Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٥٤
حدّثنى عبد الحَميد بن جعفر ، عن أبيه ، قال: لما فرغ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم من الخَنْدَق، وكان حفره ستَّة أيام وحصنه ، ونزل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دَبْرَ سلْح ، فجعله خلف ظهره والخَنْدق أمامه،
وكان عسكره هنالك. وضرب قُبَّة من أَدَم، وكانت القُبَّة عند المسجد
الأَعلى الذى بأَّصل الجبل - جبل الأَحْزاب - وكان النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم يُعقب بين نسائه، فتكون عائشة أياماً، ثم تكون أُمّ سَلَمَة ، ثم
تكون زَيْنَب بنت جحش ، فكان هؤلاء الثلاث اللَّتِى يُعقب بينهنّ فى
الخَندَق، وسائر نسائه فى أُطْم بنى حارثة. ويقال: كنَّ فى المُسَيْرِ (١)،
أُطْم فى بنى زُرَيَقِ، وكان حصيناً . ويقال: كان بعضهنَّ فى فارِع (٢)
وكلّ هذا قد سمعناه .
فحدّثبِى أَبو أَيّوب بن النُّعمان، عن أبيه، قال: كان حُيِّى بن
أَخْطَب يقول لأَبِى سُفيان بن حَرب ولقُريشٍ فى مسيره معهم : إِنَّ قومى قُرَيْظَةً
معكم ، وهم أَهل حلْقَةٍ وافِرة، هم سبعمائة مقاتلٍ وخمسون مقاتلا . فلمّا
دنَوْا قال أبو سُفيان لحُيى بن أَخْطَب: انْتِ قومك، حتى ينقضوا العهد الذى
بينهم وبين محمّد. فذهب حُيَىّ حتى أتى بنى قُرَيظَة ؛ وكان رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حين قدم صالَح قُرَيْظَة والنَّضير ومن بالمدينة من اليهود
أَلَّ يكونوا معه ولا غليه. ويقال: صالحهم على أن ينصروه ممّن دَهَمَه منهم ،
ويُقيموا على مَعاقلهم(٣) الأُولى التى بين الأوس والخزرج. ويقال إنّ حُيَّىّ
(١) قال السمهودى: إنه أطم بنى عبد الأشهل، كان لبنى حارثة. (وفاء الوفا، ج ٢،
ص ٣٧٣) .
(٢) فارع .: أطم كان فى دار جعفر بن يحيى بباب الرحمة. (وفاء الوفا، ج ٢،
ص ٣٥٤) .
(٣) أى يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها. ( النهاية، ج ٣، ص ١١٧).

٤٥٥
عدل من ذى الحُلَيفة فسلك على العَصْبَة حتى طرق كعب بن أَسد ، وكان
كعب صاحب عقد بنى قُرَيْظَة وعهدها .
فكان محمد بن كعب القُرَظى يحدّث يقول: كان حُيِىّ بن أَخْطَب
رجلاً مشئوماً ؛ هو شأَم بنى النَّضير قومه، وشأَم قُرَيْظَة حتى قُتِلوا، وكان
يُحبّ الرئاسة والشرف عليهم، وله فى قُرَيْشٍ شَبَهُ- أَبو جَهل بن هشام.
فلما أتى حُيَىّ إِلى بنى قُرَيْظَة كرهت بنو قُرَيْظَة دخولَه دارَهم، فكان أول
من لقيه غزَّال بن سَمَوْأَل، فقال له خُيِىّ : قد جئتك بما تستريح
به من محمّد ، هذه قُرَيشٌ قد خلَّت وادى العَقيقِ، وَغَطَّفان
بالزَّغابَةِ. قال غَزَّال: جئتَنا واللّهِ بِذُل الدهر ! قال حُيِّىّ : لا تقلْ
هذا ! ثم وجّه إلى باب كعب بن أسد فدقّ عليه ، فعرفه كعب وقال :
ما أَصنع بدخول حُيِىٌّ علىّ ، رجل مشئوم قد شأَم قومَه ، وهو الآن يدعونى
إلى نقض العهد ! قال : فدقّ عليه ، فقال كعب : إنك امرؤٌ مشئومٌ قَد
شأَمتَ قومك حتى أَهْلكتَهم ، فارجع عنا فإنك إنما تُريد هلاكى وهلاك
قومى! فأَبى حُيَّىّ أَن يرجع، فقال كعب : يا حُييٌ، إِى عاقدت محمّدًا
وعاهدته، فلم نر منه إلاَّ صدقاً؛ واللهِ، ما أَخفر (١) لنا ذِمّةً ولا هتك لنا
سِتْرًا ، ولقد أحسن جِوارنا. فقال حُبِىّ: ويحك ! إنى قد جئتك ببحرٍ
طامٍ وبعزِّ الدهر، جئتُك بقُرَيْشٍ على قادتها وسادتها ، وجئتُك بكِنانة
حتى أَنزِلتُهم برُومَة، وجئتك بغَطَّفان على قادتها وسادتها حتى أَنزلتُهم بالزَّغابة
إلى نَقْمَى (٢)، قد قادوا الخيل وامتطوا الإِبل'، والعدد عشرة آلاف ، والخيل
ألف فرس، وسلاح كثير، ومحمّدٌ لا يُفلت فى فَوْرنا هذا ، وقد تعاقدوا
(١) أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه. ( النهاية، ج ١، ص ٣٠٦).
(٢) نقمى: موضع بقرب أحد كان لأبى طالب. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٨٤).

٤٥٦
وتعاهدوا أَلَّ يرجعوا حتى يستأصلوا محمّدًا ومن معه. قال كعب: ويحك !
جئتَنِى واللهِ بِذُلّ الدهر وبسحابٍ يبرُق ويرعُد ليس فيه شىء. وأَنا فى
بَحْرٍ لُجِّىٌّ ، لا أقدر على أَن أَريم دارى ، ومالى معى والصبيان والنساء ؛
فارجع عنى، فإِنه لا حاجةَ لى فيما جئتَنى به . قال حُيَّىّ : ويحك! أُكلِّمك.
قال كعب : ما أَنا بفاعل. قال: والهِ، ما أَغلقتَ دونى إِلَّ لجَشيشتك
أن آكل معك منها، فلك أَلاَّ أُدخل يدى فيها. قال: فأَحفظه(١)، ففتح
الباب فدخل عليه، فلم يزل يَفْتِله فى الدِّرْوَة والغارِب (٢) حتى لان له،
وقال : ارجعْ عنى يومك هذا حتى أُشاور رؤساء اليهود . فقال : قد جعلوا
العهد والعقد إليك فأَنت ترى لهم . وجعل يُلحّ عليه حتى فتله عن رأيه،
فقال كعب بن أَسَد : يا حُبَىّ ، قد دخلتُ فيما ترى كارهاً له ، وأَنا أَخشى
أَلَّ يُفْتَل محمّد، وتنصرف قُرَيشُ إلى بلادها، وترجع أَنت إِلى أَهلك،
وأَبقى فى عُقَر الدار وأُقْتَل ومن معى. فقال حُيَّىّ: لك ما فى التوراة التى
أُنْزِلَت على موسى يومَ طُور سيناء، لئن لم يُقْتَل محمّدُ فى هذه الفَورة
ورجعت قُرَيْشٌ وغَطَفان قبل أَن يُصيبوا محمّدًا، لأَدخلنَّ معك حِصْنك
حتى يُصيبنى ما أَصابك . فنقض كَعب العهد الذى كان بينه وبين رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ودعا حُيَّىّ بالكتاب الذى كتب رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم بينهم فشقَّه حَُّىّ، فلمّا شقَّه حُبِىّ علم أنَّ الأَمر قد لَحَم
وفَسَد ، فخرج على بنى قُرَيْظَة وهم حِلَقٌ حول منزل كعب بن أَسَد،
فخبّرهم الخبر . يقول الزَّبير بن باطا : وَاهَلاكَ اليهود! تُولّ قُريْش وغَطَفان
(١) أحفظ: أى أغضب، والحفيظة: الغضب. (شرح أبى ذر، ص ٣٠١).
(٢) فى الذروة والغارب: هذا مثل، وأصله فى البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد من ذر وته
وغارب سنامه وتقتل هناك ، فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك ، فضرب هذا الكلام مثلا
فى المراوضة والمخاتلة. ( الروض الأنف ، ج ٢، ص ١٨٩).

٤٥٧
ويتركوننا فى عُقر دارنا وأَموالنا وذراريّنا ، ولا قوّةً لنا بمحمّد! ما بات يهودى
على حَزمٍ قَطُّ. ، ولا قامت يهوديّةٌ بيَثْرِب أَبدًا. ثم أرسل كعب بن أَسَد إِلى
نفرٍ من رؤساء اليهود خمسة - الزَّبير بن باطا، ونَّاش بن قيس، وغَزَّال
ابن سَمَوْأَل، وعُقبة بن زيد، وكعب بن زيد ، فخبّرهم خبر حُيَّىّ ، وما
أعطاه حُيَىّ أَن يرجع إليه فيدخل معه فيُصيبه ما أصابه . يقول الزَّبير
ابن باطا : وما حاجتك إِلى أَن تُقْتَل ويُقْتَل معك حُيَّىٌ ! قال: فأُسكت
كعب وقال القوم : نحن نكره نُزرى برأيك أَو نُخالفك، وحُيِى مَن قد
عرفت شومه . وندم كعب بن أسد على ما صنع من نقض العهد، ولَحَم
الأَمر لِما أراد الله تعالى من حربهم وهلاكهم .
فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون فى الخَنْدَق أتى عمر بن
لخطَّاب رضى الله عنه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو فى قُبَّته - وقُبَّة
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مضروبة من أَدَمٍ فى أصل الجبل عند المسجد
الذى فى أسفل الجبل - معه أبو بكر رضى الله عنه والمسلمون على خَنْدَقهم
يتناوبون ، معهم بضعةٌ وثلاثون فرساً ، والفرسان يطوفون على الخَنْدَق ما
بين طرَفَيْه ، يتعاهدون رجالاً وضعوهم فى مواضعَ منه ، إلى أن جاء عمر رضى
الله عنه فقال: يا رسول الله، بلغنى أَنَّ بنى قُرَيْظَة قد نقضت العهد وحاربت.
فاشتدّ ذلك على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال : مَن نبعث يعلم لنا
عِلْمهم؟ فقال عمر : الزُّبير بن العوام . فكان أَوّل الناس بعث رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم الزُّبَير بن العوام ، فقال: اذهب إلى بنى قُرَيْظَة .
فذهب الزُّبَير فنظر ، ثم رجع فقال : يا رسول الله، رأيتهم يُصلحون
حصونهم ويُدرّبون طرقهم ، وقد جمعوا ماشيتهم . فذلك حين قال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ لكل نبيٌّ حَوارِيًّا، وحَوارىَّ الزُّبِيُ وابن عمّتِى.

٤٥٨
ثم دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سعد بن مُعاذ ، وسعد بن عُبادة،
وأُسَيد بن حُضَير ، مفال : إِنه قد بلغنى أَنَّ بنى قُرَيْظَة قد نقضوا العهد
الذى بيننا وبينهم وحاربوا ، فاذهبوا فانظروا إِن كان ما بلغنى حقًّا ؛ فإن
كان باطلاً. فأَظهروا القول، وإن كان حقًّا فتكلَّموا بكلامٍ تَلْحَنون لى به
أعرفه ؛ لا تَفُتُّوا أَعضاد للسلمين. فلما انتهَوْا إِلى كعب بن أَسَد وجدوا
القوم قد نقضوا العهد ، فناشدوهم الله والعهدَ الذى كان بينهم ، أَن يرجعوا
إلى ما كانوا عليه قبل ذلك قبل أن يلتحم الأمر، وأَلاَّ يُطيعوا حُيَىّ بن
أَخْطَب. فقال كعب: لا نردّه أَبدًا؛ قد قطعته كما قطعتُ هذا القِبال (١)
لِقبال نعله. ووقع كعب بسعد بن مُعاذ يسبّه، فقال أُسيد بن حُضّير : تسبّ
سيّدك يا عدوّ الله ؟ ما أَنت له بكفء ! أَما واللهِ يا ابن اليهود (٢) ،
لِتُولِّينَّ قُرَيْشٌ إن شاءَ الله مُنهزمةً وتتركك فى عُقر دارك ، فنسير إِليك
فتنزل من جُحْرك هذا على حكمنا . وإنك لتعلم النَّضير؛ كانوا أَعزَّ منك
وأعظم بهذه البلدة ، دِيَتك نصف ديتهم ، وقد رأيت ما صنع الله بهم .
وقبل ذلك بنو قَيْنُقاع، نزلوا على حكمنا . قال كعب : يا ابن الحُضَير ،
تُخوّفونى بالمسير إلىّ ؟ أَما والتوراةِ، لقد رآنى أَبوك يوم بعاث - لولا نحن
لأَجلته الخزرج منها. إنكم واللهِ ما لقيتم أحدًا يُحسن القتال ولا يعرفه؛ نحن والله
نُحسن قتالكم! ونالوا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومن المسلمين أُقبح
الكلام ، وشتموا سعد بن عُبادة شتماً قبيحاً حتى أَغضبوه. فقال سعد بن
مُعاذ : دعهم فإنَّا لم نأْتِ لهذا، ما بيننا أَشدُّ من المشاتمة - السيف! وكان
(١) قبال النعل: زمام ما بين الإصبع الوسطى والتى تليها. (القاموس المحيط، ج ٣،
ص ٣٤) .
(٢) فى ب: ((يا ابن اليهودية)).

٤٥٩
الذى يشتم سعد بن عُبادةَ نَبّاش بن قيس فقال: عضضت ببَظْرِ (١) أُمّك!
فانتفض سعد بن عُبادة غضباً ، فقال سعد بن معاذ : إنى أخاف عليكم
مثل يوم بنى النَّضير. قال غَزَّال بن سَمَوْأَل: أَكلتَ أَيْرِ أَبيك ! قال
سعد بن مُعاذ غير هذا القول أحسنَ منه . قال : ثم رجعوا إلى النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، فلما انتهَوْا إِلى النبىّ صَلَّى الله عليه وسلّم قال سعد بن
عُبادة : عضَل والقارة . وسكت الرجلان - يُريد بعَضَل والقارة غدْرَهم
بخُبَيب وأصحاب الرَّجيع - ثم جلسوا. فكبّر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وقال : أبشروا يا معشر المسلمين بنصر الله وعونه. وانتهى الخبر إلى المسلمين
بنقض بنى قُرَيْظَة العهد ، فاشتدّ الخوف وعَظُم البلاء .
قُرِئُ على ابن أبى حبيبة وأَنا أَسمع ، قال: حدّثنا محمّد بن الثّلجىّ
قال : حدّثنا الواقدىّ، قال : فحدّثنى عبد الرحمن بن محمّد بن أبى بكر ،
عن عبد الله بن أبى بكر بن حَزم قال: أَرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
سعد بن عُبادة، وسعد بن مُعاذ ، وعبد الله بن رواحة ، وخَوّات بن جُبِير
إِلى بنى قُريْظَة . قال ابن واقد : والأَّول أُثبت عندنا .
قالوا : ونَجَم النفاق، وفَشِل الناس، وعَظُم البلاءُ ، واشتدّ الخوف،
وخِيف على الذراريّ والنساء ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ
مِنْ فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾(٢)
ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون وُجاه العدوّ، لا يستطيعون الزوال
عن مكانهم ، يعتقبون خَنْدَقهم ويحرسونه . وتكلّم قومٌ بكلامٍ قبيح،
فقال مُعَتِّب بن قُشَير : يَعِدُنا محمدٌ كُنوزَ كِسرى وقيصر ، وأَحدنا لا
(١) فى الأصل: ((ببطن أمك))، وما أثبتناه من نسخة ب.
(٢) سورة ٢٣ الأحزاب ١٠.

٤٦٠
يأُمن أن يذهب إلى حاجته، وما وعدَنا اللهُ ورسوله إِلَّا غرورًا!
فحدّثنى صالح بن جعفر ، عن ابن كعب ، قال : قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: إنى لأَرجو أن أَطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح ،
وليُهلكنَّ الله كسرى وقَيْصَر، ولُنْفَقِنَّ أَموالهم فى سبيل الله - يقول ذلك
حين رأَى ما بالمسلمين من الكَرْب . فسمعه مُعَتِّب فقال ما قال .
فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن الحارث بن الفُضّيل قال: همّت بنو
قُرَيْظَةٍ أَن يُغيروا على بَيْضَة المدينة ليلاً، فأرسلوا حُيَىّ بن أَخْطَب إِلى
قُرَيْشٍ أَن يأْتيهم منهم أَلفُ رجلٍ ، ومن غَطّفان أَلف، فيُغيروا بهم(١).
فجاء رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبرُ بذلك فعَظُمَ البلاء، فكان رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبعث سَلَمَة بن أَسْلَم بن حُرَيش الأَشْهَلَىّ فى
مائتى رجل ، وزيد بن حارثة فى ثلاثمائة يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير ،
ومعهم خيل المسلمين ، فإِذا أصبحوا أَمِنوا . فكان أبو بكر الصدّيق رضى
الله عنه يقول : لقد خِفِنا على الذَّرارىّ بالمدينة من بنى قُرَيْظة أَشدَّ[ من ]
خوفنا من قُرِيشِ وَغَطّفان، ولقد كنت أُوفى على سَلْع فأَنظر إلى بيوت
المدينة ، فإذا رأيتهم هادين(٢) حمدت الله عزَّ وجلّ، فكان ممّا ردّ الله به
قُرَيْظَة عمّا أَرادوا أَنَّ المدينة كانت تُحْرِس .
حدّثنى صالح بن خَوّات ، عن ابن كعب ، قال : قال خَوّات بن
جُبَير: دعانى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ونحن مُحاصرو الخَنْدَق ، فقال:
انطلق إلى بنى قُرَيْظَة فانظر هل ترى لهم غِرَّةٌ أَو خَلَلاً من موضعٍ فتُخبرنى .
قال : فخرجتُ من عنده عند غروب الشمس ، فتدلَّيت من سَلْعٍ وغَرَبت
(١) فى ث: ((ليغيروا بهم على الذرارى)).
(٢) هكذا فى كل النسخ؛ ولعله من تسهيل أهل الحجاز الهمزة، فتكون الكلمة ((هادئين)).

٤٦١
لى الشمس فصلَّيت المغرب، ثم خرجت حتى أَخذتُ فى راتِج ، ثم على عبد
الأَشْهَل ، ثم فى زُهْرَة ، ثم على بُعاث . فلما دنوتُ من القوم قلت :
أَكمُن لهم . فكمنتُ ورمقت الحصون ساعة ، ثم ذهب بى النوم فلم
أَشعر إِلاَّ برجلٍ قد احتملنى وأنا نائم، فوضعنى على عُنُقه ثم انطلق بمشى.
قال : ففزعت ورجلٌ يمشى بى على عاتقه ، فعرفت أنه طليعة من قُرَيْظَة
واستحييت تلك الساعة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. حياءً شديدًا ،
حيث ضيّعت ثَغْرًا أَمرنى به ، ثم ذكرت غلبة النوم . قال : والرجل يُرقل
بى إلى حصونهم ، فتكلَّم باليهوديّة فعرفتُه، قال : أَبشر بِجَزْرَةٍ سمينة !
قال : وذكرت وجعلت أَضرب بيدى - وعهدى بهم لا يخرج منهم أحدٌ
أبدًا إلّ بمِعولٍ فى وسطه . قال: فأَضع يدى على المعول فأَنتزعه ، وشُغل
بكلام رجل من فوق الحصن ، فانتزعته فوجأت به كبده فاسترخى وصاح :
السَّبُع! فأَوقدت اليهود النار على آطامها بشُعَل السَّعَف. ووقع ميّتاً وانكشف،
فكنتُ لا أُدْرَك، (١) وأُقبلُ من طريقى التى جئتُ منها . وجاءَ جبريل إِلى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ظفرتَ
يا خَوّات ! ثم خرج فأَخبر أصحابه فقال : كان من أَمر خَوّات كذا
وكذا . وآتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جالسٌ فى أصحابه وهم
يتحدّثون ، فلما رآنى قال : أَفلح وجهك ! قلت: ووجهُك يا رسول الله !
قال : أَخْبِرنى خبرك. فأخبرته، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هكذا
أخبرنى جبريل . وقال القوم : هكذا حدثنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال خَوّات: فكان ليلنا بالخَنْدَق نهارًا. قال غير صالح: قال خَوّات : رأيتنى
(١) فى الأصل: ((لا أدرى))؛ وما أثبثناه من ب، ث.

٤٦٢
وأَنا أَتذكَّرَ سُوءَ أَثرى عندهم بعد مُمالَحةٍ وخِلْصِيّةٍ منى لهم ، فقلت :
هم يمثلون بى كلّ المَثْل حتى ذكرت المِعول .
حدّثنى أبو بكر بن أبى سَبْرَة ، عن عبد الله بن أبى بكر بن حَزم ، قال :
خرج نَبّاش بن قيس ليلةٌ من حِصنهم يُريد المدينة ، ومعه عشرةٌ من اليهود
من أَشدّائهم وهم يقولون : عسى أن نُصيب منهم غِرّة. فانتهوا إِلى بَقيع
الفَرْقَد، فيجدون نفرًا من المسلمين من أصحاب سَلَمَة بن أَسْلَم بن
حُرَيش ، فناهضوهم فراموهم ساعةً بالنَّبل ، ثم انكشف القُريظيّون مُولّين .
وبلغ سَلَمَة بن أَسْلَم وهم بناحية بنى حارثة ، فأَقبل فى أصحابه حتى انتهوا
إلى حصونهم ، فجعلوا يُطيفون بحصونهم حتى خافت اليهود ، وأوقدوا النيران
على آطامهم وقالوا : البَيات! وهدموا قَرْنَى(١) بئر لهم وهوّروها (٢) عليهم،
فلم يقدروا يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفاً شديدًا .
وحدّثنى شيخٌ من قُرَيْش، قال ابن أبى الزِّناد وابن جَعفر هذا أَنبت
من الذى فى أُحُد ، قال : كان حَسّان بن ثابت رجلاً جباناً ، فكان قد
رُفِعَ مع النساء فى الآطام ، فكانت صَفيّة فى أُطْم فارِعٍ، ومعها جماعةٌ
وحَسّان معهم . فأُقبل عشرةٌ من اليهود ورأُسهم غَزَّال بن سَمَوْأَل من بنى
قُرَيْظَة نهارًا، فجعلوا ينقمعون (٣) ويرمون الحصن، فقالت صَفيّة لحَسّان:
دونَك يا أَبا الوليد ! قال : لا واللهِ، لا أُعرِّضُ نفسى لهولاء اليهود . ودنا
أحدُهم إلى باب الحصن يُريد أن يدخل ، فاحتجزت صّفيّة بثوبها، ثم
(١) القرنان: منارتان تبنيان على رأس البئر، ويوضع ذوقهما خشبة فتعلق البكرة فيها . (الصحاح،
ص ٢١٨٠) .
(٢) هوروها: أى هدموها. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٦٢).
(٣) انقمع: أى دخل. ( لسان العرب ، ج ١٠، ص ١٦٨).

٤٦٣
أَخذت خشبةً فنزلت إليه فضربتْه ضربةٌ شَدَخَت رأسه فقتلته ، فهرب من
بقى منهم .
واجتمعت بنو حارثة فبعثوا أَوس بن قَيْظىّ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
فقالوا : يا رسول الله، إِنَّ بيوتَنا عَورة؛ وليس دارٌ مِن دور الأَنصار مثلَ
دارنا، ليس بيننا وبين غَطَفان أَحد يَرُدّهم عنَّا، فَأُذَنْ لنا فلنَرْجَعْ إِلى
دُورنا فنمنع ذراريّنا ونساءنا. فأَذِنَ لهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ،
فرجعوا بذلك وتهيّئُوا للانصراف. فبلغ سعدَ بن مُعاذ ، فجاءَ إِلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، لا تأْذَنْ لهم؛ إِنَّا واللهِ ما أصابنا
وإِيّاهم شِدّةٌ قَطُ. إِلاَّ صنعوا هكذا. ثم أَقبل عليهم فقال لبنى حارثة: هذا
لنا منكم أبدًا؛ ما أصابنا وإيّاكم شِدَّةٌ إِلاَّ صنعتم هكذا . فردّهم رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم .
وكانت عائشة زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تقول : لقد رأيت لسعد
ابن أبى وَقَّاص ليلةً ونحن بالخَنْدَق لا أزال أُحِبُّه أبدًا. قالت : كان رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يختلف إلى ثُلْمَةٍ فى الخَنْدَق يحرسها، حتى إذا
آذاه البرد جاءنى فأَدفأته فى حِصْنى، فإِذا دَفِىَّ خرج إلى تلك الثُّلْمَة يحرسها
ويقول: ما أَخشى أَن يُؤْتَى الناسُ إِلَّا منها. فبينا رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم فى حِضنى قد دَفِيَّ وهو يقول: ليتَ رجلاً صالحاً يحرسنى (١)! قالت:
إلى أَن سمعتُ صوت السلاح وقعقعةٌ الحديد، فقال رسول الله صلَّى الله عليه.
وسلَّم . مَن هذا؟ فقال : سعد بن أبى وَقَّاص . قال: عليك بهذه القُّلْمَة
فَاحِرُسْها . قالت: ونام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى سمعتُ غَطِيطه
قال الواقدى: حدّثّنى عبد الرحمن بن محمّد بن أبى بكر ، عن عبد الله
(١) فى ب: ((يحرفى الليلة)).

٤٦٤
ابن أبى بكر بن حَزم قال : قالت أُمّ سَلَمَة : كنتُ مع رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم فى الخَنْدَق فلم أُفارقه مُقَامَه كلَّه، وكان يحرس بنفسه فى
الخَنْدَق ، وكنا فى قُرّ شديد، فإنى لأَنظُر إليه قام فصلّى ما شاءَ الله أَن يُصلِّ
فِى قُبَّته، ثم خرج فنظر ساعةً فأسمعُه يقول: هذه خيل المشركين تُطِيف
بالخَنْدَق ، مَن لهم ؟ ثم نادى : يا عَبّاد بن بِشر. فقال عَبَّاد: لبّيك!
قال : أَمعك أحد ؟ قال: نعم ، أَنا فى نفرٍ مِن أَصحابى كنَّا حول قُبَّتِكَ .
قال : فَانْطَلِلْ فِى أَصحابك فَأَطِفْ بالخَنْدَق ، فهذه خيلٌ من خيلهم تُطيف
بكم يطمعون أَن يُصيبوا منكم غِرَّة. اللَّهمّ ادفَعْ عنا شرّهم وانصرنا عليهم
واغلبهم، لا يغلبُهم غيرُك! فخرج عَبّاد بن بِشر فى أصحابه، فإذا بأَبِى سُفيان
فى خيلٍ من المشركين يُطيفون بمَضيق الخَنْدَق . وقد نَذِر بهم المسلمون،
فرموهم بالحجارة والنَّبل . فوقفنا معهم فرميناهم حتى أَذلقناهم(١) بالرمى
فانكشفوا راجعين إلى منزلهم . ورجعتُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فأجدُه يُصِّى فأخبرتُه. قالت أُمّ سَلَمَة : فنام حتى سمعتُ غَطيطه فما
تحرّك حتى سمعتُ بِلالاً يُوَّذِّن بالصبح وبياض الفجر ، فخرج فصلّى
بالمسلمين . فكانت تقول : يرحم الله عَبّاد بن بِشر ، فإنه كان أَلزمَ أَصحاب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقُبَّة رسول الله يحرسها أبدًا .
فحدّثنى أَيّوب بن النُّعمان ، عن أبيه، قال : كان أُسَيد بن حُضَير
يحرس الخَنْدَق فى أصحابه، فانتهوا إلى مكان من الخَنْدَق تَطْفُزْه(٢) الخيل،
(١) أذلقناهم: أى أضعفناهم. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٢٤).
(٢) طفر: وثب فى ارتفاع، وطفر الحائط: وثبه إلى ما ورائه. ( لسان العرب ، ج ٦،
ص ١٧٣) .

٤٦٥
فإِذا طليعةٌ من المشركين ، مائة فارس أو نحوها ، عليهم عمرو بن العاص
يُريدون أن يُغيروا إلى المسلمين، فقام أُسَيد بن حُضير عليها بأَصحابه ،
فرموهم بالحجارة والنَّبل حتى أَجهضوا عنا وولّوا. وكان فى المسلمين تلك
الليلة سَلْمان الفارسىّ؛ فقال لأُسَيد: إِنَّ هذا مكان مِن الخَنْدَق متقارب، ونحن
نخاف تَطْفُره خيلهُم - وكان الناس عجِلوا فى حفره . وبادروا فباتوا يُوسّعونه
حتى صار كهيئة الخَنْدَق وأمنوا أَن تَطْفُره خيلهم . وكان المسلمون يتناوبون
الحراسة ، وكانوا فى قُرِّ شديدٍ وجوع.
فحدّثنى خارجة بن الحارث، عن أبى عَتيق السُّلَمِىّ، عن جابر بن
عبد الله قال : لقد رأيتُنى أَحرسُ الخَنْدَق، وخيلُ المشركين تُطِيف بالخَنْدَق
وتطلب غِرَّةٌ ومَضيقاً من الخَنْدَق فتقتحم فيه ، وكان عمرو بن العاص وخالد
ابن الوليد هما اللذان يفعلان ذلك ، يطلبان الغفلة من المسلمين . فلقينا
خالد بن الوليد فى مائة فارس، قد جال بخيله يُريد مَضيقاً من الخَنْدق
يُريد أن يعبر فرسانه، فنَضَحناهم بالنَّبل حتى انصرف(١).
فحدّثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أبيه، قال : قال محمّد بن مَسْلَمَة :
أَقبل خالد بن الوليد تلك الليلة فى مائة فارس، فأقبلوا من العَقيق حتى
وقفوا بالمَذاد وجاه(٢) قُبَّة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فنذِرت بالقوم فقلتُ
لعَبّاد بن بِشر، وكان على حرس قُبَّة النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، وكان قائماً
يُصلّى، فقلت: أُتِيت ! فركع ثم سجد ، وأقبل خالد فى ثلاثة نَفَرٍ هو
رابعهم ، فأَسمَعُهم يقولون : هذه قُبَّة محمّد ، ارموا ! فرمَوا ، فناهضناهم
حتى وقفنا على شَفير الخَنْدَق، وهم بشفير (٣) الخَنْدَق من الجانب الآخر،
(١) هكذا فى الأصل. وفى ب: ((أصبحوا)).
(٢) فى الأصل: ((وجاء)). وما أثبتناه من نسخةب.
(٣) فى ب: ((بشغيرة)).

٤٦٦
فترامينا، وثاب(١) إِلينا أصحابُنا، وثاب إليهم أصحابُهم، وكثرت الجِراحَةُ
بيننا وبينهم. ثم اتبعوا الخَنْدَق على حافّتَيْه وتبعناهم والمسلمون على مَحارسهم ،
فكلَّما نمرُّ بِمَحْرِس نهض معنا طائفةٌ وثبت طائفة ، حتى انتهينا إلى راتِجٍ
فوقفوا وقفةٌ طويلة، وهم ينتظرون قُرَيْظَة يُريدون أَن يُغِيروا على بَيْضَة
المدينة، فما شعرنا إِلَّا بخيل سَلَمة بن أَسْلَم بن حُرَيش يحرس ، فيأُنون
من خلف راتِج ، فلاقوا خالد بن الوليد فاقتتلوا واختلطوا ، فما كان إلَّا
حَلْب شاةٍ حتى نظرتُ إلى خيل خالد مُولِّية، وتبعه سَلَمَة بن أَسْلَم حتى
رَدّه من حيث جاءَ . فأصبح خالد وُريشٌ وَطَفان تَزرِى عليه وتقول : ما
صنعت شيئاً فيمن فى الخَنْدَق ولا فيمن أَصحر لك (٢). فقال خالد: أَنا
أُقعدُ الليلة، وابعثوا خيلاً حتى أَنظرَ أَىّ شىءٍ تصنع .
فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن عبد الواحد بن أبى عَون، عن أُمّ سَلَمة
زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالت : واللهِ، إِنِى لفى جوف الليل فى قُبَّة
النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو نائم، إِلى أَن سمعتُ الهَيْعة (٣)، وقائلٌ
يقول: يا خيلَ الله! وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جعل شعار المهاجرين
((يا خيل الله)) ففزِع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بصوته فخرج من
القُبَّة، فإِذا نَفَرٌ من الصحابة عند قُبَّته يحرسونها ، منهم عَبّاد بن بِشر ،
فقال : ما بالُ الناس ؟ قال عَبّاد : يا رسول الله ، هذا صوت عمر بن
الخطاب؛ الليلة ذَوْبَته يُنادى: ((يا خيلَ الله )) والناس يئوبون إليه، وهو من
ناحية حُسَيْكَة ما بين ذُباب ومسجد الفَتْح . فقال رسول الله صلَّى الله عليه
(١) ثاب: أى رجع. (النهاية ، ج ١، ص ١٣٧).
(٢) أصحر: برز. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٦٧).
(٣) الهيعة: الصوت الذى تفزع منه وتخافه من عدو. (النهاية، ج ٤، ص ٢٦١).

٤٦٧
وسلَّم لعباد بن بِشر : اذهبْ فانظرْ ، ثم ارجع إلىّ إن شاءَ الله فأُخْبرنى !
قالت أُمّ سَلَمَة : فقمتُ على باب القُبَّةِ أَسمعُ كلَّ ما يتكلَّمان به . قالت:
فلم يزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائماً حتى جاءه عباد بن بِشر فقال :
يا رسول الله ، هذا عمرو بن عبد فى خيل المشركين، معه مسعود بن رُخية
ابن نُويّرة بن طَريف بن سُحْمَة بن عبد الله بن هلال بن خَلاوة بن أَشْجَع
ابن رَيث بن غَطَفان، فى خيل غَطَفان، والمسلمون يُرامونهم بالنَّبل والحجارة .
قالت : فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلَبِسَ دِرْعَه ومِغْفَره ، وركب
فرسه ، وخرج معه أصحابُه ، حتى أتى تلك الثُّغْرَة ، فلم يلبث أن رجع
وهو مسرورٌ فقال: صَرَفهم اللهُ، وقد كثُرت فيهم الجراحة . قالت : فنام
حتى سمعتُ غَطيطه، وسمعت هائِعةٌ أُخرى ، ففزِع فوثب فصاح: يا عَبّاد
ابن بِشر! قال: لَبَّيك ! قال : انظرْ ما هذا . فذهب ثم رجع فقال:
هذا ضِرار بن الخطّاب فى خيلٍ من المشركين، معه عُيَيْنَة بن حِصن فى
خيل خَطَفان عند جبل بنى عُبَيد ، والمسلمون يُرامونهم بالحجارة والنَّبل . فعاد
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فلبس دِرْعَه وركب فرسه ، ثم خرج معه أصحابُه
إلى تلك الثُّغْرَة، فلم يأْتنا حتى كان السّحَر ، فرجع وهو يقول : رجعوا مفلولين ،
قد كثُرت فيهم الجراحة . ثم صلَّى بأَصحابه الصبح وجلس . فكانت
أُمّ سَدَمَة تقول : قد شهدتُ معه مشاهد فيها قتالٌ وخوف - المُرَيْسِيعِ ،
وخَيْبَر، وكنا بالحُديبية، وفى الفَتْحِ، وُنَين - لم يكن من ذلك شىءٌ
أَتعبَ لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ولا أَخوفَ عندنا مِنِ الخَنْدَق . وذلك أَنَّ
المسلمين كانوا فى مثل الحَرَجة (١)، وأَنَّ قُرَيْظَة لا نأُمنها على الذَّرارىّ،
والمدينة تُحرَس حتى الصباح، يُسمَع تكبير المسلمين فيها حتى يُصبحوا
(١) الحرجة: الشجرة الكثيرة الأغصان. ( شرح أبى ذر، ص ١٥٩).

٤٦٨
خوفاً، حتى ردّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا [وكفى الله المؤمنين القتال] (١).
حدَّثْنى إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن محمّد بن مَسْلَمَة ، قال :
كنا حول قُبَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحرسه، ورسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم نائمٌ نسمع غَطيطه، إِذ(٢) وافت أَفراس على سَلْحِ، فبصُربهم
عَبّاد بن بشر فأخبرنا بهم ، قال: فأَمضى إلى الخيل ، وقام عَبّاد على باب
قُبَّة النبيّ صلَّى اله عليه وسلَّم آخِذًا بقائم السيف ينظرنى، فرجعتُ فقلت :
خيل المسلمين أَشرفت ، عليها سَلَمَة بن أَسلم بن حُرَيش، فرجعتْ إِلى
موضعنا . ثم يقول محمّد بن مَسْلَمَة : كان ليلنا بالخَنْدَق نهارًا حتى
فرّجه الله .
حدّثنى خارجة بن الحارث، عن أبى عَتيق، عن جابر، وحدّثنى الضَّحّاك
ابن عُثمان ، عن عُبيد الله بن مِقْسَم ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان
خوفنا على الذَّرارىّ بالمدينة من بنى قُرَيْظَةٍ أَشِدَّ مِن خوفنا من قُرَيْشٍ! حتى
فرّج الله ذلك .
قالوا : فكان المشركون يتناوبون بينهم ، فیغدو أبو سفيان بن حرب
فى أَصحابه يوماً، ويغدو هُبَيرة بن أَبِى وَهب يوماً، ويغدو عِكْرِمَة بن أَبى
جهل يوماً ، وضِرار بن الخطّاب يوماً، فلا يزالون يُجيلون خيلَهم ما بين
المُذاد إلى راتيج، وهم فى نَشَرٍ (٣) من أصحابهم ، يتفرّقون مرة ويجتمعون
أُخرى، حتى عظُم البلاءُ وخاف الناس خوفاً شديدًا. ويُقدّمون رُماتهم - وكان
معهم رُماة ؛ حِبّان بن العَرِقة، وأَبو أُسامة الجُشَمىّ ، وغيرهم من
(١) زيادة فى ب .
(٢) فى ب: ((إذا أوفت)).
(٣) أى كانوا منتشرين متفرقين. (النهاية ، ج ٤، ص ١٤٤).

٤٦٩
۔
أفناءٍ (١) العرب - فعمدوا يوماً من ذلك فتناوشوا بالنَّبل ساعة ، وهم جميعاً
فى وجهٍ واحد وُجاه قُبَّةٍ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ورسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم قائم ، عليه الدِّرْع والمِغْفَر ، ويقال على فرسه . فيرى حِبّانُ بن
العَرِقَة سعدَ بنَ مُعاذ بسهم فأَصاب أَكحَلَه(٢)، فقال: خُذْها وأَنا ابن
العَرِقَة ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : عرّق الله وجهَك فى النار!
ويقال أبو أسامة الجُشَمىّ رماه ، وكان دارعاً . فكانت عائشة زوج النبيّ
صلَّى الله عليه وسلّم تقول : كنا فى أُطْم بنى حارثة قبل الحجاب ومعنا
أُمُّ سعد بن مُعاذ، فمرّ سعد بن مُعاذ يومئذ عليه ردْعُ خَلوقٍ (٣) ما رأيتُ
أَحدًا فى الخَلوق مثله، وعليه دِرْعٌ له، مُشمرة عن ذراعيه؛ واللهِ، إِنى لأَخافُ
عليه يومئذٍ من تشميرة دِرْعه ما أصابه ، فمرّ يَرْفُل فى يده الحَرْبة ، وهو
يقول :
لَبِّثْ قَليلاً يُدْرِكِ الهَيْجا(٤) حمّلْ (٥) ما أَحسنَ الموتَ إِذا حان الأَجَلْ
وأُمه تقول : الحقْ برسول الله يا بُنِىّ! وقد والهِ تأخّرت، فقلت :
واللهِ يا أُمّ سعد ، لودِدْتُ أَنَّ دِرْعَ سعد أُسبغ على بَنانِه . قالت أُم سعد :
يقضى الله ما هو قاض! فَقَضَى له أَن أُصيب يومئذٍ ، ولقد جاءَ الخبر
بأنه قد رُمِى ، تقول أُمّه : واجَبَلاه!
(١) يقال: هو من أفناء الناس، إذا لم يعلم ممن هو. (الصحاح، ص ٢٤٥٧).
(٢) الأكحل: عرق فى اليد، أو عرق الحياة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٤٤).
(٣) فى الأصل: ((درع حلوق))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب. والردع: أثر الطيب فى الجسد.
( القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٩). والخلوق: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره
من أنواع الطيب ؛ وتغلب عليه الحمرة والصفرة. ( النهاية ، ج ١، ص ٣١٧).
(٤) الحيجا : الحرب. (الصحاح، ص ٣٥٢).
(٥) قال السهيلى: هو بيت تمثل به ، عنى به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن كعب،
ابن عليم بن جناب الكلبى . ( الروض الأنف ، ج ٢، ص ١٩٢) .

٤٧٠
ثم إِنَّ روساءهم أجمعوا أن يغدوا جميعاً ، فغدا أَبو سُفيان بن حرب ،
وعِكْرِمَة بن أبى جهل ، وضِرار بن الخطَّب ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن
العاص. وهُبَيرة بن أبى وَهب، ونوفل بن عبد الله المخزوميّ، وعمرو بن
عبد ، ونَوفل بن مُعاوية الدِّيلّ، فى عدّة ، فجعلوا يُطيفون بالخَنْدَق ؛ ومعه
روساءُ غَطَفان - عُيَيْنَة بن حِصن، ومَسعود(١) بن رُخَيلة، والحارث بن
عوف؛ ومن سُلَيم رؤساوهم؛ ومن بنى أَسَدطُلَيحة بن خُوَيلد . وتركوا الرجال
منهم خُلُوفاً ، يطلبون مَضيقاً يُريدون يقتحمون خيلهم إلى النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم وأصحابه ، فانتهوا إلى مكان(٢) قد أَغفله المسلمون ، فجعلوا
يُكْرِهون خيلَهم ويقولون : هذه المَكيدة ، ما كانت العرب تصنعها
ولا تكيدها . قالوا (٣): إِنَّ معه رجلًا فارِسيًّا، فهو الذى أشار عليهم بهذا . قالوا :
فمَن هناك إذًا؟ فعَبَر عِكْرِمة بن أبى جَهل ، وذَوفل بن عبد الله ، وضِرار
ابن الخطَّاب، وهُبَيرة بن أبى وّهب ، وعمرو بن عبد ، وقام سائر المشركين
مِن وراء الخَنْدَق لا يعبرون، وقيل لأَّبِى سُفيان : أَلا تعبر ؟ قال : قد عبرتم ،
فإن احتجتم إلينا عبرنا . فجعل عمرو بن عبدٍ يدعو إلى البِراز ويقول :
ولقد بُححتُ من النداء لجمعكمْ هل من مُبارزٌ
وعمرو يومئذٍ ثائر ، قد شهد بدرًا فارْتُثَّ جريحاً فلم يشهد أُحُدًا ،
وحرّم الدُّهنَ حتى يثأَر من محمّدٍ وأصحابِهِ ، وهو يومئذٍ كبير - يقال بلغ
تسعين سنة . فلما دعا إلى البِراز قال عَلىَّ عليه السلام : أَنا أُبارزه يا رسول
الله !ثلاثَ مرّات . وإِنَّ المسلمين يومئذٍ كأَنَّ على رؤوسهم الطَّير ، لمكان
(١) فى الأصل: ((سعود بن رحيلة))؛ والتصحيح من ب، ومن ابن عبد البر.
( الاستيعاب ، ص ١٣٩٢).
(٢) فى ب: ((إلى مكان ضيق)).
(٣) فى ب: ((فيقولون)).

٤٧١
عمرو وشجاعته . فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سيفَه، وعدَّمه وقال :
اللَّهمّ أَعِنْه عليه! قال : وأَقبل عمرو يومئذٍ وهو فارسٌ وعَلىٌّ راجل ، فقال
له علىّ عليه السلام: إِنك كنت تقول فى الجاهلية : لا يدعونى أَحدٌ إِلى واحدةٍ
مِن ثلاثٍ إِلاَّ قبلتُها ! قال : أَجَل ! قال علىُّ: فإِنّ أَدعوك أَن تشهد أَن
لا إله إِلاَّ الله وأَنَّ محمّدًا رسولُ الله، وتُسلمَ لله رب العالمين . قال : يا ابن
أَخى، أَخر هذا عنّى. قال: فأُخرى؛ تَرْجع إلى بلادك ، فإن يكن محمّدٌ
صادِقاً كنت أَسعدَ [الناس] به ، وإِن غير ذلك كن الذى تُريد . قال :
هذا ما لا تتحدّث به نساءُ قُرَيشٍ أَبدًا، وقد نَذَرْتُ ما نذرت وحَرَّمتُ
الدُّهْن. قال: فالثالثة ؟ قال : البراز . قال فضحك عمرو ثم قال : إِنَّ
هذه الخَصْلَة ما كنتُ أَظنّ أَنَّ أَحدًا من العرب يرومنى عليها! إنى لأَكره أَن
أَقتلَ مثلك، وكان أَبوك لى نَدِيماً ؛ فَارْجعْ، فأَنت غلامٌ حَدَث ، إنما أردتُ
شَيْخَى قُرَيش! أَبا بكر وعمر . قال فقال عَلىّ عليه السلام : فإِنِى أَدعوك
إلى المُبارزة فأَنا أُحِبّ أَن أَقتلك. فأَسِفَ عمرو ونزل وعَقَل فرسِه .
فكان جابر يُحدِّث يقول : فدَنا أَحدُهما مِن صاحبه وثارت بينهما
غَبِرَةٌ فما نَراهما ، فسمعنا التكبيرَ تحتها فعرفنا أَنَّ عَليّاً قَتلَه . فانكشف
أَصحابُه الذين فى الخَنْدَق هاربين، وَطَفَرتْ بهم خيلهم، إِلاَّ أَنْ نَوفل
ابن عبد الله وَقَع به فَرَسُه فى الخَنْدَق، فَرُمٍِ بالحجارة حتى قُتِل . ورجعوا
هاربين، وخرج فى أَثرهم الزُّبَير بن العوّام وعمر بن الخطّاب ، فناوشوهم
ساعة . وحمل ضِرار بن الخطّاب على عمر بن الخطّاب بالرمح ، حتى إِذا
وجد عمرُ مسَّ الرمح رفَعه عنه وقال : هذه نِعْمة مشكورة ، فَاحْفَظْها يا ابن
الخطَّب! إِنى قد كنتُ حلفتُ لا تمكِّنِى يَداىَ من رجلٍ من قُريْشٍ أبدًا .
فانصرف ضِرارِ راجعاً إلى أبى سفيان وأصحابه وهم قيامٌ عند جبل بنى ◌ُبَيْد .

٤٧٢
ويقال : حمل الزُّبَير على نوفل بن عبد الله بن المُغيرة بالسيف حتى شَقَّه
باثنين وقطع أُنْدوج(١) سَرْجه - والأُندوج: اللِّبْد الذى يكون تحت السرج
- ويقال إلى كاهل الفرس . فقيل: يا أَبا عبد الله، ما رأينا سيفاً مثل
سيفك ! فيقول : واللهِ، ما هو بالسيف ولكنَّها الساعد. وهرب عِكْرِمَة وهُبَيرة
فلحقا بأَبى سُفيان، وحمل الزُّبَيرُ على هُبَيرة فضرب ثَفَرَ (٢) فرسه فقُطع
ثَفَر فرسه وسقطت دِرْعٌ كان مُحقِبَها الفرسَ، فأَخذ الزُّبَيرِ الدِرْعَ، وفرّ
عِكْرِمَة وألقى رمحه . فلمّا رجعوا إلى أبى سفيان قال : هذا يومٌ لم يكن لنا فيه
شىء ، ارجعوا ! فنفرت (٣) قُرَيشٌ فرجعتْ إِلى العَقيق، ورجعت غَطَفان إِلى
منازلها ، واتّعدوا يغدون جميعاً ولا يتخلَّف منهم أحد . فباتت قُرَيش يُعبّئون
أصحابهم، وباتت غَطَفان يُعبّئون أصحابهم، ووافَوا رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بالخَنْدَقِ قبل طلوع الشمس. وعبّأَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
أَصحابه وضَّهم على القتال ، ووعدهم النصر إِن صَبَروا ، والمشركون قد
جعلوا المسلمين فى مثل الحِصْن من كتائبهم(٤) فأَخذوا بكلّ وجهٍ من الخَنْدَق .
فحدّثْنى الضَّحّاك بن عُثمان، عن عُبَيد الله بن مِقْسَم ، عن جابر بن
عبد الله قال : قاتلونا يومَهم وفرَّقوا كتائبهم ، ونحوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم كتيبةً غليظةً فيها خالد بن الوليد ، فقاتلهم يومه ذلك إِلى هَوِيٍّ من
الليل ، ما يقدر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أحدٌ من المسلمين أن يزولوا
· من مواضعهم ، وما يقدر(٥) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على صلاة الظُّهر
(١) فى ب: ((ابذوج)).
(٢) الثفر، بالتحريك: السير فى مؤخر السرج. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٨٣).
(٣) فى ب: ((فتفرقت)).
(٤) فى الأصل: ((كثائبهم))؛ والتصحيح من نسخة ب.
(٥) فى ب: ((وما قدر)).

٤٧٣
ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء ، فجعل أَصحابُه يقولون : يا رسول الله ،
ما صلَّينا! فيقول : ولا أَنا واللهِ ما صلَّيت! حتى كَشَفهم الله تعالى فرجعوا
متفرّقين. فرجعت قُرَيشٌ إلى منزلها ، ورجعت غَطَفان إلى منزلها ، وانصرف
المسلمون إِلى قُبَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وأقام أُسَيد بن حُضَير على
الخَنْدَق فى مائتين من المسلمين، فهم على شَفير الخَندَق إِذ كرّت خيلٌ
من المشركين يطلبون غِرَّةٌ ؛ عليهم خالد بن الوليد؛ فناوشوهم ساعةً ومع المشركين
وَحشىّ، فزرق الطُّفَيَلَ بن النُّعمان من بنى سَلِمَة بمِزْراقه فقتله ، فكان
يقول: أَكرم الله تعالى حمزةَ والطُّفَيل بحَرْبَتى ولم يُهِنى بأَيديهما. فلما
صار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى موضع قُبَّته أمر بِلالاً فأَذَّن. وكان
عبد الله بن مسعود يقول : أَمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَذَّن وأقام
للظهر ، وأَقام بعْدُ لكل صلاةٍ إِقامةً إِقامةً .
وقد حدّثنى ابنُ أَبِى ذِئب - وهو أَثبت الحديثَيْن عندنا - قال: أَخبرنى
المَقْبُرئ ، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخُدرى ، عن أبيه قال : جلسنا
يوم الخَنْدَق حتى كان بعد المغرب بهَوِيٍّ من الليل حتى كُفِينا ، وذلك قول
الله عزَّ وجل: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ القِتالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾(١).
فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِلالاً فأَمره ، فأَقام صلاة الظهر فصَّاها
كأَحسن ما كان يُصلِّيها فى وقتها . ثم أقام صلاة العصر فصلاًّها كأَحسن
ما كان يُصلِّيها فى وقتها ، ثم أَقام المغرب فصلًّاها كأحسن ما كان يُصلِّيها
فى وقتها ، ثم أقام العشاء فصلًّاها كأحسن ما كان يُصلِّيها فى وقتها . قال:
وذلك قبل أَن يُنزل اللهُ صلاةَ الخوف: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٢).
(١) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٥.
(٢) سورة ٢ البقرة ٢٣٩.