Indexed OCR Text

Pages 141-160

٥٥٤
الإِدارة (١) والحبل، حتى لم يبق شىءٌ. ورجع أبو العاص إلى مكَّة فأَدّى
إلى كلّ ذى حقٌّ حقَّه . قال : يا معشر قُرَيش ، هل بقى لأَحدٍ منكم شى ؟
قالوا : لا واللهِ. قال: فإنى أَشهد أن لا إله إِلَّ الله وأَنَّ محمّدًا رسول الله،
لقد أَسلمتُ بالمدينة ، وما منعنى أَن أُقيم بالمدينة إلَّا أَن خشيتُ أَن
تظنّوا أَنى أَسلمتُ لأَن أَذهب بالذى لكم . ثم رجع إلى النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم فردّ عليه زينبَ بذلك النِّكاح . ويقال إِنَّ هذه العِير كانت أخذت
طريق العراق ، ودليلها فُرات بن حَيّان العِجْلىّ .
قال محمّد بن إبراهيم: وأَما المغيرة بن مُعاوية فأَفلت ، فتوجه تِلقاءً
مكَّة فأَخذ الطريق نفسَها ، فلقيه سعد بن أَبِى وَقَّاص قافلاً فى سبعة
نفر، وكان الذى أَسر المُغيرة خَوّات بن جُبَير ، فأَقبل به حتى دخلوا
المدينة بعد العصر وهم مُبرِدون .
قال محمّد بن إبراهيم ، فأخبرنى ذَكوان مولى عائشة ، عن عائشة رضى
الله عنها ، أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها : احتفظى بهذا الأَسير !
وخرج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قالت عائشة: فلهوتُ مع امرأة أَتحدّث
معها ، فخرج وما شعرتُ به ، فدخل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَرِه
فقال : أَينِ الأَّسير ؟ فقلت : واللهِ ما أَدرى ، غفلتُ عنه ، وكان هاهنا
آنفاً. فقال : قطع الله يدكٍ ! قالت : ثم خرج فصاح بالناس ، فخرجوا
فى طلبه فأخذوه بالصَّوْرَيْنِ، فأُتِى به إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم . قالت
عائشة : فدخل علىّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا أُقلِّب بيدى ، فقال :
ما لكٍ ؟ فقلت : أَنظرُ كيف تقطَع يدى ؛ قد دعوتَ علىّ بدعوتكم ! قالت:
فاستقبل القِبلة فرفع يدَيْه ثم قال: اللَّهمّ إِنما أَنا بَشَر، أَغضبُ وآسفُ
(١) الإدارة: المطهرة التى يتوضأ بها. (شرح أبى ذر، ص ١٦٧).

٥٥٥
كما يغضب البَشَر. فأيُّما مؤمنٍ أَو مؤمنةٍ دعوتُ عليه بدعوةٍ فاجعلها له
رحمة .
سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف (١)
فى جمادى الآخرة سنة ستّ
حدثنى أسامة بن زيد اللَّيْىّ، عن عمران بن مَنَّاح ، قال : بعث
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زيد بن حارثة إلى الطَّرَف إِلى بنى ثّعلبة،
فخرج فى خمسةَ عشرَ رجلاً، حتى إِذا كانوا بالطَّرَف أَصاب نَعَماً وشاء.
وهربت الأَعراب وخافوا أن يكون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد سار إليهم ،
فانحدر زيد بن حارثة حتى صبّح المدينة بالنَّعَم ، وخرجوا فى طلبه حتى
أَعجزهم ، فقدم بعشرين بعيرًا. ولم يكن قتالُ فيها ، وإِنما غاب أربع ليال.
حدّ ثنی ابن أبى سَبْرَة ، عن أَبی رُشد ، عن حُمید بن مالك، عنمن حضر
السّريّة، قال: أصابهم بعيران أَو حسابهما من الغم، فكان كلّ بعير عشرًا
من الغنم ، وكان شِعارنا : أَمِتْ ! أَمِتْ !
سريّة زيد بن حارثة إلى حسمی
فى جمادى الآخرة سنة ست
حدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : أَقبل دِحْية
الكَلِىّ من عند قَيْصَر ، قد أَجاز دِحْيَة بمالٍ وكساه كُسِّى. فأقبل حتى كان
بحِسْمَى ، فلقيه ناسٌّ من جُذام فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كلَّ شىءٍ
(١) زاد ابن سعد: هو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة.
( الطبقات ، ج ٢، ص ٦٣) .

٥٥٦
معه فلم يصل إلى المدينة إلَّا بسَمَل(١) ، فلم يدخل بيته حتى انتهى إلى باب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدقَّه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
مَن هذا؟ فقال : دِحْيَة الكَلِىّ . قال : ادخلْ . فدخل فاستخبره رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم عمّا كان من حِرَقْل حتى أتى على آخر ذلك ، ثم قال :
يا رسول الله ، أَقبلتُ من عنده حتى كنت بحِسْمَى فأَغار علىّ قومٌ من
جُدام ، فما تركوا معى شيئاً حتى أَقبلتُ بسَمَلى(٢)، هذا الثوب.
فحدّثنى موسى بن محمّد قال : سمعت شيخاً من سعد هُذَيم كان
قديماً يُخبر عن أَبيه يقول: إِنَّ دِحْيَةَ لمّا أُصِيب - أَصابه(٣) الهُنَيد بن
عارِض وابنه عارض بن الهُنَيد، وكانا واللهِ نَكِدَين مَشؤُومَين، فلم يُبقوا
معه شيئاً، فسمع بذلك نفرٌ من بنى الضُّبَيْب فنفروا إلى الهُنَيد وابنه.
فكان فيمن نفر منهم النُّعمان بن أبى جُعال فى عشرة نفر ، وكان نُعمان
رجل الوادى ذا الجَلَد والرِّماية (٤) . فارتمى النعمان وقُرَّة بن أَبِى أَصْفَر الصَّلعىّ،
فرماه قُرَّة فأَصاب كَعْبَه فأقعده إِلى الأَرض. ثم انتهض النُّعمال فرماه
بسهمٍ عريض السَّرْوَةَ(٥)، فقال: خُذْها من الفتى ! فخلّ السهم فى
رُكبتِهِ فشنَّجه وقعد، فخلَّصوا لدِحْيَةَ متاعَه فرجع به سالماً إلى المدينة .
قال موسى، فسمعتُ شيخاً آخر يقول: إِنما خلَّص متاعَ دِخْيَة رجلٌ
كان صَحِبَه من قُضاعة ، هو الذى كان استنقذ له كلّ شيءٍ أُخِذ منه
(١) فى الأصل: ((بشمل))؛ وما أثبتناه من ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٦٣).
والسمل : الخلق من الثياب. ( النهاية، ج ٢، ص ١٨٣).
(٢) فى الأصل؛ ((بشملى)).
(٣) فى الأصل: ((أصابوا))؛ وما أثبتناه هو ما يقتضيه السياق.
(٤) فى الأصل: ((وكان نعمان رجل الوادى الجلد والرماية))؛ ولعل ما أثبتناه أحكم السياق.
(٥) السروة: السهم العريض النصل. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٤٢).

٥٥٧
ردّه على دِحْيَة. ثم إِنَّ دِحْيَة رجع إلى المدينة فذكر ذلك للنبي صلَّى الله عليه
سلَّم فاستسعى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دم الهُنَيد وابنِه، فأَمر النبى
صلَّى الله عليه وسلَّم بالمسير ، فخرج زيد بن حارثة معه .
وقد كان رِفاعة بن زيد الجُدامىّ قدم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وافدًا، فأَجازه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأقام بالمدينة ، ثم سأل النبيَّ
صلَّى الله عليه وسلَّم أن يكتب معه كتاباً ، فكتب معه رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : بسم الله الرحمن الرحيم ، لرِفاعة بن زيد إلى قومه عامّةً ومَن
دخل معهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله . فمَن أَقبل منهم فهو من حزب الله
وحزب رسوله ، ومن ارتدّ فله أَمان شهرين. فلمّا قدم رِفاعة على قومه بكتاب
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرأَه عليهم فأجابوه وأسرعوا ، ونفذوا إِلى مُصاب
دِخْيَة الكليّ (١) فوجدوا أصحابه قد تفرقوا .
وقدم زيد بن حارثة خلافهم على رسول الله، فبعثه رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فى خمسمائة رجل ، وردّ معه دِحْيَة الكلبىّ . وكان زيد يسير الليلَ
ويكمُن النهارَ ، ومعه دليلٌ من بنى عُذْرَة . وقد اجتمعتَ غَطَفان كلُّها
ووائِل ومَن كان من سَلامات وبَهراء حين جاءَ رِفاعة بن زيد بكتاب النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى نزلوا - الرجال ورِفاعة - بكُراع (١) رُوِّيَّة لم
يُعلم . وأقبل الدليل العُذرىّ بزيد بن حارثة حتى هجم بهم-، فأَغاروا مع
الصبح على الهُنَيد وابنه ومَن كان فى مَحلَّتهم ، فأَصابوا ما وجدوا ، وقتلوا
(١) فى الأصل: ((مصاب زيد بن حارثة))؛ وما أثبتناه هو ما يقتضيه السياق. (انظر شرح
الزرقانى على المواهب المدنية، ج ٢، ص ١٩٠)؛ والسيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣٠٢).
(٢) الكراع: الجانب المستطيل من الحرة. ( النهاية، ج ٤، ص ١٥).
ورؤية : موضع فى ديار بنى مازن. ( معجم ما استعجم ، ص ٣٤٢، ٣٨٨).
١

٥٥٨
فيهم فأَوجعوا (١)، وقتلوا الهُنَيد وابنه، وأَغاروا على ماشيتهم ونَعَمهم ونسائهم،
فأخذوا من النعم أَلف بعير ، ومن الشاء خمسة آلاف شاة ، ومن السَّبْى
مائة من النساء والصبيان . وكان الدليل إنما جاءً بهم من قِبَل الأولاج (٢)،
فلمّا سمعت بذلك الضُّبَيب بما صنع زيد بن حارثة ركبوا ، فكان فيمن
ركب حِبّان بن مِلَّة (٣) وابنه، فدذَوا من الجيش وتواصَوا لا يتكلَّم أَحد
إلَّا حِبّان بن مِلَّة (٣)، وكانت بينهم علامةٌ إِذا أراد أحدهم أن يضرب
بسيفه قال ((قَودى!)) فلمّا طلعوا على العسكر طلعوا على الدُّهْم من السَّبْى
والنَّعم ، والنساء والأَسارى أَقبلوا جميعاً ، والذى يتكلَّم حِبّان بن مِلَّة يقول:
إِنَّا قومٌ مسلمون. وكان أَوّل من لقيهم رجلٌ على فرس ، عارضُ رمحه ، فأَقْبل
يسوقهم ، فقال رجل منهم : قَوَدى! فقال حِبّان: مهلاً! فلما وقفوا
على زيد بن حارثة قال له حِبّان: إِنَّا قوم مسلمون . قال له زيد: اقرأ
أُمّ الكتاب ! وكان زيد إِنما يمتحن أَحدَهم بأُمّ الكتاب لا يزيدُه. فقرأً
حِبّان ، فقال له زيد: نادوا فى الجيش ((إِنه قد حرُم علينا ما أَخذناه
منهم بقراءة أُمّ الكتاب )) . فرجع القوم ونهاهم زيد أن يهبطوا واديهم الذى
جاءُوا منه ، فأَمسوا فى أهليهم ، وهم فى رصدٍ لزيد وأصحابه ، فاستمعوا
حتى نام أَصحابُ زيد بن حارثة ، فلمّا هدأَوا وناموا ركبوا إِلى رفاعة بن
زيد - وكان فى الركب فى تلك الليلة أَبو زيد بن عمرو ، وأَبو أسماءً بن
عمرو ، وسُوَيَد بن زيد وأخوه، وبَرْذَع بن زيد، وثَعلبة بن عَدىّ - حتى
(١) أى أكثروا فيهم. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٩١).
(٢) الأولاج: جمع ولجة، وهى معطف الوادى. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢١١).
وهو اسم موضع هنا .
(٣) هكذا فى الأصل. وفى ابن إسحاق: ((حسان بن ملة))؛ وقال ابن هشام: ((حيان بن ملة))
( السيرة النسوية ، ج ٤، ص ٢٦١) .

٥٥٩
صيّحُوا رِفاعة بكُراع رُؤية، بحرَّة ليلى (١)، فقال حبان (٢): إِنك لجالس
تحلب المعزى [ونساءُ جُدامٍ أُسارى](٣). فأَخبره الخبر فدخل معهم حتى
قدموا على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة - ساروا ثلاثاً - فابتداهم رِفاعة
فدفع إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتابه الذى كتب معه، فلمّا قرأ كتابه
استخبرهم فأخبروه بما صنع زيد بن حارثة . فقال : كيف أَصنعُ بالقتلى؟
فقال رفاعة : يا رسول الله أَنت أَعلم، لاتُحرّم علينا حلالاً ولا تُحِلّ لنا
حراماً . قال أَبو زيد(٤): أَطلق لنا يا رسول الله مَن كان حيًّا، ومن قُتل
فهو تحت قدمىّ هاتين . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : صدق أبو زيد !
قال القوم : فابعث معنا يا رسول الله رجلاً إلى زيد بن حارثة، يُخلِّى بيننا
وبين حَرَمنا وأموالنا. فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : انطلق معهم يا عَلى !
فقال عَلىُّ : يا رسول الله ، لا يُطيعنى زيدٌ. فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : هذا سيفى فخُذْه. فأَخذه فقال : ليس معى بعيرٌ أَركبه . فقال
بعض القوم : هذا بعير ! فركب بعير أحدهم وخرج معهم حتى لقوا رافع
ابن مَكِيث بشيرَ زيد بن حارثة على ناقةٍ من إِبل القوم ، فردّها عَلىّ على
القوم . ورجع رافع بن مَكِيث مع عَلىّ عليه السلام رديفاً حتى لقوا زيد بن
حارثة بالفَحْلَتَينِ(٥)، فلقيه عَلىٍّ وقال: إِنَّ رسول الله يأمرك أن تردّ على
هؤلاء القوم ما كان بيدك من أَسيرٍ أَو سَبْىٍ أَو مال . فقال زيد : علامة
من رسول الله ! فقال عَلىٌّ : هذا سيفه ! فعرف زيد السيف فنزل فصاح
(١) حرة ليلى: لبنى مرة بن عوف بن سعد بن غطفان، يطؤها الحاج الشامى فى طريقه إلى المدينة.
( وفاء الوفا ، ج ٢، ص ٢٨٨) .
(٢) أى قال لرفاعة بن زيد ..
(٣) الزيادة من الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٩٢).
(٤) أي أبو زيد بن عمرو. انظر الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٩٢).
(٥) الفحلتين: بين المدينة وذى المروة، كما قال ابن سعد. ( الطبقات، ج ٢، ص ٦٤).

٥٦٠
بالناس فاجتمعوا فقال : مَن كان بيده شىءٌ من سَبْىٍ أَو مالٍ فليردّه ، فهذا
رسولُ رسولِ الله. فردّ إلى الناس كلَّ ما أَخذ منهم، حتى إن كانوا ليأُخذون
المرأة من تحت فخذ الرجل .
حدّثنى أُسامة بن زيد بن أسلم، عن يُسْر بن مِحْجَن الدِّيلىّ، عن أبيه ،
قال : كنت فى تلك السَّرِيَّة ، فصار لكل رجلٍ سبعة أَبعرةٍ وسبعون شاة ،
ويصير له من السَّبْى المرأة والمرأتان، فَوُطئوا بالمِلْك بعد الاستبراء ، حتى
ردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ذلك كلَّه إلى أهله، وكان قد فرّق وباع منه.
سريّةٌ أميرها عبد الرحمن بن عَوف إلى دُومة الجَنْدَل
فى شعبان سنة ستّ
حدّثنى سعيد بن مسلم بن قَمّادين ، عن عطاء بن أبى رباح ، عن ابن
عمر ، قال : دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الرحمن بن عَوف فقال :
وتجهّزْ فإِنِى باعثك فى سريّةٍ من يومك هذا ، أَو من غدٍ إِن شاءَ الله . قال
ابن عمر : فسمعتُ ذلك فقلت : لأَدخلنَّ فلأُصلِّينّ مع النبيِّ الغداة ،
فلأَسمعنَّ وصيته لعبد الرحمن بن عوف . قال : فغدوتُ فصلَّيت فإذا
أبو بكر ، وعمر، وناس من المهاجرين ، فيهم عبد الرحمن بن عَوف، وإِذا
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دُومة
الجَنْدل فيدعوهم إلى الإِسلام ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعبد الرحمن:
ما خلَّفك عن أصحابك؟ قال ابن عمر : وقد مضى أصحابُه فى السحَر ،
فهم مُعسكرون بالجُرْف وكانوا سبعمائة رجل ، فقال : أحببتُ يا رسول
الله أن يكون آخر عهدى بك ، وعلىّ ثيابُ سفرى . قال : وعلى عبد الرحمن
ابن عَوف ◌ِعامةٌ قد لفَّها على راسه . قال ابن عمر : فدعاه النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم فأقعده بين يديه فنقض عمامته بيده ، ثم عممه بعمامة سوداءً ،

٥٦١
فأَرخى بين كتفيْهُ مِنها ، ثم قال : هكذا فاعتمٌ يا ابنَ عوف ! قال :
وعلى ابن عَوف السيف مُتُوقِّحه . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
آغْزُ باسم الله وفى سبيل الله فقاتِلْ مَن كفر بالله، لا تَغُل ولا تغدر ولا تقتل
وليدًا . قال ابن عمر : ثم بسط يده ، فقال : يا أَيّها الناس ، اتَّقوا
خمساً قبل أن يُحلّ بكم ؛ ما نُقض مكيال قومٍ إلَّا أَخذهم الله بالسِّنين
ونَقْصٍ من الثَّمَرات لعلَّهم يرجعون، وما نكث قومٌ عهدهم إِلَّا سلَّط الله
عليهم عدوًّهم، وما منع قومُ الزَّكاة إلَّا أَمسك اللهُ عليهم قَطْرَ السماءِ، ولولا
البهائمُ لم يُسقَوا ، وما ظهرت الفاحشة فى قومٍ إِلَّ سلَّط الله عليهم الطاعون،
وما حكم قومٌ بغيرِ آىِ القرآن إِلَّا أُلبسهم اللهُ شِيَعاً ، وأَذاق بعضهم بأس
بعض .
قال : فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه فسار حتى قدم دُومة
الجَنْدَل ، فلمّا حلّ بها دعاهم إلى الإِسلام ، فمكث بها ثلاثة أَيَّامٍ يدعوهم
إلى الإسلام . وقد كانوا أبوا أَوّل ما قدم يُعطونه إلَّ السيف ، فلمّا كان
اليوم الثالث أَسلم الأَصْبَغ بن عمرو الكَلِىِّ، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم.
فكتب عبد الرحمن إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يُخبره بذلك، وبعث رجلاً من
جُهَينة يقال [ له] رافع بن مَكِيث، وكتب يُخبر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
أنه قد أراد أن يتزوَّج فيهم، فكتب إليه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أَن
يتزوّج بنت الأَصْبَغِ تُماضِر . فتزوجها عبد الرحمن وبَنى بها ، ثم أقبل
بها ؛ هى أُمّ أَبِى سَلْمَة بن عبد الرحمن بن عوف . .
حدّثنى عبد الله بن جعفر، عن ابن أبى عَوف ، عن صالح بن إبراهيم .
أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعث عبد الرحمن بن عَوف إِلى كلب، وقال:
إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو ابنة سبدهم . فلما قدم دعاهم

٥٦٢
إلى الإِسلام فاستجابوا وأقام على إعطاء الجِزية . وتزوّج عبد الرحمن بن
عَوف تُماضِر بنت الأَصْبَغ بن عمرو ملكهم ، ثم قدم بها المدينة، وهى أُمّ
أَبِى سَلَمَة .
سريّة عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام إلى بنى سعد ، بفَدَك (١)
فى شعبان سنة ستّ
حدّثنى عبد الله بن جعفر ، عن يعقوب بن عُتبة ، قال : بعث رسول
الله صلَى الله عليه وسلَّم عَلِيًّا عليه السلام فى مائة رجلٍ إلى حَىّ سعد، بفَدَك،
وبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ لهم جمعاً يُريدون أَن يُمدّوا بهودَ خَيْبَر،
فسار الليلَ وكمن النهارَ حتى انتهى إلى الهَمَج (٢)، فأَصاب عيناً فقال:
ما أنت ؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بنى سعد ؟ قال : لا علم لى به .
فشدّوا عليه فأَقر أنه عينٌ لهم بعثوه إلى خَيْبَر ، يعرض على يهود خَيْبَر نصرهم
على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويَقْدَمون عليهم ، فقالوا له :
فأَين القوم ؟ قال : تركتُهم وقد تجمّع منهم مائتا رجل ، وراسهم وبَر
ابن عُلَيمٍ . قالوا: فيِرْ بنا حتى تدلّنا . قال : على أَن تُؤْمِّنونى ! قالوا :
إن دللتَنا عليهم وعلى سَرْحِهِم أَمَنَّاكِ، وإلَّا فلا أَمان لك . قال : فذاك!
فخرج بهم دليلاً لهم حتى ساء ظنُّهم به ، وأَوفى بهم على فَدافِد وآكام ،
ثم أَفضى بهم إلى سهولةٍ فإِذا نَعَمٌ كثيرٌ وشاءٌ ، فقال : هذا نَعَمهم وشاءُهم.
فأَغاروا عليه فضمّوا النَّعَمَ والشاءَ . قال: أَرسِلونى ! قالوا : لا حتى نأمن
الطلب! ونذر بهم الراعى رعاء الغنم والشاء ، فهربوا إلى جمعهم فحذّروهم؛
(١) فدك : قرية قريبة من خيبر بينها وبين المدينة ست ليال. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٥٥)
(٢) الهمج: ماء بين خيبر وفدك. (طبقات ابن سعد، ج ٢، ص ٦٥).

٥٦٣
فتفرّقوا وهربوا ، فقال الدليل : عَلامَ تحبسنى؟ قد تفرّقت الأَعراب
وأَنذرهم الرعاء . قال علىّ عليه السلام: لم نبلغ معسكرهم . فانتهى بهم إليه
فلم يَرَ أَحدًا، فأرسلوه وساقوا النَّعَم والشاء ، النَّعم خمسمائة بعير ، وألفا
شاة .
حدّثنى أُبَير بن العلاء ، عن عيسى بن عَليلة ، عن أبيه ، عن جده ،
قال : إِنَّى لَبِوادى الهَمَجِ إِلى بَديع (١)، ما شعرتُ إِلَّا ببنى سعد يحملون
الظُّعُن وهم هاربون ، فقلت : ما دَهاهم اليوم ؟ فدنوت إليهم فلقيت رأسهم
وَبَر بن عُلَيم ، فقلت : ما هذا المسير ؟ قال: الشرّ، سارت إِلينا جموع
محمّدٍ وما لا طاقةً لنا به ، قبل أن نأُخذ للحرب أُهْبَتِها ؛ وقد أَخذوا رسولاً
لنا بعثناه إِلى خَيْبر، فأَخبرهم خبرنا وهو صنع بنا ما صنع . قلت : ومَن
هو ؟ قال : ابن أَخى ، وما كنا نعدٌ فى العرب فتىٌ واحدًا أَجمعَ قلبٍ منه .
فقلت : إِى أَرِى أَمرَ محمّدٍ أَمرًا قد أَمن وغلظ. ، أَوقع بِقُرَيْشٍ فصنع بهم
ما صنع ، ثم أَوقع بأَهل الحُّصون بيَذْرِب، فَيْنُقَاعِ وبنى النَّصير وقُرَيْظَة ،
وهو سائر إلى هؤلاء بَخْيبر. فقال لى وبَر: لا تخش ذلك! إِنَّ بها رجالاً ،
ويُصوناً منيعة، وماء واتِناً (٢)، لا دنا منهم محمد أبدًا، وما أحراهم أَن
يغزوه فى عُقر داره . فقلت : وترى ذلك ؟ قال : هو الرأى لهم . فمكث
عَلىّ عليه السلام ثلاثاً ثم قسم الغنائم وعزل الخُمُس وصفى النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم لَقوحاً تُدْعى الحَفِدَة قدم بها.
(١) بديع: أرض من فدك، وهى مال المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن المغيرة المخزومى.
( معجم ما استعجم ، ص ١٤٤).
(٢) وتن الماء، أى دام ولم ينقطع. (الصحاح، ص ٢٢١٢).

٥٦٤
سرية زيد بن حارثة إلى أُمّ قِرْفَة
فى رمضان سنة ستّ
حدّثنى أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدىّ قال : حدّثنا عبد الله بن
جعفر، عن عبد الله بن الحُسَين بن الحسين بن على بن أبى طالب ، قال :
خرج زيد بن حارثة فى تجارةٍ إلى الشام ، ومعه بضائع لأصحاب النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخذ خُصْيَتِى تَيس فدبغهما ثم جعل بضائعهم فيهما،
ثم خرج حتى إذا كان دون وادى القُرى ومعه ناسٌ من أصحابه ، لقيه
ناسٌّ من بنى فَزارة من بنى بدر ، فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظنُّوا أَن قد
قُتلوا، وأَخذوا ما كان معه؛ ثم استبلّ(١) زيد فقدم المدينة على النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم فبعثه فى سَرِيةٍ فقال لهم : ا كمُنوا النهارَ وسيروا الليلَ .
فخرج بهم دليلٌ لهم ، ونذرت بهم بنو بدر فكانوا يجعلون ناطورًا(٢) لهم
حين يُصبحون فينظر على جبلٍ لهم مشرفٍ وجهَ الطريقِ الذى يرون أنهم
يأتون منه ، فينظر قدر مسيرة يومٍ فيقول : اسرحوا فلا بأس عليكم هذه
ليلتكم ! فلما كان زيد بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة أَخطأً بهم
دليلُهم الطريق ، فأَخذ بهم طريقاً أُخرى حتى أمسوا وهم على خطأ ، فعرفوا
خطاهم ، ثم صمدوا )) لهم فى الليل حتى صبحوهم ، و کان زيد بن حارثة
نهاهم حيث انتهوا عن الطلب . قال : ثم وعز إليهم أَلاَّ يفترقوا . وقال :
(١) استبل: أى برأ. (الصحاح، ص ١٦٤٠).
(٢) الناطور: حافظ الكرم، والمعنى هاهنا الطليعة. (القاموس المحيط، ج ٢ ،
ص ١٤٤) .
(٣) صمدوا لهم: أنى ثبتوا لهم وقصدوهم وانتظروا غفلتهم. (النهاية، ج ٢، ص ٣٧٤).

٥٦٥
إِذا كبّرت فكبِّروا. وأَحاطوا بالحاضر ثم كبّر وكبّروا، فخرج سَلَمَة بن (١)
الأَْوَعِ فطلب رجلاً منهم حتى قتله، وقد أَمعن فى طلبه ، وأخذ جارية
بنت مالك بن حُذيفة بن بدر وجدها فى بيتٍ من بيوتهم ؛ وأُمّها أُم قِرِفَة ،
وأُم قِرْفَة فاطمة بنت رَبيعة بن زيد. فغنموا ، وأَقبل زيد بن حارثة ، وأَقبل
سَلّمة بن الأَكْوَعِ بالجارية ، فذكر ذلك للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم فذكر
له جمالها ، فقال : يا سَلَمَة ، ما جاريةٌ أَصبتَها ؟ قال : جارية يا رسول
الله رجوتُ أَن أَفتدى بها امرأةً منَّا من بنى فَزارة. فأَعاد رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم مرّتين أو ثلاثاً يسأَله: ما جاريةٌ أَصبتَها ؟ حتى عرف سَلَمَة
أنه يُريدها فوهبها له ، فوهبها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحزن بن أبى
وَهب ، فولدت له امرأةٌ ليس له منها ولد غيرها .
فحدّثنى محمّد ، عن الزُّهرىّ ، عن عروة ، عن عائشة رضى الله عنها ،
قالت : وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى بيتى ، فأَّى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
يجرّ ثوبه عُرياناً، ما رأيتُه عُرياناً قبلها، حتى اعتنقه وقبله ، ثم سأله
فأخبره بما ظفَّره اللهُ .
ذكر من قتل أُم قِرْفَة
قتلها قيس بن المُحَسِّر قتلاً عنيفاً؛ ربط بين رجلَيْها حبْلاً ثم ربطها بين
بعيرَيْن ، وهى عجوزٌ كبيرة . وقُتل عبد الله بن مَسْعدَة ، وقُتل قيس بن
النُّعمان بن مَسْعَدَة بن حَكّمَة بن مالك بن بدر .
(١) كذا فى الأصل وابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ٦٣٩). وفى ابن سعد: ((مسلمة بن
الأكوع)). ( الطبقات ، ج ٣، ص ٦٥) .

٥٦٦
سريّةٌ أميرها عبد الله بن رواحة إلى أُسير بن زارم
هے
فى شوّال سنة ستّ
قال الواقدىّ : حدّثنى موسى بن يعقوب ، عن أبى الأسود ، قال :
سمعت عُروة بن الزُّبير قال : غزا عبد الله بن رواحة خَيْبَر مرّتين ؛ بعثه
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم البعثة الأُولى إِلى خَيْبر فى رمضان فى ثلاثة نفر
ينظر إِلى خَيْبَر ، وحالِ أَهلها وما يُريدون وما يتكلَّمون به ، فأَقْبل حتّى أَتى
ناحية خَيْبَر فجعل يدخل الحوائط. ، وفرّق أصحابه فى النَّطاة، والشَّقّ ،
والكتيبة(١)، ووَعَوا ما سمعوا من أُسَير وغيره. ثم خرجوا بعد إقامة ثلاثة
أَيّام، فرجع إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لليالٍ بقين من رمضان ، فخبّر
النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بكلّ ما رأى وسمع، ثم خرج إلى أُسَير فى شوال .
فحدّثْنى ابن أبى حَبيبة ، عن داود بن الحُصَين ، عن أبى سُفيان ، عن
ابن عبّاس، قال : كان أُسَير رجلاً شجاعاً، فلمّا قُتل أَبو رافع أَمّرت
اليهود أُسيرَ بن زارم ، فقام فى اليهود فقال : إنه واللهِ ما سار محمّد إِلى
أَحدٍ من اليهود إلَّا بعث أحدًا من أصحابه فأَصاب منهم ما أراد، ولكنِّى
أَصنع ما لا يصنع أَصحابى . فقالوا : وما عسيتَ أَن تصنع ما لم يصنع
أَصحابك؟ قال : أَسيرُ فى غَطَفان فأَجمعهم . فسار فى غَطَفان فجمعها ،
ثم قال : يا معشر اليهود، نسير إلى محمّدٍ فى عُقْر دارِه، فإِنه لم يُغْزَ أَحدٌ
فى داره إِلَّا أَدرك منه عدوّه بعضَ ما يُريد . قالوا: نِعمَ ما رأيتَ :
فبلغ ذلك النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم . قال : وقدم عليه خارجة بن حُسَيل
الأَشْجعىّ، فاستخبره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما وراءَه فقال: تركت
(١) النطاة والشق والكتيبة من آطام خيبر. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٣٠، ٣٦٤، ٣٨٣).

٥٦٧
أُسير بن زارم يَسيرُ إِليك فى كتائب اليهود . قال ابن عبّاس رضى الله عنه:
فندب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الناسَ، فانتدب له ثلاثون رجلاً .
قال عبد الله بن أُنَيس : فكنت فيهم ، فاستعمل علينا رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عبد الله بن رواحة . قال : فخرجنا حتى قدمنا خَيْبر فأرسلنا
إِلى أُسَير : إِنّا آمِنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له ؟ فقال : نعم،
ولى مثل ذلك منكم؟ قلنا: نعم . فدخلنا عليه فقلنا: إِنَّ رسول الله بعثَنا
إليك أن تخرج إليه فيستعملك على خَيْبَر ويُحسِن إِليك. فطمع فى ذلك،
وشاور اليهود فخالفوه فى الخروج وقالوا : ما كان محمّدٌ يستعمل رجلاً
من بنى إِسرائيل . فقال : بلى، قد مَللنا الحربَ . قال : فخرج
معه ثلاثون رجلاً من اليهود مع كلّ رجلٍ رديفٌ من المسلمين . قال : فسرنا
حتى إذا كنا بِقَرْقَرَة ثِبار (١) ندم أُسَير حتى عرفنا الندامة فيه . قال عبد الله
ابن أُنَيس : وأَهوى بيده إلى سيفى ففطنت له . قال : فدفعتُ بعيرى فقلت :
غدرًا أَىْ عدوّ اللهِ! ثم تناومتُ فدنوت منه لأَنظرَ ما يصنع ، فتناول سيفى،
فغمزتُ بعيرى وقلت : هل مِن رجلٍ ينزل فيسوق بنا ؟ فلم ينزل أَحد ،
فنزلتُ عن بعيرى فسقتُ بالقوم حتى انفرد أُسَير ، فضربتُه بالسيف
فقطعتُ مؤخرة الرِّجل وأَندرتُ(٢) عامّةَ فَخِذْه وساقِه، وسقـ
وفى يده مِخْرَش من (٣) شَوْحَط.، فضربنى فشجنى مأْمومةً(، ومِلنا على
(١) فى مغازى موسى بن عقبة: ((قرقرة تيار)). (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦١).
وثبار : موضع على ستة أميال من خيبر. (وفاء الوفا، ح ٢، ص ٢٧٣).
(٢) أندره: أسقطه، ويقال ضرب يده بالسيف فأندرها. (الصحاح. ص ٨٣٥).
(٣) فى الأصل: ((مخرش من سوط))؛ وما أثبتناه من ابن سعد. ( الطبقات، ج ٢، ص ٦٧)
والمخرش: عصا معوجة الرأس. ( النهاية، ج ١، ص ٣٨٨). والشوحط: ضرب من شجر
الجبال . ( الصحاح ، ص ١١٣٦ ).
(٤) يقال: شجة مأمومة، أى بلغت أم الرأس. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٧٦).

٥٦٨
أَصحابه فقتلناهم كلَّهم غيرَ رجلٍ واحدٍ أَعجزَنا شَدًّا، ولم يُصَبْ من
المسلمين أَحدُ ، ثم أَقبلنا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال : فبينا
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُحدّث أصحابه إذ قال لهم: تَمْشَّوا بنا
إلى الثَّنيّة نتحسّب من أصحابنا خبرًا . فخرجوا معه ، فلمّا أَشرفوا على
النَّنيّة فإِذا هم بسَرَعان أَصحابنا. قال: فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى أَصحابه . قال: وانتهينا إِليه فحدّثناه الحديثَ، فقال: نجّاكم اللهُ
من القوم الظالمين !
قال عبد الله بن أُنَيس : فدنوتُ إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فنفث
فى شجّى، فلم تَقِحْ بعد ذلك اليوم ولم تُؤذنى ، وقد كان العظم فُلّ ؛
ومسح على وجهى ودعا لى ، وقطع قطعةً من عصاه فقال: أَمسكْ هذا
معك علامةً بينى وبينك يومَ القيامة أَعرفك بها ، فإنك تأتى يومَ القيامة
مُتخصِّرًا (١) . فلمّا دُفِن جُعِلت معه تلی جسده دون ثيابه .
فحدّثنى خارجة بن الحارث ، عن عَطيّة بن عبد الله بن أُنَيس ، عن
أبيه ، قال : كنت أُصلح قوسى . قال : فجئتُ فوجدتُ أصحابى قد
وجّهوا إِلى أُسَير بن زارم. قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أرى أُسَيرَ
ابن زارم ! أَى اقتلْه .
سريّةٌ أميرها كُرْز بن جابر
ہے
لمّا أُغير على لقاح النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذى الجَدْر فى شوّال سنة
ستٌّ، وهى على ثمانية أَميالٍ من المدينة (٢).
(١) أى يأخذ بيده مخصرة، وهى العصا. ( النهاية: ج ١، ص ٢٩٦).
(٢) قال ابن سعد: الجدر ناحية قباء قريباً من عير على ستة أميال من المدينة. (الطبقات .
ج ٢ ، ص ٦٧ ) .

٥٦٩
حدّثنا خارجة بن عبد الله ، عن يزيد بن رومان ، قال : قدم نفرٌ من
عُرينة ثمانيةٌ على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلموا، فاستوبأوا (١) المدينة
فأَمر بهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى لِقاحه، وكان سَرْح المسلمين بذى
الجَدْر ، فكانوا بها حتى صحّوا وسمنوا . وكانوا استأذنوه يشربون من ألبانها
وأبوالها ، فأَّذن لهم فغدوا على اللِّقاح فاستاقرها (٢) ، فيُدرِكهم مولى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه نَفَرٌ فقاتلهم، فأخذوه فقطعوا يده ورجله،
وغرزوا الشَّوْك فى لِسانه وعينيه حتى مات. وانطلقوا بالسَّرْح، فأقبلت
امرأة من بنى عمرو بن عوف على حمارٍ لها حتى تمرّ بيَسار تحت شجرة ،
فلمّا رأَته ون به - وقد مات - رجعت إلى قومها وخبّرّهم الخبر . فخرجوا
نحو يَسار حتى جاءوا به إلى قُباء ميتاً . فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى أثرهم عشرين فارساً، واستعمل عليهم كُرز بن جابر الفِهْرىّ، فخرجوا
فى طلبهم حتى أدركهم الليل ، فباتوا بالحرّة وأصبحوا فاغتدوا لا يدرون
أين يسلكون ، فإذا هم بامرأة تحمل كَتِفَ بعير ، فأَخذوها فقالوا : ما
هذا معك ؟ قالت : مررتُ بقومٍ قد نحروا بعيرًا فأعطونى . قالوا : أَين
هم ؟ قالت : هم بتلك القِفار من الحرّة، إِذا وافيتم عليها رأيتم دخانهم.
فساروا حتى أَتوهم حين فرغوا من طعامهم ، فأَحاطوا بهم فسأَلوهم أن يستأسروا،
فاستأُ سروا بأجمعهم لم يُقلت منهم إنسانٌ، فربطوهم ، وأردفوهم على الخيل
حتى قدموا بهم المدينة (، فوجدوا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالغابَة ، فخرجوا
نحوه .
قال خارجة : فحدّثنى يزيد بن رومان قال : حدّثنى أَنَس بن مالك
(١) استوبأوا المدينة: أى وجدوها وبئة. (الصحاح، ص ٧٩).
(٢) وقد كفروا بعد إسلامهم.

٥٧٠
قال : فخرجتُ أَسعَى فى آثارهم مع الغلمان حتى لقى بهم النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم بالزَّغَابَة بمَجمع السُّيول، فأمر بهم فقُطِعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِلت
أَعينُهم وصُلِبوا هناك. قال أَنَس : إِنِى لواقفٌ أَنْظُرُ إِليهم .
قال الواقدىّ : فحدّثْنى إسحاق، عن صالح مولى النَّوَمَه، عن أَبِى
هُريرة ، قال : لما قطع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَيدى أَصحاب اللّقاح
وأَرجلَهم وسَمَل أَعينَهم نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ
ورَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فى الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ . .. ﴾ (١) الآية. قال: فلم تُسْمَل بعد ذلك عَيْن.
قال : فحدّثنى أَبو جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : ما بعث النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك بعثاً إلّ نَهاهم عن المُثْلة.
وحدّثنى ابن بلال ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ،
قال : لم يقطع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لساناً قَطُّ.، ولم يسمُل عيناً ،
ولم يزد على قطع اليد والرِّجْل.
وحدّثنى ابن أبى حبيبة ، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ، قال :
أَميرِ السَّريّة ابنُ زيد الأَشْهَلَىّ .
حدّثْنى ابن أَبِ سَبْرَة، عن مَروان بن أَبِى سَعيد بن المُعَلَّى، قال :
لمّا ظفروا باللِّقَاحِ خَلَّفوا عليها سَلَمَة بن الأَكْوَعِ، ومعه أَبو رُهْمِ الغِفارىّ،
وكانت اللّقاح خمسَ عشرةَ لِقْحةً غِزارًا. فلمّا أَقبل رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم إلى المدينة من الزَّغابة وجلس فى المسجد ، إِذا اللقاح على باب
المسجد ، فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنظر إليها فتفقَّد منها لِقْحَةً
(١) سورة المائدة ٣٣.

٥٧١
له يُقال لها الحِناءُ(١) فقال: أَى سَلَمَةُ، أَين الحِناءُ؟ قال: نحَرَها القومُ
ولم ينحروا غيرها . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: انظر مكاناً
ترعاها فيه . قال: ما كان أَمثل من حيث كانت بذى الجَدْر . قال : فردّها
إِلى ذى الجَدْر. فكانت هناك، وكان لبنُها يُراحُ به إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ، كلَّ ليلةٍ وَطْبٌ من لبن .
قال ابن أبى سَبْرَة : فحدّثنى إسحاق بن عبد الله ، عن بعض ولد
سَلَمَة بن الأَكْوَع، أنه أخبره أَنَّ سَلَمَة بن الأكْوَعِ أَخبره بعِدَّةِ العشرين
فارساً فقال : أَنا، وَأَبو رُهم الغِفارىّ، وَأَبو ذَرِّ ، وبُرَيدة بن الخُصَيب،
ورافع بن مَكِيث ، وجُنْدُب بن مَكِيث ، وبِلال بن الحارث المُزَكّ ،
وعبد الله بن عمرو بن عَوف المُزَّ، وجُعال بن سُراقة، وصفوان بن مُعَطِّل ،
وأبو رَوعة مَعَبَد بن خالد الجُهَنىّ، وعبد الله بن بدر، وسُوَيَد بن صَخر ،
وأَبو ضُبَيس الجُهَنىّ .
غزوة الحديبية (٢)
قال: حدّثنا رَبيعة بن عُمَير بن عبد الله بن الهَرَمِ ، وقُدامة بن موسى ،
وعبد الله بن يزيد الهُذَلِىّ، ومحمّد بن عبد الله بن أَبِى سَبْرَة ، وموسى بن
محمّد، وأُسامة بن زيد اللَّيِّى، وأَبو مَعْشَر ، وعبد الحميد بن جعفر ،
وعبد الرحمن بن عبد العزيز ، ويونس بن محمّد ، ويعقوب بن محمّد بن
(١) فى الأصل: ((الحيا))؛ وما أثبتناه من الزرقانى، يروى عن الواقدى. (شرح على المواهب
اللدنية ، ج ٢، ص ٢١١). ومن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٦٨).
(٢) على هامش الأصل: ((هى قرية صغيرة سميت باسم بئر هناك عند مسجد الشجر وهى شجر
سمر)). والحديبية على تسعة أميال من مكة. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢،
ص ٢١٦) .

٥٧٢
أَبِى صَعْصَعَة ، ومُجَمِّع بن يعقوب، وسَعيد بن أبى زيد الزَّرَقّ، وعابد
ابن يحيى ، ومحمّد بن صالح عن عاصم بن عمر ، ومحمّد بن يحيى
ابن سَهل بن أَبِ حَثْمَة ، ويحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، ومعاذ بن محمّد،
وعبد الله بن جعفر ، وحزام بن هِشام عن أَبيه ؛ فكلُّ قد حدّثنى من هذا
الحديث بطائفة ، وبعضهم أَوعَى لهذا الحديث من بعض ، وغير هؤلاء
المُسمَّين قد حدّثنى، أَهل الثقة، وكتبتُ كلّ ما حدّثونى، قالوا : كان
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد رأَى فى النوم أنه دخل البيت، وحلَّق
رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المُعرِّفين (١)، فاستنفر أصحابَه إِلى
العُمرة، فأَسرعوا وتهيئوا للخروج. وقدم عليه بُسْر بن سُفيان الكَعبىّ فى
ليالٍ بقيت من شوّال سنة ستُّ، فقدم مسلِّماً على رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم زائرًا له ، وهو على الرجوع إلى أَهله، فقال له رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم: يا بُسْر ، لا تَبْرَح حتى تخرج معنا فإنَّا إِن شاءَ الله مُعتمرون.
فَأَقَام بُسْر وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بُسْربن سُفيان (٢) يبتل له
بُدْناً ، فكان يُسْر يبتاع البُدْن ويبعث بها إلى ذى الجَدْر حتى - ضر
خروجه، فأَمر بها فجُلبت إلى المدينة، ثم أَمر بها ناجية بن جُنْدُب الأَسْلَمِىّ. (٣)
أَن يُقدّمها إلى ذى الحُلَيفة، واستعمل على هذِهِ ناجيةً بن جُنْدُب.
وخرج أَصحابُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم معه، لا يشكُّون فى الفتح،
للرؤيا التى رأَى رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم. فخرجوا بغير سلاحٍ إلَّ
السيوف فى القُرُب، وساق قومٌ من أصحابه الهَدْى ، أَهل قوّة - أبوبكر
(١) أى وقف على عرفة .
(٢) هكذا فى الأصل.
(٣) فى الأصل: ((الأشهلى)). وما أثبتناه من ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٨٧)
ومن ابن عبد البر. (الاستيعاب ، ص ١٥٢٢).

٥٧٣
وعبد الرحمن بن عَوف، وعُمان بن عفَّان، وطلحة بن عبيد الله رضى
الله عنهم - ساقوا هَدْياً حتى وقف بذى الحُلَيفة ، وساق سعد بن عُبادة
بُدْنًا . فقال عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: أَنخشَى يا رسول الله علينا
من أبى سفيان بن حرب وأصحابه ، ولم نأُخذ للحرب عُدّتها ؟ فقال رسول الله
- صلَّى الله عليه وسلَّم: ما أدرى، ولستُ أُحبّ أَحمل السلاح معتمرًا .
وقال سعد بن عُبادة : يا رسول الله، لو حملنا السلاح معنا ، فإن رأينا
من القوم رَيْباً كنَّا مُعِدِّين لهم ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لستُ.
أَحمل السلاح ، إِنما خرجتُ مُعتمِرًا. واستخلف على المدينة ابن أُم مكتوم
وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة يوم الاثنين لهلال ذى
القعْدة، فاغْتسل فى بيته ولبس ثَوْبيْن من نَسْجِ صُحَار (١)، وركب
راحلته القَصواءَ من عند بابه ، وخرج المسلمون ، فصلَّى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم الظهر بذى الحُلَيفة، ثم دعا بالبُدْن فُجللَت(٢)، ثم أَشعر(٣)
بنفسه منها عِدّة، وهنَّ مُوَجَّهاتٌ إِلى القِبلة ، فى الشقّ الأَيمن . ويقال دعا
بِبَدَنَّةٍ واحدةٍ فَأَشعرَها فى الجانب الأيمن، ثم أَمر ناجية بن جُنْدُب بإِشعار
ما بقى ، وقدَّدها نَعْلاً نَعْلاً ، وهى سبعون بَدَنة فيها جمل أبى جَهل كان
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غنِمه ببدر ، وكان يكون فى لِقاحه بذى الجَدْر.
وأَشِعر المسلمون بُدْنَهم، وقلَّدوا النِّعال فى رِقاب البُدْن، ودعا رسول الله صلى
الله عليه وسلَّم بُسْر بن سُفيان من ذى الحُلَيفة فأَرسله عَيْناً له ، وقال : إِنَّ
قُرَيشاً قد بلغها أنى أُريد العُمرة ، فخِّر لى خبرهم ، ثم القَنى بما يكون منهم .
(١) صحار: قرية باليمن ينسب الثوب إليها. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥٣).
(٢) تجليل الفرس: أن تلبسه الجل؛ أى الغطاء. (الصحاح، ص ١٦٦١) . .
(٣) أشعر: ضرب صفحة السنام اليمنى بحديدة فلطخها بدمها إشعاراً بأنه هدى. ( شرح الزرقانى
على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢١٨).