Indexed OCR Text
Pages 321-340
٧٣٤ قال أبو قتادة : ثم حجّ حَجّة الوداع. فأَحرم من البَيْداءِ ، وهذه العمرة من المسجد؛ لأَنّ طريقه ليس على البَيْداءِ. قال ابن واقد: فسار رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم يُلبّى، والمسلمون يُلبّون، ومضى محمّد بن مَسْلَمَة بالخيل إِلى مَرّ الظَّهْران، فيجد بها نفرًا من قُرَيش فسأَلوا محمّد بن مَسْلَمة فقال : هذا رسول الله ، يُصبِّح هذا المنزل غدًا إن شاء الله. فرأوا سلاحًا كثيرًا مع بَشير بن سعد ، فخرجوا سِراءًا حتى أَتوا قُرَيْشًا فأخبروهم بالذى رأوا من الخيل والسلاح ، ففزعت قُرَيش فقالوا: واللهِ ما أَحدثْنا حَدَثًا، ونحن على كتابنا ومدّتنا ، ففيمَ يغزونا محمّد فى أصحابه ؟ ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم مَرّ الظَّهْران، وقدّم رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم السلاح إلى بطن يَأْجَج حيث ينظر إِلى أَنصاب الحرم ، وبعثت قُرَيْشٌ مِكْرَز بن حفص بن الأحنف فى نفرٍ من قُرَيْشٍ حتى لقوه ببطن يَأْجَج ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى أَصحابه والهَدْى والسلاح، قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمّد! واللهِ ما عُرِفِتَ صغيرًا ولا كبيرًا بالغَدر! تدخل بالسلاح الحَرَم على قومك ، وقد شرطتَ أَلَّا تدخل إلّا بسلاح المسافر؛ السيوف فى القُرُب! فقال رسول اللّه صَّى الله عليه وسلَّم: لا ندخلها إلّا كذلك. ثم رجع سريعًا بأصحابه إلى مكَّة فقال: إنَّ محمَّدًا لا يدخل بسلاحٍ، وهو على الشَّرط الذى شرط. لكم. فلمّا جاءً مِكْرَز بخبر النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم خرجت قُرَيْشٌ من مكّة إِلَى رُءُوس الجبال ، وخلّوا مَّة، وقالوا: ولا ننظر إليه ولا إلى أصحابه. وأمر رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم بالهَدْى أَمامه حتى حُبس بذى طُوَّى. وخرج رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم وأصحابه رحمهم الله، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ٧٣٥ على راحلته القَصواء، وأَصحابه مُحدقون(١) برسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ، متوشّحو السيوف یُلبّون ؛ فلمّا انتھی إلی ذی طُوَّی وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القَصواء والمسلمون حوله، ثم دخل من الثَّنيّة التى تُطلعه على الحَجون على راحلته القصواء ، وابن رَواحة آخذٌ بزِمام راحلته . فحدّثْنى سَعيد بن مُسلم ، عن زيد بن قُسَيط. ، عن عُبيد بن خديج ، عن رجلٍ من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم، أَنّ النبيّ صلّى اله عليه وسلَّم لم يقطع التلبية حتى جاءَ عُروشَ(٢) مكَّة. حدّثنى أسامة بن زيد، عن عمرو بن شُعَيب ، عن أبيه ، عن جدّه ، أَنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم لبّى حتى استلم الرُّكن. حدّثْنى عائذ بن يَحْيَى، عن أبى الحُوَيَرث، قال: وخلّف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم مائتى رجل على السلاح، عليهم أَوس بن خَلّ. حدّثنى يعقوب بن محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أَبِى صَعْصَعة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أُمّ عُمارة ، قالت : شهدتُ عمرة القضيّة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وكنت قد شهدت الحُدَيبية ، فكأَّنى أَنظر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم حين انتهى إلى البيت ، وهو على راحلته وابن رَواحة آخذٌ بزِمام راحلته - وقد صفّ له المسلمون - حين دنا من الرُّكن حتى انتهى إليه، فاستلم الرُّكن بمِحْجَنه مُضطبعًا(٣) بثوبه، على راحلته ، (١) فى الأصل: ((محدقين)). (٢) أى بيوتها، وسميت عروشاً لأنها كانت عيدانا تنصب ويظلل عليها، واحدها عرش. (النهاية، ج ٣ ، ص ٨١) . (٣) الاضطباع: هو أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسله تحت إبطه الأيمن ويلقى طرفيه على كتفه الأيسر . (النهاية، ج ٣، ص ١٢) . ٧٣٦ والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم ، وعبد الله بن رواحة يقول : إِنّى شَهِدتُّ أَنّه رسوله خَلّوا بنى الكُفَارِ عن سَبيله نحن قتلناكم على تَأْويله حَقًّا وكلّ الخَيرِ فِى سَبيله ضَربًا يُزيلُ الهامَ عن مَقِيله(١) كَما ضربناكم علَى تنْزيله ويُدْهل (٢) الخَليلَ عن خليله فقال عمر بن الخطّاب: يا ابن رَواحة! فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم : يا عمر ، إِنى أسمع ! فأَسكت عمر . فحدَّثنى إسماعيل بن عَبّاس، عن ثابت بن العجلان، عن عطاء بن أبى رباح ، قال : نزل جبريل عليه السلام على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم فقال: إِنَّ المشركين على الجبل وهم يرونكم ، آمشوا ما بين اليمانى والأسود . ففعلوا . ءَ وحدَّثَنِى إِبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحُصَين ، عن عِكْرِمَة ، عن ابن عبّاس ، قال: طاف رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم بالبيت وبين الصَّفا والمَرْوة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند المَرْوَة عند فراغه، وقد وقف الهَدْى عند المَرْوَة، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم: هذا المَنْحَر، وكلّ فِيجاج مكَّة مَنْحر! فنحر عند المَرْوَة . وقال ابن واقد : وكان قد اعتمر مع النبى صلّى الله عليه وسلَّم قوم لم يشهدوا الحُدَيبية فلم ينحروا، فأما مَن كان شهد الحُدَيبية وخرج فى القضيّة فإِنهم شرِكوا فى الهَدْى. حدَّثنى يعقوب بن محمَّد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى (١) الهام: جمع هامة وهو الرأس هنا. ومقيله: مستعار من موضع القائلة، ويريد الأعناق. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٥٣) . (٢) يذهل: أى يشغل. (شرح أبى ذر، ص ٣٥٣). ٧٣٧ صعْصَعة ، عن الحارث بن عبد الله، عن أُم عُمارة، قالت: لم يتخلَّف أَحدٌ من أَهل الحُديبية إلّ اعتمر عمرة القضيَّةِ، إِلّ من مات أو قُتْل؛ فخرجتُ ونسوةٌ معى فى الحُدَيبية فلم نصل إلى البيت، فقصّرن من أَشعارهن بالحُدَيبية ثم اعتمرن(١) مع النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم، قضاءً لعمرتهنّ، ونحر رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم بين الصَّفا والمرْوَة. وكان ممَّن شهد الحُدَيبية وقُتل بِخَيْبَر ولم يشهد عمرة القضيّة: ربيعة بن أَكْثَم، ورِفاعة بن مسروح(٢)، وثَقْف بن عمرو، وعبد الله بن أَبِى أُمَيّة بن وهب الأَسدى ، وأبو صيّاح ، والحارث بن حاطب، وعَدىّ بن مُرة بن سُراقة، وأَوس بن حبيب، وأُنَيف ابن وائل، ومسعود بن سعد الزُّرَفىّ، وبِشر بن البَراءِ، وعامر بن الأَحْوَع . وكان ابن عَبَّاس رضى الله عنه يحدّث أَنَّ رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم أمرهم فى القضية أَن يُهدوا، فمن وجد بَدَنَة من الإِبل نحرها، ومن لم يجد بُدَنَة رُخِّص لهم فى البقرة ؛ فقدم فلان ببقرٍ اشتراه الناس منه. حدَّثى حزام بن هشام ، عن أبيه ، أَنَّ خِراش بن أمية حلق رأس رسول الله صَلَى الله عليه وسلم عند المَرْوَة . حدَّثَنِى عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن خِبان ، أَنَّ الذى حلقه معمر بن عبد الله العدوى . حدَّثنى على بن عمر ، عن عبد الله بن محمد بن عُقيل ، عن سعيد ابن المسَّيِّب ، قال: لما قضى رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم نسُكه دخل البيت ، فلم يزل فيه حتى أَذّن بِلالُ بالظُّهر فوق ظَهر الكعبة ، كان رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم أمره بذلك. فقال ◌ِكْرمة بن أبى جَهل: لقد أَكرم )له (١) فى الأصل: ((اعتمرت)). (٢) فى الأصل: ((مشروح))، وما أثبتناه عن كل مراجع السيرة الأخرى. ٧٣٨ أَبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول ! وقال صفوان بن أُمَيّة : الحمد لله الذى أَذهب أبى قبل أن يرى هذا ! وقال خالد بن أَسيد : الحمد لله الذى أَمات أبى ولم يشهد هذا اليوم ، حين يقوم بِلال بن أُمِّ بِلال ينهَق فوق الكعبة! وأَما سُهَيل بن عمرو ورجالٌ معه ، فحين سمعوا ذلك غطّوا وجوههم. حدّثنى إِبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحُصَين . قال : لم يدخل رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم الكعبة فى القضيّة. قد أرسل إليهم رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم، فأَبوا وقالوا: لم يكن فى شَرطك. وأمر بِلالًا فأَذْن فوق الكعبة يومئذٍ مرةً ولم يعُدْ بعدُ ، وهو الثبْت . حدّثنى ابن أبى حَبيبة، عن داود بن الحُصَين ، عن عِكْرِمَة ، عن ابن عَبّاس، أَنّ النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم خطب مَيمونة وهو مُحرم ، فجعلت أَمَرَها إِلى العبّاس بن عبد المطّلب، فزوّجها النبىَّ صَّى الله عليه وسلَّم وهو مُحرم. حدّثنى هِشام بن سعد، عن عطاء الخُراسانىّ، عن سعيد بن المُسَيِّب ، قال : لمّا حلّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم تزوّجها . حدّثنى ابن أبى حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عِكرِمَة ، عن ابن عَبَّاس، قال : إِنّ عُمارة بنت حمزة بن عبد المطّلب وأُمّها سَلمى بنت عُميس كانت بمكّة ، فلما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كلَّم عَلَىّ عليه السلام النبىّ صَّى الله عليه وسلَّم، فقال: علامَ نترك بنت عمّنا يَتيمةٌ بين ظهرى المشركين؟ فلم ينْهَهُ النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم عن إخراجها ، فخرج بها؛ فتكلَّم زيد بن حارثة ، وكان وَصِىِّ حَمزة، وكان النبىّ صَلَى الله عليه ٧٣٩ وسلَّم آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين ، فقال: أَنا أَحقّ بها ، ابنةُ أَخِى! فلمّا سمع ذلك جَعْفَر قال: الخالة والدةُ، وأَنا أَحق بها لمكان خالتها عندى ، أَسماءَ بنت عُمَيس. فقال علىّ عليه السلام : أَلا أَراكم فى ابنة عَمِّى (١)، وأَنا أَخرجتُها من بين أَظُهُر المُشركين . وليس لكم إِليها نسبٌ دونى، وأَنا أَحقّ بها منكم ! فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم : أَنا أَحكمُ بينكم! أَما أَنت يا زيدُ فمولى الله ورسولهِ، وأَما أَنت يا عَلىّ فأَخى وصاحبى، وأَما أَنت يا جعْفَرُ فَتُشبِهِ خَلْقَى وخُلُقى، وَأَنت يا جَعْفَرُ أَحقُّ بها ! تحتك خالتُها ، ولا تُنكّحِ المرأةُ على خالتها ولا على عمّتها. فقضى بها لِجَعْفَر. قال ابن واقد : فلما قضى بها لِيجَعْفر قام جَعْفر فيحَجَل حول رسول الله صََّى الله عليه وسلَّم ، فقال رسول الله صََّى الله عليه وسلَّم: ما هذا يا جَعْفر؟ قال: يا رسول الله، كان النَّجاشىّ إِذا أَرضى أَحدًا قام فحَجَل حوله . فقيل للنبى صَلّى الله عليه وسلَّم : تَزوَّجْها! فقال: ابنةُ أَخى من الرَّضاعة! فزوجها رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم سَلَمَة بن أَبِى سَلَمَة . فكان النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم يقول: هل جزيتُ (٢) مَلَمَة ؟ حدّثنى عُبَيد الله بن محمد قال : فلما كان عند الظّهر يوم الرابع ، أَتِى سُهَيل بن عمرو ، وحُويطب بن عبد العُزّى - ورسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى مجلسٍ من مجالس الأَنصار يتحدّث معه سعد بن عُبادة - فقال : قد انقضى أَجلُك، فاخْرُجْ عنّا ! فقال النبيُّ صَلَى الله عليه وسلَّم : وما عليكم لو تركتمونى فأَعرستُ بين أَظهُركم (٣). فصنعتُ لكم طعامًا؟ فقالا: لا حاجةً (١) يريد ألا أراكم تختلفون فى أمر ابنة عمى. (٢) وذلك أنه هو الذى كان قد زوج أمه، أم سلمة، النبى صلى الله عليه وسلم. (٣) يريد إعراسه بزواج ميمونة . ٧٤٠ لنا فى طعامك ، اخْرُجْ عنا ! ننشدك الله يا محمّد والعهد الذي بيننا وبينك إلّا خرجتَ من أَرضنا ؛ فهذه الثلاثُ قد مضت! وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لم ينزل بيتًا، وضُربت له قبَّةٌ من الأَدَمِ بِالأَبْطَح، فكان هناك حتى خرج منها ، لم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها . فغضب سعد ابن عُبادة لِما رأَى من غلظة كلامهم للنبىّ صلّى الله عليه وسلَّمْ، فقال. لُهَيل : كذبت لا أُمَّ لك، ليست بأَرضك ولا أَرْضِ أَبيك! والله لا يبرح منها إلّا طائعًا راضيًا. فتبسّم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم ثم قال: يا سعد . لا تُؤْذِ قومًا زارونا فى رِ حالنا. قال: وأسكت الرجلان عن سعد. قال : ثم أَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أَبا رافع بالرَّحيل، وقال: لا يُمسينَّ بها أحدٌ من المسلمين. وركب رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم حتى نزل سرِف، وتتامًّ الناسُ، وخلَّف أَبا رافع ليحمل إليه زوجته (١) حين يُمسى ، وأقام أَبو رافع حتى أَمسى، فخرج بمَيمونة ومَن معها، فلقوا عَناءِ (٢) من سُفهاءٍ المشركين، آذوا بألسنتهم (٣) النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم. وقال لها أَبو رافع - وانتظر أَن يَبْطِش (٤) أَحدٌ(٥) منهم فيستخلى به (٦)، فلم يفعلوا - ألا إنى قد قلتُ لهم: ((ما شئتم! هذه واللهِ الخيل والسلاح ببطن يَأْجّج!)) وإذا الخيل قد قربت فوقفت لنا هنالك والسلاح، وقد كان رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم أمر مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يَأْجَّج فيُقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نُسُكهم ففعلوا ، فلما (١) أى بيمونة. (٢) فى الأصل: ((عينا))؛ والتصحيح من الزرقانى يروى عن الواقدى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣١٤). (٣) فى الأصل: ((أدنى ألسنتهم النبى صلى اللّه عليه وسلم)). وما أثبتناه يقتضيه السياق. (٤) البطش: الأخذ القوى الشديد. (النهاية، ج ١، ص ٨٣). (٥) فى الأصل: ((أحداً)). (٦) فى الأصل: ((منه)). ٧٤١ انتهينا إلى بطن يَأْجَج ساروا معنا ، فلم نأْتِ سرِفٍ حتى ذهب عامّة الليل ، ثم أَتينا سَرِف، فبنى عليها رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم. ثم أَدلج حتى قدم المدينة . سريّةٌ ابن أَبِى العَوجَاءِ السُّلَمىّ فى ذى الحجّة سنة سبع حدّثنى محمّد ، عن الزُّهرى، قال: لما رجع رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم من عمرة القضاء سنة سبع - رجع فى ذى الحجة سنة سبع - بعث ابن أبى العَوْجاءِ السُّلَمِىّ فى خمسين رجلاً، فخرج إلى بنى سُلَيم. وكان عين لبنى سُلَيم معه، فلما فصل من المدينة خرج العين إلى قومه فحذّرهم وأخبرهم ، فجمعوا جمعًا كثيرًا. وجاءَهم ابن أبى العَوْجاءِ والقوم مُعدّون له ، فلمّا رآهم أصحاب رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإِسلام ، فرشقوهم بالنَّبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجةَ لنا إِلى ما دعوتم إِليه . فراموهم ساعة، وجعلت الأَمداد تأتى حتى أحدقوا بهم من كلِّ ناحية ، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامّتهم ، وأُصيب صاحبُهم ابن أبى العَوْجاء جريحًا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم . إسلام عمرو بن العاص حدّثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أَبيه ، قال : قال عمرو بن العاص : كنت للإِسلام مُجانِبًا مُعانِدًا ، فحضرتُ بدرًا مع المشركين فنجوت ، ثم حضرت أُحُدًا فنجوت، ثم حضرت الخَنْدَق(١) فقلت فى نفسى : كم (١) فى ابن كثير عن الواقدى: ((ثم حضرت الخندق ونجوت)). (البداية والنهاية ، ج٤، ص ٢٣٦) ٧٤٢ أُوضِع (١)؟ واللهِ ليظهرنّ محمّد على قُرَيش! فخلَّفتُ (٢) مالى بالرَّمْط. وأَفلتُّ يعنى من الناس - فلم أَحضر الحُدَيبيةً ولا صُلحَها، وانصرفَ رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلَّم بالصُّلْحِ ورجعتْ قُرَيش إلى مكَّة، فجعلتُ أَقول : يدخل محمد قابِلًا مكَّة بأصحابه؛ ما مكَّة بمنزِلٍ ولا الطَّائف ، وما من شىءٍ خير من الخروج. وأَنا بعدُ ناتٍ (٣) عن الإِسلام، أَرى لو أَسلمت قُرَيش كلّها لم أُسلم . فقدمتُ مكَّة فجمعتُ رجالًا من قومى كانوا يرون رأبى ويسمعون منى ويُقدِّموننى فيما نابهم . فقلت لهم : كيف أَنا فيكم ؟ قالوا : ذو رأينا ومِدْرُهُنا (٤). مع يُمن نفسٍ وبركة أَمر(٥). قال، [قلت]: تعلمون واللهِ أَنى لأَّرى أَمر محمّد أَمرًا يعلو الأُمورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وإِنى قد رأيتُ رأيًا . قالوا : ما هو ؟ قال: نَلحق بالنَّجاشىّ فنكون عنده، فإِن كان يظهر محمّدٌ كنا عند النَّجاشىّ، فتكون تحت يد النَّجاشىّ أَحبّ إلينا من أن نكون تحت يد محمّد ؛ وإن تظهر قُريش فنحن من قد عرفوا . قالوا : هذا الرأى ! قال : فاجمعوا ما تُهْدونه له . وكان أَحبّ ما يُهدَى إليه من أرضنا الأَدم. قال : فجمعنا أَدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا على النَّجاشىّ، فواللهِ إِنَّا لعنده إِذ جاءَ عمرو بن أُمَية الضَّمْرِىّ، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد بعثه إِليه بكتابٍ كتبه إليه يُزوِّجه أُمَّ حَبيبة بنت أبى سُفيان ، فدخل (١) أوضع البعير راكبه: إذا حمله على سرعة السير. (النهاية ، ج ٤، ص ٢١٦). (٢) فى ابن كثير عن الواقدى: ((فلحقت بمالى بالرهط وأقللت من الناس)). (البداية والنهاية، ج ١، ص ٢٣٦) . (٣) فى ابن كثير عن الواقدى: ((فأنا نائى)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٦). (٤) المدره: السيد الشريف، والمقدم فى اللسان واليد عند الخصومة والقتال. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٨٣) . (٥) فى الأصل: ((مع يمن بفيته وبركة)). وفى ابن كثير عن الواقدى: ((فى يمن نفسه وبركة أمر)). ( البداية والنهاية، ج ٤ ، ص ٢٣٦) . ٧٤٣ عليه ثم خرج من عنده ، فقلتُ لأَصحابى : هذا عمرو بن أُمَيَّة . ولو قد دخلتُ على النَّجاشىّ وسأَلْتُه إِيّاه فأعطانيه فضربتُ عنقه ، فإذا فعلتُ ذلك سُرّت قريش وكنتُ قد أَجزأْتُ(١) عنها حين قتلتُ رسول محمّد. قال: فدخلتُ على النَّجاشىّ فسجدت له كما كنت أصنع . فقال: مرحبًا بصديقى! أَهْديتَ لى مِن بلادكِ شيئًا ؟ قال: فقلت : نعم أَيّها الملك ، أهديتُ لك أَدَمًّا كثيرًا. ثم قربته إِليه، فأَعجبه ، وفرّق منه أَشياء بين بطارقته ، وأَمر بسائره فأُدخل فى موضعٍ ، وأمر أَن يُكتَب ويُحتفظ به . فلمّا رأيت طِيب نفسه قلت : أَيّها الملك ، إِلى قد رأيتُ رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدوٌّ لنا ؛ قد وَتَرَنا وقتل أشرافَنا وخيارَنا فأَعطِنِيه فأَقتله! فرفع يده فضرب بها أَنفى ضربةٌ ظننتُ أَنه كسره ، وابتدر مِنخارى، فجعلتُ أَتلقَّى الدم بثيابى ، وأَصابنى من الدُّلِّ ما لو انشقّت بى الأَرضُ دخلتُ فيها فَرَقًا منه . ثم قلت له : أَيّها الملك ، لو ظننتُ أَنك تكره ما فعلتُ ما سأَلتُك. قال : واستحي وقال : يا عمرو، تسألنى أَن أُعطيك رسولَ رسولِ الله - مَن يأتيه. الناموسُ الأَكبر الذى كان يأْتِى موسى ، والذى كان يأتى عيسى بن مريم - لتَقتله ؟ قال عمرو : وغيّر اللهُ قلبى عما كنتُ عليه ، وقلتُ فى نفسى : عرف هذا الحقَّ العربُ والعجمُ وتُخالف أَنت؟ قلت: أَتَشْهَد أَيّها الملك بهذا؟ قال : نعم ، أَشهدُ به عند الله يا عمرو فأَطِعِنِى وَاتَّبَعْه؛ واللهِ إنه لعلى الحقّ ، وليظهرن على كلّ (٢) دينٍ خالفه. كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلت: أَفتبايعنى على الإِسلام ؟ قال : نعم. فبسط يده فبايعتُه على الإِسلام، (١) أجزأت عنها: أى كفيتها. (شرح أبى ذر، ص ٣٢٧). (٢) فى ابن كثير عن الواقدى: ((على من خالفه)). (البداية والنهاية، ج٤، ص ٢٣٧). ٧٤٤ ودعا لى بطَسْتِ فغسل عنّى الدم وكسانى ثيابًا. وكانت ثيابى قدامتلأت من الدم فأَلقيتُها . ثم خرجت إلى أصحابى فلما رأَوا كُسوة الملك سُرّوا بذلك وقالوا : هل أَدركتَ من صاحبك ما أردتَ؟ فقلت لهم : كرهتُ أَن أُكلِّمه فى أَوَّل مرّة وقلت أَعود إليه. قالوا: الرأى ما رأيتَ! وفارقتُهم كأَنَى أَعمِد الحاجة فعمِدت إلى موضع السُّفُن، فأَجد «سفينةً قد شُحنت بِرُقَعٍ (١)، فركبتُ معهم ودفعوها حتى انتهوا إِلى الشُّعيْبَةِ(٢)، وخرجتُ من الشُّعَيْبة ومعى نَفَقَةٌ. فابتعتُ بعيرًا وخرجت أُريد المدينة حتى حرجت على مَرّ الظَّهْران . ثم مصيتُ حتى كنت بالهَدَّة . إِذا رجلان قد سبقالى بغير كثير يُريدان منزلاً، وأحدهما داخلٌ فى خيمة، والآخر قائمٌ يُمسك الراحلتين، فنظرتُ وإِذا خالد بن الوليد، فقلت : أَبا سُلَيمان؟ قال : نعم. قلت : أين تُريد؟ قال : محمّدًا ، دخل الناس فى الإِسلام فلم يبق أَحد به طَمَعٌ (٣) ؛ واللهِ لو أَقمنا لأَّخذ برِقابنا كما يُؤخذ برَقَبَةِ الضَّبُع فى مغارتها . قلت : وأَنا واللهِ قد أَردت محمّدًا وأردت الإِسلام. وخرج عُثمان بن طلحة فرّب بى فنزلنا جميعًا فى المنزل ، ثم ترافقنا (٤) حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أَبى عِنَبَة يصيح: يا رَباح ! يا رباح! فتفاءلنا بقوله وسرنا ، ثم نظر إِلينا فأَسمعه يقول: قد أَعطت مكَّة المَقادة بعد هذين! فظننت أنه يعنينى وخالد بن الوليد، ثم ولّى مُدبرًا إلى المسجد سريعًا (١) فى ابن كتير عن الواقدى": ((فد شحنت تدفع)). (البداية والنهاية، ج٤، ص ٢٣٧). ورقع : جمع رقعة، كهمزة: شجرة عظيمة. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣١). (٢) فى ابن كثير عن الواقدى: ((الشعبة)). (البداية والنهاية، ج ١، ص ٢٣٧). والشعيبة: على شاطئ البحر بطريق اليمن. ( معجم ما استعجم ، ص ١٨٤). (٣) فى ابن كثير عن الواقدى: ((طعم)). (البداية والنهاية، ج٤، ص ٣٣٧). (٤) فى ابن كثير عن الواقدى: ((ثم اتفقنا)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٨). ٧٤٥ فظننت أنه يُبشّر رسولَ الله صَلّى الله عليه وسلَّم بقدومنا، فكان كما ظننتُ. وأَذَخنا بالحَرَّةِ فلبسنا من صالح ثيابنا، وذُودى بالعصر فانطلقنا جميعًا حتى طلعنا عليه صلوات الله عليه ، وإِنّ لوجهه تهلّلًا ، والمسلمون حوله قد سُرّوا بإسلامنا. فتقدّمَ خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدّم عُثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدّمتُ ، فواللهِ ما هو إلّا أَن جلستُ بين يديه فما استطعت أَن أَرفع طرْفى إِليه حياءً منه، فبايعته على أَن يُغَفَر لى ما تقدم من ذنبى ، ولم يحضرنى ما تأخّر. فقال: إِنّ الإِسلام يَجُبّ ما كان قبله، والهجرة تَجُبّ ما كان قبلها. [قال]: فواللهِ ما عدل بى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه فى أمرٍ حَزَبه(١) منذ أَسلمنا، ولقد كنَّا عند أبى بكر بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة ، وكان عمر على خالد كالعاتب . قال عبد الحَميد : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبى حَبيب فقال : أَخبرنى راشدٌ مولى حَبيب بن أبى أُوَيس ، عن حَبيب بن أَوْس الثَّقَفىّ ، عن عمرو ، نحو ذلك. قال عبد الحَميد : فقلت ليَزيد : فلم يُوقَّت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إِلَا أَنه قُبَيل الفَتْح، قلت: وإِنّ أَبى أخبرنى أَنّ عمرًا، وخالدًا ، وعُثمان بن طلحة، قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان . وأخبرنا أَبو القاسم عبد الوهاب بن أبى حبيبة ، قراءةً عليه ، حدّثنا محمّد بن شُجاع قال - حدّثنا محمد بن عمر الواقديّ قال ، فحدثنى يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ، سمعتُ أَبى (١) فى الأصل: ((جر به))؛ والتصحيح عن ابن كثير من الواقدى. (البداية والنهاية، ج ؛ ، ص ٢٣٨) . ٧٤٦ يُحدّث يقول: قال خالد بن الوليد: لما أراد اللهُ بى من الخير ما أراد قذف فى قلبى حُبَّ الإِسلام ، وحضرنى رُشدى ، وقلت : قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمّدٍ، فليس موطنٌ أَشهده إِلَّا أَنصرف وأَنا أَربى فى نفسى أَنى مُوضِع فى غيرشىءٍ وأَنَّ محمدًا سَيظهر. فلما خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحُدَيبية خرجت فى خيلٍ من المشركين فلقيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَصحابه بعُسْفان ؛ فقمتُ بإِزاءه وتعرّضت له ، فصلَّ بأصحابه الظهر آمناً منَّا، فهممنا (١) أَن نغير عليه، ثم لم يُعزّم لنا - وكانت فيه خِيرةٌ - فاطّلع على ما فى أنفسنا من الهُموم فصلَّ بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منِّى مَوقعاً وقلت: الرجل (٢) مَمنوع ! وافترقنا (٣) وعدل عن سَنّن (٤) خيلنا وأخذ ذات اليمين؛ فلمّا صالح قُرَيشاً بالحُدَيبية ودافعته قُرَيْشٌ بالرَّواح(٥) قلت فى نفسى: أى شىءٍ بقِى؟ أين المذهب إِلى النَّجاشىّ؛ فقد اتّبعَ محمّدًا، وأصحابه آمنون عنده، فأَخرجُ إِلى هِرَقل؟ فأَخرجُ من دينى إلى نصرانيّةٍ أَو يهوديّة، فأُقيم مع عَجمِ تابعاً ، أو أُقيم فى دارى فيمن بقى ؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى عُمرة القَضيَّة ، فتغيّبتْ فلم أَشهد دخوله ، (١) فى الأصل: ((فهمينا)). (٢) فى الأصل: ((الرجوع ممنوع))؛ وما أثبتناه من ابن كثير عن الواقدى. (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٩) . (٣) فى ابن كثير عن الواقدى: ((فاعتزلنا)). (البداية والنهاية، ج٤، ص ٢٣٩). (٤) فى ابن كثير عن الواقدى: ((عن سير خيلنا)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٩). وعن سنن الخيل: أى عن وجهه. ( الصحاح ، ص ٢١٣٩). (٥) فى الأصل: ((بالراح))؛ وما أثبتناه من ابن كثير عن الواقدى. ( البداية والنهاية، ج ٤ ، ص ٢٣٩) والرواح: نقيض الصباح، وهو اسم الوقت من زوال الشمس إلى الليل. ( الصحاح ص ٢٦٧ ) . ٧٤٧ وكان أَخى الوليد بن الوليد قد دخل مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى عُمرة القَضيّة، فطلبنى فلم يجدنى فكتب إلىّ كتاباً فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أَما بعد : فإنى لم أَرَ أَعجب من ذَهاب رأيك عن الإِسلام ، وعَقْلك عَقْلُك! ومثل الإِسلام جَهِلَه أحدٌ ؟ وقد سأَلّى رسولُ اللّه صَلَّى الله عليه وسلَّم عنك فقال: أَين خالد ؟ فقلت: يأتى الله به. فقال: ما مثله جهل الإِسلام! ولو كان جعل نِكايتَه وجِدَّه مع المسلمين على المشركين ، لكان خيراً له، ولقدّمْناه على غيره. فاستدركْ يا أَخى مافاتَك، فقد فاتَتْكَ مَواطنُ صالحة . قال : فلمّا جاءنى كتابه نشِطتُ للخروج ، وزادنى رغبةً فى الإِسلام وسرّنى مَقالةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . قال خالد : وأرى فى النوم كأَنِى فى بلادٍ ضَيِّقَةٍ جَديبة، فخرجت إلى بلدٍ أَخضرَ واسع ، فقلت إنَّ هذه ◌َرُويا . فلمّا قدمتُ المدينة قلت: لأَّذكرنَّها لأَّبِى بكر . قال : فذكرتُها فقال: هو مَخرجك الذى هداك اللهُ للإِسلام ، والضِّيق الذى كنتَ فيه من الشِّرك . فلمَّا أَجمعتُ الخروج إلى رسول الله صلَّى اله عليه وسلَّم قلت : من أُصاحب إلى رسول الله ؟ فلقيتُ صفوان بن أُمَية فقلت: يا أَبًا وَهب، أَما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أَكَلَةُ رأسٍ (١)، وقد ظهر محمّدٌ على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمّدٍ فاتَّبعناه فإنَّ شَرَف محمّدٍ لنا شَرَفٌ . فِأَى أَشدَّ الإِباءِ وقال: لو لم يبق غيرى من قُرَيش ما اتَّبعتُه أبدًا . فافترقنا وقلت : هذا رجلٌ مَوتور يطلب وترًا، قد قُتل أَبوه وأَخوه ببدر . فلقيت عكْرِمَة بن أبى جَهل فقلت له مثل الذى قلت لصفوان، فقال لى مثل ما (١) فى ابن كثير عن الواقدى: ((إنما نحن كأضراس)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٩). وقولهم هم أكلة رأس، أى هم قليل يشبعهم رأس واحد، وهو جمع آكل. (الصحاح، ص ١٦٢٤). ٧٤٨ قال صَفوان ، قلت : فاطوٍ ما ذكرتُ لك . قال : لا أذكره وخرجتُ إلى منزلى فأمرت براحتى تُخرج إلىّ، فخرجتُ بها إِلى أَن أَلتى عُثمان بن طلحة فقلت : إِنَّ هذا لى لصديقٌ ولو ذكرتُ له ما أُريد ! ثم ذكرت مَن قُتل من آبائه فكرهتُ أُذكِّره، ثم قلت: وما علىّ وأنا راحلٌ من ساعتى. فذكرتُ له ما صار الأمر إليه فقلت : إنما نحن بمنزلة ثَعلب فى جُحْرٍ ، لو صُبَّ عليه ذنوبٌ(١) من ماءٍ لخرج. قال: وقلت له نحوًا ممّا قلت لصاحبيه ، فأَسرع الإِجابة وقال : لقد غدوتَ اليوم وأَنا أُريد أَن أَغدو ، وهذه راحلتى بفَخٍّ(٢) مُناخةٌ. قال: فاتَّعدتُ أَنا وهو بيَأْجَج، إن سبقنى أَقَام وإِن سبقتُهُ أَقمتُ عليه. قال: فأَدلجنا سَحَرًا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيَأْجَج؛ فغدونا حتى انتهينا إلى الهَدَّة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال : مرحباً بالقوم ! فقلنا : وبِك! قال: أَين مَسيركم ؟ قلنا : ما أُخرجك ؟ قال : فما الذى أخرجكم؟ قلنا: الدخول فى الإسلام واتِّباع محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم . قال : وذلك الذى أقدمنى . قال : فاصطحبْنا جميعاً حتى قدمنا المدينة فأَنخنا بظاهر (٣) الحَرَّة ركابنا، فأُخبر بنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم فسُرّ بنا؛ فلبستُ من صالح ثيابى ، ثم عمدت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فلقينى أَخى فقال : اسرعْ فإِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أُخبِر بك فسُر بقدومك وهو ينتظركم . فأَسرعتُ المشى فطلعت عليه ، فما زال يتبسّم إلىّ حتى وقفت عليه ، فسلَّمت عليه بالنبوّة (١) الذنوب: الدلو العظيمة. (النهاية، ج ٢، ص ٥١). (٢) فى ابن كثير عن الواقدي: ((بفج)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٩). وفخ: وادبمكة. ( معجم البلدان ، ج ٦، ص ٣٤١) . (٣) فى ابن كثير عن الواقدى: ((بظهر الحرة)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٣٩). ٧٤٩ فرد على السلام بوجهٍ طَلْق، فقلت: إنى أَشهد أن لا إله إِلَّ الله وَأَنك رسول الله . فقال : الحمد لله الذى هَداك! قد كنتُ أَرى لك عقلاً رجوت أَلَّا يُسلمك إلّا إلى الخير. قلت: يا رسول الله، قد رأيتَ ما كنتُ أَشهدُ من تلك البَواطن عليك مُعانِدًا عن الحق ، فادعُ الله أن يغفرها لى فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : الإِسلام يجُبّ ما كان قبله قلت: يا رسول الله ، على ذلك ؟ فقال : اللَّهِمّ اغفرْ لخالد كلّ ما أَوضع فيه مِن صَدٍّ عن سبيلك. قال خالد: وتقدّم عمرو، وعُمان، فبايعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان قدومنا فى صفر سنة تمان، فواللهِ ما كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من يوم أسلمت يعدل بى أحدًا من أصحابه فيما حَزَبه(١). قال أبو عبد الله : سأَلت عبد الله بن عمرو بن زُهير الكَعبِىّ: متى كتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى خُزاعة كتابه ؟ فقال : أَخبرنى أَبى ، عن قبيصة بن ذُؤيب أنه كتب لهم فى جمادى الآخرة سنة ثمان . وذلك أنه أسلم قوم من العرب كثيرٌ، ومنهم مَن هو بَعْدُ مُقِيمٌ على شركه، ولمّا انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الحُدَيِبية لم يبق من خزاعة أَحدٌ إِلَّا مُسلمٌ مُصدّق بمحمّد ، قد أَتوا بالإِسلام وهو فيمن حوله قليلٌ ، حتى قدم عَلْقَمَة بن عُلاثة وابنا هَوذة وهاجروا ، فذلك حيث كتب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى خُزاعة: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن محمّدٍ رسول الله إِلى بُديل، وبِشر (٣)، وسروات بنى عمرو، سلامٌ عليكم، فإِنِى أَحمَدُ الله إليكم ، الله لا إله إلاَّ هو، أما بعد؛ فإِنى لم آثَمْ بَإِلَّكُم، ولم أَضع فى (١) فى الأصل: ((خرته)). (٢) هكذا فى الأصل. وفى ابن سعد: ((بسر)). (الطبقات، ج ١، ص ٢٥). ٧٥٠ جَنْبكم، وإِنَّ أَكرم تِهامة علىَّ أَنتُم، وأقربهم(١) رَحِماً أَنتم ومن تبعكم مِن المُطيِّبِين . فإنى قد أَخذتُ لمَن قد هاجر منكم مثل ما أخذت لنفسى - ولوهاجر بأَرضه - غير ساكن مكَّة إِلاَّ مُعتمرًاً أَو حاجًّا؛ وإنى لم أَضع فيكم إِذ سالمتُ(٢)، وإِنكم غير خائفين من قِبَلى ولا محصورين". أما بعد: . فإِنه قد أسلم عَلْقَمَة بن عُلاثة وابناه، وتابعا وهاجرا على مَن تبعهما من. عِكْرِمَة ؛ أَخذتُ لمن تبعنى منكم ما آخذُ لنفسى، وإِنَّ بعضنا من بعض أبدًا فى الحِلّ والحرم ، وإِننى واللهِ ما كذبتكم وليُحبّكم ربُّكم . حدّثنى عبد الله بن بُدَيل، عن أبيه ، عن جدّه، عن عبد الله بن مَسْلَمَة، عن أبيه، عن بُدَيل بن وَرْقاء مثل ذلك. سريّةٌ أَميرها غالب بن عبد الله بالكَديد فى صفر سنة ثمان حدّثنا الواقدىّ قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أَفى عَون، عن يعقوب بن عُتبة، عن مُسلم بن عبد الله الجُهَنِىّ، عن جُنْدب ابن مَكيث الجُهَنِىّ ، قال : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غالب بن عبد الله اللَّيْىّ أَحد بنى كلب بن عَوف، فى سريّةٍ كنت فيهم(٣)، وأمره أن يثُنَّ الغارةَ على بنى المُلَوَّح بالكّديد ، وهم من بنى لَيث . فخرجنا حتى إذا كنَّا بقُدَيدٍ لقينا الحارث بن مالك بن البَرْصاء ، فأَخذناه فقال : (١) فى الأصل: ((وأقربه))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ح ١، ص ٢٥). (٢) فى الأصل: ((إذا أسلمت)). وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ١، ص ٢٥). (٣) هكذا فى الأصل، وفى الزرقانى أيضاً. (شرح على المواهب اللدئبة، ج٢، ص ٣١٦). وفى ابن سعد: ((كتب فيهم)). ( الطبقات، ج ٢، ص ٨٩) . ٧٥١ إنما جئتُ أُريد الإِسلام . فقلنا : لا يضرّك رِباطُ ليلةٍ إن كنت تريد الإسلام ، وإن يكن غير ذلك نَستوثق منك . فشددناه وَثاقاً ، وخلَّفنا عليه رجلاً منَّا يُتمال له سُوَيَد بن صَخر، وقلنا: إِن نازَعك فَاحتزّ رأسّه. ثم سرنا حتى أتينا الكَديد عند غروب الشمس، فكمنًا ناحيةَ الوادى ، فبعثنى أصحابى ربيئةً(١) لهم، فخرجتُ فأَتيت تلَّ مُشرِفاً على الحاضر (٢) يُطلعنى عليهم ، حتى إذا أسندتُ فيه وعلَوتُ على رأسه انبطحتُ، فوالله إنى لأَنظرُ إِذ خرج رجل منهم من خِباءٍ له فقال [ لامرأته !: واللهِ إِنِّى لأَرى على هذا التلّ سوادًا ما رأيته عليه صَدْرَ يومى هذا، فانظرى إِلى أَوْعيتك لا تكون الكلاب أَخذت منها شيئاً. فنظرت فقالت: واللهِ ما أَفقدُ من أَوْعِيّى شيئاً . فقال : ناولينى قَوْسى وتَيْلى ! فناولته قوسه وسهمين معها، فأَرسل سهماً، فواللهِ ما أَخطأً به جنبى، فانتزعتُه فوضعتُه وثبتُ مكانى. ثم رمانى الآخرَ فخالَطنى به أيضاً، فأخذتُه فوضعتُه وثبتُّ مكانى . فقال لامرأته : واللهِ لو كان زائلةً(٣) لتحرك بعدُ، لقد خالَطه سَهماىَ، لا أَبا لكِ! إِذا أَصبحتِ فاتبعيهما؛ لا تَمضُغهما الكلابُ. ثم دخل خِباءَه وراحت ماشية الحَىّ من إبلهم وأَغنامهم، فحلبوا وعطَّنوا (٤)، فلمّا اطمأَنُوا وهدأوا شنًا عليهم الغارةَ، فقتلنا المُقاتِلة وسبينا الذُّرِيَّة، واستقْنا النَّعم والشاءَ فخرجنا نَحْدُرها قِبَل المدينة حتى مررنا بأَبى(٥) البَرْصاء ٠ (١) الربيئة: الطليعة. (الصحاح، ص ٥٢). (٢) الحاضر: القوم المقيمون بمحلهم. (السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣١٢). (٣) هكذا فى الأصل. وفى ابن سعد: ((ربيئة)). (الطبقات، ج ٢، ص ٩٠). والزائلة: كل شىء من الحيوان يزول عن مكانه ولا يستقر. (النهاية، ج ٢، ص ١٣٥). (٤) عطنت الإبل إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى. (النهاية، ج ٣ ، س ١٠٧) . (٥) فى الأصل: ((بابن)). ٧٥٢ فاحتملناه واحتملنا صاحبنا. وخرج صَريخُ القوم فى قومهم فجاءَنا ما لا قِبَل لنا به ، ونظروا إِلينا وبيننا وبينهم الوادى وهم موجّهون إلينا، فجاء الله الوادى من حيث شاءَ بماءٍ ملاًّ جنبيه؛؛ وَأيمُ اللهِ ما رأينا قبل ذلك سحاباً ولا مطرًا ، فجاءَ بما لا يستطيع أحدٌ أَن يَجوزَه، فلقد رأيتُهم وقوفاً ينظرون إلينا وقد أَسندنا فى المُشَلَّل(١) وفُتناهم، فهم لا يقدِرون على طَلَبنا، فما أَنسَى رجز أَميرنا غالب : وذاك قولُ صادقٍ لم يَكْذِبِ أَبَى أَبو القاسمِ أَن تَعَزَّ بى(٢) . صُفْرٍ أَعاليه كَونِ المُذْهَبِ فى خَضِلِ (٣) نَباتُه مُغْلَولِبٍ(٤) ثم قدمنا المدينة . فحدّثنى عبد العزيز بن عُقبة، عن محمّد بن حمزة بن عمر الأَسلمىّ، عن أبيه ، قال : كنت معهم وكنًّا بِضعةَ عشرَ رجلاً، شِعارنا: أَمِتْ! أَمِتْ ! سريّة كعب بن عُمَير إِلى ذات أَطْلاح فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان قال الواقدى: حدّثنى محمّد بن عبد الله ، عن الزَّهرىّ، قال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كعب بن عُمَير الغِفارىّ فى خمسة عشرَ رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أَطْلاح من أرض الشام ، فوجدوا جمعاً من جمعهم (١) المشلل: ثنية مشرفة على قديد .. (معجم ما استعجم ، ص ٥٦٠). (٢) تعزبى: معناه تقيمى، يقال تعزبت الإبل فى المرعى إذا أقامت فيه. (شرح أبى ذر، ٤٠٠٥٠) (٣) الخضل: النبات الأخضر المبتل. ( شرح أبى ذر، ص ٤٥٠). (٤) المغلولب: الكثير الذى يغلب على الماشية حين ترعاه. (شرح أبى ذر، ص ٤٥١). ٧٥٣ كثيرًا ، فدعوهم إلى الإِسلام فلم يستجيبوا لهم ورَشَقوهم بالنَّيْل . فلما رأى ذلك أصحابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قاتلوهم أشدّ القتال حتى قُتِلوا ، فأَفلتَ منهم رجلٌ جريحُ فى القَتْلى ، فلما بَرَد عليه الليلُ تحاملَ حتى أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره الخبر، فشَقَّ ذلك على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم بالبَعْث إليهم ، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فترکھم . حدّثنى ابن أبى سَبْرَة ، عن الحارث بن الفُضَيل ، قال: كان كعب يكمُن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم، فرآه عَيْنٌ لهم فأخبرهم بقِلَّة أَصحاب النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ، فجاءوا على الخيول فقتلوهم . سريّة شُجاع بن وَهب إِلى السّىّ من أَرض بنى عامر من ناحية رُكْبَة ، فى ربيع الأَوّ سنة ثمان ؛ وسريّةً إِلى خَثْعَم بِتَبَالَةٍ(١) حدّثنى الواقدىّ قال: حدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أَبِى فَرْوة، عن عمر بن الحَكَم ، قال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شُجاع بن وَهب فى أربعة وعشرين رجلاً إلى جَمْعٍ من هَوَازِن بالِّبِىّ، وأَمره أَن يُغير عليهم ، فخرج؛ فكان يسير الليل ويكمُن لنهار حتى صبحهم وهم غارّون، وقد أَوعز إلى أصحابه قبل ذلك أَلاَّ يُمعنوا "، الطَّلَب، فأَصابوا نَعَماً كثيرًا وشاءً، فاستاقوا ذلك كلَّه حتى قدموا المدينة [واقتسموا الغنيمة](٢)، وكانت سِهامهم خمسةَ عشرَ بعيرًا؛ ۔ (١) تبالة: موضع بقرب الطائف، وهى لبنى مازن. (معجم ما استعجم، ص ١٩١). (٢) الزيادة من أابن سعد، عن الواقدى. (الطبقات، ج ٢، ص ٩٢).