Indexed OCR Text

Pages 81-100

٤٩٤
باب ما أنزل الله من القرآن فى الخَنْدَق
حدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن عبّاس ، قال :
وَأَنزلَ الله عزَّ وجل فى شأن الخَنْدَقِ يَذكُر نِعْمَتَه وكفايته عدوّهم بعد سوء
الظنِّ منهم ومقالةٍ من تكلّم بالنِّفاق، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُروا
نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحاً وَجُنُودًا لَمْ
تَرَوْها﴾ (١). قال: وكانت الجنود التى أَنت المؤمنين قُرَيشاً وغَطَفان وأَسَدًا
وُسُلَيماً ، وكانت الجنودُ التى بعث الله تعالى عليهم الريح . وذكر: ﴿إِذْ
جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلوبُ
الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونا﴾ (٢) وكان الذين جاءوهم مِن فوقهم بنوقُرَيْظَة،
والذين جاءوا مِن أَسفل منهم قُرَيش وأَسَد وغَطفان وسُلَيم. ﴿هُنالِكَ ابْتُلِىَ
المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيدًا﴾(٢). ﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنافِقُون وَالَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِمْ مَرَض ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾(٤)، قول مُعَنِّب بن قُشَير
ومَن كان معه على مثل رأيه. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَغْرِبَ لا مُقَامَ
لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ
بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا﴾(٥)، يقول أَوْس بن قَيْظىّ ومن كان معه من
قومه على مثل رأيه. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَفْطَارِها﴾(٦) مِن نواحيها؛
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآَنَوْهَا وَمَا تَلَبَّئُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا﴾، يعنى المنافقين .
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾(٧) إلى قوله تعالى
(١) سورة ٣٣ الأحزاب ٩
(٣) سورة ٣٣ الأحزاب ١١.
(٥) . ورة ٣٣ الأحزاب ١٣
(٧) سورة ٣٣ الأحزاب ١٥.
(٢) سورة ٣٣ الأحزاب ١٠.
(٤) سورة ٣٣ الأحزاب ١٢.
(٦) سورة ٣٣ الأحزاب ١٤.

٤٩٥
﴿وَإِذَا لا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾، كان ثَعْلَبَة عاهد اللهَ يومَ أُحُد لا يُولِىّ دُبُرًا
أبدًا بعد أُحُد . ثم ذكر أَهلَ الإيمان حين أَناهم الأحزاب فحصروهم ،
وظاهرتهم بنو قُرَيْظَة فى الخَنْدَق فاشتدّ عليهم البلاءُ ، فقالوا لمّا رأوا ذلك :
﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (١)، وذلك قوله فى البَقَرَة:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى
نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾(٢)، وفى قوله: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾(٣)، يقول قُتِل أَو أُبلى؛ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ)، أَن يُقْتَل أَو يُبْلَى؛ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾، ما تغيّرت نِيّاتُهم .
﴿ لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إِنَّ اللهَ كان غَفُورًا رَحيماً﴾(٤) .
حدّثنى إسحاق بن يحيى ، عن مُجاهد ، قال: نظر رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم إلى طلحة بن عُبَيد الله فقال: هذا مِمِّن قَضَى نَحْبَه .
ذِكْر مَن قُتِل من المسلمين يوم الخَنْدَق
من بنى عبد الأَشْهَل : سعد بن معاذ ، رَمَاه حِبّان بن العَرِقَة فمات ،
ويقال رماه أبو أُسامة الجُشّمىّ ؛ وأَنَّس بن أوس بن عَتيك بن عمرو بن
عبد الأَعْلَم بن زَعوراء بن جُشَم بن عبد الأَشْهَل ، قتله خالد بن الوليد ،
رماه بسهم ؛ وعبد الله بن سَهل الأَشْهَلِىّ ، رماه رجلٌ من بنى عُوَيف فقَتَله.
(١) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٢.
(٣) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٣.
(٢) سورة ٢ البقرة ٢١٤ .
(٤) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٤.

٤٩٦
ومن بنى سَلِمَة : الطُّفَيل بن النُّعمان ، قتله وَحشىّ ، وكان وَحشى يقول :
أكرمَ اللهُ بحربتى حمزةَ والطُّفَيل؛ وثَعْلَبَة بن غَنَمَة بن عَدىّ بن نابى، قتله
هُبِيرة بن أَبى وَهب المخزوميّ . ومن بنى دينار : كعب بن زيد، وكان
قد ارْتُثّ يومَ بثر مَعونة فصَحّ حتى قُتِل فى الخَنْدَق ، قتله ضِرارُ بن الخطَّب.
فجميع من استُشهد من المسلمين سنَّة نفر .
ذكر مَن قُتِل من المشركين
وقُتِل من المشركين : عمرو بن عبد بن أبى قيس بن عبد وُدّ ، قتله
عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام؛ ونَوفل بن عبد الله بن المُغيرة المخزومىّ،
قتله الزُّبير بن العَوّام ، ويقال عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام . ومن بنى
عبد الدار : عُمان بن مُنَبِّه بن عُبَيد بن السَّبّاق، مات بمكّة من رميةٍ رُميها
يوم الخَنْدَق ؛ وهم ثلاثة نفر .
ذكر ما قيل من الشعر فى الخَنْدَق .
قال ضرار بن الخطّاب: هكذا كان ...
باب غزوة بنى قُرَيْظَة
سار إليهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الأربعاء لسبعٍ بقين من ذى
القعدة، فحاصرهم خمسةَ عشَرَ يوماً ، ثم انصرف يوم الخميس لسبعٍ خلون
من ذى الحجّة سنة خمس . واستخلف على المدينة ابنَ أُمّ مَكْتوم .
قالوا : لمّا انصرف المشركون عن الخَنْدَق، وخافت بدو قُرَيْظَة خوفاً
شديدًا، وقالوا: محمّدٌ يزحف إلينا! وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم

٤٩٧
يُؤْمَر بقتالهم حتى جاءَ جبريل عليه السلام . وكانت امرأة نَبّاش بن قَيس
قد رأَت ، والمسلمون فى حصار الخَنْدَق، قالت: أَرى الخَنْدق ليس به أحد،
وأَرى الناسَ تحوّلوا إلينا ونحن فى حُصُوننا قد ذُبِحْنا [ذَبْحَ] الغنم. فذكرتْ
ذلك لزوجها ، فخرج زوجُها فذكّرها للزَّبِير بن باطا ، فقال الَّبِير : ما لها
لا نامت عينها، تُولِّى قُرَيْشٌ ويحصُرنا محمّد! والتوراةِ، ولَمَا بعدَ الحصارِ
أَشدُّ منه !
قالوا : فلمّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الخَنْدَق دخل بيت
عائشة رضى الله عنها فغسل رأْسَه واغتسل، ودعا بالمِجْمَرَة لِيُجمر، وقد
صلّى الظّهر ، وأتاه جبريل على بغلةٍ عليها رِحالة (١) وعليها قطيفة، على
ثَنَاياه النَّقْعِ، فوقف عند موضع الجنائز فنادى : عَذِيرَك مِنْ مُحارِب !
قال: فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فَزِعاً فقال(٢): أَلاَ أَراكَ وضعتَ
اللَّأْمَةَ ولم تَضَعْها الملائكةُ بعدُ ؟ لقد طردناهم إلى حَمْراء الأَسَد؛ إِنَّ الله يأمرك
أَن تسير إلى بنى قُرَيْظَة، فإِنِى عامِد إليهم فمُزَلْزِلٌ بهم خُصونَهم . ويقال
جاءَه على فرسٍ أَبْلَق. فدعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَليًّا عليه السلام
فدفع إليه ليواء، وكان اللواء على حالِهِ لم يُحَلُّ مِن مَرجعه مِن الخَندَق ،
وبعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِلالاً فأَّذِّن فى الناس: إِنَّ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يأمركم أَلاَّ تُصلّوا العصرَ إلَّا ببنى قُرَيْظَة. وَبِسَ رسولُ
لُه صلَّى الله عليه وسلَّم السلاح والمِغْفَر والدِّرْع والبَيْضَة، وأَخذ قناةٌ بيده ،
وتقلّد التُّرْسَ وركب فرسه، وحفّ به أَصحابُه وتلبّسوا السلاح وركبوا
الخيل، وكانت سنَّةً وثلاثين فَرَساً ، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) الرحالة: سرج من جلود لا خشب فيها. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٥٢) .
(٢) أى جبريل .

٤٩٨
قد قاد فرسَيْن وركب واحدًا، يقال له اللُّحَيْف ، فكانت ثلاثة أَفراس
معه . وعلىٌّ عليه السلام فارِس ، ومَرْتَد بن أَبِى مَرْثَد . وفى بنى عبد مَناف :
عثمان بن عَفَّن رضى الله عنه فارس، وأبو حُذيفة بن عُتبة بن رَبيعة ،
وعُلَّاشة بن مِحْصَن فارس، وسالم مولى أَبِى حُذيفة، والزُّبَير بن العوّام.
ومن بنى زُهرة: عبد الرحمن بن عَوف، وسعد بن أَبِى وَقَّاص . ومن بنى
تَيم : أبو بكر الصدِّيق، وطَلحة بن عبيد الله . ومن بنى عَدىّ : عمر بن
الخطّاب. ومن بنى عامر بن لُؤْىّ: عبد الله بن مَخْرَمة. ومن بنى فِهر :
أَبو عُبَيدة بن الجَرّاح. ومن الأَوس: سعد بن مُعاذ، وأُسَيد بن حُضَير ،
ومحمّد بن مَسْلَمَة، وأبو نائِلة، وسعد بن زيد . ومن بنى ظَفَر : قَتادة
ابن النُّعمان. ومن بنى عمرو بن عَوف: عُوَيم بن ساعدة ، ومَعن بن عَدى ،
وثابت بن أَقْرَم، وعبد الله بن سَلَمَة . ومن بنى سَلِمَة: الحُباب بن المُنذربن
الجَموح ، ومُعاذ بن جَبَل، وقُطبة بن عامر بنْ حَديدة . ومن بنى مالك بن
النَّجار : عبد الله بن عبد الله بن أُبَىّ . وفى بنى زُرَيَقِ: رُقاد بن لَبيد،
وذَروة بن عمرو ، وأَبو عَّاش ، ومُعاذ بن رِفاعة . ومن بنى ساعدة : سعد
ابن عُبادة .
فحدّثْنى ابن أبى سبْرَة ، عن أَيّوب بن عبد الرحمن بن أَبِى صَعْصَعَة ،
قال: فسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أصحابه والخيلُ والرَّجَّالةُ حوله،
فمرّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بنفرٍ من بنى النَّجّار بالصَّوْرَين(١) فيهم
حارثة بن النُّعمان ، قد صَفّوا عليهم السلاح ، فقال : هل مَرّ بكم أَحد ؟
قالوا : نعم ، دِحْية الكُلْبِىّ مَرّ على بغلةٍ عليها رِحالةٌ، عليها قَطيفةٌ من
(١) الصورين: موضع بأقصى البقيع مما يلى طريق بنى قريظة. (وفاء الوفا، ج ٢،
ص ٣٣٧) .

٤٩٩
سْتَبْرَق، فأَمَرَنا بِلُبْس السلاح ، فأخذنا سِلاحَنا وصففنا ، وقال لنا :
هذا رسول الله يطلع عليكم الآن. قال حارثة بن النُّعمان: فكنًّا صَفَّين، فقال
لمنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ذلك جبريل! فكان حارثة بن النُّعمان
يقول : رأَيتُ جبريل من الدَّهْر مرّتين - يومَ الصَّوْرَين ويومَ موضع الجنائز
حين رجعنا من حُنَين . وانتهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بنى قُرَيْظَة
فَنَزْلَ على بئر لذَا (١) أَسفلَ حَرَّة بنِ قُرَيْظَة، وكان عَلىّ عليه السلام قد
سبق فى نفرٍ من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة .
فحدّثْنى ابن أبى سَبْرَة، عن أُسَيد بن أبى أُسَيد ، عن أبى قتادة ،
قال : انتهينا إليهم فلمّا رأونا أيقنوا بالشرّ، وغرز عَلىّ عليه السلام الرايةٌ عند
أصل الحِصْن، فاستقبلونا فى صَياصيهم يشتمون رسولَ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وأزواجه . قال أبو قتادة: وسكتنا وقلنا : السيفُ بيننا وبينكم !
وطلع رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلما رآه عَلىّ عليه السلام رجع إلى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمرنى أن أُلزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَذَاهم وشَتْمَهم . فسار رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
إليهم، وتقدّمه أُسَيدُ بن حُضّير فقال: يا أَعداءَ اللهِ، لا نبرح حِصْنَكم
حتى تموتوا جوعاً. إنما أَنتم بمنزلة ثعلبٍ فى جُحْر. قالوا: يا ابنَ الحُضَير،
نحن مواليكم دون الخزرج ! وخاروا (٢)، وقال: لا ◌َهِّدَ بينى وبينكم ولا
إِلَّ(٣). ودَذا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم منهم، وترّسنا عنه ، فقال :
(١) هكذا فى النسخ؛ ولعل الصواب ((بئر أنا)) كما فى ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج٣،
ص ٢٤٥). وأنا: بئر من آبار بنى قريظة. ( معجم البلدان ، ج ١، ص ٣٤٠).
(٢) فى الأصل: ((وجاروا))؛ وما أثبتناه من ب. وخاروا: أى خافوا. (السيرة الحلبية،
ج ٢، ض ١١٥ ) .
(٣) الإل، بالكسر: العهد والحلف. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٣٠).

٥٠٠
يا إِخوةَ القِرَدَة والخنازير وعَبَدَة الطَّواغيت، أَتشتموننى ؟ قال : فجعلوا
يحلفون بالتَّوراة التى أُنزلت على موسى : ما فعلنا ! ويقولون : يا أَبا
القاسم ، ما كنتَ جَهُولاً ! ثم قدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرُّمَاةَ
مِن أصحابه .
فحدّثنى فَروة بن زُبَيد ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها ، قال : قال
لى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا سعد، تقدَّمْ فَارْمِهِمْ! فتقدّمتُ حيث
تَبلُغهم نَبْلى ، ومعى نَهِّفٌ على الخمسين ، فرميناهم ساعةً وكأَنّ نبلنا مثلَ (١)
جراد ، فانجحروا فلم يطلع منهم أحد . وأَشفقنا على نبلنا أن يذهب ،
فجعلنا نرمى بعضَها(٢) ونُمسك البعض. فكان كعب بن عمرو المازنىّ
- وكان رامِياً - يقول : رميتُ يومئذٍ بما فى كِنانتى ، حتى أَمسكنا عنهم بعد
أَن ذهبت ساعةٌ من الليل . قال : وقد رمونا ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
واقِفٌ على فرسه عليه السلاح ، وأصحاب الخيل حوله ، ثم أَمرَنا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فانصرفنا إلى منزلنا وعسكرنا فبِتْنا، وكان طعامنا تمرًاً
بعث به سعد بن عُبادة، أَحمالَ تمر ، فبتنا(٣) نأكل منها، ولقد رُبِّى
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر وعمر يأكلون من ذلك التمر ، ورسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : نِعمَ الطعامُ التمرُ! واجتمع المسلمون عند
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عِشاءً، فمنهم مَن لم يُصَلِّ حتى جاءَ بنى قُرَيْظَة ،
ومنهم مَن قد صلَّى، فذكروا ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما عاب
على أحدٍ صلَّى، ولا على أَحد لم يُصَلِّ حتى بلغ بنى قُرَيْظَة . ثم غدونا
(١) فى ب: ((رجل من جراد)).
(٢) فى ب: ((يربى بعضنا ويمسك بعض)).
(٣) فى الأصل: ((فبينا))؛ وما أثبتناه من ب.

٥٠١
عليهم بسُحْرَة، فقدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرُّماة، وعبّأَ أصحابَه
فأَحاطوا بحُصونهم مِن كلّ ناحية ، فجعل المسلمون يُرامونهم بالنبل والحجارة ،
وجعل المسلمون يعتقبون فيعقب بعضُهم بعضاً ، فما برح رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم يُراميهم حتى أَيقنوا بالهلكة .
فحدثنى الضَّحّاك بن عثمان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كانوا
يراموننا مِن حُصونهم بالنبل والحجارة أَشدَّ الرَّئى، وكنا نقوم حيث تبلغهم
نبلُنا .
فحدّثنى الضَّحّاك بن عثمان ، عن جعفر بن محمود ، قال : قال محمّد
ابن مسْلَمَة : حَصرناهم أَشدَّ الحِصار ، فلقد رأيتنا يوم غدونا عليهم قبل
الفجر ، فجعلنا ندنو من الحِصْن ونرميهم مِن كَثَب ، ولزمنا حصونَهم
فلم تُفارقها حتى أَمسينا، وحَضّنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الجهاد
والصبر . ثم بتنا على حصونهم ، ما رجعنا إلى معسكرنا حتى تركوا قتالنا
وأَمسكوا عنه وقالوا : نُكلّمك. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : نعم.
فأَنزلوا نَبّاش بن قيس، فكلّم رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ساعةً وقال : يا محمّد ، ننزل على ما نزلتْ عليه بنو النَّضير ؛
لك الأُموال والحَلْقَةُ وَتَحْقِن دماءَنا، ونخرج من بلادكم بالنساء والذَّرارىّ ،
ولنا ما حملت الإِبلُ إِلَّ الحَلْقَة. فأَبِى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالوا:
فَتَحقِن دماءنا وتُسلم لنا النساءَ والذُّرّيّة، ولا حاجةً لنا فيما حملت الإِبل.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لا ، إلَّا أَن تنزلوا على حكمى.
فرجع نَبّاش إلى أصحابه بمقالة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال كعب
ابن أَسَد : يا معشر بنى قُرَيْظَة، واللهِ إنكم لتعلمون أَنَّ محمّدًا نبىُّ الله،
وما منعنا مِن الدخول معه إِلَّ الحَسَدُ للعرب، حيث لم يكن نبيًّا من بنى

٥٠٢
إِسرائيل فهو حيث جعله الله . ولقد كنت كارهاً لنقض العَهْد والعَقْد . ولكنّ
البلاء وشؤم هذا الجالس(١) علينا وعلى قومه، وقومُه كانوا أَسوأً (٢) منَّا.
لا يستبقى محمدٌ رجلاً واحدًا إِلَّا مَن تبعه. أَتذكرون ما قال لكم ابن خِراش (٣)
حين قدم عليكم فقال : تركتُ الخَمْرَ والخمير والتأُمِير، وجئتُ إِلى السّتماء
والتمر والشعير ؟ قالوا : وما ذلك ؟ قال: يخرج من(٤) هذه القرية نيّ،
فإِن خرج وأَنا حىٌّ اتّبعتُه ونصرته . وإِن خرج بعدى فإِيّا كم أَن تُخدَعوا عنه .
فاتَّبعوه وكونوا أنصاره وأولياءَه، وقد آمَنتم بالكتابَيْن كليهما الأَوّل والآخر
قال كعب : فتعالوا فلْنُتَابِعْه ولنُصدقه ولنُؤمن به ، فنأمن على دمائنا وأبنائنا
ونسائنا وأَموالنا، فنكون بمنزلة مَن معه . قالوا: لا نكون تَبَعاً لغيرنا ، نحن
أَهل الكتاب والنُّبوّة، ونكون تَبَعاً لغيرنا ؟ فجعل كعب يرد عليهم الكلام
بالنصيحة لهم . قالوا : لا نُفارق التوراة ولا نَدَعُ ما كَّا عليه من أمر موسى.
قال : فهلمَ فلنقتلْ أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج فى أيدينا السيوفُ إِلى
محمّدٍ وَأَصحابه . فإِن قُتلنا قُتلنا وما وراءَنا أَمْرُ نهَمّ به، وإِن ظفِرنا فلَعَمرى
لنتخذنّ النساءَ والأَبناءَ . فتضاحك حُيَى بن أَخْطَبِ ثم قال: ما ذَنْبُ
هؤلاء المساكين ؟ وقالت رؤساء اليهود ، الزَّبِير بن باطا وذووه : ما فى العيش
خيرٌ بعد هولاء . قال : فواحدةٌ قد بقيتْ مِن الرَّأى لم يَبْقَ غيرُها ، فإِن
لم تقبلوها فأَنتم بنى إِسْتِها . قالوا : ما هى ؟ قال : الليلة السبت ،
وبالحَرِىّ(٥) أن يكون محمّدٌ وأصحابه آمنين لنا فيها أَن نُقاتله ، فنخرج
(١) يعنى حيي بن أخطب.
(٢) فى ب: ((أشوى منا)).
(٣) فى الأصل: ((حواش)). وفى ب: ((جواش))؛ وعلى هامش ب: ((مطلب بن جواش)).
وما أثبتناه من ث ، ومن السيرة الحلبية. (ج ٢، ص ١١٦).
(٤) فى ب: ((إنه يخرج بهذه القرية)).
(٥) فى الأصل: ((بالجرى))؛ والتصحيح من ب .

٥٠٣
فلعلنا أَن نُصِيب منه غِرَّة . قالوا : نُفسِد سبتنا ، وقد عرفتَ ما أَصابنا
فيه ؟ قال حُيَىّ : قد دعوتُك إلى هذا وقُرَيَشْ وَغَطَفان حُضورٌ فأَبِيتَ أَن
تكسر السبت ، فإِن أَطاعتنى اليهود فعلوا . فصاحت اليهود : لا نكسر
السبت . قال نَبّاش بن قيس : وكيف نُصِيب منهم غِرَّة وأَنت ترى أنَّ
أمرهم كلَّ يوم يشتدّ . كانوا أَوّلَ ما يُحاصروننا إِنما يُقاتلون بالنهار ويرجعون
الليل ، فكان هذا لك قولاً ((لو بيّتناهم)). فهم الآن يُبيّتون الليل ويَظّون
النهار ، فأَىّ غِرَّةٍ نُصِيب منهم ؟ هى مَلْحَمة وبلاء كُتب علينا . فاختلفوا
وسُقط. فى أيديهم ، وندموا على ما صنعوا ، وَرَقُّوا على النساء والصبيان ،
وذلك أَنَّ النساءَ [والصبيان] لمّا رأَوا ضَعْف أنفسهم هلكوا ، فبكى النساء
والصبيان ، فرَقُّوا عليهم .
فحدّثنى صالح بن جعفر ، عن محمّد بن عُقبة ، عن ثَعلبة بن أَبِى
مالك ، قال : قال ثَعلبة وأُسَيد ابنا سَعِيّة(١)، وأَسد بن عُبَيد عمّهم(٢):
يا معشر بنى قُرَيْظَة ، والهِ إنكم لَتعلمون أنه رسول الله وأَنَّ صفته عندنا ،
حدّثنا بها علماونا وعلماء بنى النَّضير. هذا أَوّلهم - يعنى حُيِىّ بن أَخْطَب -
مع جُبير بن الهَيِّبان(٣) أَصدقُ الناسِ عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته .
قالوا : لا نُفارق التوراة! فلمّا رأى هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا فى الليلة التى
فى صُبْحِها نزلت قُرَيْظَة ، فأَسلموا فأَمنوا على أنفسهم وأهلهم وأموالهم .
فحدّثنى الضَّحّاك بن عثمان، عن محمّد بن يحيى بن حِبّان ، قال
عمرو بن سُعْدَى، وهو رجلٌ منهم : يا معشر اليهود ، إنكم قد حالفتم
محمّدًا على ما حالفتموه عليه ، أَلاَّ تنصروا عليه أحدًا من عدوّه، وأَن تنصروه
(١) فى الأصل: ((شعية))؛ وما أثبتناه من ب، ومن ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ٩٦).
(٢) فى ب: ((ابن عمهم)).
(٣) على هامش نسخة ب: ((مطلب بن الهيبان)).

٥٠٤
ممّن دهمه ؛ فنقضتم ذلك العهد الذى كان بينكم وبينه ، فلم أُدخل فيه
ولم أَشْرَكُكم فى غدركم ، فإِن أَبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا [على ] اليهودية
وأَعطوا الجزية، فواللهِ ما أَدرى يقبلها أَم لا . قالوا : نحن لا نُقرّ للعرب
بِخَرْجٍ فى رِقابنا ياخذوننا به ، القتلُ خير من ذلك ! قال : فإنى برئٌ منكم.
وخرج فى تلك الليلة مع بنى سَعِيَّة فمرَّ بحرس النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وعليهم محمّد بن مَسْلَمة، فقال محمّد بن مَسْلَمَة : مَن هذا ؟ فقال :
عمرو بن سُعْدَى. فقال محمّد: مُرّ! اللّهمّ، لا تحرمْنى إقالةَ عَثَرَاتٍ
الكِرام . فخلَّى سبيلَه وخرج حتى أَتى مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فبات به حتى أَصبح ، فلمّا أَصبح غدا فلم يُدرَ أَين هو حتى الساعة ،
فُسُئِل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عنه فقال : ذلك رجلٌ نجّاه اللهُ بوَفائِه.
ويقال إنه لم يطلع أحدٌ منهم ولم يُبادر(١) للقتال، فى روايتنا.
حدّثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أَبيه ، قال : مرّ عمرو بن سُعْدَى على
الحرس ، فناداه محمّد بن مَسْلَمَة : مَن هذا ؟ قال : عمرو بن سُعْدَى .
قال محمّد : قد عرفناك. ثم قال محمّد: اللّهمّ، لا تحرِمنى إِقالةَ عَثَرَاتٍ
الكرام.
حدثنى الثَّورِىّ، عن عبد الكريم الجَزَرِىّ، عن عِكْرِمَة ، قال: لمّا
كان يوم بنى قُرَيْظَة قال رجلٌ من اليهود : مَن يُبارز ؟ فقام إليه الزُّبَير
فبارزه . فقالت صَفيّةٍ: وَاجَدِّى! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
أَيّهما علا صاحبَه قَتَله. فعلاه الزُّبَير فقتله، فنفله رسولُ الله صلَّى الله عليه
عليه وسلَّمْ سَلَبه .
(١) فى ب: ((ولم يبارز)).

٥٠٥
قال ابن واقِد : ولم يُسْمَع بهذا الحديث فى قتالهم وأَراه وَهَل - هذا
فى خيبر .
حدثنى مَعْمَر بن راشد ، عن الزُّهرِىّ، عن ابن المُسَيِّب ، قال : كان
أَوّل شىءٍ عتب فيه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أبى لُبابة بن عبد المُنذر
أَنه خاصم يتيماً له فى عَذْق. فقضى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بالعَذْقِ لأَبِىِ لُبابة، فصيّح(١) اليتيمُ واشتكى إلى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَبِى لُبابة : هَبْ لى العَذْق يا
أَبا لُبابة - لكى يردّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى اليتيم . فأَبى أبو لبابة
أن يهبه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا أَبا لُبابة ، أَعطِه اليتيم
ولك مثله فى الجنَّة . فأَبِى أَبو لُبابة أَن يُعطيه .
قال الزُّهرى : فحدّثنى رجلٌ من الأنصار قال: لمّا أَبِى أَن يُعطيه قال
ابن الدَّحْداحة - وهو رجلٌ من الأنصار : أَرأيتَ يا رسول الله إن ابتعتُ
هذا العَذْقَ فأعطيتُه هذا اليتيمَ ، أَلِىَ مثلُه فى الجنَّة؟ قال رسول الله صلَّى
الله عليه وسلّم : نعم. فانطلق ابن الدَّحْداحة حتى لقى أَبا لُبابة فقال :
أَبتاعُ منك عَذْقَك بحديقتى - وكانت له حديقة نخل. قال أبو لُبابة :
نعم . فابتاع ابن الدَّحْداحة العَلْقَ بحديقةٍ من نخل ، فأَعطاه اليتيم .
فلم يلبث ابن الدَّحْداحة أن جاءَ كفَّارُ قُرَيش إلى أُحُد، فخرج ابن الدَّحْداحة
فقُتل شهيدًا ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: رُبَّ عَذْقٍ مُدلَّلٍ لابن
الدَّحْداحة فى الجنَّة .
قالوا : فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : أَرسلْ إِلينا أَبًا لُبابة بن عبد المُنذر.
(١) فى ب: ((فضخ اليتيم)).

٥٠٦
فحدّثنى ربيعة بن الحارث ، عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل ، عن
السائب بن أبي لبابة بن عبد المُنذر ، عن أبيه ، قال : لمّا أرسلت بنو
قُرَيْظَة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسألونه أَن يُرسلنى إليهم ، دعانى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : اذهبْ إلى حلفائك ، فإنهم أرسلوا
إليك من بين الأَوس . قال : فدخلت عليهم وقد اشتدَ عليهم الحصار ،
فَهَشوا(١) إِلىّ وقالوا: يا أَبا لُبابة ، نحن مواليك دون الناس كلِّهم . فقام
كعب بن أَسَد فقال : أَبا بَشير ، قد علمتَ ما صنعنا فى أَمرك وأَمرٍ
قومك يوم الحدائق وبُعاث، وكلِّ حربٍ كنتم فيها . وقد اشتدّ علينا
الحصار وهلكنا ، ومحمّدٌ يأْبِى يُفارق حصنَنا حتى ننزل على حُكمه . فلو
زال عنَّا لحقْنا بأرض الشام أَو خَيْبَر ، ولم نَطأ له حَرًا (٢) أبدًا، ولم نُكثر عليه
جمعاً أبدًا. قال أَبو لُبابة : أَما ما كان هذا معكم ، فلا يدع هلاككم -
وأشرتُ إلى حُبَىّ بن أَخْطَب. قال كعب : هو والهِ أَوْرَدنى ثم لم يُصْدرْنى .
فقال حُبِىّ : فما أَصنع ؟ كنتُ أَطمع فى أَمرِهِ ، فلمّا أَخطأَّى آسيتُك
بنفسى، يُصيبنى ما أصابك . قال كعب : وما حاجتى إلى أَن أُقتَل أَنا
وَأَنت وتُسْبَى ذَراريّنا ؟ قال حُيَىّ : ملحمةٌ وبلاءُ كُتب علينا . ثم قال
كعب : ما ترى ، فإِنَّا قد اخترناك على غيرك ؟ إِنَّ محمّدًا قد أَبى إِلَّا أَن
ننزل على حُكْمِهِ ، أَفننزل(٣) ؟ قال: نعم، فانزِلوا - وأومأُ إِلى حَلْقِهِ،
هو الذبح. قال : فندمتُ فاسترجعت ، فقال لى كعب : ما لك يا أَبا لُبابة؟
فقلت : خنتُ اللهَ ورسوله . فنزلت وإِنَّ لِحيّى لَمُبتلَّةٌ من الدموع ،
(١) بهشوا إلى: أسرعوا إلى. (النهاية، ج ١، ص ١٠١).
(٢) الحرا، بالفتح والقصر: جناب الرجل. ( النهاية، ج ١، ص ٢٢٢).
(٣) فى ب: ((فتنزل)).

٥٠٧
والناسُ ينتظرون رجوعى إليهم ، حتى أَخذتُ من وراء الحِصْن طريقاً آخر
حتى جئت إلى المسجد فارتبطت ، فكان ارتباطى إلى الأسطوانة المُخَلَّقَةِ (١)
التى تقال أُسطوانة الشَّوْبَة - ويقال ليس تلك، إِنما ارتبط إلى أُسطوانةٍ كانت
وُجَاه المنبر عند باب أُمِّ سَلَمَة زوجِ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا أَثبتُ
القولين - وبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلّم ذهابى وما صنعت فقال :
دعوه حتى يُحدث اللهُ فيه ما يشاء . لو كان جاءنى استغفرت له ؛ فأَمّا
إذ لم يأتنى وذهب فدعوه ! قال أبو لُبابة : فكنت فى أَمرٍ عظيمٍ خمس
عشرة ليلة ، وأَذكرُ رؤيا رأيتُها .
فحدّثْنى موسى بن عُبَيدة ، عن أَيّوب بن خالد : قال ، قال أبو لبابة :
رأيت فى النوم ونحن محاصرو بنى قُرَيْظَة كَنّى فى حَمْأَةٍ آسِنة ، فلم أُخرج
منها حتى كدتُ أَموت مِن ريحها . ثم أَرَى نهرًا جارياً ، فأَرانى اغتسلت
منه حتى استنقيت ، وأَرانى أَجد ريحاً طيّبة . فاستعبرها أبا بكر فقال :
لتدخلنَّ فى أَمرٍ تغتمّ له ، ثم يُفرَّج عنك. فكنتُ أُذكر قول أبى بكر
رضى الله عنه وأنا مرتبط ، فأرجو أن تنزل توبتى .
فحدّثنى مَعْمَر، عن الزُّهرِىّ، قال: وكان رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم قد استعمل أَبا لُبابة على قتالهم ، فلمّا أَحدث ما أَحدث عزله واستعمل
أُسَيد بن حُضَير. وارتبط. أَبو لُبابة سبعاً بين يوم وليلةٍ عند الأسطوانة التى
عند باب أُمّ سَلَمَةٍ فى حرِّ شديد، لا يأكل فيهنَّ ولا يشرب ، وقال : لا
أَزال هكذا حتى أُفارق الدنيا أَو يتوبَ الله علىّ. قال : فلم يزل كذلك حتى
ما يسمع الصوت من الجَهد ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ينظر إِليه بُكْرةً
(١) أى التى طليت بالخلوق، وهو ما يخلق به من الطيب. ( شرح على المواهب اللدنية،
ج ٢، ص ١٥٨) .

٥٠٨
وعشيةً، ثم تابَ اللهُ تعالى عليه فُنُودى: إِنَّ الله قد تابَ عليك! وأرسل
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه ليُطلَقُ عنه رِباطه، فأَبِى أَن يُطلقه عنه أَحدٌ
غير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بنفسه فأَطلقه .
قال الزُّهرىّ: فحدّثنی هِند بنت الحارث، عن أُمّ سَلَمَة زوج النبيّ
صلّى الله عليه وسلَّم قالت: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحلّ عنه رِباطه ،
وإِنَّ رسول الله ليرفع صوته يُكلّمه ويُخبره بتوبته، وما يدرى كثيرًا ممّا يقول
من الجَهد والضعف . ويُقال مكث خمسَ عشرةَ مربوطاً ، وكانت ابنته
تأتيه بتمراتٍ لفطره ، فيلوك منهنّ ويترك ويقول : واللهِ، ما أَقدِرُ على أَن
ے
أُسيخها فَرَقاً أَلَّ تنزل توبتى. وتطلقه عند وقت كلّ صلاة، فإِن كانت له
حاجةٌ توضّاً ، وإلا أَعادت الرِّباط . ولقد كان الرباط حزّ فى ذراعيه ، وكان
من شَعَر ، وكان يُداويه بعد ذلك دَهْرًا ، وكان ذلك يَبين فى ذراعيه بعد
ما بَرِئٍ . وقد سمعنا فى توبته وجهاً آخر .
حدّثنا عبد الله بن يزيد بن قُسَيط. ، عن أبيه ، عن محمّد بن عبد الرحمن
ابن ثَوبان (١)، عن أُمّ سَلَمَة زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم،
قالت : إِنَّ توبة أَبِى لُبابة نزلت فى بيتى. قالت أُمّ سَلّمَة : فسمعت رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يضحك فى السَّحَر فقلت: مِمّ تضحك يا رسول الله،
أَضحك الله ◌ِنَّك ؟ قال: تِيب على أَبى لُبابة . قالت ، قلت : أُوذِنه بذلك
يا رسول الله ؟ قال : ما شئتِ . قالت : فقمت على باب الحجرة ، وذلك
قبل أن يُضْرَب الحجاب، فقلت: يا أَبالُبابة، أَبشرْ فقد تاب الله عليك
(١) فى الأصل: ((لوبان))؛ والتصحيح من ب، ومن ابن عبد البر. ( الاستيعاب ،
ص ٢١٧ ) .

٥٠٩
فثار الناس إليه لِيُطلقوه، فقال أبو لُبابة: لا، حتى يأْتِى رسولُ الله
فيكونَ هو الذى يُطلق عنِّى. فلمّا خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
إلى الصبح أَطلقه. ونزلت فى أَبى لبابة بن عبد المُنذر: ﴿وَآخَرُونَ أَعْتَرَفُوا
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .. ﴾(١)
الآية. ويقال نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢).
وحدّثنى محمّد بن عبد الله، عن الزُّهرىّ، قال: نزلت فيه: ﴿يا أَيُّهَا
الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْراهِهِمْ﴾. (٣)
الآية. وأَثبتُ ذلك عندنا قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَآخَرُونَ أَعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَطُوا
عَمَلاً صالِحاً﴾ .
وحدّثنى مَعْمر ، عن الزُّهرىّ، عن ابن كعب بن مالك، قال : جاءً
أَبو لُبابة إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقال: أَنا أَهجرُ دار قومى التى
أَصبتُ فيها هذا الذنب ، فأُخرج من مالى صدقةً إلى الله ورسوله . فقال
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يُجزئ عنك الثُّلُث. فأخرج الذُّلُث، وهجر
أَبو لُبابة دار قومه . ثم تاب الله عليه ، فلم يَيِن فى الإِسلام منه إلَّا خيرٌ
حتى فارق الدنيا .
قالوا : ولمّا جهدهم الحصارُ ونزلوا على حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
أَمرِ رسول الله بأَسراهم فكُتِّفوا رِباطاً، وجُعل على كِتافهم محمّد بن مَسْلَمَة ،
ونُحُوا ناحيةً، وأَخرجوا النساء والذُّرّيّة من الحُصون فكانوا ناحيةً . واستعمل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الله بن سَلام، وأمر رسول الله صلَّى الله
(١) سورة ٩ التوبة ١٠٢ .
(٢) سورة ٨ الأنفال ٢٧.
(٣) سورة ٥"المائدة ٤١.

٥١٠
عليه وسلَّم بجمع أمتعتهم وما وُجد فى حُصونهم من الحَلْقَة والأَثاث والثياب .
فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن المِسْوَر بن رِفاعة ، قال : وُجد فيها
ألف وخمسمائة سيف ، وثلاثمائة دِرْعٍ، وأَلفا رُمْح ، وألف وخمسمائة تُرْس
وحَجَفَة (١). وأخرجوا أَثاثاً كثيرًا، وآنيةً كثيرة، ووجدوا خمرًا
وجِرارَ سَكَرٍ ، فَهُريق ذلك كلّه ولم يُخَمَّس. ووجدوا من الجمال النواضح
عِدّة ، ومن الماشية ، فجُمع هذا كلّه .
حدّثنى عمربن محمد ، عن أبى سعيد، عن جابر بن عبد الله قال : أَنا
كنت ممّن كسر جِرارَ السَّكَر يومئذٍ .
حدّثْنى خارجة بن عبد الله، عن داود بن الحُصَين ، عن أبى سُفيان ،
عن محمّد بن مَسْلَمَة ، قال: وتَنحّى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجلس ،
ودنت الأَوس إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: يا رسول الله، حلفاؤنا
دون الخَزْرَجِ ، وقد رأَيت ما صنعتَ ببنى قَيْنُقاعِ بالأمس حلفاءِ ابنِ
أُبَىّ، وهبتَ له ثلثمائة حاسٍ وأربعمائة دارع. وقد ندم حلفاؤنا على كان
من نَقْضِهم العهدَ، فَهَبْهُم لنا. ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ساكت،
لا يتكلّم حتى أكثروا عليه وألحّوا ونطقت الأوس كلّها ، فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: أَما ترضَون أن يكون الحكم فيهم إلى رجلٍ منكم ؟
قالوا : بلى . قال : فذلك إلى سعد بن مُعاذ. وسعد يومئذٍ فى المسجد فى
خيمة كُعَيْبةٍ (٢) بنت سعد بن عُتبة، وكانت تُداوى الجَرْحِى، وَتَلُمّ
الشَّعَث ، وتقوم على الضائع والذى لا أَحدَ له وكان لها خيمة فى المسجد ،
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جعل سعدًا فيها . فلمّا جعل رسول الله
(١) الحجفة: الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب. (الصحاح، ص ١٣٤١).
(٢) هكذا فى النسخ. ويقال أيضاً ((رفيدة)) كما ذكر ابن إسحق. ( السيرة النبوية، ج ٣،
س ٢٥٠) .

٥١١
صلَّى الله عليه وسلَّم الحُكْم إلى سعد بن مُعاذ خرجت الأَوس حتى جاءوه ،
فحملوه على حمارٍ بِشَنَذَةٍ (١) من لِيفٍ، وعلى الحمار قَطيفةٌ فوقَ الشَّنَذَة
وخِطامه حبلٌ من لِيفٍ . فخرجوا حولَه يقولون: يا أَبا عمرو ، إِنَّ رسول الله
قد ولاَّك أَمرَ مواليك لتُحسن فيهم فأَحسِنْ، فقد رأَيتَ ابنَ أُبَىّ وما صنع
فى حلفائه. والضَّحّاك بن خليفة يقول: يا أَبا عمرو ، مَواليك، مَواليك!
قد منعوك فى المواطن كلّها ، واختاروك على مَن سواك ورجوا عِياذَك(٢) ، ولهم
جِمالٌ وعدد. وقال سَلَمَة بن سلامة بن وَقَش: يا أَبا عمرو ، أُحسِنْ فى
مواليك وحلفائك؛ إِنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُحبّ البَقيَّة! نصروك
يوم الْبُعاث والحَدائق والمَواطن ، ولا تكن شَرًّا من ابن أُبَىّ .
قال إبراهيم بن جعفر، عن أبيه : وجعل قائلهم يقول : يا أَبا عمرو .
وإِنَّا واللهِ قائلنا بهم فقَتلنا، وعازَزنا بهم فَعَززنا ! قالوا : وسعد لا يتكلّم ، حتى
إذا أكثروا عليه قال سعد : قد آنَ لِسعد أَلاَّ تأُخذه فى الله لومةُ لائم .
فقال الضَّحَّاك بن خليفة: وَاقَوْماه! ثم رجع الضَّحَّك إلى الأُوس فنَعَى
لهم بنى قُرَيظة. وقال مُعَتِّب بن قُشَير: وَاسُوءٍ صَباحَاه ! وقال حاطب بن
أُمَيّة الظَّفَرِىّ: ذهب قومى آخرَ الدهر. وأَقبل سعد إلى رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم، والناس حول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جُلوس ، فلمّا
طلع سعد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قوموا إلى سيّدكم . فكان
ريالٌ من بنى عبد الأَشْهَل يقولون: فقمنا له على أَرجلنا صَفَّين، يُحيِّيه كلّ
رجلٍ منا حتى انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وقائل يقول: إنما عنى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله ((قوموا إلى سيّدكم)) يعنى به الأَنصار دون
(١) فى الأصل: ((بسند))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب. والشنذة: شبه إكاف يجعل لمقدمته حنو.
( النهاية، ج ٢، ص ٢٣٨) .
(٢) فى ب: ((عائذيك)).

٥١٢
قُرَيش . قالت الأَوس الذين بقوا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لسعد :
يا أَبا عمرو، إِنَّ رسول الله قد ولَّّك الحُكم، فأَحسِنْ فيهم وَاذكر بلاءَهم
عندك. فقال سعد بن معاذ: أَترضون بحكمى لِبنى قُرَيْظَة ؟ قالوا : نعم ،
قد رضينا بحكمك وأنت غائبٌ عنَّا، اختيارًا منَّا لك ورجاءَ أَن تمنّ علينا
كما فعله غيرُك فى حلفائه مِن قَيْنُقاعِ، وَأَثَرُنا عندك أَثَرُنا ، وأُحوجُ ما
كنَّا اليومَ إِلى مجازاتك. فقال سعد: لا آلوكم جهدًا . فقالوا : ما يعنى
بقوله هذا ؟ ثم قال : عليكم عهدُ الهِ وميثاقُه أَنّ الحكم فيكم ما حكمتُ ؟
قالوا : نعم . فقال سعد للناحية الأُخرى التى فيها رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وهو مُعرضٌ عنها إجلالاً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : وعلى مَن
هاهنا مثلُ ذلك ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومَن معه : نعم .
قال سعد: فإِنِى أَحكمُ فيهم أَن يُقتَل مَن جَرَتْ عليه المُوسَى، وتُسْبَى النساءُ
والدُّرّة، وتُقْسم الأموال. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لقد حكمتَ
بحكم الله عزَّ وجلّ مِن فوق سبعة أرْقِعَة (١) . وكان سعد بن معاذ فى الليلة
التى فى صبحها نزلت قُرَيْظَة على حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد دعا
فقال : اللَّهمّ، إن كنتَ أَبْقيتَ من حرب قُرَيْشٍ شيئاً فأُبقِى لها ، فإِنه
لا قَوْمَ أَحبّ إِلىّ أَن أُقاتل من قومٍ كذَّبوا رسول الله، وآذّوه وأخرجوه ! وإن
كانت الحربُ قد وضعت أوزارَها عنّا وعنهم فَاجَعَلْه لى شهادة ، ولا تُمِتنى حتى
تُقِرَّ عينى من بنى قُرَيْظَةٍ! فَأَقْرّ اللهُ عينه منهم. فأَمر بالسّبْى فسِيقوا إلى
دار أسامة بن زيد، والنساء والذُّرّيّة إلى دار ابنةِ الحارث(٢) وأَمرَ رسول
(١) الأرقعة: السموات، الواحدة رقيع. (شرح ابج در، ص ٣٠٦).
(٢) هى رملة بنت الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن زيد. ( شرح الزرقانى على المواهب اللدنية،
ج ٢، ص ١٦٤). وقال السهيل: اسمها كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن
عبد شمس. (الروض الأنف، ج ٢ ، ص ١٩٨).

٥١٣
الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأَحمال التمر فنُثرت عليهم ، فباتوا يَكدُمونها كَدْمَ
الحُمُرِ ، وجعلوا ليلتَهم يدرسون التوراة، وأَمر بعضُهم بعضاً بالثبات على دينه
ولزوم التوراة . وأمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالسلاح والأَناث والمَتاع
والقِّياب ، فحُمل إلى دار بنت الحارث؛ وأمر بالإِبل والغنم، فتُركت هناك
ترعى فى الشجر . قالوا : ثم غدا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى السوق،
فأَمَرَ بخُدودِ(١) فخُدَّت فى السُّوق ما بين موضع دار أَبِى جَهم العَدوىّ إلى
أَحجار الزيت بالسوق ، فكان أصحابه يحفرون هناك ، وجلس رسول
اللّه صلّى الله عليه وسلّم ومعه عِلْيَةٍ أَصحابِهِ، ودعا برجال بنى قُرَيْظَة ، فكانوا يخرجون
رَسْلاَّ رَسْلاً، تُضْرَب أَعناقُهم. فقالوا لكعب بن أَسَد: ما ترى محمّدًا ما
يصنع بنا ؟ قال: ما يَسوؤ كم وما يَنُوؤكم، ويلكم! على كلّ حال
لا تَعقلون! أَلا ترون أَنَّ الداعى لا يَنزِعِ ، وأَنه مَن ذهب منكم لا يرجع ؟
هو واللّهِ السيف ، قد دعوتُكم إلى غير هذا فأَبيتم ! قالوا : ليس هذا بحين
عِتاب، لَولا أَنَّا كرهنا أَن نُزرى برأيك ما دخلنا فى نقض العهد الذى
كان بيننا وبين محمّد . قال حُيَّىّ : اتركوا ما تَرون من التَّلاوم فإِنه لا يردّ
عنكم شيئاً، واصبروا للسيف. فلم يزالوا يُقتَلون بين يدى رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم، وكان الذين يَلون قَتْلَهم عَلىّ والزُّبَير. ثم أتى بحُيَّىٌ بن
أَخْطب مجموعةً يداه إِلى عُنُقه، عليه حُلَّةٌ شَفْحَيَّة (٢) قد لبسها للقتل،
ثم عمد إليها فشقَّها أُنْمُلَةٌ لئلاً يسلبه إيّاها أَحدٌ ، وقد قال له رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حين طلع: أَلم يُمكِّن اللهُ منك يا عدوًّ الله ؟ قال:
(أ) الخدود: الحفر المستطيلة فى الأرض. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٩٠).
(٢) حلة شقحية: أى حمراء. (النهاية، ج ٢، ص ٢٢٩). وعلى هامش ب: ((تشبيه
بالبلح إذا شقح وهو إذا بدأ يحمر)).