Indexed OCR Text
Pages 21-40
٤٣٤ ((يا عائشة، إِنَّ الله قد أنزل براءتك)). قالت: وسُرِّى عن أَبَوَىَّ وقالت أُفِّى: قومى إِلى رسول الله . فقلت: واللهِ، لا أَقوم إِلاَّ بحمد الله لا بحمدك. فأَنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ﴾(١) الآية. قالت : فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الناس مسرورًا. فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم تلا عليهم بما نُزِّل عليه فى براءة عائشة . قالت : فضربهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحَدَّ، وكان الذى تولّ كِبْرَه اعبدُ الله بن أَبَىّ، وكان مِسْطَح بن أُثاثَة، وحَسّان ابن ثابت. قال أبو عبد الله: ويقال إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يضربهم - وهو أَثبت عندنا . وكان سعيد بن جُبَير يقول فى هذه الآية: مَن رمى مُحْصَنة لعنه اللهُ فى الدنيا والآخرة. فقال: إنما ذاك لأُمّ المؤمنين خاصّة . فحدّنى ابن أبى حَبيبة ، عن داود بن الحُصين ، عن أبى سفيان ، عن أَفلح مولى أَبِى أَيُّوب، أَنَّ أُمّ أَيّوب قالت لأَبى أَيّوب : أَلا تسمع ما يقول الناس فى عائشة ؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أَفكنتِ يا أُمّ أَيّوب فاعلة ذلك ؟ فقالت : لا واللهِ . قال : فعائشة واللهِ خير منك . فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (٢)، يعنى أَبا أَيّوب حين قال لأُم أَيّوب ، ويقال إنما قالها أُبَىّ بن كَعب. فحدّثنى خارجة بن عبد الله بن سُليمان، عن إبراهيم بن يحيى ، عن أُمّ سعد بنت سعد بن ربيع ، قالت : قالت أُمّ الطُّفَيل لأُبىّ بن كعب : ألا تسمع ما يقول الناس فى عائشة ؟ قال : أَىّ ذلك ؟ قالت: ما يقولون . (١) سورة ٢٤ النور ١١. (٢) سورة ٢٤ النور ١٢ . ٤٣٥ قال : هو واللهِ الكذب ، أَوَ كنتِ تفعلين ذلك ؟ قالت : أَعوذ بالله . قال : فهى واللهِ خير منك. قالت: وأَنا أَشهد ، فنزلت هذه الآية . قالوا: ومكث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَيّاماً، ثم أَخذ بيد سعد ابن مُعاذ فى نفر . فخرج يقود به حتى دخل به على سعد بن عبادة ومن معه ، فتحدّثا عنده ساعة ، وقرب سعد بن عُبادة طعاماً ، فأَصاب منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فمكث أَيّاماً، ثم أَخذ بيد سعد بن عبادة، ونفرٌ معه : فانطلق به حتى دخل منزل سعد بن معاذ ، فتحدّثا ساعةً وقرب سعد بن مُعاذ طعاماً ، فأَصاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسعد بن عُبادة ومن معهم ، ثم خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وإِنما فعل ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَن يذهب ما كان فى أنفسهم من ذلك القول الذى تقاولا . فحدّثنى مَعْمر، عن الزُّهرِىّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبّاس ، عن عَمّار بن ياسر قال : كنا مع رسول الله صلَّى الله عليه سلّم حين احتبس على قلادة عائشة رضى الله عنها بذات الجيش ، فلما طلع الفجر أَو كادنزلت آية التَّيَمُّم، فمسحنا الأَرض بالأيدى ثم مسحنا الأيدى إلى المناكب ظهرًا وبطناً ، وكان يجمع بين الصلاتين فى سفره . فحدّثنى عبد الحميد بن جعفر ، عن ابن رُومان ، ومحمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر ، وعبد الله بن يزيد بن قُسَيط.، عن أُمّه ؛ فكلٌّ قد حدّثنى من هذا الحديث بطائفة ، وعماد الحديث عن ابن رُومان ، وعاصم وغيرهم ، قالوا: لمّا قال ابن أُبَىّ ما قال، وذكر جُعَيل بن سُراقة وجَهْجا ، وكانا من فقراء المهاجرين ، قال : ومثل هذَيْن يُكثر على قومى ، وقد ٤٣٦ أَنزلنا محمّدًا فى دور (١) كِنانة وعزّها! واللهِ، لقد كان جُعَيل يرضى أن يسكت فلا يتكلّم ، فصار اليوم يتكلّم . وقول ابن أبىّ أيضاً فى صَفوان ابن معَطَّل وما رماه به ، فقال حَسّان بن ثابت : أَمْسَى الجَلابِيبُ قد راعوا وقد كَثُروا وابنُ الفُرَيعةِ أَمْسِ بَيْضَةَ البَلَدِ (٢) فلما قدموا المدينة جاءَ صَفوان إِلى جُعيل بن سُراقة فقال : انطلق بنا ، نضرب حَسان، فواللهِ ما أَراد غيرك وغيرى، ولَشَحن أَقرب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منه. فأَبِى جُعَيل أن يذهب، فقال له: لا أَفعل إلَّا أَن يأُمرنى رسول الله، ولا تفعل أَنت حتى تُؤامر رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك. فأَبى صَفوان عليه ، فخرج مُصْلِتاً السيفَ حتى ضرب حَسّان ابن ثابتٍ فى نادى قومه ، فوثبت الأَنصار إليه فأَوثقوه رباطاً - وكان الذى وَلِىَ ذلك منه ثابت بن قيس بن شَمّاس - وأسروه أَسرًا قبيحاً . فمرّ بهم عُمارة بن حَزم فقال: ما تصنعون؟ أَمن أَمْر رسول الله ورضائه أم من أمرٍ فعلتموه ؟ قالوا: ما علم به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال (٣) : لقد اجترأتَ ، خَلِّ عنه! ثم جاءَ به وبثابتٍ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسوقهم ، فأَراد ثابتٌ أَن ينصرف ، فأَبِى عُمارة حتى جاءَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال حَسّان: يا رسول الله، شَهَر علىّ السيف فى نادى قومى ، ثم ضربنى لأَن أَموت ، ولا أَرانى إلَّا ميّتاً من جراحتى . فَأَقْبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على صَفوان فقال: ولِمَ ضربتَه وحملتَ (١) هكذا فى الأصل. وفى ب: ((ذروة)). (٢) بيضة البلد: يعنى واحداً لا يحاربه أحد، وهو فى هذا الموضع مدح. وقد يكون بيصه البلد ذماً ، وأصل ذلك أن يؤخذ بيضة واحدة من بيض النعام ليس معها غيرها ، فإذا أريد به الذم شبه بها الرجل الذى لا رهط له ولا عشيرة. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٣٦). (٣) أى قال لثابت بن قيس بن شماس . ٤٣٧ السلاح عليه؟ وتغيّظ. رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسول الله آذانى وهَجانى وسفَّه علىّ وحسدنى على الإِسلام. ثم أقبل على حَسّان فقال : أَسَفِهْتَ على قومٍ أَسلموا ؟ ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : احبسوا صَفوان، فإن مات حَسّان فاقتلوه به . فخرجوا بِصفوان(١) ، فبلغ سعدَ بن عُبادة ما صنع صَفوان ، فخرج فى قومه من الخزرج حتى أتاهم ، فقال : عمدتم إلى رجلٍ من أصحاب رسول الله تُؤذونه وتهجونه بالشِّعر وتشتمونه، فغضب لِما قيل له، ثم أَسرتموه أَقبح الإِسار (٢) ورسول الله بين أظهر كم ! قالوا : فإِنَّ رسول الله أمرنا بحبسه وقال : إِن مات صاحبُكم فاقتلوه . قال سعد: واللهِ، إِنَّ أَحبّ إلى رسول الله لَلعفو ، ولكن رسول الله قد قضى بينكم بالحقّ، وإِنَّ رسول الله يعنى (٣) لَيُحبٌ أَن يُتْرَك صَفوان. واللّهِ، لا أَبرح حتى يُطْلَق! فقال حَسّان : ما كان لى من حقِّ فهو لك يا أبا ثابت . وأبى قومُه، فغضب قيس ابنه غضباً شديداً فقال: عجباً لكم، ما رأيت كاليوم! إِنَّ حسّان قد ترك حقَّه وتأْبُون أَنتم ! ما ظننتُ أَنَّ أَحدًا من الخزرج يردّ أَبا ثابتٍ فى أمرٍ يهواه . فاستحيا القوم وأطلقوه من الوَثاق ؛ فذهب به سعدٌ إلى بيته فكساه حُلَّة ، ثم خرج صَفوان حتى دخل المسجد ليُصلَّى فيه ، فرآه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: صَفوان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله. قال : مَن كساه ؟ قالوا : سعد بن عُبادة ، فقال : كساه الله من حُلَل (٤) الجنَّة. ثم كلَّم سعدُ بن عُبادة حَسْانَ بن ثابت فقال : لا أُكلِّمك أبدًا إن لم تذهب إلى رسول الله فتقول: كلَّ حقٍّ لى (١) فى الأصل: ((بحسان))؛ والتصحيح من ب. (٢) فى ب: ((أقبح الأسر)). (٣) كذا فى الأصول. (٤) فى ب: ((ثياب)). ٤٣٨ قِبَل صَفوان فهو لك يا رسول الله . فأَقبل حَسّان فى قومه حتى وقف بين يدى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، كلّ حقٌّ لى قِبَل صفوان بن مُعَطَّل فهو لك . قال : قد أَحسنتَ وقبلتُ ذلك . فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَرْضاً بَراحاً (١) وهى بَيْرَ حاء (٢) وما حولها وسِيرِين ، وأعطاه سعد بن عُبادة حائطاً كان يَجُدّ (٣) مالاً كثيرًا عِوَضاً له مما عنا عن حقّه . قال أبو عبد الله : فحدّث هذا الحديث ابن أبى سَبْرَة فقال : أَخبرنى سُلَيمان بن سُحَيمٍ ، عن نافع بن جُبير، أَنَّ حَسّان بن ثابت حبس صفوان ، فلمّا برئ حَسّان أرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليه فقال: يا حَسّان، أَحْسِنْ فيما (٤) أصابك. فقال: هو لك يا رسول الله. فأَعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بَراحاً وأعطاه يسيرِين عوضاً . فحدّثَنِى أَفلح بن حُمَيد، عن أبيه، قال: ما كانت عائشة رضى الله عنها تذكر حَسّان إِلَّا بخير . ولقد سمعتْ مُروة بن الزُّبَير يوماً يسبّه لِما كان منه ، فقالت : لا تسبّه يا بُنَىّ ، أليس هو الذى يقول : فإِنَّ أَبِى ووَالِدَهُ وعِرْضى لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ منكم وِقَاءُ وحدّثنى سعيد بن أبى زيد الأَنصارىّ قال: حدّثنى من سمع أَبا عُبَيدة (١) البراح: المتسع من الأرض، لا زرع بها ولا شجر. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢١٥ ) . (٢) ويقال أيضاً ((بيرحى))، وبكسر الباء وبضم الراء. (النهاية، ج ١، ص ٧١). وهى مال كانت لأبى طلحة بن مهل، وتصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٣١٩). (٣) الجداد: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها؛ يقال جد الثمرة يجدها جداً. (النهاية، ج ١، ص ١٤٧ ). (٤) فى ب: ((ما أصابك)). ٤٣٩ ابن عبد الله بن زَمعة الأَسدىّ يُخبر أنه سمع حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع عائشة رضى الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : حَسّان حِجازٌ بين المؤمنين والمنافقين، لا يُحبّه منافقٌ ولا يبغضه مؤمن . وقال حَّان يمدح عائشة رضى الله عنها : وتُصبح غَرْنَى(٢) مِنْ لُحُومِ الغَوافِلِ(٣) حَصَانٌ رَزانٌ(١) لا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِى إِلَّ أَنامِلى فإن كان ما قد جاءَ عنّىَ قلته هى أَبيات أَنشدنيها ابن أبى الزِّناد وابن جَعفر . حدّثنى عبد الله بن جعفر بن مُسلم ، عن أبى عَتيق ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنت رفيق عبد الله بن رَواحة فى غزوة المُرَيْسِيع ، فأَقبلنا حتى انتهينا إلى وادى العَقيق فى وسط. الليل فإِذا الناس مُعرِّسون (٤). قلنا: فأين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ قالوا : فى مقدّم الناس ، قد نام . فقال لى عبد الله بن رواحة: يا جابر ، هل لك بنا فى التقدّم والدخول على أَهلنا ؟ فقلت: يا أَبا محمّد، لا أُحبّ أَن أُخالف الناس، لا أَرِى أَحدًا تقدّم. قال ابن رَواحة: واللهِ، ما نهانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن تقدُّم . قال جابر : أَمّا أَنا فلستُ ببارح . فودعنى وانطلق إلى المدينة ، فأَنظر إليه على ظهر الطريق ليس معه أَحد ، فطرق أَهله بَلْحارث بن الخزرج ، فإِذا مصباحٌ فى وسط. بيته وإِذا مع امرأته إنسانٌ طويل ، فظنّ (١) الحصان هنا: العفيفة. والرزان: الملازمة موضعها التى لا تتصرف كثيراً. ولا تزن: أى لا تهم. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٣٧ ) : (٢) غرقى: جائعة. (شرح أبى ذر، ص ٣٣٧). (٣) النوافل: جمع غافلة، ويعنى بهذا الكلام أنها كافة عن أعراض الناس. ( شرح أبى ذر، ص ٣٣٧ ) . (٤) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة النوم والاستراحة. (النهاية، ج ٣، ص ٨٠). ٤٤٠ أنه رجل، وسُقط. فى يديه وندم على تقدّمه . وجعل يقول ، الشيطان مع الغرّ ، فاقتحم البيت رافعاً سيفه ، قد جرّده من غِمْدِه يُريد أن يضربهما . ثم فكّر واذَّكر ، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهى تَوْسَن، فقال: أَنا عبد الله، فمَن هذا؟ قالت: رُجَيلَة [ ما شطنى)](١)، سمعنا بمقدمكم فدعوتُها تُمشِّطى فباتت عندى. فبات فلمّا أَصبح خرج مُعترضاً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلقيه ببئر أَبى عُتبة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسير بين أبى بكر وبَشير بن سعد، فالتفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى بَشير فقال: يا أَبا النُّعمان. فقال : لبّيك. قال: إِنَّ وجه عبد الله ليُخبرك أنه قد كره طروق أهله . فلمّا انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال رسول الله : خَبَرَك يا ابن رواحة. فأخبره كيف كان تقدّم وما كان من ذلك. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا تطرقوا النساء ليلاً . قال جابر : فكان ذلك أَوّل ما نهى عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . قال جابر : فلم أَرَ مثل العسكر ولزومه والجماعة ، لقد أُقبلنا من خَيْبَر ، وكنا مررنا على وادى القُرَى فانتهينا إلى الجُرْف (٢) ليلاً، فنادى مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تطرقوا النساء ليلاً . قال جابر: فانطلق رجلان فَعَصَيا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرأيا جميعاً ما يكرهان . غزوة الخَنْدَق عسكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الثلاثاء لثمانٍ مضت من ذى القعدة ، فحاصروه خمس عشرة ، وانصرف يوم الأربعاء لسبعٍ بقين سنة (١) الزيادة من نسخة ب . (٢) الجرف على ثلاثة أميال من المدينة من جهة الشام. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٨٠). ٤٤١ خمس ؛ واستعمل على المدينة ابن أُمّ مَكتوم . فحدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه ، وربيعة ابن عُثمان، ومحمّد عن الزُّهرىّ، وعبد الصَّمَد بن محمّد ، ويونس بن محمّد الظَّفَرىّ، وعبد الله بن جعفر ، ويحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، وابن أَبِى سَبْرَة، وعبد الحميد بن جعفر، ومَعْمَر بن راشد ، وحِزام بن هِشام ، ومحمّد بن يحيى بن سَهل ، وأَيّوب بن النُّعمان بن عبد الله بن کعب بن مالك، وموسى بن عُبَيدة ، وقُدامة بن موسى ، وعائذ بن يحيى الزَّرَقّ، ومحمّد بن صالح ، وعبد الرحمن بن عبد العَزيز، وهِشام بن سعد ، ومُجَمِّع ابن يعقوب، وأَبو مَعشَر، والضَّحّاك بن عُثمان، وعبد الرحمن بن محمّد ابن أبى بكر ، وابن أبى حبيبة، وابن أبى الزِّناد، وأسامة بن زيد ؛ فكلُّ قد حدّثنى من هذا الحديث بطائفة ، وبعضهم أَوعى له من بعض ، وغير هؤلاء قد حدّثنى، فكتبت كلّ ما حدّثونى، قالوا: لمّا أَجلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بنى النَّضير ساروا إِلى خَيْبَر ، وكان بها من اليهود قومٌ أَهلُ عَدَدِ وجَلَدٍ، وليست لهم من البيوت والأحساب(١) ما لبنى النَّضير - كان بنو النَّضير سِرَّهم، وقُرَيْظَة من ولد الكاهن من بنى هارون - فلما قدموا خَيْبر خرج حُيّىّ بن أَخْطَب، وكِنانة بن أبى الحُقَيق، وهوْذَة بن الحُقَيق، وهَوْذَة بن قيس الوائليّ من الأُّوس من بنى خَطْمَة ، وأَبو عامر الراهب فى بضعةً عشر رجلاً إلى مَّة يدعون قُرَيشاً وأتباعها إلى حرب محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا لقُرَيش : نحن معكم حتى نستأُصل محمّدًا . قال أبو سُفيان : هذا الذى أقدمكم ونزعكم (٢) ؟ قالوا : نعم ، جئنا (١) فى الأصل: ((والأخشاب))، والتصحيح من نسخة ب. (٢) فى ب: ((نزغكم)). ٤٤٢ لُحالِفَكم على عداوة محمّدٍ وقتاله . قال أبو سُفيان : مرحباً وأهلاً، أَحب الناس إلينا مَن أَعاننا على عداوة محمّد . قال النفر: فأَخْرِجْ خمسين رجلاً من بطون قُريش كّها أَنت فيهم ، وندخل نحن وأنتم بين أَستار الكعبة حتى نُلصق أكبادنا بها ، ثم نحلف بالله جميعاً لا يخذل بعضنا بعضاً ، ولتكوننَّ كلمتنا واحدةً على هذا الرجل ما بقى منا رجل . ففعلوا فتحالفوا على ذلك وتعاقدوا ، ثم قالت قُريش بعضها لبعض : قد جاءكم روساء أَهل يَثْرِب وأَهل العِلم والكتاب الأَّوّل، فسلوهم عما نحن عليه ومحمّدٌ؛ أَينا أَهدى ؟ قالت قُرَيش : نعم . فقال أَبو سُفيان : يا معشر اليهود، أنتم أهل الكتاب الأَوّل والعلم ، أَخْبِرونا عمّا أَصبحنا نحن فيه ومحمّد ، ديننا خيرٌ أَم دين محمّد؟ فنحن عُمّار البيت ، وننحر الكُوم ، ونسقى الحَجيج، ونعبد الأصنام. قالوا: اللّهمّ، أَنتم أولى بالحقّ منه؛ إنكم لتُعظِّمون هذا البيت، وتقومون على السِّقاية، وتنحرون البُدْن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ، فأَنتم أَولى بالحقّ منه . فأنزل الله تعالى فى ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هُؤَّلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾(١). فاتَّعدوا لوقتٍ وقَّوه ، فقال صفوان بن أمَّيّة : يا معشر قُرَيش، إِنكم قد وعدتم هؤلاء القوم لهذا الوقت وفارقوكم عليه ، فَفُوا لهم به ! لا يكون هذا كما كان، وَعدْنا محمّدًا بَدْرَ الصَّفْراء فلم نَفِ بموعده ، واجتراً علينا بذلك ، وقد كنتُ كارهاً لميعاد أبى سفيان يومئذ . فخرجت اليهود حتى أَنت غَطَفان، وأَخذت قُرَيشٌ فى الجهاز ، وسيّرت فى العرب تدعوهم إلى نصرها، وأَلَّبوا أَحابيشَهم ومن تبعهم. ثم خرجت اليهود حتى جاءوا بنى سُلَيمٍ، (١) سورة ٤ النساء ٥١ . ٤٤٣ فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قُرَيش. ثم ساروا(١) فى غَطَفان ، فجعلوا لهم تمر خَيْبَر سنة، وينصرونهم ويسيرون مع قُرَيْشٍ إلى محمدٍ إِذا ساروا . فأَنعمت بذلك غَطَفان ، ولم يكن أحدٌ أَسرع إلى ذلك من عُيَيْنَة بن حِصن . وخرجت قُرَيش ومن تبعها من أَحابيشها أربعة آلاف، وعقدوا اللواء فى دار النَّدْوَة ، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس ، وكان معهم من الظَّهر ألفُ بعيرٍ وخمسمائة بعير . وأَقبلت سُلَيم فلاقَوْهم بمَرّ الظَّهْران ، وبنو سُلَيم يومئذٍ سبعمائة، يقودهم سُفيان بن عبد شمس حليفُ حَرب بن أُميّة ، وهو أَبو أَبى الأُعْوَر الذى كان مع مُعاوية بن أبى سُفيان بصِفِين. وخرجت قُرَيِشُ يقودها أَبو سُفيان بن حَرب، وخرجت بنو أَسَد وقائدها طَلْحَة بن خُوَيْلِد الأَسَدِىّ، وخرجت بنو فَزَارَة وَأَوعبت (٢)، وهم أَلِفٌ يقودهم عُيَيْنَة بن حِصْن، وخرجت أَشْجَع وقائدها مَسعود بن رُخَيلة وهم أربعمائة - لم تُوعِب أَشْجَع . وخرج الحارث بن عَوف يقود قومه بنى مُرَّة وهم أربعمائة . لما أجمعت غَطَفان السير أبى الحارث بن عَوف المسير وقال لقومه : تفرّقواً فى بلادكم ولا تسيروا إلى محمّد، فإِى أَرِى أَنَّ محمّدًا أَمْرُهُ ظاهر، لو ناراًه مَن بين المشرق والمغرب لكانت له العاقبة . فتفرَّقوا فى بلادهم ولم يحضر واحدٌ منهم ؛ وهكذا روى الزُّهرى وروت بنو مُرَّة . حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حَزم ، وعاصم بن عمر بن قَتادة قالا : شهدت بنومُرَّة الخَنْدَقَ وهم أربعمائة وقائدهم الحارث بن عَوف المُرّىّ، وهجاه حسّان وأَنشد (٣) (١) فى ب: ((ثم سارت)). (٢) أى خرجوا بأجمعهم فى الغزو. (النهاية، ج ٤، ص ٢٢٠). (٣) فى ب ((وأنشدوا)). ٤٤٤ شعرًا، وذكروا مُجاورةَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ. فكان هذا أَثبت عندنا أنه شهد الخَنْدَق فى قومه، ولكنه كان أَمثلَ تقيّةً من عُيَيْنَة . قالوا : وكان القوم جميعاً الذين وافوا الخَنْدَق من قُرَيش ، وسُليم ، وغَطَفان، وأَسد، عشرة آلاف؛ فهى عساكر ثلاثة، وعِناج(١) الأَمر إِلى أَبى سُفيان. فأَقبلوا فنزلت قُرَيَشْ برُومة (٢) ووادى العَقيق فى أَحابيشها ومَن ضَوَى إِليها من العرب، وأقبلت غَطَفان فى قادتها حتى نزلوا بالزَّغابة إلى جانب أُحُد. وجعلت قُرَيشٌ تُسرّح رِكابها فى وادى العَقيق فى عِضاهِهِ، وليس هناك شىءٌ للخيل إلّا ما حملوه معهم من عَلَف - وكان عَلَفهم الدُّرَة - وسرّحت غَطَفان إِبلها إلى الغابة فى أَنْلِها وطَرْفائها فى عِضاه الجُرْف. وقدموا فى زمان ليس فى العِرْضِ (٣) زَرْع ، فقد حصد الناس قبل ذلك بشهر، فأَدخلوا حصادهم وأَتبانهم . وكانت غَطَفان تُرسل خيلها فى أَثر الحصاد - وكان خيل غَطَفان ثلاثمائة - بالعِرْض فيُمسك ذلك من خيلهم (٤)، وكادت إِبلهم تهلك من الهزال . وكانت المدينة ليالى قدموا جَديبة. فلمّا فَصَلت قُريْشٌ من مكَّة إلى المدينة خرج رَكْبٌ من خزاعة إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبروه بفصول قُرَيش ، فساروا من مكّة إِلى المدينة أربعاً، فذلك حين ندب رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم الناسَ وأخبرهم خبر عدوهم ، وشاورهم فى أَمرهم بالجِدّ والجهاد، ووعدهم النصر إِن هم صبروا وائَّقوا، وأمرهم بطاعة الله وطاعة رسوله. وشاورهم رسول الله صلَّى الله عليه (١) فى الأصل: ((عياج))، والتصحيح من ب. (٢) رومة: أرض بالمدينة بين الجرف وزغابة. (معجم البلدان ، ج ٤، ص ٣٣٦). (٣) يقال لكل واد فيه قرى ومياه عرض .. وقال الأصمعى: أخصب ذلك العرض وأخصمت أعراض المدينة وهى قراها التى فى أوديتها .. وقال شمر: أعراض المدينة بطون سوادها حيث الزروع والنخل . ( معجم البلدان ، ج ٦ ، ص ١٤٦ ). (٤) فى ب: ((من خيولهم)). ٤٤٥ وسلَّم ، وكان رسول الله يُكثر مشاورتهم فى الحرب ، فقال: أَنبرز لهم من المدينة ، أَم نكون فيها ونُخَيْدِقُها علينا ، أَم نكون قريباً ونجعل ظهورنا إلى هذا الجبل ؟ فاختلفوا، فقالت طائفة: نكون ممّا يلى بُعاث إلى ثنيّة الوَداع إلى الجُرْف . فقال قائل: ندع المدينة خُلوفاً! فقال سَلْمان: يا رسول الله، إِنا إِذ كنا بأَرض فارس وتخوَّفنا الخيل خندقْنا علينا ؛ فهل لك يا رسول الله أَن نُخَنْدِق؟ فأَعجب رأىُ سَلْمَان المسلمين، وذكروا حين دعاهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد أَن يُقيموا ولا يخرجوا، فكره المسلمون الخروج وأحبّوا الثباتَ فى المدينة . فحدّثْنى أَبو بكر بن أَبِى سَبْرَة قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن جَهم أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ركب فرساً له ومعه نفرٌ من أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فارتاد موضعاً ينزله ، فكان أعجب المنازل إليه أَن يجعل سَلْعاً (١) خلف ظهره، ويُخَنْدِقِ من المَداد(٢) إِلى ذُباب إِلى راتِج(٣) . فعمل يومئذٍ فى الخندق، وندب الناس، فخبّرَهم بدُنُوَّ عدوّهم، وعسكرهم إِلى سَفْحِ سَلْع ، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يُبادرون قدوم العدوّ عليهم، وأَخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعمل معهم فى الخندق لُيُنْشّط المسلمين؛ وعملوا، واستعاروا من بنى قُرَيظة آلةً كثيرةً من مَساحى ، وكرازين (٤) ومَكاتل، يحفرون به الخندق - وهم يومئذٍ سِلْمٌ للنبيّ صلَّى (١) سلع: الجبل المعروف الذى بسوق المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٤). (٢) المذاد: اسم أطم لبنى حرام من بنى سلمة غربى مسجد الفتح. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٠ ) . (٣) راتج: الجبل الذى إلى جنب جبل بنى عبيد غربى بطحان. (وفاء الوفا ، ج ٢، ص ٣١٠). (٤) مساحى: جمع مسحاة، وهى المجرفة من الحديد. وكرازين: جمع كرزن، وهو الفأس. ومكاتل: جمع مكتل، وهو الزبيل الكبير، قيل إنه يسع خمسة عشر صاعاً . (النهاية، ج ٤ ، ص ٨،١٤،٩٤) . ٤٤٦ الله عليه وسلَّم يكرهون قدوم قُرَيش . ووكَّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بكلِّ جانبٍ من الخندق قوماً يحفرونه ، فكان المهاجرون يحفرون من جانب راتِج إلى ذُباب، وكانت الأَنصار تحفر من ذُباب إلى جبل بنى عُبَيد ، وكان سائر المدينة مشبّكاً بالبنيان . فحدّثنى محمّد بن يحيى بن سَهل ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : كنت أنظر إلى المسلمين (١) والشباب ينقلون التراب، والخندق بَسْطَةٍ (٢) أو نحوها، وكان المهاجرون والأنصار ينقلون على رؤوسهم فى المكاتل ، وكانوا إذا رجعوا بالمكاتل جعلوا فيها الحجارة يأتون بها من جبل سَلْع . وكانوا يجعلون التراب مما يلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وكانوا يسطرون الحجارة ممّا يليهم كأنها حبال (٣) التمر - وكانت الحجارة من أعظم سلاحهم يرمونهم بها . فحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن مروان بن أبى سعيد ، قال : كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ يحمل التراب فى المكاتل ويطرحه ، والقوم يرتجزون، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : هذا الجَمالُ لا جَمالُ خَيْبَرُ هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرُ وجعل المسلمون يومئذٍ إذا رأوا من الرجل فُتورًا ضحكوا منه . وتنافس الناس يومئذٍ فى سَلْمان الفارسيّ، فقال المهاجرون: سَلْمان منا !.. وكان قويًّا عارفاً بحفر الخنادق. وقالت الأَنصار : هو منا ونحن أَحقّ به ! فبلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قولُهم فقال: سَلْمان رجلٌ منا أَهل (١) فى ث: ((كنت أنظر إلى المسلمين يمرون)). (٢) بسطة: أى قامة. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٥٠). (٣) فى. ب: ((جبال)). ٤٤٧ البيت . ولقد كان يومئذٍ يعمل عمل عشرة رجالٍ حتى عانَه(١) يومئذ قيس بن أَبِى صَعْصَعَة، فلُبِط به(٢)، فسألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: مُروه فَلْيَتَوَضَّأ له، وَلْيَغْتَسِلْ به، ويكْفَإِ الإِناءَ خَلْفَهُ. ففعل فكأَّما حُلّ من عِقال . فحدثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن الفُضَيل بن مُبَشِّر قال : سمعتُ جابر ابن عبد الله يقول : لقد كنت أرى سَلْمان يومئذٍ ، وقد جعلوا له خمسة أذرعٍ طولا وخمساً فى الأرض، فما تحيَّنته حتى فرغ وَحْدَه ، وهو يقول: اللَّهَمّ ، لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخرة. وحدّثنى أَيّوب بن النُّعمان، عن أبيه ، عن جدّه، عن كعب بن مالك قال : جعلنا يوم الخَنْدَق نرتجز ونحفر، وكنا - بنى سَلِمَة - ناحيةٌ، فعزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم علىّ أَلاَّ أَقول شيئاً، فقلت: هل عزم. على غيرى ؟ قالوا : حَسّان بن ثابت . قال: فعرفت أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إنما نهانا لوجدنا له وقلَّته على غيرنا، فما تكلَّمت بحرفٍ حتى فرغنا من الخَنْدَق . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ: لا يغضب أَحدٌ ممّا قال صاحبه، لا يُريد بذلك سوءًا.، إلَّا ما قال كعب وحَسّان فإنهما يجدان ذلك . وحدّثنى يحيى بن عبد العَزيز ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : كان جُعَيل بن سُراقة رجلاً صالحاً ، وكان ذميماً قبيحاً ، وكان يعمل مع المسلمين يومئذٍ فى الخَنْدَق، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد غيْرِ اسمه يومئذٍ فسمّاه عمرًا ، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون : (١) عانه : أى أصابه بالعين. (لسان العرب ، ج ١٧، ص ١٧٦). (٢) لبط: أى صرع وسقط إلى الأرض. (النهاية ، = ٤، ص ٤٩). ٤٤٨ سَمّاهُ مِن بعد جُعَيْلٍ عَمْرا وكان للبائِسِ يوماً ظَهْرا قال: فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يقول من ذلك شيئاً إِلَّا أن يقول ((عمرا)) (١) . فبينا المسلمون يحفرون ، وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب مع المسلمين، فنظر إليه سعد بن مُعاذ وهو جالسٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : الحمد لله يا رسول الله الذى أَبقانى حتى آمنت بك ؛ إنى عانقت أبا هذا يوم بُعاث، ثابت بن الضَّحّاك، فكانت اللُّبْجَةِ (٢) به ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَما إنه نِعْمَ الغلام ! وكان زيد بن ثابت قد رقد فى الخَنْدَق ، غلبته عيناه حتى أُخِذ سلاحه وهو لا يشعر ، وهو فى قُرِّ شديدٍ - تُرْسِه، وَقَوْسه، وسيفه - وهو على شَفير الخَنْدَق مع المسلمين ، فانكشف المسلمون يُريدون يُطَيفون بالخَنْدَق ويحرسونه ، وتر کوا زيدًا نائماً ، ولا يشعرون به حتى جاءه عمارة بن حزم فأخذ سلاحه ، ولا يشعر حتى فزع بَعْدَ فَقْدِ سلاحه، حتى بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدعا زيدًا فقال : يا أَبا رُقاد ، نمتَ حتى ذهب سلاحك ! ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن له علمٌ بسلاح هذا الغلام ؟ فقال عمارة بن حَزم: أَنا يا رسول الله، وهو عندى. فقال: فرُدَّه عليه، ونهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُروَّع المسلم أَو يُؤْخَذ مَناعه لاعباً جادًّا(٣). حدّثنى عَلىّ بن عيسى، عن أبيه ، قال: ما كان فى المسلمين يومئذٍ أَحَدٌ إلَّا يحفر فى الخَنْدَق أو بنقِل التراب، ولقد رُئِى رسول الله صلَّى (١) أى إذا وصلوا إلى آخر البيت قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قالوا: ((وكان البائس يوماً ظهرا)) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ظهرا)). (شرح أبى ذر، ص ٣٠٠). (٢) الليجة: من قولك لبج به، أى صرع. (أساس البلاغة، ص ٨٤٢). (٣) أى لا يأخذه على سبيل الهزل ثم يحبسه فيصير ذلك جداً. ( النهاية، ج ١، ص ١٤٧) ٤٤٩ الله عليه وسلَّم وأبو بكر ، وعمر - وكان أبو بكر وعمر لا يتفرّقان فى عمل ، ولا مسير ، ولا مَنزِل - ينقلان التراب فى ثيابهما يومئذٍ من العجلة ، إذ لم يجدا مَكاتِل لعجلة المسلمين . وكان البراء بن عازب يقول: ما رأيت أَحدًا أَحسن فى حُلَّةٍ حمراءَ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإِنه كان أبيضَ شديد البياض ، كثير الشعر ، يضرب الشعر مَنكِبَيْه . ولقد رأيته يومئدٍ يحمل التراب على ظهره حتى حال الغُبار بينى وبينه ، وإنى لأَنظر إلى بياض بطنه . وقال أبو سعيد الخُدرى: لكأَّى أَنظر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وهو يحفر فى الخَنْدَق مع المسلمين، والتراب على صدره وبين ◌ُكَنه(١)، وإِنه ليقول : اللَّهمّ لولا أَنت ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينا يُردّد ذلك . وحدّثنى أُبَىّ بن عبّاس بن سَهل، عن أبيه ، عن جدّه ، قال: كنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الخَنْدق، فأَخذ الكَرْزَن وضرب به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حجرًا فصَلَّ الحجر، فضحك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقيل: يا رسول الله، مِمَّ تضحك؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمِ : أَضحك من قوم يُؤْتَى بهم من المشرق فى الكُبول (٢)، يُساقون إلى الجنَّة وهم كارهون . فحدّثنى عاصم بن عبد الله الحَكَمِىّ ، عن عمر بن الحَكَم ، قال : كان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يضرب يومئذٍ بالمِعْوَل ، فصادف (١) العكنة: ما انطوى وتشى من لحم البطن. ( القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٤٩). (٢) الكبول: جمع كبل، وهو قيد ضخم. (النهاية، ج ٤، ص ٦). ٤٥٠ حجرًا صلْدًا، فأخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منه المِعْول ، وهو عند جبل بنى عُبيد ، فضرب ضربةً فذهبت أَوّلها بَرْقَةً إلى اليمن، ثم ضرب أُخرى فذهبت برْقَةٌ إلى الشام، ثم ضرب أُخرى فذهبت بَرْقَةٌ نحو المشرق ، وكُسِر الحجر عند الثالثة. فكان عمر بن الخطّاب يقول: والذى بعثه بالحقّ، لصار كأَنّه ◌ِهْلَة (١) وكان كلَّما ضرب ضربةً يتبعه سَلْمان بِبَصَرِهِ(٢)، فيبصر عند كلّ ضربةٍ بَرْقَة، فقال سَلْمان: يا رسول الله ، رأيت المِعْول كلَّما ضربتَ به أضاءَ ما تحته . فقال: أليس قد رأيتَ ذلك ؟ قال: نعم. قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنى رأيت فى الأُولى قصور الشام ، ثم رأيت فى الثانية قصور اليَمّن ، ورأيت فى الثالثة قصر كِسْرى الأَبيضَ بالمدائن . وجعل يصفه لِسَلْمان فقال: صدقتَ والذى بعثك بالحقّ، إِنَّ هذه لَصفتُه، وأشهد أَنك لَرسول الله ! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : هذه فتوحٌ يفتحها الله عليكم بعدى يا سَلْمان، لْتُفْتَحَنَّ الشام، ويهرب هِرَفْلُ إِلى أَقصى مملكته ، وتظهرون على الشام فلا يُنازعكم أَحد، ولُفْتَحَنَّ اليَمن، ولِيُفْتَحَنَّ هذا المشرِقِ، ويُقْتَل ◌ِسْرى بعده . قال سلمان : فكلّ هذا قد رأيت . قالوا : وكان الخَنْدَق ما بين جبل بنى عُبَيد بخُرْ بَى إلى راتِج ، فكان للمهاجرين من ذُباب إلى راتيج، وكان للأَنصار ما بين ذُباب إِلى خُرْبَى ، فهذا الذى حفر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون ، وشبَّكوا المدينة بالبنيان من كلِّ ناحيةٍ وهى كالحصن. وخندقت بنو عبد الأَشْهَل عليها بما يلى راتيج إلى خلفها، حتى جاءَ الخَنْدَق من وراء المسجد ، وخندقت (١) السهلة: رمل ليس بالدقاق. ( الصحاح، ص ١٧٣٣). (٢) فى الأصل: ((بضربه))؛ والتصحيح من نسخة ب. ٤٥١ بنو دينار من عند خُرْبَى إِلى موضع دار ابن أبى الجنوب اليوم . ورفع المسلمون النساء والصبيان فى الآطام ، ورفعت بنو حارثة الذَّرارىّ فى أُطْمهم ، وكان أُطْماً منيعاً ، وكانت عائشة يومئذٍ فيه. ورفع بنو عمرو بن عَوف النساءَ والذّرّيّة فى الآطام، وخندق بعضهم حول الآطام بقُباء ، وحصّن بنو عمرو بن عَوف ولفّها (١)، وخَطْمَة، وبنو أُمَية، ووائل، وواقف، فكان ذراريّهم فى آطامهم . فحدّثى عبد الرحمن بن أَبْجَر (٢)، عن صالح بن أبى حَسّان ، قال: أخبرنى شيوخ بنى واقف أنهم حدّثوه أَنَّ بنى واقف جعلوا ذراريّهم ونساءهم فى أُطْمهم ، وكانوا مع النبى صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانوا يتعاهدون أهليهم بأنصاف النهار بإذن النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، فينهاهم النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإذا ألحّوا أمرهم أن يأخذوا السلاح خوفاً عليهم من بنى قُرَيْظَة . فكان هِلال بن أُمَية يقول : أَقبلتُ فى نفرٍ من قومى وبنى عمرو بن عَّوف، وقد نكبنا عن الجِسْر وصَفْذَةِ(٣) فأخذنا على قُباء، حتى إذا كنا بِمَوْسا (٤) إِذا نفرٌ منهم فيهم نَّاش بن قيس القُرَظىّ، فنضحونا بالنَّبل ساعة ، ورميناهم بالنبل ، وكانَت بيننا جِراحة ، ثم انكشفوا على حاميتهم ورجعنا إلى أَهلنا ، فلم نَرَ لهم جمعاً بعد . وحدّثنى أَفْلَح بن سعيد، عن محمّد بن كعب، قال: كان الخَنْدَق الذى خندق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما بين جبل بنى عبيد إلى رائِج (١) اللف: القوم المجتمعون. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٩٦). (٢) فى ب: ((عبد الرحمن بن الحارث)). (٣) كذا فى الأصل؛ وفى نسخة ب: ((وصقنة)). وصفنة: منزلة بنى عطية بن زائد، ذكرها السيهودى، (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٣٦). (٤) عوسا: موضع بوادى رانونا. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢١٣). ٤٥٢ - وهذا أثبت الأحاديث عندنا. وذكروا أَنّ الخَنْدَق له أبواب ، فلسنا ندرى أين موضعُها . فحدّثى محمّد بن زياد بن أبى هُنَيدة ، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله، قال: أَصاب الناس كُدْيَةً يوم الخَنْدَق فضربوا فيها بمَعاوِلهم حتى انكسرت ، فدعَوا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدعا بماءٍ فصبّه عليها فعادت كثيباً . قال جابر بن عبد الله : فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحفر، ورأيته خَميصاً، ورأيت بين عُكَنه الغُبار ، فأَنيت امرأتى فأخبرتها ما رأيت من خَمص بطن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت : والهِ، ما عندنا شىءٌ إلَّا هذه الشاة ومُدُّ من شعير. قال جابر: فَاطْحَنى وأَصْلِحِى. قالت: فطبخنا بعضها وشَوَينا بعضها، وخُبِزِ الشعيرُ. [قال جابر]: ثم أتيت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلّم، فمكثتُ حتى رأَيت أَنَّ الطعام قد بلغ، فقلت: يا رسول الله، قد صنعتُ لك طعاماً فأتٍ أَنت ومن أحببتَ من أصحابك . فشبّك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصابعه فى أصابعى ، ثم قال : أُجيبوا ، جابرٌ يدعوكم! فأقبلوا معه فقلت : واللهِ، إِنها الفَضيحة ! فأَّتيتُ المرأة فأَخبرتها فقالت : أَنت دعوتهم أَو هو دعاهم ؟ فقلت : بل هو دعاهم ! قالت : دعهم ، هو أعلم . قال : فأَقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأمر أصحابه، فكانوا فِرَقاً ، عشرةً عشرةً ، ثم قال لنا : اغْرِفِوا وَغَطّوا الْبُرْمَة، وأُخرِجوا من التَّنُّور الخبز ثم غَطّوه . ففعلنا فجعلنا نغرف وتُغطِّى البُرْمَة ثم نفتحها ، فما نراها نَقَصت شيئاً ، ونُخرج الخبز من الثَّور ثم نُغطِّيه، فما نراه ينقص شيئاً . فأكلوا حتى شبعوا، وأَكلنا وأهدينا ، فعمل الناس يومئذٍ كلّهم والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وجعلت الأنصار ترتجز وتقول: ٥٣ ٤ نحن الَّذينَ بايعوا محمّدًا على الجِهادِ ما بقينا أَبَدا فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : اللَّهِمّ لا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَه فَاغْفِرِ لِلأَنصارِ والمُهاجِرَه وحدّشى ابن أَبِى سَبْرَة، عن صالح بن محمّد بن زائدة، عن أَبِى سَلَمَة ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبى واقد اللَّيْىّ، قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعرض الغِلْمان وهو يحفر الخَنْدق، فأجاز مَن أَجاز وردّ من ردّ، وكان الغِلْمان يعملون معه ، الذين لم يبلغوا ولم يُجِزهم، ولكنه لما لحم الأمر أمر مَن لم يبلغ أن يرجع إلى أهله إلى الآطام مع الذرارىّ . وكان المسلمون يومئذٍ ثلاثة آلاف، فلقد كنت أرى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وإنه لَيضرب مرةً بالمِعول ، ومرّةٌ يغرف بالمِسحاة التراب، ومرّةً يحمل التراب فى المكتل . ولقد رأيته يوماً بُلِغ منه، فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم اتَّكاً على حجرٍ على شِقّ الأيسر، فذهب به النوم . فرأيت أبا بكر وعمر واقفَيْن على رأسه يُنحّان الناس أن يمرّوا به فيُنبِّهوه، وأنا قربت منه ، ففزع ووثب ، فقال: أَلا أَفزعتمونى! فأَخذ الكَرْزَن يضرب به ، وإنه ليقول : فَاغْفِرِ للأُنْصارِ والمُهاجِرَه اللّهمّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَه فهم كُلِّفونى أَنْقُلُ الحِجارَه اللّهمّ الْعَنْ عَضّلاً والقَارَه فكان ممّن أَجاز رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ ابن عمر؛ وهو ابن خمس عشرة ، وزيد بن ثابت ؛ وهو ابن خمسَ عشرة ، والبراء بن عازب ؛ وهو ابن خمس عشرة .