُمِيتْ أُولاها. فنَفَرَتْ أُخراها (٢)، فاستُن اليوم وغَيِّرْ غدًا (٣). فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده فقال: تقبلون الدِّيّة خمسين فى فَوْرنا هذا وخمسين إذا رجعنا المدينة! فلم يزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالقوم حتى قباوها . ومُحَلِّم بن جَنَّامة القاتل فى طَرَف الناس، فلم يزالوا يرونه ويقولون : ايتٍ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستغفر لك. فقام مُحَلّم فقام رجلٌ طويل، آدَمُ(٤)، مُحْمَرّ بالحِنَّاء. عليه حُلَّة. قد كان تهيّأَ فيها المقتل للقِصاص، حتى جلس بين يدى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعيناه تدمعان. فقال : يا رسول الله، قد كان من الأمر الذى بلغكم . فإنى أَتوب إِلى الله تعالى فاستغفرْ لى. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: ما اسمك ؟ قال : أَنا مُحَلِّم بن جَنَّامة . قال: قتلتَه بسلاحك فى غُرَّة الإِسلام ! اللَّهِمّ ، لا تغفر لمُحَلِّم ! بصوتٍ عالٍ يتفقّد به الناس. قال ، فقال: يا رسول الله، قد كان الذى بلغك ، وإنى أَتوب إلى الله تعالى فاستغفر لى . فعاد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بصوتٍ عالٍ يتفقَّد به الناس: اللَّهِمّ. لا تغفر لمُحَلِّم ! حتى كانت الثالثة. قال: فعاد رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم مقالته. ثم قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: قُم! فقام من بين يدى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو يتلقَّى دمعه بفضْل ردائه. وكان ضُمْرَة (١) غرة الإسلام: أوله. (النهاية ، ج ٣، ص ١٥٥). (٢) فى الأصل: ((فرميت فتفر أحدهما))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ١، ص ٢٧٦ ) . (٣) أى اعمل بسنتك التى سنتها فى القصاص، ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير. (النهاية ج ٢، ص ٠١١٨٦ (٤) الآدم من الناس: الأسمر. (الصحاح ، ص ١٨٥٩) ٩٢١ السُّلّمىّ يُحدّث وكان قد حضر ذلك اليوم، قال: كنّا نتحدّث فيما بيننا أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حرّك شفتيه باستغفارٍ له، ولكنَّه أراد أن يُعلِم قدرَ الدم عند الله . قال: حدّثنى عبد الرحمن بن أبى الزِّناد ، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن الحسن البصرىّ، قال: لمّا مات مُحَلِّم بن جَثَّامة دفنه قومُه فلَفِظته الأرض، ثم دفنوه فلَفِظته الأَرض، ثم دفنوه فلَفِظته الأَرض ، فطرحوه بين صخرتين فأكلته السِّباع . قال : حدّثنى محمّد بن حَرْب، عن محمّد بن الوليد، عن لُقْمان ابن عامر، عن سُوَيد بن جَبَلَة، قال: لمّا حضر مُحَلِّمَ بن جَثَّامة الموتُ أَذاه عَوْف بن مالِك الأَشْجَعِىّ، فقال: يا مُحَلِّم، إن استطعتَ أن ترجع إلينا فتُخبرنا بما رأيتم ولقيتم . قال: فأَناه بعد ذلك بعامٍ أَو ما شاء الله، فقال له: كيف أَنتم يا مُحَلِّم ؟ قال : نحن بخير ، وجدنا ربًّا رحيماً غفر لنا. قال عَوْف: أَكلّكم؟ قال: كلّنا غير الأَحْراض. قال : وما الأَخْراض ؟ قال : الذين يُشار إليهم بالأصابع(١). واللهِ، ما من شىء استنفقه الله لى إلاَّ وقد وُقِيت أَجره، حتى إِنَّ قِطَّة لأَهلى هلكت فلقد أُعطيتُ أَجرها. قال عَوْف: فقلت : واللّهِ إِنَّ تصديق رؤياى أَن أَنطلق إلى أهل مُحَلِّم فأَسألهم عن هذه القِطَّة. فأتاهم فقال: عَوْف يستأذن! فأَذنوا، فلمّا دخل قالوا (٢): والثّهِ، ما كنتَ لنا بزَوَّار ! قال: كيف أنتم ؟ قالوا : نحن بخير ، وهذه بنت أخيك أمست وليس بها بأُس، وهى هذه ! لِما بها، ولقد فارقَنا أَبوها الليلة قال : قلت : هل هلكت لكم قِطَّة ؟ قالوا: نعم . [قال: ] فهل حسستموها (١) أى اشتهروا بالشر، وقيل: هم الذين أسرفوا فى الذنوب فأهلكوا أنفسهم، وقيل : أراد الذين قدت مذاهبهم. ( النهاية، ج ١، ص ٢١٨). (٢) فى الأصل: ((فقال فأذنوا لعوف فلما دخل قالوا)). ٩٢٢ يا عَوف ؟ قال : لقد أُنبِئت نبأها فاحتسبوها . قال : حدثنى أسامة بن زيد . عن الزُّهرىّ. عن عبد الرحمن بن أزهر ، قال: رأيت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بحُنّين يتخلَّل الرجال يسأل عن منزل خالد بن الوليد ، وأَنا معه؛ فأُتى يومئذٍ بشابٌ فأمر مَن عنده فضربوه بما كان فى أيديهم وحثا عليه التراب . تسمية من استُشهِد بحُنّين أَيْمَن بن عُبَيد وهو ابن أُمّ أَيْمَن، وهو من الأنصار من بلحارث بن الخزرج، وموالى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ومن الأنصار سُراقة بن الحارث، ورُقَيِمِ بن ثابت بن ثَعْلَبَة بن زيد بن لَوْذان (١). وأبو عامرِ الأَشْعَرِىّ أُصِيب بأُوْطاس ؛ فجميع من قُتل أربعة . شأن غزوة الطائف قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، وابن أبى سَبْرَة، وابن مَوْهَب، وعبد الله بن يزيد، وعبد الصِّمَد بن محمّد السَّعدىّ، ومحمّد بن عبد الله، عن الزُّهرىّ، وأُسامة بن زيد، وأبو مَعْشَر، وعبد الرحمن بن عبد العَزيز، ومحمّد بن يحيى بن سهل ؛ وغير هؤلاء ممّن لم يُسّم، أَهل ثِقات؛ فكلُّ قد حدّثنى بهذا الحديث بطائفة، وقد كتبتُ كلّ ما حدّثونى به . قالوا: لمّا افتتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حُنَيناً وأراد المسير إلى (١) فى الأصل: ((ورقيم بن ثعلبة بن زيد بن كودان ))؛ وما أثبتناه عن ابن حزم. (جوامع السيرة، ص ٢٤٤). ٩٢٣ الطائف. بعث الطُّفَيل بن عمرو إِلى ذى الكَفَّين- صْ عمرو بن حُمّمَةٍ (١). يَهدِمه ، وأمره أَن يَستمِدٌ قومَه ويُوافيه بالطائف. فقال الطُّفيل: يا رسول الله أَوضِنى. قال: أَفْشِ السلام، وابذُل الطعام، واسْتَحْىٍ من الله كما يَستحمي الرجل ذو الهَيْئَة من أهله. إِذا أَسأْتَ فأحسِن؛ ﴿إِنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢). قال: فخرج الطُّفَيَل سريعاً إلى قومه ، فَهَدَم ذا الكَفَّين ، وجعل يتحشو النار فى جوفه ويقول : يا ذا الكَفَيْنِ لستُ من عُبّادِكًا مِيلادُنا أَقْدَمُ مِن مِيلادِكًا أَنَا حَشَوتُ (٣) النَّارَ فِى فُؤْادٍ كّا وأسرع معه قومه ، انحدر معه أربعمائة من قومه ، فوافوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالطائف بعد مُقابِه بأربعة أَيّام، فقدم بِدَبَّابَةٍ ومَنْجَنِيق ، وقال : يا معشر الأُزْد، مَن يحمل رايتكم ؟ قال الطَّفَيل: مَن كان يحملها فى الجاهليّة. قال: أصبتم! وهو النُّعمان بن الزَّرافة اللَّهْبِيّ(٤). وقدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد من حُنَين على مُقَدِّمته، وأخذ من يسلك به من الأدلاء إلى الطائف، فانتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الطائف . وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أمر(٥) بالسَّبْى أَن يُوَجَّهوا إلى الجِعِرَّانة، واستعمل عليهم بُدَّيل بن وَرْقاء الخُراعىّ، (١) فى الأصل: ((عمرو بن حثمة دوسى))؛ والتصحيح عن كل مراجع السيرة الأخرى. (٢) سنة ١١ هود ١١٤ (٣) فى الأصل: ((حشيت))؛ والتصحيح عن الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٣٣ ). (٤) هكذا فى الأصل، ولعله النعمان بن الزراع عريف الأزد، ذكره ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٥٠٠). وفى ابن سعد: ((النعمان بن بازية اللهبى)). (الطبقات، ج ٢، ص ١١٤). (٥) فى الأصل: ((أمرنا)). ٩٢٤ وأمر بالغنائم فسِيقت إلى الجِعِرّانة والرِّنَّة. ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الطائف، وكانت ثَقيف قد رَمُوا (١) حِصْنهم ، ودخلوا فيه منهزمين من أَوْطاس وأغلقوه عليهم .- وهو حِصْن على مدينتهم له بابان - وصنعوا الصنائع للقتال وتهيّأوا، وأدخلوا حِصْنَهم ما يُصلحهم لسنة او حُصِروا وكان عُروة بن مسعود، وغَيْلانِ بن سَلّمَة بجُرَش يتعلَّمان عمل الدَّبَّابات والمَنْجَنيق، يُريدان أن ينصباه على حِصْن الطائف، وكانا لم يحضرا حُنَيناً ولا حصار الطائف. وسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم من أَوْطاس، فسلك على نَخْلَة اليَمانيّة (٢). ثم على قَرْن(٣)، ثم على المُلَيح(٤)، ثم على بَحْرَة الرُّغاءِ(٥) من لِيَّة، فابتنى بها مسجدًا فصلَّى فيه . قال : حدّثنى عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو ، قال : حلّثنى مّن رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبنى بيده مسجدًا بلِيّة، وأصحابه ينقلون إليه الحجارة. وأُتِى يومئذ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم برجلٍ من بنى لَيْث قَتَل رجلاً من هُذَيل، فاختصموا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فدفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اللَّيْىّ إلى الهذليّين فقدّهوه فضربوا عُنْقه، فكان أَوّل دم أُقيد به فى الإسلام. وصلّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الظهر بلِيَّة، ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يومئذ قصرًا فسأل عنه، فقالوا : هذا قصر مالكٍ بن عَوْف . فقال : أين مالِك؟ قالوا: هو يراك الآن فى (١) رموا: أى أصلحوا. (الصحاح، ص ١٩٣٦). (٢) نخلة اليمانية: واد يصب فيه يدعان وبه مسجد لوسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه عسكرت هوازن يوم حنين. ( معجم البلدان، ج ٨، ص ٢٧٥) . (٣) قرن: قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلا. (معجم البلدان ، ج ٧، ص ٦٤). (٤) المليح: واد بالطائف. ( معجم البلدان ، ج ٧، ص ١٥٦). (٥) بحرة الرغاء: موضع فى لية من ديار بنى نصر. (معجم ما استعجم، ص ١٤٠). ٩٢٥ حِصْن ثقيف. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : مَن فى قصره ؟ قالوا : ما فيه أَحدٌ . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: حَرِّقوه ! فحُرِقٍ من حين العصر إلى أن غابت الشمس. ونظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قبر أبى أُحَيْحَة سعيد بن العاص ، وهو عند ماله وهو قبرٌ مُشرِف. قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه: لعن الله صاحبَ هذا القبر، فإِنَّه كان ممّن يُحادّ الله ورسوله ! فقال ابناه عمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد ، وهما مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لعن الله أَبا قُحافة، فإنه كان لا يُقرى الضيف ولا يمنع الضَّيْم . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ سَبَّ الأَموات يُؤذى الأحياء، فإن شئتم المشركين فعُمّوا. ثم مضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من لِيَّة فسلك طريقاً يقال لها: الضَّيْقَة، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بَل هى اليُسرى . ثم خرج على نَخِب (١)حتى نزل تحت سِدْرَة الصادرة عند مال رجلٍ من ثَقيف ، فأرسل إليه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إمّا أن تخرج وإمّا أن نحرق عليك حائطك! فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بإحراق حائطه وما فيه. ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى نزل قريباً من حصن الطائف ، فيضرب عسكره هناك ، فساعةً حلّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه جاءه الحُباب بن المُنْذِر فقال: يا رسول الله، إِنَّا قد دنونا من الحِصْن، فإن كان عن أَمْرٍ سَّمنا، وإِن كان عن الرأى فالتأخّر عن حِصْنهم. قال: فأَسكت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فكان عمرو بن أُمَيّة الضَّمْرىّ يُحدّث يقول: لقد طلع علينا من (١) نخب: واد بالطائف. ( معجم البلدان، ج ٨، ص ٢٧٢) . ٩٢٦ نَبْلهم ساعةً نزلنا شى ءٌ الله به عليمٌ، كأنه رِجْلٌ (١) من جراد - وترّسنا لهم- حتى أُصِيب ناس من المسلمين بجِراحة، ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحُباب فقال : انْظُرْ مكاناً مرتفعاً مستأُخرًا عن القوم. فخرج الحُباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف خارجٍ من القرية، فجاء إلى النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره فأُمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم أصحابه أن يتحوّلوا. قال عمرو بن أُمَيّة: إِنِّى لأُنظر إلى أبى مِحْجّن يرمى من فوق الحِصْن بعِشْرَتِهِ (٢) بمَعَابِلَ (٣) كأَنَّها الرماح ، ما يسقط. له سهم . قالوا : وارتفع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عند مسجد الطائف اليوم . قالوا : وأخرجوا ا رأَةٌ ساحرةً، فاستقبلت الجيشّ بعَوْرَتِها . وذلك حين نزل النبىّ صَّى الله عليه وسلَّم - يدفعون بذلك عن حِصْنهم. فلمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأُكَمَة، ومعه امرأتان (٤) من نسائه أُمّ سُلّمَة، وَزَيْنَب، وثار المسلمون إلى الحِضْن، فخرج قدّام الناس يزيد بن زَمَعَة (٥) بن الأسود على فرسه ، فسأل ثَقيفاً الأمان يُريد يُكلِّمهم، فأعطوه الأَمان، فلمّا دنا منهم رموه بالنَّبل فقتلوه. وخرج هُذّيل بن أبى الصَّلْت أَخوأُمَيّة بن أبى الصَّلْت من باب الحِصْن. ولا يرى أنَّعنده أحدًا. ويقال: إِنَّ يعقوب بن زَمعة كمن له فأَسره حتى أَنَى به النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، فقال: قاتل أُخى يا رسول الله ! فسرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أتى به إليه، فأمكنه جانب ٢ ٢٠٢٥٦٤٧٢ (١) فى الأصل: ((زجل من جراد))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى، (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٣٥). والرجل: الكثير. (النهاية، ج ٢، ص ٧٠). (٢) العشرة: الصحبة. (النهاية، ج ٢، ص ١٨). (٣) المعابل: نسال عراض طوال، الواحدة معبلة. (النهاية، ج ٣، س ٦٣). (٤) فى الأصل: ((امرأتين)». (٥) فى الأصل: ((يريدون ربيعة بن الأسود ». ٩٢٧ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فضرب عنقه . وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد ضرب لزوجتيه قُبَّتَين، ثم كان يُصِلّى بين القُبَّتَين حِصارَ الطائف كلَّه. وقد اخْتُلِف علينا فى حِصاره، فقال قائلٌ : ثمانيةَ عشرَ يوماً؛ وقال قائلٌ : تسعة عشَرَ يوماً ؛ وقال قائلٌ : خمسَةً عشَرَ يوماً، وكلّ ذلك وهو يُصِّى بين القُبَّنَين ركعتين. فلمّا أَسلمت ثَقيف، بَنَى أُمَيّة بن عمرو بن وَهْب بن مُعَتِّب بن مالِك على مُصَلَّى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالمسجد ، وكانت فيه ساريةٌ لا تَطلُع الشمس عليها من الدهر إلاَّ يُسْمَع لها نَقيضٌ (١) أكثر من عشر وِرارٍ، فكانوا يرون أنَّ ذلك تسبيح . فنصب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المَنْجَنيق. قال: وشاور رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه، فقال له سلمان الفارسيّ: يا رسول الله، أرى أن تنصب المُنْجنق على حِصْنھم، فإنَّا كنَّا بأرض فارس نَنصب المَنْجَنيقات على الحصون وتُنْصَب علينا، فنُصيب من عدوّنا ويُصيب منَّا بالمَنْجَنيق، وإن لم يكن المَنْجَنيق طال الثَّواءُ(٢). فأمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعمل مَنْجَنيقاً بيده ، فنصبه على حِصْن الطائف. ويقال: قَدِم بالمَنْجَنيق يزيد بن زّمعة ودَبّابتَين؛ ويقال: الطّفيل بن عمرو؛ ويقال: خالد بن سعيد قّدِم من جُرَش بمَنْجَنيق وَدَبّابِتَينِ. وَنَشَر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم الحسَك (٣) شِقْتَين- حَسَّك من عيدان - حول حِصْنهم، ودخل المسلمون تحت الدَّبّابة، وهى من جلود البقر .. وذلك يومٌ يقال له الشَّدْخَة . (١) النقيض: الصوت. (الصحاح، ص ١١١١). (٢) الثواء: الإقامة. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٣٧). (٣) الحسك : نبات تعلق ثمرته بصوف الغم، يعمل على مثال شوكه أداة للحرب من حديد أو قصب فيلقى حول العسكر ويسمى باسمه. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٩٨). ٩٢٨ قيل: وما الشَّدْخَة ؟ قال: ما قُتل من المسلمين - دخلوا تحتها، ثم زّحّفوا بها إلى جدار الحِصْن لِيَحْفِروه. فأرسلت عليهم ثَقِيفٌ سِكَك الحديد مُحْمَةٌ بالنار فَحرَّقَت الدَّبّابة ، فخرج المسلمون من تحتها وقد أُصيب منهم من أُصيب ، فرمتهم ثقيفٌ بالنَّبل فقُتل منهم رجال . قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقَطْع أعنابهم وتحريقها، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: مَن قطع حَبَلَةٌ (١)فله حَبْلَةٌ فى الجنَّة. فقال عُيَيْنَة بن بدر ليَعْلَى بن مُرَّة النَّقَفىّ: أَقَطْعُ ذلك أجرِى؟ ففعل يَعْلَى بن مُرّة، ثم جاءه فقال يَعْلَى: نعم. فقال عُيَيْنَة: لك النار ! فبلغ ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: عُيَيْنَة أَولَى بالنار من يُعْلَى. وجعل المسلمون يقطعون قَطْعاً ذريعاً . قال : ونادى عمرُ بن الخطّاب رضى الله عنه سُفيان بن عبد الله اللّقَفى: واللهِ لنقطعنَّ أَبا عيالك. فقال سُفيان: إذًا لا تذهبون بالماء والتراب! فلما رأى القَطْع نادى سُفيان: يا محمّد، لِمَّ تقطع أموالنا؟ إمّا أن تَأُخذها إن ظهرتَ علينا، وإمّا أَن تدعها لِلُه ولِلرَّحِم كما زعمتَ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: فإنَّى أَدَعُها لِشُ ولِلرَّحِم(٢). فتركها رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم. وحدّث أَبو وَجْزَة السّعدىّ قال: أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقطع كلَّ رجلٍ من أعنابهم خمسر حَبّلات. فأتى عمر بن الخطّب رضى الله عنه إلى النبيّ صلِّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول (١) الحبلة: من شجر العنب. (النهاية، ج ١، ص ١٩٨). (٢) أى الرحم التى بينى وبينهم، لأن أمه آمنة أمها برة بنت عبد العزى بن قصى، وأم برة هذه أم حبيب بنت أسعد، وأمها برة بنت عوف، وأمها قلا بة بنت الحارث ، وأم قلابة هند بنت يربوع من ثقيف. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٣٧) . ٩٢٩ الله، إنه عمّ(١) لم يؤكل ثمره. فأَمر أن يقطعوا ما أَكلوا ثمره. قال : فجعلوا يقطعون " الأَوَّلِ فِالأَوّل . قال: وتقدّم أبو سفيان بن حَرْب، والمُغيرة بن شُعْبَة إلى ثَقيفٍ فقالا : أَمِّنوا حتى نتكلّم. فأَمْنوهما، فدَعَوًا نساءٌ من قُرَيْشٍ ليخرجْن إليهما - وهم يخافون السّباءَ(٢) .- منهم ابنة أبى سُفيان بن حَرْب، كانت تحت عُروة بن مسعود، لها منه ولدٌ ، داود بن عروة، والغِراسِيّة بنت سُوَيَد بن عمرو بن ثَعْلَبَة - كانت عند قارب ابن الأسود، لها منه عبد الرحمن بن قارب - وامرأة أخرى. فلما أَبَيْن عليهما قال لهما بنو الأسود بن مسعود: يا أبا سُفيان ويا مُغيرة، أَلا ندلكما على خيرٍ ممّا جئتما له! إِنَّ مال بنى الأسود حيث قد علمتما .. وكان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بينهم وبين الطائف نازلاً بوادٍ يقال له العَمْق (٣) - ليس بالطائف مالٌ أَبعد رِشاءٌ، ولا أَشدّ مُونةٌ منه، ولا أَبعد عمارةً -. وإنَّ محمدًا إن قطعه لم يُعَمَّر أبدًا، فكَلِّماه ليأُخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرَّحِم، فإنَّبيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل. فكلّماه فتركه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وكان رجلٌ يقوم على الحِصْن فيقول: رُوحوا رِعاء الشاءِ! رُوحوا جلا بيب محمّد! رُوحوا عَبيد محمّد! أَثرونا نتباءَس على أَحْبُلِ(٤) أَصبتموها من كرومنا؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللّهمّ، روِّحْ مُرَوِّحاً إلى النار! قال سعد بن أبى وَقَّاص: فأُهوى له بسهمٍ فوقع فى نحره، وهَوَى من الحِصْن ( ١) نمخل عم: أى تام فى مطوله. ( النهاية، ج ٣، ص ١٢٩). (٢) فى الأصل: (النساء))؛ وما أثبتناه عن العلبرى، يروى عن الواقدى. (التاريخ، ص ١٦٧٢ ). (٣) العمق: واد من أودية الطائف. (معجم البلدان، ج ٦، ص ٢٢٣). (٤) أحبل: جمع حبلة، وهى الأصل أو القضيب من شجر الأعناب. ( النهاية، ج ١، ص ١٩٨ ) . ٩٣٠ ميّنًا. قال: فرأيت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد سُرَّ بذلك. قال: وجعلوا يقولون على حِضنهم: هذا قبر أبى رِغال (١) . قال لعلىّ عليه السلام: أتدرى يا على ما هذا ؟ قبر أبى رِغال ، وهم قوم ذَمود ! قالوا: وكان أبو مِحْجَن على رأس الحِصْن يرمى بمَعابِلَ والمسلمون يُرامونهم، فقال رجلٌ من مُزَينة لصاحبه : إن افتتحنا الطائف فعليك بنساء بنى قارب ، فإنَّهنّ أَجمل إن أمسكتَ، وأَكثر فِداء إِن فاديتَ. فسمعه المُغيرة بن شُعْبَة فقال: يا أَخاءُزَينة! قال: لَبَّيك! قال : ارمٍ ذلك الرجل . يعنى أبا مِحْجَن، وإنما غار المُغيرة حين ذكر المُزَنىّ النساء. وعرف أَنَّ أَبا مِحْجَن رجلٌ رامٍ لا يسقط. له سهم، فرماه المُزَّّ فلم يصنع سهمه شيئاً، وفوّق له أبو مِحْجّن بمِعْبَلَةٍ، فَتَقع فى نحره فقتلته (٣). قال. يقول المُغيرة: مَنَّى الرجالَ بنساء بنى قارب. قال له عبد اللهبن عمروبن عوف المُزَنِىّ، وهو يسمع كلامه أُوَّه وآخرّه: قاتلك الله يا مُغيرة! أنت. والثير عرّضتَه لهذا، وإن كان الله تبارك وتعالى قد ساق له الشهادة. أنت والله مُنافق، واللهِ أولا الإِسلام ما تركتك حتى أغتالك! وجعل المُزّنىّ يقول: إِنَّ معنا الدّاهية وما نشعر ؛ واللهِ لا أُكلِّمك أبدًا! قال : طلب المغيرة إلى المُزّى أَن يكتم ذلك عليه. قال: لا واللهِ أبدًا !قال: فبلغت عمر بن الخطّاب رضى الله عنه - وهو (٣) فى عَمّل عمر بالكوفة .. فقال: واللهِ. ما كان المُغيرة بأَهلٍ أَن يُوَلَّى وهذا فِعْلُه! قال: وربى أبو مِحْجَن يومٍ الطائف عبد الله بن أبى بكر الصدّيق رضي الله عنه بسهم ، فدمل الجرح حتى بغّى(١). (١) انظر ابن إسماق. (السيرة النبوية ٠ ج ١، ص ٠١٤٩ (٢) فى الأصل: ((فيقع فى نمره فقتله)). (٣) أى المغيرة . (٤) بفى الجرح : ورم وترامى إلى فساد. (الصحاح ، س ٢٢٨١ ). ٩٣١ وخرج السهم من الجُرْحِ فأمسكه أبو بكر عنده. وتُوقِّى عبد الله بن أبى بكر فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه. وقدم أبو مِحْجَن فى خلافة أبى بكر ، فذكر أبو بكر المِشْقّص (١ ) فأخرجه، فقال: يا أَبا مِحْجَن ، هل تعرف هذا المِشْقَص؟ قال: وكيف لا أعرفه وأنا بَرَيْتُ قِدْحَه وريّشته ورصفته، ورميت به ابنك ؟ فالحمد لله الذى أكرمه على يدَىَّ ولم يُهِنِّى على يديه . ونادى مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أَيّما عبدٍ نزل من الحِصْن وخرج إلينا فهو حُرُّ! فخرج من الحِصْن رجالٌ، بضعة عشر رجلاً : أبو بَكَرَة، والمُنْبَعّث، وكان اسمه المُضْطَجَع فسمّاه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المُنْبَعَث حين أسلم، وكان عبدًا لعُثمان بن عَمّار بن مُعَنِّب ؛ والأزرق ابن عُقْبَة بن الأزرق، وكان عبدًا للكَلَدَة الَّقَفىّ من بنى مالِك، ثم صارحليفاً فى بنى أُمَّيّة فنكحوا إليه وأنكحوه؛ ووَرْدان، عبدٌ لعبد الله بن ربيعة الثَّقَفىّ جَدّ الفُرات بن زيد بن وَرْدان؛ ويُحَنَّس النِّال، وكان عبدًا ليسار ابن مالِك، فأسلم سيّده بعدُ، فردّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه ولاءه ؛ - فهم [ أَعْبُد] الطائف - وإبراهيم بن جابر، كان عبدًا لخّرَشَة الثَّقَفِىّ؛ ويسّار، عبدٌ لِعُمان بن عبد الله لم يُعْقِب؛ وأبو بَكَرَةٍ(٢) نُفَيع بن مَسروح، وكان للحارث بن كَّدَة، وإنما كُتِّى بِأَبِى بَكَرَة أَنَّه نزل فى بَكْرَةٍ (٣) من الحِصْن؛ ونافع أبو السائب. عبدٌ لِغَيْلان بن سَلَمَة، فأسلم غَيْلان (١) المشقص من النصال: ما طال وعرض. (الصحاح، ص ١٠٤٣). (٢) فى الأصل: ((أبو بكرة بن نفيع))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى يروى عن الواقدى. (شرح على المواهب اللدنية ،ج ٤٣ ص ٣٧). وعن ابن عبد البر أيضاً. (الاستيعاب، ص ١٦١٤). (٣) بكرة البئر: "ما يستقى عليها، وهى خشبة مستديرة فى وسعلها محز للحبل وفى جوفها محور تدور عليه . ( لسان العرب ، ج ٥ ، ص ١٤٦ ) .