Indexed OCR Text
Pages 1-20
كتاب المغازي
للوَاقدي
محمدبن عمر بن واقد المتوفي /ا انيهـ
تحقيق
الدّكتور مارسدف جُونس
الجزء الثالث
عالم الكبـ
شأن هدم العزى
قال : حدّثنى عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهُذَلِىّ، قال :
قدم رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم مثَّة يوم الجمعة لعشر ليالٍ بقين من
رمضان؛ فبثَّ السّرايا فى كلّ وجهٍ ، أمرهم أن يُغيروا على من لم يكن على
الإِسلام . فخرج هِشام بن العاص فى مائتين قِبَل يَلَمْلَم (١)، وخرج خالد
ابن سعيد بن العاص فى ثلثمائة، قِبَلَ عُرَنَة . وبعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى
يهدمها ، فخرج خالد فى ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهى إليها
وهدمها، ثم رجع إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: هُدِمَتْ؟ قال : نعم
يا رسول الله . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : هل رأيتَ شيئا ما ؟
قال : لا. قال : فإنك لم تهدمها ، فارجعْ إِليها فاهدمْها . فرجع خالد وهو
متغيّظ.، فلمّا انتهى إليها جرّد سيفه، فخرجت إليه امرأةٌ سوداءُ ، عُريانة ،
ناشرة الرأس ، فجعل السادِن يصيح بها . قال خالد : وأخذنى اقشِعْرارٌ
فى ظهرى . فجعل يصيح:
على خالدِ (٣) ألقِى القِناعُ وشَمِّرِى
أَيا عُزَّ شُدّى (٢) شَدَّةً لا تُكذِّبى
فبونى (٤) بذّنْبٍ عاجلٍ أَو تَنَصِّرى
أيا عُزَّ إِن لم تقتلى المرء خالدًا
( ١. يلملم: موضع على المتين من مكة . وقال المرزوق: هو جبل من الطائف على ليلتين
أو ثلاث ، وقيل حر واد هناك. ( معجم البلدان، ج ٨، ص ٥١٤).
(٢) فى الأصل: ((أعزى شددقى شدة))، ولا يستقيم به الوزن. وما أثبتناه عن ابن إسحاق.
( السيرة النبوية ، ج ٤، ص ٧٩ ) .
(٣) فى الأصل: ((أعزى))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج!، ص ٧٩)
(٤) فبوقى: أى ارجعى. (شرح أبى ذر، ص ٣٨٤) .
٨٧٣
٨٧٤
قال : وأقبل خالد بالسيف إِليها وهو يقول :
يا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحانَكِ (١) إِنى وجدت(٢) اللّهَ قد أَهانَكِ
قال: فضربها بالسيف فجزَّلها (٣) باثنين، ثم رجع إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره ، فقال : نعم ، تلك العُزَّى وقد يئست أن
تُعبَد ببلادكم أبدًا. ثم قال خالد: أَى رسولَ الله : الحمد لله الذى أكرمنا
وأَنقذنا من الهَلَكَة! إنى كنت أرى أبى يأتى إلى العُزَّى بِحتره (٤) ؛ مائة من
الإِبل والغنم ، فيذبحها للعُزَّى، ويُقيم عندها ثلاثاً ثم ينصرف إلينا مسرورًا،
فنظرت إلى ما مات عليه أبى ، وذلك الرأى الذى كان يُعاش فى فضله ،
كيف خُدع حتى صار يذبح لحَجَرٍ لا يسمع ولا يُبصر ، ولا يضرّ ولا ينفع .
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ هذا الأمر إلى الله، فمن يسّره
للهُدَى تيسّر ، ومن يسّره للضَّلالة كان فيها . وكان هدمها لخمس ليالٍ
بقين من رمضان سنة ثمان . وكان سادِنها أَفلح بن نَضْر الشّيبانىّ من بنى
سُلَيم ، فلمّا حضرته الوفاة دُخل عليه وهو حزين، فقال له أبو لَهُب: مالى
أراك حزيناً ؟ قال : أَخاف أن تضيع العُزَّى من بعدى. قال له أبو لَهَب :
فلا تَحْزَنْ، فأَنا أَقوم عليها بعدك". فجعل كلّ من لقى قال : إن تظهر
العُزَّى كنتُ قد اتَّخذتُ يدًا عندها بقيامى عليها ، وإن يظهر محمّد على
العُزَّى - ولا أراه يظهر - فابن أَخى! فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿تَبّتْ يَدَا أَبِى
لَهَبٍ ﴾(٥).؛ ويقال إنه قال هذا فى اللّت. وقال حسّان بن ثابت ....
(١) فى الأصل: ((كفراً بك لا سبحانك))؛ بما أثبتناه عن ابن كثير ٠ شروق عن الواقدى.
( البداية والنهاية ، ج ٤ ، ص ٠٣١٦
(٢) فى ابن كثير، عن الواقدى: ((إنى رأيت). ( البداية والتبابة - -: ، من ٣١٦).
(٣) فى الأصل: ((فجد لها))؛ والمثبت من ابن سعد. (الطبقات ، ج ٢، ص ١٠٥).
وجزل : أى قطع . ( شرح على المواهب دنية ، ج ٢، ص ٤١٥).
(٤) الحتر، بالكسر: العطية اليسيرة. وبات: المصدر. (الصحاح، من ٦٢٢).
(٥) سورة ١١١ المسد ١
٨٧٥
باب ذكر من قُتل من المسلمين يوم الفتح
رجلان أَخطآ الطريق، كُرز بن جابر الفِهْرِىّ، وخالد الأُشعر ، من
بنى كعب .
وقُتل من المشركين صبرًا بالسيف ابنُ خَطَل، قتله أبو بَرْزَة؛ والحُوَيْرِثِ
ابن نُقَيذ (١)، قتله عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام؛ ومِقْيَس بن صُبابة،
قتله نُمَيلة. وقُتل من المشركين بالخَنْدَمَة أربعة وعشرون قتيلاً .
غزوةٍ بنى جذيمة
قال : حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن حكيم بن عَبّاد بن
حُنَّيف ، عن أبى جعفر ، قال: لمّا رجع خالد بن الوليد من هَدْمِ العُزَّى إِلى
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، وهو مُقيم بمكّة، بعثه رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم إلى بني جذيمة، وبعثه داعياً لهم إلى الإِسلام ولم يبعثه مُقائلاً .
فخرج فى المسلمين من المهاجرين والأنصار وبنى سُلَيم؛ فكانوا ثلثمائة
وخمسين رجلاً ، فانتهى إليهم بأسفلٍ مكّة ، فقيل لبنى جذيمة : هذا خالد بن
الوليد معه المسلمون. قالوا: ونحن قومٌ مسلمون، قد صلَّينا وصدّقنا بمحمّدٍ،
وبنينا المساجد وأذَّنًّا فيها . فانتهى إليهم خالد فقال : الإِسلام ! قالوا :
نحن مسلمون ! قال : فما بال السلاح عليكم ؟ قالوا : إنَّ بيننا وبين قوم.
من العرب عداوة ، فخفنا أن تكونوا هم ، فأخذنا السلاح لأَن ندفع عن
أنفسنا مَن خالف دين الإسلام. قال: فضَعُوا السلاح ! فقال لهم رجلٌ
(١) فى الأصل: ((نفيل))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (المطلقات، ج ٢، ص ٩٨).
وبعن البلاذرى أيضاً. ( أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٧) .
٨٧٦
منهم يقال له جَحْدَم : يا بنى جَذيمة، إِنه واللهِ خالد! وما يطلب محمّدٌ
من أحدٍ أَكثر من أَن يُقرّ بالإِسلام، ونحن مُقرّون بالإِسلام ؛ وهو خالد
لا يُريد بنا ما يُراد بالمسلمين، وإنه ما يَقْدِر مع السلاح إلاّ الإِسار ، ثم
بعد الإسار السيف! قالوا: نُذَكِّرك الله . تَسُومنا. فأَبِى يُلقى (١) سيفه حتى
كلَّموه جميعاً فأَلقى سيفه وقالوا : إِنا مسلمون والناس قد أسلموا ، وفتح
محمّد مكَّة، فما نخاف من خالد ؟ فقال: أما والله ليأخذنّكم بما تعلمون من
الأحقاد القديمة . فوضع القوم السلاح، ثم قال لهم خالد : استأسروا !
فقال جَحْدَم : يا قوم ، ما يُريد من قومٍ مسلمين يستأسرون! إِنما يُريد
ما يُريد ، فقد خالفتمونى وعصيتم أمرى، وهو واللهِ السيف. فاستأسر القوم.
فأُمر بعضُهم يَكْتِف بعضاً، فلمّا كُتِفُوا دفع إِلى كلّ رجلٍ من المسلمين
الرجل والرجلين ؛ وباتوا فى وَثاقٍ، فكانوا إذا جاءَ وقت الصلاة يُكلّمون
المسلمين فيُصلّون ثم يُربَطون. فلمّا كان فى السَّحَر، والمسلمون قد اختلفوا
بينهم ، فقائل يقول: ما نُريد بأَسرهم ، نذهب بهم إلى النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم . وقائلٌ يقول : ننظر هل يسمعون أو يُطيعون، ونَبْلُوهم ونَخْبُرهم.
والناس على هذين القولين، فلمّا كان فى السَّحَر نادى خالد بن الوليد :
من كان معه أَسيرٌ فَلْيُذَافِّهِ - والمُذافّة: الإِجهاز عليه بالسيف. فأمّا بنو
سُلَيم فقتلوا كلّ مَن كان فى أيديهم. وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا
أساراهم .
قال : فحدّثنى موسى بن عُبَيدة، عن إياس بن سلّمَة، عن أبيه،
قال : كنت مع خالد بن الوليد وكان فى يدى أسير . فأرسلته وقلت : اذهب
حيث شئتَ ! وكان مع أناسٍ من الأنصار أُسارى فأرساوهم .
(١) فى الأصل: ((فأبى ملتقى)) .
٨٧٧
قال : وحدّثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر ، قال :
وأرسلت أَسيرى ، وما أُحبّ أَنى قتلته وأَن لى ما طلعت عليه شمس أَو غَرَبت،
وأرسل قومى معى من الأَنصار أسراهم .
قال : حدّثنى مَعْمَّر، عن الزُّهرِىّ ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال :
لمّا نادى خالد ((من كان معه أَسير فليُذَافِّه)) أَرسلتُ أَسيرى.
قال : حدّثنى عبد الله بن يَزيد، عن ضَمْرَة بن سعيد ، قال: سمعت
أَبا بُشير المازنىّ يقول : كان معى أَسير منهم . قال : فلمّا نادى خالد
((مَن كان معه أَسير فليُذَافِّه)) أخرجت سيفى لأَضربَ عنقه، فقال لى الأَسير:
يا أَخا الأَنصار، إِنَّ هذا لا يفوتك، انظر إلى قومك ! قال: فنظرتُ فإِذا
الأنصار دارًّا قد أرسلوا أساراهم . قال : قلت : انطلق حيث شئتَ !
فقال : بارك الله عليكم ، ولكن مَن كان أقربَ رَحِماً منكم قد قتلونا !
بنو سُلَيم .
قال : فحدّثنى إسحاق بن عبد الله ، عن خارجة بن زيد بن ثابت
قال : لمّا نادى خالد بن الوليد فى الأسرى يُذَافُون، وَثَبتْ بنو سُلَيم على
أسراهم فذاذّوهم ... وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم - غضب خالدٌ على
من أرسل من الأنصار ، فكلَّمه يومئذٍ أَبو أُسَيد الساعدىّ وقال: اتَّقِ الله
يا خالد، واللهِ ما كنَّا لنقتلَ قوماً مسلمين ! قال: وما يُدريك ؟ قال :
نسمع إقرارهم بالإِسلام ، وهذه المساجدُ بساحتهم .
قال: حدثنى عبد الله بن يزيد بن قُسَيط، عن أبيه، عن عبد الرحمن
ابن عبد الله بن أبى حَدْرَد ، عن أبيه، قال: إنا فى الجيش وقد كُتِفت
بنو جّذيعة، أُمِر بعضهم فكّتَف بعضاً . فقال رجلٌ من الأسرى : يا فتى !
٨٧٨
فقلت: ما تُريد؟ قال: هل أنت آخذٌ برُمَّتِى (١) هذه فمُقَدِّمى إِلى النَّسيّات.
ثم رادِّى ففاعلٌ بى ما فُعل بأصحابى ؟ قال : قد سأَلتَ يسيرًا . قال :
وأخذت برُمَّته فانتهيت به إلى النِّسوة. فلمّا انتهى إليهنَّ كلَّم امرأةٌ منهنَّ
ببعض ما يُريد . قال: ثم رجعتُ به حتى رددته فى الأسرى ، فقام بعضهم
فضرب عنقه .
ويقال: إِنَّ فتى من بنى جَذيمة أَدركه الجيش عشيّةً ، فنادى فى القوم
فكُفَّ عنه، وكان الذين يطلبونه (٢) بنو سُلَيم، وكانوا عليه متغيّظين فى
حروبٍ كانتِ بينهم ببُرْزَة (٣) وغيرها ، وكانت بنو جذيمة قد أصابوهم ببُرْزَة
وهم مَوتورون يُريدون القَوَد منهم، فشّجُعوا عليه، فلمّا لم يرَ إِلاَّ أَنهم
يقتلونه شدّ عليهم فقتل منهم رجلاً، ثم شدّ عليهم ثانيةً فقتل منهم آخر ،
ثم جاءَ الظلام فحال بينهم، ووجد الفتى فُرْجَة، حتى إذا كان الغداة جاءً
وقد قتل من القوم رجلين، والنساءُ والذّرّيّة فى يد خالد، فاستأمن فعرض
فرسه، فلمّا نظروا إليه قالوا : هذا الذى صنع بالأمس ما صنع،
فناوشوه عامّةَ النهار ثم أعجزهم وكرّ عليهم ، فقال : هل لكم أن
أَنزل، على أَن تُعطونِى عَهْدًا وميثاقاً لتصنعُنّ بى ما تصنعون بالفُّعُن ؛
إن استحييتموهنَّ اسْتُحييتُ وإِن قتلتموهنَّ قُتلت ؟ قالوا : لك ذلك ..
فنزل بعَهْد الله وميثاقه، فلمّا نزل قالت بنو سُلَيم : هذا صاحبنا الذى
فعل بالأمس ما فعل . قالوا : انطلقوا به إلى الأسرى من الرجال ، فإن
قتله خالدٌ فهو إِمامٌ ونحن له تَبَعٌ ، وإن عفا عنه كان كأَحدهم . فقال
بعضهم : إِنما جعلنا له العَهْد والميثاق أن يكون مع الظّعُن، وأنتم تعلمون
(١) الرمة: قطعة من الحبل. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٢٢).
(٢) فى الأصل: ((الذى يطلبونه)).
(٣) فى الأصل: ((ببرره)). وبرزة: موضع فى ديار بنى كنانة، وفى هذا الموضع أوقعت
بنو فراس بن مالك من بنى كنانة ببنى سليم. ( معجم ما استعجم، ص ١٥٢ ) .
٨٧٩
أَنَّ خالدًا لا يقتل الظُّعُن، إِمّا يقسمهنَّ وإِمّا يعفو عنهنَّ. قال الفتى :
فإِذا فعلتم بى ما فعلتم، فانطلقوا بى إلى نُسَيّاتٍ هناك، ثم اصنعوا بى .ا بدا
لكم . قال : ففعلوا ، وهو مكتوفٌ بِرُمَّة، حتى وقف على امرأةٍ منهنَّ،
فأَّخلد إلى الأرض وقال : أَسلِمِى حُبَيش على نَفَد العيش (١)! لا ذَنْبَ لى!
قد قلت شعرًا : .
ويَنْأَى الأَميرُ بالحبيبِ المُفارقِ
أَثِى (٢) بِوُدِّ قبل أَن تَشْحَط. (٣) النَّوَى
تَكلِّف إِدلاجَ(٤) السُّرَى والوَدَائِقِ (٥)
أَلم يَكُ حَقًّا أَن يُنَوَّلَ عَاشِقٌ
بِحَلْيَةَ (٦) أَوْ أَدركتُكم بالخَوانِ (٧)
أَلَمْ أَكُ قد طالبتُكُم فلقيتُكُمْ
فإِنِّىَ لا ضيّعتُ سِرَّ أَمانة
ولا راق عينى بعدَكِ اليومَ رائقُ
لّنا عنكِ إِلاَّ أَن يكونَ التواثُقُ
سوى أنَّ ما نال العشيرةَ شاغلٌ
أَنشدَنيها ابن قُسَيط. وابن أبى الزِّناد .
"ال: فحدّثنى عبد الله بن أبى حُرَّةٍ ، عن الوليد ، عن سعيد ، عن
حَنْظَلَة بن عَلىّ ، قال : أَقبلت امرأةٌ يومئذٍ بعد أَن ضربتُ عنقه . يقول :
(١) فى الأصل: ((أسلم حبيس على بعد العيش))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. ( الطبقات،
ج ٢، ص ١٠٧). وعلى نفد العيش: بريد على تمامه، من قولك نفد الشىء إذا تم . (شرح
أبى ذر ، ص ٣٨١) .
(٢) فى الأصل: ((أبينى))، وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ١٠٧).
وعن ابن إسحاق أيضاً . ( السيرة النبوية، ج ٤، ص ٧٦) .
(٣) تشحط: أى تبعد، والشحط: البعد. (شرح أبى ذر، ص ٣٨١).
(٤) الإدلاج: سير الليل كله. ( لسان العرب، ج ٤٣ ص ٩٧).
(٥) الودائق: جمع وديقة، وهى شدة الحر. (شرح أبى ذر، ص ٣٨١).
(٦) كلمة غامضة فى الأصل؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ١٠٧).
وعن ابن إسحاق أيضاً. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٧٦). وحلية: واد بتهامة، أعلاه
المذيل وأسفله لكافة . (معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٣١) .
(٧) فى الأصل: ((الحواثق))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ١٠٧).
وعن ابن إسحاق أيضاً . ( السيرة النبوية، ج ٤، ص ٧٦) . والحوانق: بلد فى ديار
فهم. ( معجم ما استعجم، ص ٣٢٧) .
٨٨٠
ثم وضعتْ فاها على فيه فالتقَمتْه ، فلم تزل تُقبّله حتى ماتت .
قال : حدّثنى عبد الله بن زيد، عن إياس بن سَلَّمَة، عن أبيه،
قال : لمّا قدم خالد بن الوليد على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عاب عبدُ
الرحمن بن عَوْف على خالد ما صنع ، قال: يا خالد ، أَخذتَ بأمر الجاهليّة!
قتلتَهم بعمّك الفاكِه ، قاتلك الله ! قال : وأعانه عمر بن الخطَّب على
خالد ، فقال خالد : أَخذتُهم بقَتْل أَبيك ! فقال عبد الرحمن : كذبتٌ
واللهِ، لقد قتلتُ قاتل أَبى بيدى وأَشهدتُ على قَتْلِه عثمانَ بن عَنَّان . ثم
التفت إلى عثمان فقال : أنشدك اللهُ ، هل علمتَ أَنى قتلتُ قاتل أبى ؟
فقال عثمان: اللَّهمّ، نعم. ثم قال عبد الرحمن: وَيْحك يا خالد، ولو
لم أقتل قاتل أبى كنتَ تقتل قوماً مسلمين بأبى فى الجاهليّة ؟ قال خالد :
ومَن أَخبرك أَنهم أسلموا ؟ فقال : أَهل السريّة كلّهم يُخبروننا أنك وجدتهم
قد بنَوا المساجد وأقرّوا بالإِسلام، ثم حملتَهم على السيف. قال: جاءنى رسولُ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن أُغير عليهم، فأَغرت بأمر النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم . فقال عبد الرحمن : كذبتَ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم !
وغالظ. عبد الرحمن ، وأعرض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن خالد وغضب
عليه ، وبلغه ما صنع بعبد الرحمن فقال : يا خالد ، ذَرُوا لى أصحابى !
مَتى يُنْكَ أَنْفُ المرء يُنْكَ! لو كان أُحُدُ ذَهَباً تُنفقه قيراطاً قيراطاً فى سبيل الله
لم تُدرك غَدْوَةً أَو رَوْحَةٌ من غَدَوات أَو رَوّحات عبد الرحمن بن غَوْفٍ !
قال : حدّثنى عبد الله بن عمر، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، قال :
قال عمر لخالد : وَيْحك يا خالد، أَخذتَ بنى جذيمة بالذى كان من
أمر الجاهليّة ! أَوّ ليس الإِسلام قد محا ما كان قبله فى الجاهليّة ؟ فقال:
يا أبا حفص، واللهِ ما أَخذتُهم إلَّا بالحقِّ! أغرتُ على قومٍ مشركين
٨٨١
وامتنعوا ، فلم يكن لى بُدّ - إِذ امتنعوا - من قتالهم ، فأَسرتُهم ثم حملتُهم
على السيف . فقال عمر : أَىّ رجلٍ تعلم عبدَ الله بن عمر ؟ قال : أَعلمُه
واللهِ رجلاً صالحاً . قال: فهو أَخبرنى غير الذى أُخبرتَنى، وكان معك فى
ذلك الجيش . قال خالد : فإنى أستغفر اللهَ وَأَتوب إِليه . قال : فانكسر
عنه عمر ، وقال : وَيْحك، ايتِ رسول الله يستغفر لك!
قال : حدّثنى يحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، عن أهله ، عن أبى
قتادة، وكان فى القوم ، قال: لمّا نادى خالد فى السَّحَر ((مَن كان معه
أَسير فلْيُذَافُّه)) أرسلتُ أَسيرى وقلت لخالد: اتَّقِ اللهَ، فإِنك ميّت !
وإِنَّ هؤلاء قوم مسلمون ! قال: يا أَبا قتادة، إنه لا عِلْمَ لك بهؤلاء.
قال أبو قتادة : فإِنما يُكلِّمنى خالدٌ على ما فى نفسه من التِّرَة عليهم .
قالوا : فلما بلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما صنع خالد بن الوليد
رفع يديه حتى رُؤى بياضُ إِبِطَيْه، وهو يقول: اللَّهمّ، إِى أَبْرَأُ إليك ممّا
صنع خالد ! وقدم خالد والنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم عاتبٌ .
قال: حدّثنى مَعْمَر، عن الزُّهرىّ ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عَوْف ، عن أَبيه ، قال : كان بين عبد الرحمن بن عَوْف وخالدٍ كلام ،
فأعرض عنه عبد الرحمن، فمشى خالدٌ بعثمان بن عَفَّان إلى عبد الرحمن ،
فاعتذر إليه حتى رضى عنه فقال : استغفرْ لى يا أَبا محمّد !
قالوا : ودخل عَمّار على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول
الله، لقد حَمَش قوماً (١) قد صلُّوا وأسلموا. ثم وقع بخالدٍ عند النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم، وخالدٌ جالسٌ لا يتكلّم . فلمّا قام عَمّار وقع به خالدٌ ،
فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلم: مَهْ يا خالد! لا تقع بأبى اليقظان ، فإنه
(١) حمش القوم: ساقهم بغضب. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٧٠).
٨٨٢
من يُعادِهِ يُعادِهِ الله، ومَن يُبْغِضْهِ يُبْغِضْه الله، ومَن يُسفِّهْهِ يُسفِّهْه الله .
قالوا : فلمّا فتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم مكَّة استقرض مالاً بمكّة،
ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَليًّا عليه السلام فأعطاه مالاً، فقال :
انطلق إلى بنى جَذيمة واجعل أَمر الجاهليّة تحت قَدْمَيك، فَدٍ (١) لهم ما
أصاب خالد بن الوليد . فخرج عَلىّ عليه السلام بذلك المال حتى جاءهم ،
فَوَدى لهم ما أَصاب خالدٌ، ودفع اليهم مالهم ، وبقى لهم بقيّة المال ، فبعث
علىّ عليه السلام أبا رافع إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليستزيده ، فزاده
مالاً، فوَدَى لهم كلَّ ما أَصاب، حتى إنه لَيْدِى لهم مِيلَغَّة (٢) الكلب، حتى
إذا لم يبق لهم شىءٌ يطلبونه بقى مع عَلىِّ عليه السلام بقيّة من المال . فقال
عَلىّ عليه السلام : هذه البقيّة من هذا المال لكم من رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم ممّا أَصاب خالدٌ، ممّا لا يعلمه ولا تَعلمونه. فأعطاهم ذلك المال ،
ثم انصرف إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم فأخبره. ويقال إنما المال الذى
بعث به مع عَلىّ عليه السلام كان استقرضه النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم من
ابن أبى رَبيعة، وصَفوان بن أُمَيّة، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى ، فبعث مع
عَلَىٌّ عليه السلام، فلما رجع علىّ دخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
فقال : ما صنعتَ يا عَلىّ ؟ فأَخبره وقال: يا رسول الله. قدمنا على قومٍ
مسلمين ، قد بنوا المساجد بساحتهم، فَوَديت لهم كلّ من قتل خالدٌ حتى
مِيلّغَة الكلاب ، ثم بقى معى بقيّة من المال فقلت: هذا من رسول الله صلّى
اله عليه وسلَّم مما لا يعلمه ولا تَعلمونه. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
أصبتَ ! ما أمرتُ خالداً بالقتل. إنما أدرته بالدعاء. وكان رسول الله صلى
(١) فى الأصل: ((قدى».
(٢) فى الأصل: «مبلغة). بالمبالغة: الإناء الفى بضع فه الكف (النهاية ٠ ٠٤٫
ص ٢٣٠ ) .
٨٨٣
الله عليه وسلَّم لا يُقبل على خالد، ويُعرض عنه، وخالدٌ يتعرّض لرسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم، ويحلف ما قتلهم على تِيرَةٍ ولا عَداوة. فلمّا قدم عَلَىّ ووَدَاهم
أقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على خالد، فلم يزل عنده من عِلية أَصحابه
حتى تُوفّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عُمان بن محمّد الأُخنسىّ، عن
عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن ، قال: قال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم : لا تُسُبّوا خالد بن الوليد، فإِنما هو سيف من سيوف الله، سَلّه
على المشركين !
قال: وحدّثنى محمّد بن حَرْب، عن أبى بكر بن عبد الله ، عن أبيه
الأحوص ، عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم ، قال: نِعم عبدُ الله خالدُ بن
الوليد، وأخو العشيرة، وسيفٌ من سيوف الله، سَلَّه على الكُفَّار والمنافقين!
قال : وحدّثنى يوسف بن يعقوب بن عتبة، عن عثمان بن محمّد
الأخنسىّ، عن عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحارث ، قال : أمر
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد يُغير على بنى كِنانة، إلّا أن
يسمع أذاناً أو يعلم إسلاماً ، فخرج حتى انتهى إلى بنى جذيمة فامتنعوا
أشدّ الامتناع، وقاتلوا وتلبّسوا السلاح: فانتظر بهم صلاة العصر والمغرب
والعشاء لا يسمع أذاناً، ثم حمل عليهم فقتل من قتل وأسر من أسر،
فادَّها بعدْ الإسلامُ . قال عبد المَلِك: وما عتَب رسول الله صلّى الله عليه
وسلّمٍ فى ذلك اعلى خالدا ولقد كان المُقَدَّمَ حتى مات. ولقد خرج
(*) بعد ذلك إلى حُنين على تُقدّ مته، وإِلى تَبوك، وبعثه رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم إلى أُكَيْدِر ودُومة الجَنْدَل، فسبَى مَن سَبَى ثم صالحهم؛ ولقد
بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بَلْحارث بن كعب إلى نجران أميرًا
ودان إلى الحد، بلقد خرج مع رسول:أُ صلّى الله عليه وسلَّم فى حَجّة الوداع،
فلمّ حَ !. رسول الله لَّى الله عليه وسلَّم رأسه أعطاه ناصيته، فكانت فى
مُقْلِم ◌َنْه. فهنا لا ياتى أحدًا إِلاَّ هزمه اللهُ تعالى؛ ولقد قاتل يوم
اليرموك فنت قَلِضْبَته. فجعل يقول: القَلَنْسُوَة! القَلَنْسُوَة! فقيل له بعد
ذلك: يا أبا سليمان، عجبا لطلبك القَلَنْسُوَة وأنت فى حَوْمَة القتال ! فقال :
إنَّ فيها ناصيةَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم أَلق بها أحدًا إِلَّ وَلّ. ولقد
نبذه خالد يوم تُوقِّى، وهو مُجاهد فى سبيل الله، وَقَبْرُه بحِمْص ؛ فأُخبرنى
من غسّله وحضر موته، ونظر إلى ما تحت ثيابه، ما فيه مَصَحّ ؛ ما بين
: ربةٍ بسيفٍ أَو طعنةٍ برمْحٍ أَو رَمْيَةٍ بسهمٍ. ولقد كان عمر بن الخطّاب
الذى بينه وبينه ليس بذلك ، ثم يذكره بعدٌ فيترحّم عليه ويتندّم على
ما كان صنع فى أمره ، ويقول : سيف من سيوف الله تعالى ! ولقد نزل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين هبط. من لَفْت(١) فى حَجّته، ومعه رجلٌ،
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: مَن هذا ؟ فقال الرجل: فلان. قال : بئس
عبدُ الله فلان ! ثم طلع آخر فقال: مَن الرجل؟ فقال: فلان. فقال: بِئس
عبدُ الله فلان ! ثم طلع خالد بن الوليد فقال : مَن هذا ؟ قال : خالد
ابن الوليد . قال : نِعِمَ عبدُ الله خالد بن الوليد ! وقال رجلٌ من بني جذيمة
أْيِّضُّ قال: سمعت خالد بن إلياس يقول: بلغنا أنه قتل منهم قريباً من
رسج البلدان ،
٠.
٨٨٥
٩
غزوة حنين
حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن شُجاع الثَّلجىّ قال : حدّثنا الواقدىّ
قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أَبِى سَبْرَة،
ومحمّد بن صالح، وأَبو مَعْشَر ، وابن أبى حَبيبة ، ومحمّد بن يحيى بن
سَهْل، وعبد الصَّمَد بن محمّد السَّعدىّ، ومُعاذ بن محمّد، وبُكَير بن مِسمار،
ويحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ؛ فكلٌّ قد حدّثنا بطائفةٍ ، وغير هؤلاء
حدّثنا ممّن لم أُسُّم . أهل ثقة، فكلُّ قد حدّثنا بطائفة من هذا الحديث،
وبعضهم أوعى له من بعض ، وقد جمعت كلَّ ما قد حدّثونى به .
قالوا: لمّا فتح رسول اله صلّى الله عليه وسلَّم مكّة مشت أشراف هوازن
بعضها إلى بعض، وثقيفٌ بعضها إلى بعضٍ، وحَشَدوا وبَغَوْا وَأَظهروا أَن
قالوا : واللهِ ما لاقى محمّدٌ قوماً يُحسنون القتال، فأَجمِعوا أمركم فسيروا
إليه قبل أن يسير إليكم . فأَجمعت هوازِن أَمرها وجمعها مالك بن عَوْف (١).
وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة .- وكان سيّدًا فيها، وكان مُسْبِلاً (٢)، يفعل فى
داله ويُحمَد . فاجتمعت هوازن كلّها، وكان فى ثقيف سيّدان لها يومئذٍ :
قارب بن الأسود بن مسعود فى الأحلاف، هو [ الذى ] قادها؛ وفى بنى مالك
ذو الخِمار ◌ُبيع بن الحارث - ويقال الأحمر بن الحارث - وهو الذى
قادها ءُوالياً (٣) تَقيفاً؛ فأُوعبت كلّها مع مَوازن، وقد أَجمعوا المسير إلى محمّد،
فوجد ثَقيفاً إلى ذلك سراعاً، فقالوا: قد كنَّا نَهُمّ بالمسير إِليه ، وذكره أن
(١) أن ((مالك بن عوف النصرى)) كما فى ث، وسيأتى بعد.
(٢) المسبا: هو الذى معلول :. به ويرسله إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك كبراً واختيالا.
(يابة، ج ٠٢ ٫ ١٤٥ : ٠
(٫٣ فى الأصل : ((والا».
٨٨٦
يسير إلينا، ومع ذلك لو سار إلينا لوجد حصناً حصينًا نُقاتل دونه. وطعاماً
كثيرًا، حتى نُصيبه أو ينصرف. ولكنًّا لا نريد ذلك، ونسير معكم وتكون
يدًا واحدة. فخرجوا معهم. قال غَيلان بن سَلَمَة التَّقُفِىّ لبنيه. وهي عشرة :
إِنى أُريد أَدرًا كائنةً له أُمور، لا يشهدها رجلٌ منكم إلّا على فرسه. فشهدها
عشرة من ولده على عشرة أَفراس، فلمّا انهزموا بأوْطاس هربوا . فدخلوا حصن
الطائف فغلَّقوه، وقال كنانة بن عبد ياليل: يا معشر ثقيف. إنكم
تخرجون من حصنكم وتسيرون إلى رجلٍ لا تدرون أيكون لكم أم عليكم ؛
فمُروا بحصنكم أَن يُرَمّ ما رِثِّ منه، فإنكم لا تدرون للَّكُم تحتاجود
إليه. فأَمروا به أن يُصلَح، وخلّفوا على مُرَمّته رجلاً وساروا. وشهدها ناس
من بنى هلال ليسوا بكثيرٍ. ما يبلغون مائة، ولم يحفسرها من هوازن كعب
ولا كلاب. ولقد كانت كلاب قريبة. فقيل لبعضهم: لِم تركتْها
كلاب فلم تّحضرها " فقال: أما واللهِ إن كانت لَقريبة. ولكن ابن أبى
البراء مشى فنهاها عن الحضور فأَطاعته ، وقال: والله، لو ناوأ محمدًا (١)
مّن بين المشرق والمغرب لظهر عليه (٢)
ونصرها دُريد بن الصُّمّة فى بنى جُثُم، وهو يومئذ ابن متّبن ومائة
سنةٍ ، شيخٌ كبيرٌ ليس فيه شىءُ إلَّا التّيمن به ومعرفته بالحرب. وكان شيخاً
مُجَرّباً. وقد ذهب بصره يومئذ. وجماع الناس. ثقيف وغيرها من هوازن.
إلى مالك بن عوف النّصرىّ ، فلمّا أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم أمر الناس فجاءيا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم
حتى نزلوا بأوطاس. واجتمع الناس به فعسكروا وأقاموا به. بجعلت الأمدد
(١) فى الأصل : (( حمد)
(٢) فى الأصل: ( عليا)).
٨٨٧
تأتيهم من كلّ ناحية. ودُرَيد بن الصِّمَّة يومئذ فى شِجارٍ(١) يُقاد به على
بعيرٍ ، فمكث على بعيره، فلمّا نزل الشيخ لمس الأَرض بيده، فقال: بأَىّ
وادٍ أَنتم ؟ قالوا: بأَوْطاس. قال: نِعم مَجَالُ الخيل! لاحَزْنٌ ضَرِسٌ (٢).
ولا سَهْلٌ دَحِسُ (٣)! مالى أَسمعُ رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وثُغاءَ الشاءِ.
وخوار البقر، وبُكاء الصغير؟ قالوا: ساق مالك من الناس أبناءهم ونساءهم
وأموالهم . قال : يا معشر هَوازِن، أَمعكم من بنى كِلاب بن رَبيعة أَحدٌ ؟
قالوا : لا. قال : فمعكم من بنى كعب بن ربيعة أحدٌ ؟ قالوا : لا. قال :
فهل معكم من بنى هلال بن عامر أحدٌ؟ قالوا: لا. قال دُرَيد : لو كان
خيرًا ما سبقتموهم إليه ، ولو كان ذِكرًا أو شرفاً ما تخلَّفوا عنه؛ فأَطيعونى
يا معشر هوازِن، وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء! فأَبُوا عليه. قال: فمَن شهدها
منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامر، وعُوف بن عامر. قال : ذانك الجَذّعان (٤)
من عامر، لا يَضْرّان ولا يُنفَعان! ثم قال: أين مالِك؟ قالوا: هذا مالِك .
فدعا له فقال : يا مالِك. إِنك تُقاتل رجلاً كريماً؛ وقد أصبحتَ رئيس
قومك. وإنّ هذا اليوم كائنٌ لِما بعده من الأَيّام! يا مالِك . .! لى أَسمع
رُخاء البعير، ونهاق الحمير، وخُوار البقر، وبُكاءَ الصغير، وثُغاء الشاءِ؟
قال مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. قال دُرَيد: ولم ؟
قال مالك: أردت أن أجعل خلفَ كلّ رجلٍ أهله وماله وولده ونساءه حتى
(١: ٨ الأصل: (" خار))؛ والتصحيح عن ابن إسحاق. ( السيرة النبوية، ج٤، ص
١٨٠. بالشجار: مركب مكشوف دون الهودج. (النهاية، ج ٢، ص ٢٠٦).
( ٢: الحزن: المرتفع من الأرض. والفرس : الذى فيه حجارة محددة . ( شرح أبى ذر ،
ص ٠١٣٨٤
(٣) خص: أى لبن ، "كثير التراب. ( شرح أبي ذر، ص ٤ ٣٨).
(٤) الخدمات: يريد أنها ضعيفات فى الحرب، بمنزلة الجذع فى سنه. (شرح أبى ذر، ص ٣٨٤).
٨٨٨
يُقاتل عنهم (١). قال: فأَنقض (٢) بيده. ثم قال: راعى ضأن .. ) له
وللحرب ؟ وهل يردّ المُنهزِمَ شىءٌ؟ إِنها إن كانت لكم لم ينفعك إلاَّ
رجلٌ بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فُضِحْتَ فى أهلك ومالك ! ثم قال :
ما فعلتْ كعبٌ وَكِلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحدٌ. قال: غاب الجدّ والحدّ،
ولو كان يوم رِفْعَةٍ وعَلاءِ لم تَغِبْ عنه كعبٌ ولا كِلاب. يا مالك، إِنك
لم تصنع بتقديم بَيْضَةِ (٣) هَوازِن إِلى نُحور الخيل شيئاً. فإذا صنعتّ ما
صنعتَ فَلا تَعضِى فى هذه الخُطَّة؛ ارفعْهم إِلى مُمْتَنَع بلادهم وعُلْيا قومهم
وعزهم ، ثم القَ القوم على مُتون الخيل. فإن كانت (٤) لك لحِق بك من
وراءك ؛ وكان أهلُك لا خَوْف عليهم ، وإن كانت عليك أَلْفاك ذلك وقد
أحرزتَ أَهلَك ومالَك. فغضب مالِكٌ من قوله وقال : واللهِ لا أَفعل ، ولا
أُغيّرِ أَمرًا صنعتُه، إنك قد كَبِرتَ وكَبِر عِلْمُك. وحدث بعدك مَن هو
أَبصر بالحرب منك! قال دُرَيد: يا معشرَ هَوازن. واللهِه! هذا لكم برأى !
هذا فاضِحكم فى عَورتكم ومُمكِّنٌ منكم عدوًّكم، ولاحقٌ بحمٍ نَقيد
وتارككم، فانصرفوا واتركوه ! فسلَّ مالِكٌ سيفهد, نَكْداء)، ثم قال :
يا معشرَ هَوَازِن ، واللهِ لْتُطِيعُنّنِى أَو لأُتَّكَمنَ على السيف حتى يخرج من
ظَهْرى! وكره مالِكٌ أَن يكون لدُرَيد فيها ذِكْرٌ وَرَأَقٌ. فمشى بعضهم إلى
بعضٍ فقالوا : واللهِ . ك، عصّينا ،الِكاً، وهو شابٌّ، ليقتلنّ نفسه ونبقى
(١) فى الأصل: ((حتى يقاتلوا عنه ».
(٢) أى صفق بإحدى يديه على الأخرى حر سع هما نقيفر، أى صرت. (النهاية،
ج ؛ ، س ١٧١ ) .
( ٣ بيضة هوازن: جماعبه. (شرح أب ذر . ص ٣٨٥).
(:، فى الأصل: ((فإن كان لك".
( ٥ كه : أى قلبه . ( الصحاح : ٠ ٣\٠٤٩
٨٨٩
مع دُرَيد ، شيخ كبير لا قتال فيه . ابن ستّن ومائة سنة، وأجمعوا أمرهم
مع مالِك، فلمّا رأى ذلك ذُرَيد وأنهم قد خالفوه . قال : هذا يومٌ لم
أَشهده ولم أُغِبْ عنه :
يا لَيْتَنِى فيها جَذَغْ أَخْبُ
وَأَضَعْ
فيها
وكان دُرَيد قد ذكر بالفروسيّة والشجاعة . ولم يكن له عشرون سنة ،
وكان سيّدَ بنى جُشِّمٍ وَأَوسطَهم نَسَباً. ولكن السِّنَّ أدركته حتى فَنِى فَناً
- وهو دُريد بن الصِّعَّة بن بكر بن عَلقمة .
قال: حدّثْنى مَعْمَر، عن الزُّهرىّ. قال: افتتح رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم مكَّة لثلاث عشرة مضت من رمضان. وأَنزل الله تعالى: ﴿إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَ الفَتْحُ﴾(١) قالوا: وكان فتح مَّة يوم الجمعة لعشرٍ بقين من
رمضان . فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بمكّة خمس عشرةً يصلّى
ركعتين ، ثم غدا يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال، واستعمل على
مَكَّة عتَّاب بن أسيد يُصلّى بهم. مِمعاذ بن جَبَل يعلّمهم السّنّن والفِقْه.
قالوا: وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى اثنى عشر ألفاً من المسلمين،
عشرة آلاف من أهل المدينة. وألفين من أهل مكَّة. فلمّا فَصّل (٢) قال رجلٌ
من أصحابه: لو لقينا بنى شيبان ما بالَيْنا(٣)، ولا يغلبنا اليومَ أَحدٌ من
قِلَّة. فأنزل الله عزَّ وجلّ فى ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكْمُ اللهُ فى مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ
حْيْنٍ إِذْ أَعْحَبَتْكُمْ كَثْرَتَخُمْ﴾(٤) الآية
( ١) سورة ١١٠ النصر ١
(٢) فصل: أى خرج. (الصحاح ، ص ١٧٩٠).
(٣) بالى بالشىء يبالى إذا اهتم به. ( لسان العرب، ج ١٨، ص ٩١).
( ٤) سورة ٩ التوبة ٢٥٠
٨٩٠
قال : حدّثنى إسماعيل بن إبراهيم ، عن موسى بن عُقبة. عن الزّهرىّ.
عن سعيد بن المُسيِّب ، قال : قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه :
يا رسول الله. لا نُغلَب اليومَ من قِلَّة. فأنزل الله عزَّ وجلّ فى ذلك: ﴿لَقْدْ
نَصَرَكُمُ اللهُ فى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ .. ) الآية.
قال: حدثنى محمد بن عبد الله. عن الزّهرىّ. عن عُبيد الله بن عبد الله
ابن عُتبة، عن ابن عبّاس. قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
خير الأصحاب أربعة ، وخير السرايا أربعمائة ، وخير الحيوش أربعة
آلاف، ولا تُغذّب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة .. كُلِمَتهم واحدة.
قالوا : وخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ناسٌ من المشركين كثيرٌ.
منهم صفوان بن أُمَيّة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد استعار منه
مائة دِرْعٍ بأداتها كاملة. فقال: يا محمّد . طوعاً أو كرهاً ؟؟ فقال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم : عاريةٌ مُوَّدَّة! وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
لصّفوان: اكفِنا حَمْلَها. فحملها صفوان على إبله حتى انتهَوْا إِلى أَوْطاس،
فدفعها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
حدّثنا مَعْمَر ، عن الزُّهرىّ. عن سنان بن أبى سِنان الدِّيلِىّ ، عن أَبِى
واقد اللَّيْىّ ... وهو الحارث بن مالك .. قال: خرجنا مع رسول الله صلّى الله
عليه. وسلَّم إِلى حُفّين . وكانت لكفَّار قُرَيش ومَن سواهم من العرب شجرةٌ
عظيمةٌ خضراءُ يقال لها ذات أَنْواط (١)، يأُتُونِها كلَّ سنة يُعلّقون عليها
أسلحتهم ، ويذبحون عندها. يَعكُفون عليها يوماً. قال : فرأينا يوماً .
ونحن نسير مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، شجرةٌ عظيمةٌ خضراء، فسترتشا (٢)
(١) فى الأصل: ((ذات أنوط». وما أثبتناه هو قراءة ث، وهو كذلك فى كل المراجع.
(٢) فى الأصل: " فاترتنا)).
٨٩١
من جانب الطريق ، فقلنا : يا رسول الله ، اجعلْ لنا ذات أنواط كما لهم
ذات أنواط . قال: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : الله أكبر !
الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا
لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾(١) إِنها للسَّن. سنّن مَن كان
قبلكم .
حدّثنى ابن أبى حبيبة. عن داود بن الحُصّين، عن عِكْرِمَة ، عن ابن
عَبّاس رضى الله عنه، قال : كانت ذات أنواط شجرةً عظيمة . أَهل
الجاهليّة يذبحون بها ويَعُّفون عليها يوماً. وكان مَن حجّ منهم وضع رداءه
عندها . ويدخل بغير رداء تعظيماً لها، فلمّا مرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
إلى حُنّين قال له رَهْطٌ. من أصحابه ، فيهم الحارث بن مالك : يا رسول
الله. اجعلُ لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فكبّر رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم ثلاثاً، وقال : هكذا فعل قوم موسى بموسى.
قال : قال أبو بُرْدَة بن نِيار : لمّا كثَّا دون أوطاس نزلنا تحت شجرة
ونظرنا إلى شجرة عظيمة ، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم تحتها، وعلَّق
بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سيفه وقوسه. قال: وكنت مِن أُقرب
أصحابه إليه . قال : فما أفزعنى إِلَّا صوتُه: يا أَبا بُرْدَة ! فقلت: لبّيك!
فأقبلتُ سريعاً، فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالسٌٍ وعنده رجلٌ جالس،
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إِنَّ هذا الرجل جاء وأنا نائمٌ، فسلّ
سيفى ثم قام به على رأسى ففَزِعتُ به ، وهو يقول: يا محمّد، مَن يُؤمّنك
مثِّى اليوم ؟ قلت : اللهُ! قال أَبو بُرْدَة: فوثبت إلى سيفى فسللته، فقال
(١) سورة ٧ الأعراف ١٣٨