Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٠
فقال السائب : فما زالت تلك الكلمة أَحفظُها. وتأَخْر إِسلامى حتى كان ما
كان من إِسلامى .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى عائذ بن يحيى ، عن
أَبِى الحُوَيرث. عن عمارة بن أُكَيمة اللَّيْىّ، عن حكيم بن حِزام ، قال :
وقد وقع بوادى خَلْص بِجادٌ(١) من السماء قد سدّ الأُفق
لقد رأيتنا يوم
- ووادى خَلْص ناحية الرُّوَيْثَة - فإِذا الوادى يسيل ذَمْلاً، فوقع فى نفسى
أنّ هذا شىء من السماء أُيِّد به محمّد. فما كانت إلَّا الهَزيمة. وهى الملائكة.
قالوا : ونهى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم عن قتل أَبى البَخْتَرِىّ، وكان
قد لبس السلاح يوماً بمكّة فى بعض ما كان بلغ من النبى صلَّى الله عليه
وسلّم من الأَذى. فقال : لا يعترض اليوم أَحدٌ لمحمّد بأَذى إِلَا وضعت
فيه السلاح. فشكر ذلك له النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم. قال أبو داود المازنىّ:
فلحقته فقلت : إِنّ رسول الله قد نهى عن قتلك إِن أَعطيتَ بيدك . قال :
وما تُريد إِلىّ ؛ إِن كان نهى عن قتلى قد كنت أَبليتُه ذلك؛ فأَمّا أَن أُعطى
بيدى، فواللات والعُزّى لقد علم نسوة بمكّة أَنّى لا أُعطى بيدى؛ وفد عرفت
أَنّك لا تدَعْنى ، فافعل الذى تُريد . ورماه أبو داود بسهم ، وقال : اللّهمّ
سهمك ، وأَبو البَخْتَرىّ عبدك، فضَعْه فى مَقتل! وأَبو البَخْتَرِىّ دارع،
ففتق السهم الدرعَ فقتله. ويُقال إنّ المُجَدَّر بن ذِياد (٢) قتل أَبا البَخْتَرِىّ
ولا يعرفه. وقال المُجَدَّر فى ذلك شعرًا (٣) عرّف أنه قتله. ونهى النبيّ صلَّى
(١) البجاد: الكساء . وفى حديث جبير بن مطعم: نظرت والناس يقتتلون يوم حنين إلى مثل
البجاد الأسود يهوى من السماء، أراد الملائكة . ( النهاية، ج ١، ص ٦٠).
(٢) فى ت: ((المجذر بن زياد)) بالزاى؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهكذا ذكره ابن سعد
أيضاً . ( الطبقات، ج ٢، ص ٣٠) .
(٣) ذكر ابن إسحاق أبيات المجذر. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٨٢).

٨١
الله عليه وسلّم عن قتل الحارث بن عامر بن ذَوفل ، وقال : ائسروه ولا تقتلوه!
وكان كارهاً للخروج إلى بدر ، فلقيه حُبَيب بن يَساف فقتله ولا يعرفه ،
فبلغ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم فقال: لو وجدتُه قبل أن تقتله لتركتُه لنسائه.
ونهى عن قتل زَمْعَة بن الأَسود، فقتله ثابت بن الجَذّع(١) ولا يعرفه.
قالوا: ولمّا لَحِم القتال ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلّم رافع يديه يسأل
الله تعالى النصرَ وما وعده ، يقول : اللّهمّ إِن ظُهِر على هذه العِصابة ظَهر
الشركُ، ولا يقوم لك دين ! وأَبو بكر رضى الله عنه يقول: والله ، لينصرنّك
اللهُ ولُيُبيّضنّ وجهَك. فأنزل الله عزّ وجلّ ألفاً من الملائكة مُردِفين عند أَكناف
العدوّ . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: يا أبا بكر أَبشر ، هذا جبريل
مُعتجِر بعِمامة صفراء ، آخذٌ بعِنان فرسه، بين السماء والأرض . فلمّا نزل
إِلى الأَرض تغيّب عنّى ساعةً ثم طلع ، على ثناياه النَّفْعِ ، يقول: أَتاك
نصرُ الله إِذ دعوتَه .
قالوا : وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فأَخذ من الحَصباء كَفَّا
فرماهم بها، وقال : شاهَت الوُجُوه! اللّهمّ، ارْعَبْ قلوبَهم وزَلزلْ أَقدامهم !
فانهزم أَعداءُ الله لا يلوون على شىءٍ، والمسلمون يقتلون ويأسرون ، وما بقى
منهم أَحدٌ إِلا امتلأَّ وجهُه وعيناه ، ما يدرى أين يتوجّه من عينيه، والملائكة
يقتلونهم والمؤمنون .
وقال عدى بن أبى الزَّغْباء يوم بدر :
أَنا عَدِىٌّ والسَّحل أَمشى بها مشىَ الفَحل
يعنى درعه . فقال النبى صلَّى الله عليه وسلّم : من عَدى ؟ فقال رجل
(١) فى ب: ((ثابت بن الجدع)) بالدال المهملة؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ وابن عبد
البر . ( الاستيعاب ، ص ٧٤ ).

٨٢
من القوم : أَنا يا رسول الله عَدى . قال : وماذا ؟ قال : ابن فلان . قال :
لست أَنت عَديًّا! فقال عَدىّ بن أبى الزَّغْباء: أَنا يارسول الله عَدىّ. قال:
وماذا ؟ قال : والسحل أمشى بها مشى الفحل . قال النبيّ صلَّى الله عليه
وسلّم : وما السحل ؟ قال : الدرع. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
نِعْمَ العدىّ، عدىّ بن أبى الزَّغْباء! وكان عُقبة بن أبى مُعَيط بمكّة، والنبيّ
صلَّى الله عليه وسلّم مهاجر بالمدينة، فكان يقول (١):
عمّا قليلٍ تَرانى راكبَ الفَرَسِْ
يا راكبَ الناقةِ القَصواء هاجرَنا
والسَّيفُ يأُخذ منكم كُلّ مُلتبسٍ
أُعلّ رُمحىَ فيكم ثمّ أُنْهِلُه
أَنشدنيها ابن أبى الزِّناد . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم وبلغه قوله :
اللّهمّ أَكِّه لمَنخّره واصرعه ! قال : فجمح به فرسه يوم بدر ، فأخذه
عبد الله بن سَلِمَة العَجْلانىّ، فأَمر به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم عاصم بن
ثابت بن أبى الأَقْلَحِ(٢)، فضرب عنقه صّبْرًا.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: إنّى لأَجمع أَدراعاً لى يوم بدر بعد
أَن ولّى الناس، فإِذا أُمَيّة بن خَلَف وكان لى صديقاً فى الجاهليّة، وكان
اسمى عبد عمرو فلما جاءَ الإِسلام سُمّيت عبد الرحمن ، فكان يَلقانى
فيقول : يا عبد عمرو ، فلا أُجيبه. فيقول: إنى لا أقول لك عبد الرحمن ،
إِنّ مُسيْلِمة باليمامة يتسمّى بالرحمن فأَنا لا أدعوك إِليه . فكان يدعونى
عبد الإله، فلمّا كان يوم بدر رأيته على (٣) جمل أَورق، ومعه ابنه علىّ،
(١) فى ت: ((كان يقول بمكة).
(٢) فى الأصل: ((الأفلح))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، والبلاذرى. (أنساب الأشراف،
ج ١، ص ٥٤ ).
(٣) هكذا فى الأصل. وفى ب، ت: ((رأيته كأنه جمل أورق))؛ وفى ح: ((كأنه جمل
يساق )) .

٨٣
فنادانى : يا عبد عمرو. فأَبيت أَن أُجيبه، فنادى : يا عبد الإِله . فأجبته ،
فقال : أَما لكم حاجةٌ فى اللَّبَن(١) ؟ نحن خير لك من أُدراعك هذه . فقلت:
امضيا! فجعلت أَسوقهما أَمانى. وقد رأَى أُمَّة أَنه قد أَمن بعض الأَمن،
فقال لى أُمَية: رأيت رجلاً فيكم اليوم مُعلِماً ، فى صدره ريشة نعامة، مَن
هو ؟ قلت : حمزة بن عبد المطّلب . فقال : ذاك الذى فعل بنا الأَفاعيل .
ثم قال : فمَن رجل دَحْداح قصير ، مُعْلِم بعصابة حمراء ؟ قال ، قلت :
ذاك رجل من الأنصار يقال له سماك بن خَرَشَّة (٢). فقال : وبذاك أَيضاً
يا عبد الإِله صرنا اليوم جَزَرًا لكم! قال : فبينا هو معى أُزجيه أمامى ،
ومعه ابنه ، إِذ بَصُر به بِلالٌ وهو يعجن عجيناً له، [فترك العجين ](٣)
وجعل يفتل يديه من العجين فتلاً ذريعاً ، وهو يُنادى: يا معشر الأنصار ،
أُمَيّة بن خَلَف رأسُ الكُفْر ، لا نجوتُ إِن نجا ! قال عبد الرحمن : فأقبلوا
كأَّهم ◌ُعُوذٌ(٤) حنّت إلى أَولادها، حتى طُرح أُمَيّة على ظهره ، واضطجعتُ
عليه ، وأَقبل الحُباب بن المنذر فأدخل سيفَه فاقتطع أَرْنَبةِ أَنفِه ، فلمّا
فقد أُمَيّة أنفه قال: إِيهِ عنك! أَى خلّ بينى وبينهم . قال عبد الرحمن :
فذكرت قول حسّان « أَو عن ذلك الأَنف جادع ». وأَقبل إِليه ◌ُبيب بن
يَساف فضربه حتى قتله ، وقد ضرب أُمَيّة خُبَيبَ بن يَساف حتى قطع يده
من المنكِب ، فأَعادها النبيّ عَّى الله عليه وسلم (٥) فالتحمت واستوت ؛
فتزوّج خُبَيب بعد ذلك ابنة أُمَيّة بن خَلَف ، فرأَت تلك الضربة فقالت :
(١) قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرفى افتدين منه بإبل كتيرة البن. ( السيرة النبوية،
ج ٢، ص ٢٨٤) .
(٢) وهو أبو دجانة .
(٣) الزيادة عن ب ، ت ، ح .
(٤) العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٦).
(٥) فى ب، ت: ((فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم بيده)).

٨٤
لا يُشلّ اللهُ يدَ رجلٍ [فعل](١) هذا! فقال خُبَيب: وأَنا واللهِ قد أوردته
شعوب .
فكان خُبَيَب يُحدّث قال : فأَضربُه فوقَ العاتق ، فأَقطع عائقَه حتى
بلغتُ مُؤَتزَره وعليه الدرع، وأَنا أَقول: خُذُها وأَنا ابن يَساف! وأَخذت
سلاحه ، ودِرعه مقطوعة . وأَقبل علىُّ بن أُمَيّة ، فيعترض له الحُباب فقطع.
رجله ، فصاح صيحة ما سُمع مثلُها قطُّ جَزَعاً ، ولقيه عَمّار فضربه ضربة
فقتله. ويُقال إِنّ عَمّارًا لاقاه قبل الضربة(٢)، فاختلفا ضربات فقتله.
والأَّوّل أَثبت أَنَّه ضربه بعد ما قُطعت رجلُه، وقد سمعنا فى قتل أُمَيّة
غير ذلك .
حدّثنا الواقدى قال: حدَّثنى عُبَيد بن يحيى ، عن مُعاذ بن رِفاعة بن
رافع ، عن أبيه ، قال : لمّا كان يوم بدر وأحدقنا بأُمَيّة بن خَلَف، وكان
له فيهم شأن، ومعى رُمحى ومعه رمحه، فتطاعدًّا حتى سقطت رِماحنا (٣)
ثم صرنا إلى السيفين فتضاربنا بهما حتى انثلما ، ثم بصرتُ بفتق فى دِرعه
تحت إبطه ، فخششت (٤) السيف فيه حتى قتلته ، وخرج السيف وعليه
الوَدَك . وقد سمعنا وجهاً آخر .
حدّثنى محمّد بن قدامة بن موسى ، عن أبيه ، عن عائشة بنت قُدامة ،
قالت : قال صفوان بن أُمَّيّة بن خَلَف لقُدامة بن مظعون : يا قُدامَة ، أَنت
المُشلى بأبى يوم بدر الناسَ ! فقال قُدامة : لا واللهِ ، ما فعلت ، ولو فعلت
ما اعتذرت من قتل مُشرك . قال صَفوان : فمَن يا قُدام المُشلى به يوم
(١) الزيادة عن ب ، ت ، ح .
(٢) أى قبل ضربة الحباب .
(٣) فى ب، ت، ح: ((أزجتهما)).
(٤) فى ب، ح: ((حششت))؛ وخششت: أدخلت. (النهاية، ج ١، ص ٢٩٥).

٨٥
بدر الناس؟ قال : رأيت فِتية من الأَنصار أقبلوا إِليه، فيهم مَعْمَر بن
حَبيب بن عُبَيد بن الحارث ، يرفع سيفه ويضعه [فيه] . فيقول صَفوان :
أَبو قرد ! وكان مَعْمَر رجلاً دَميماً ، فسمع بذلك الحارث بن حاطب فغضب
له ، فدخل على أُمّ صَفوان، وهى كريمة بنت مَعْمَر بن حَبيب ، فقال :
ما يدَعنا صَفوان من الأَذى فى الجاهليّة والإِسلام ! فقالت : وما ذاك ؟
فأَخبرها بمَقالة صَفوان لمَعْمَر حين قال ((أَبو قِرد )). فقالت أُمّ صَفوان :
يا صَفوان، تنتقص مَعْمَر بن حَبيب من أَهل بدر ؟ واللهِ، لا أَقبل لك
كرامةً سنةً. قال صَفوان: يا أُمّه، واللهِ لا أَعود أبدًا، تكلمتُ بكلمة لم
أُلق بها بالاً .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنى الواقدىّ قال : فحدّثنى محمّد بن قُدامة ،
عن أبيه ، عن عائشة بنت قُدامة ، قالت : قيل لأُم صفوان بن أُمَية ،
ونظرت إلى الحُباب بن المُنذر بمكّة : هذا الذى قطع رِجْل علىّ بن أُميّة
يوم بدر . قالت : دعونا من ذكر مَن قُتل على الشرك! قد أَهان الله عَلِيًّا
بضربة الحُباب بن المُنذر ، وأَكرم الله الحُباب بضربه عَلَيًّا، قد كان على
الإِسلام حين خرج من هَاهنا ، فقُتل على غير ذلك .
قالوا : وقال الزُّبَير بن العَوّام: لمّا كان يومئذٍ لقيت عُبَيدة بن سعيد
ابن العاص على فرسٍ ، عليه لَأُمَة كاملة لا يُرى منه إِلّا عيناه ، وهو يقول
- وقد كانت له صبيّة صغيرة يحملها، وكان لها بُطَين وكانت مُسْقِمَةً -
. أَا أَبو ذات الكَرِش! أَنا أَبو ذات الكَرِش! قال: وفى يدى عَنَزَةٍ(١)
(١) العنزة: الربح الصغير. قال القالى: قال أبو العباس ثعلب: سميت العنزة عنزة من قولهم
اعتنز الرجل إذا تنحى ، وذلك أن الإمام يجعلها بين يديه إذا صلى ويقف دونها فتكون
ناحية عنه . ( ذيل الأمالى والنوادر ، ص ١٦٢ ) .

٨٦
فأَطعنُ بها فى عينه ووقع ،وأَطأ برجلى على خدّه حتى أَخرجتُ العَنَزَةَ من حدقته (١)
وأَخرجتُ حدقتَه. وأَخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم العَنَزَة، فكانت تُحْمَل
بين يديه، وأَبى بكر ،وعمر ، وعُثمان ، رضوان الله عليهم .
ولمّا جال المسلمون واختلطوا، أَقبل عاصم بن أبى عَوف بن صُبَيرة السَّهمىّ
كأَّنه ذئب يقول : يا معشر قُرَيش ، عليكم بالقاطع ، مفرّق الجماعة ،
الآتى بما لا يُعرَف، محمّد! لا نجوتُ إِن نجا! ويعترضه أَبو دُجانة،
فاختلفا ضربتين وضربه أبو دجانة فتقتله . ووقف على سلبه يسلبه، فمرّ
عمر بن الخطّاب وهو على تلك الحال، فقال: دَعْ سلّبه حتى يُجهَض (٢)
العدوّ، وأَنا أَشهد لك به . ويُقبل معْبد بن وهْب، فضرب أَبا دُجانة
ضربة ؛ برك أبو دُجانة كما يبرُك الجمل ، ثم انتهض، وأقبل عليه أبو دُجانة
فضربه ضربات لم يصنع سيفه شيئاً ، حتى يقع مَعْبد بحُفرة أَمامه
لا يراها، وبرك عليه أَبو دُجانة، فذبحه ذبحاً، وأَخذ سَلَبه .
قالوا : ولمّا كان يومئذٍ ، ورأَت بنو مَخزوم مقتل من قُتل ، قالوا :
أَبو الحُكَم ، لا يُخلَص إليه؛ فإِنّ ابنَى رَبيعة قد عجِلا وبطرا ، ولم تُحام
عليهما عشيرتُهما. فاجتمعت بنو مخزوم فأحدقوا به ، فجعلوه فى مثل
الحَرجَة (٣). وأجمعوا أَن يُلبسوا لَأُمَة أَبى جَهل رجلاً منهم، فأَلبسوها عبدَ الله
ابن المُنذر بن أبى رِفاعَة ، فصمد له علىّ عليه السلام فقتله وهو يراه أبا جهل،
ومضى عنه وهو يقول: خُذْها وأَنا من بنى عبد المطّلب ! ثم ألبسوها
أَبا قيس بن الفاكِه بن المُغيرة ، فصمد له حمزة وهو يراه أَبا جَهل فضربه
(١) هكذا فى الأصل. وفى ب ، ت: ((منعقفه))؛ وفى ح: ((متحققة)).
(٢) فى ت: ((نجهض)).
(٣) قال ابن هشام: الحرجة الشجر الملتف. وفى الحديث عن عمر بن الخطاب أنه سأل أعرابياً
عن الحرجة فقال: هى شجرة بين الأشجار لا يوصل إليها. ( السيرة النبوية، ج ٢، ص٢٨٧)

٨٧
فقتله، وهو يقول: خُذْها وأَنا ابن عبد المطّلب! ثم أَلبسوها حَرْملَةً بن
عمرو ، فصمد له علىٌّ عليه السلام فقتله ، وأبو جَهل فى أَصحابه . ثم أَرادوا
أَن يُلبسوها خالد بن الأَعلم ، فأَبِى أَن يلبسها يومئذ. فقال معاذ بن عمرو
ابن الجَموح : نظرت إلى أبى جَهل فى مثل الحَرَجَة ، وهم يقولون:
أَبو الحكم، لا يُخْلَص إليه! فعرفتُ أَنه هو ، فقلت : واللهِ لأموتن دونه
اليوم أَو لأَخلصنّ إِليه ! فصمدت له حتى إِذا أَمكنتنى منه غِرّة حملت
عليه ، فضربته ضربة وطرحت رجله من الساق ، فشبّهتها بالنواة تنزو
من تحت المراضخ(١). ثم أَقبل ابنه عِكْرِمَة علىّ ، فضربنى على عاتقى.
وطرح يدى من العائق، إِلَّا أَنّه قد بقيت جِلدة . فإِى أَسحب يدى بجلدة
من خلفى ، فلما آذتنى وضعت عليها رجلى ، فتمطيت عليها حتى قطعتها .
ثم لاقيت عِكْرِمَة وهو يلوذ كلَّ مَلاذ، فلو كانت يدى معى لرجوت يومئذ
أَن أُصيبَه . ومات مُعاذ فى زمن عثمان .
حدّثنا محمد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى أَبو مروان ، عن
إسحاق بن عبد الله ، عن عامر بن عُثمان ، عن جابر بن عبد الله ، قال :
أَخبرنى عبد الرحمن بن عَوف أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم نفّل مُعاذَ بن
عمرو بن الجَموح سيفَ أَبى جَهل - وهو عند آل مُعاذ بن عمرو اليوم ،
به فلٌّ - بعد أَن أَرسل النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم إلى عِكْرِمَة بن أبى جَهل
فسأله : مَن قتل أَباك؟ قال : الذى قطعتُ يده . فدفعه رسولُ الله صلّى
الله عليه وسلّم إلى معاذ بن عمرو ، وكان عِكْرِمَة قد قطع يده يوم بدر .
حدثنى ثابت بن قيس، عن نافع بن جُبير بن مُطعِم أَنه سمعه يقول :
ما کان بنو المُغیرة یشگّون أَنّ سیف أبی الحگم صار إلی مُعاذ بن عمرو بن
(١) المراضخ: جمع المرضخة، والمرضخة حجر يرضخ به النوى، أى يكسر. (النهاية، ج ٢، ص ٨٤).

٨٨
الجموح ، وهو الذى قتله يوم بدر .
حدثنا محمد بن شُجاع قال : حدّثنا الواقدىِّ قال : فحدّتنى
أَبو اسحاق، عن يونس بن يوسف ، قال: حدّثنى مَن حدّثه مُعاذ بن عمرو أَنّه
قضى له النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّم بسَلَب أَبِى جَهل . قال: فأخذت درعه
وسيفه ، فبعتُ سيفَه بعد. وقد سمعت فى قتله غير هذا وأخَذٍ سلبه.
حدّثنى عبد الحَميد بن جَعْفَر، عن عمر بن الحَكَم بن ثوبان ، عن
عبد الرحمن بن عَوف ، قال: عَبَّأَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم بليلٍ
فصفّنا ، فأصبحنا ونحن على صفوفنا ، فإِذا بغلامَين ليس منهما واحدٌ
إلا وقد رُبطت حمائلٌ(١) سيفه فى عنقه، فالتفت إلىّ أَحدُهما فقال:
ياعمّ ، أَيّهم أَبو جَهل ؟ قال ، قلت : وما تصنع به يا ابن أَخى ؟ قال :
بلغنى أَنَّه يسبّ رسولَ الله، فحلفت لئن رأيته لأَقتلنّه أَو لأَّموتنّ دونه .
فأَشرتُ له إليه ، والتفت إلىّ الآخر فقال لى مثل ذلك ، فأَشرت له إِليه
فقلت : مَن أَنتما ؟ قالا : ابنا الحارث . قال : فجعلا لا يطرِفان عن
أَبى جَهل حتى إذا كان القتال خلصا إليه فقتلاه وقتلهما .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى محمّد بن عَوف
من ولد مُعوِّذ بن عَفراءَ ، عن إِبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت ، قال :
لمّا كان يومئذٍ قال عبد الرحمن، ونظر إليهما عن يمينه وعن شماله : ليته
كان إلى جنبى مَن هو آيدُ(٢) من هذين الفتيين. فلم أَنشِب أَن التفت
إِلىّ عَوفٌ، فقال: أَيّهم أَبو جَهل؟ فقلت : ذاك حيث ترى . فخرج
يعدو إليه كأنه سَبُع، ولحقه أَخوه ، فأَنا أُنظر إليهما يضطربان بالسيوف،
(١) أى قد ربطت حمائل سيفه فى عنقة لصغره .
(٢) فى ح: ((أبدن من)).

٨٩
ثم نظرت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مرّ بهما فى القتلى وهما إلى جنبه(١).
حدثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : أَخبرنا محمّد بن رِفاعة بن
ثَعلبة بن أبى مالك قال : سمعت أَبى يُنكر ما يقول الناس فى ابنَى عَفراءَ
من صغرهم ، ويقول: كانا يوم بدر أَصغرهما ابن خمس وثلاثين سنة ،
فهذا يربط. حمائل سيفهٍ ؟ والقول الأَّل أَثبت .
حدّثنا محمّد قال : حدثنا الواقدىّ قال : فحدثنى عبد الحميد بن
جعفر ، وعبد الله بن أبى عُبيد ، عن أبى عُبَيدة بن محمّد بن عمّار بن
ياسر ، عن رُبَيِّع بنت مُعوِّذ، قالت : دخلتُ فى نسوة من الأَنصار على
أَسماءً بنت مُخَرِّبَةٍ (٢) أُمّ أَبِى جَهل فى زمن عمر بن الخطّاب، وكان ابنها
عبد الله بن أبى رَبيعة يبعث إليها بعِطْرٍ من اليمن ، وكانت تبيعه إلى
لأَعطية ، فكنا نشترى منها ؛ فلمّا جعلتْ لى فى قواريرى، ووزنت لى كما
وزنت لصواحبى ، قالت : اكْتُبْنَ لى عليكنّ حقّى. فقلت: نعم ، أَكتب
لها على الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ. فقالت أَسماء: حَلْقَى، وإِنّك لابنةُ قائل سيّده؟
قالت ، قلت : لا ، ولكن ابنة قاتل عبده . قالت : واللهِ، لا أَبيعك شيئاً
أَبدا. فقلت: وأَنا، واللّهِ، لا أَشترى منك شيئاً أبدًا! فواللهِ، ما هو
بِطِيبٍ ولا عَرْفٍ (٣) !، واللهِ يا بنىّ ما شممتُ عطرًا قطُّ. كان أَطيب منه ؛
ولكن يا بنىّ ، غضبت !
قالوا : ولمّا وضعت الحربُ أوزارها أَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم أن
يُلْتَمَسَ أَبو جَهل. قال ابن مسعود: فوجدته فى آخر رَمَقٍ ، فوضعت رجلى
(١) فى ح: ((وهما إلى جانب أبى جهل)).
(٢) فى الأصل: ((مخرمة))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات،
ج ٣ ، ص ١٩٤) .
(٣) فى الأصل وب: ((ولا عرق))؛ وما أثبتناه عن ت، ح.

٩٠
على عنقه فقلت : الحمد لله الذى أَخزاك ! قال : إِنما أَخزى الله عبد ابن أُمّ
عبد! لقد ارتقيتَ مُرتقيً صعباً يا رُوَيْعِىَ الغنم، لمن الدائرة(١)؟ قلت:
لله ولرسوله. قال ابن مسعود : فأَقتلع بيضته عن قفاه ، فقلت: إِنِّى
قاتلك يا أَبا جَهل! قال : لستَ بأَوَّل عبد قتل سيّده! أَها إِنّ أَشدّ ما
" لقيته اليوم فى نفسى لقَتْلك إِيَّاى، أَلَّا يكون ولِيَ قتلى رجلٌ من الأَحلاف أَو
· من المطيّبين ! فضربه عبد الله ضربة ، ووقع رأسه بين يديه ، ثم سلَبه ؛
فلما نظر إلى جسده، نظر إلى حُصُره(٢) كأنها السّياط . وأَقبل بسلاحه ،
ودرعه ، وبيضته ، فوضعها بين يدى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال :
أَبشر، يا نبى الله بقتل عدوّ الله أَبِى جَهل! فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم : أَحقًّا ، يا عبدَ الله ؟ فوالذي نفسي بيده، لهو أَحبّ إِلىّ من حُمْر
النَّعَم - أو كما قال. قال: وذكرت للنبىّ صلَّى الله عليه وسلّم ما به من
الآثار ، فقال : ذلك ضرْب الملائكة، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
قد أَصابه جَحْش(٣) من دفعٍ دفعته فى مأُدُبة ابن جُدعان، فجُحشت
رُكْبتُه. فالتمسوه فوجدوا ذلك الأثر. ويُقال إِنّ أَبا سَلّمَةُ بن عبد الأَسد
المَخزومىّ كان عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم تلك الساعة ، فوجد فى نفسه
وأَقبل على ابن مسعود فقال : أَنت قتلته ؟ قال : نعم ، الله قتله . قال
أَبُو سَلَمَة: أَنت وَلِيت قتله؟ قال: نعم. قال: لو شاءَ لجعلك فى كُمّه.
فقال ابن مسعود : فقد واللهِ قتلته وجرّدته. قال أبو سَلّمَة : فما علامته ؟
قال : شامة سوداء ببطن فخذه اليمنى . فعرف أبو سَلَمَة النعت ، وقال :
(١) فى ب، ح: ((الدبرة)).
(٢) فى الأصل: ((حفرة))؛ وفى ب، ت: ((خصره)). ولعل الصواب ما أثبتناه.
والحصر جمع الحصير وهو جنب الجسم. (مقاييس اللغة ، ج ٢، ص ٧٢) .
(٣) الجيش: سحج الجلد، أى قشره. ( الصحاح ، ص ٩٩٧).

٩١
جرّدْتَه! ولم يُجرَّدَ قْرَشِىّ غيره! قال ابن مسعود: والله، إنه لم يكن فى قُرَيش
ولا فى حلفائها أَحدٌ أَعدى لله ولا لِرسوله منه ، وما أَعتذرُ من شىء صنعتُه به.
فأُسكت أبو سَلَمَة، فسُمع أَبو سَلَمَة بعدذلك يستغفر من كلامه فى أبى جَهل.
وفرح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتل أبى جَهل ، وقال: اللّهُمْ.
قد أنجزتَ ما وعدتَنى، فَتَمِّمْ علىّ نعمتك ! وقال : فآل ابن مسعود يقولون :
سيف أَبِى جَهل عندنا ، مُحَلّى بفضّة ، غنمه عبد الله بن مسعود يومئذٍ .
فاجتمع قول أصحابنا أَنّ مُعاذ بن عمرو وابنَى عَفْرَاء أَثبتوه ، وضرب ابنُ
مَسعود عنقه فى آخر رَمَق ، فكلٌّ حد شَرِك فى قتله .
قالوا : ووقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على مصرع ابنَى عَفراءَ
فقال: يرحم الله ابنَى عَفراء، فإِنَّهما قد شَرِ كا فى قتل فِرْعَون هذه الأُمّة
ورأس أَئمّة الكفر ! فقيل : يا رسول الله ، ومَن قتله معهما ؟ قال: الملائكة،
وذافَّه(١) ابن مسعود . فكلٌّ قد شَرِك فى قتله :
حدّثنا محمد قال: حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثْنى مَعْمَر، عن الزُّهرِىّ،
قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللّهمَّ، اكفِى نَوْفَل بن خُوَيلد!
وأَقبل نَوْفَل يومئذٍ وهو مرعوب ، قد رأَى قَتْل أَصحابه ، وكان فى أَوّل ما
التقواهم والمسلمون، يصيح بصوتٍ له زَجَل، رافعاً صوته: يا معشرَ قُرَيش،
إِنّ هذا اليوم يومُ المعلاء والرِّفعة! فلما رأَى قُرَيشاً قد انكسرت(٢) جعل
يصبح بالأَنصار : ما حاجتكم إلى دمائنا ؟ أَمَا ترَوْن ما تقتلون ؟ أَما لكم
فى اللَّبَن من حاجة؟ فأَسره جبّار بن (٣) صَخْر فهو يسوقه أمامه، فجعل
(١) ذافّه: أجهز عليه. (الصحاح، ص ١٣٦٠).
(٢) فى ب، ت، ح: ((انكشفت)).
(٣) فى الأصل: ((حيان بن صخر))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد.
( الطبقات، ج ٣، ص ١١٤).

٩٢
ذَوفل يقول لجَبّار - ورأَى عَليَّا مُقبلاً نحوَه .- قال: يا أَخا الأَنصار، من
هذا؟ والََّاتٍ وَالْعُرّى، إنى لأَرى رجلاً، إِنه لِيُريدنِى! قال: هذا عَلىّ بن
أبى طالب . قال : ما رأيت كاليوم رجلًا أَسرع فى قومه [منه . فيصمد له
عَلىّ عليه السلام](١) فيضربه ، فنشب سيف علىّ فى حَجَفّته ساعة ، ثم نزعه
فيضرب ساقيه ، ودرعه مُثَمَّرة ، فقطعهما ؛ ثم أَجهز عليه فقتله . فقال
رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: من له علمٌ بنَوْفَل بن خُوَيلد ؟ فقال علىٌّ:
أَنا قتلته. قال: فكبّر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: الحمد لله الذى
أجاب دعوتی فیه !
وَأَقبل العاص بن سَعيد يحثّ(٢) للقتال، فالتقى هو وعَلىٌّ، فقتله علىّ .
فكان عمر بن الخطّاب يقول لابنه سعيد [بن العاص] (٣): إِنّى لأَّراك
مُعرضاً، تظن أنى قتلت أباك ؟ [فى أَصل ابن أبى حَيَّة، واللهِ ما قتلت
أَباك] (٤) ولا أعتذر من قتل مُشرك، ولقد قتلت خالى بيدى ، العاص بن
هِشام بن المُغيرة . فقال سَعيد : لو قتلْتَه لكان على الباطل وأَنتِ على
الحقّ . قال : قُرَيش أَعظم الناس أحلاماً، وأَعظمها أَمانةً، لا يبغيهم
أَحدٌ الغوائل إلّ كّه الله لِفيه (٥) .
وكان عَلىٌّ عليه السلام يقول: إِنّى يومئذٍ بعد ما ارتفع (٦) النهار ،
ونحن والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم ، خرجتُ فى إثر رجل
منهم ، فإذا رجلٌ من المشركين على كَثيب رمل وسَعد بن خَيْثَمَة ، وهما
(١) الزيادة عن ب ، ت ، ح .
(٢) فى الأصل: ((يبحث))؛ والمثبت من ب ، ت.
(٣) الزيادة عن ب، ت، ح .
(٤) وهو فى الأصل فقط .
(٥) فى الأصل: ((لغيه))؛ والمثبت من سائر النسخ.
(٦) فى ح: ((بعد ما متع)).

٩٣
يقتتلان حتى قتل المُشرك سعد بن خَيْثَمَة . والمُشرك مُتَنَّع فى الحديد ،
وكان فارساً ، فافتحم عن فرسه ، فعرفتى وهو مُعلمٌ ولا أَعرفه ، فناداني :
هَلُمَّ ابن أبى طالب للبِراز! قال . فعطفتُ عليه فانحطَ. إِلى مُقبلاً، وكنت
رجلاً قصيرًا، فانخططت راجعاً لكى ينزل إلىّ، فكرهت أن يعلوّنى بالسيف.
فقال : يا ابن أبى طالب، فررت ؟ فقلت: قريباً مَفَرُّ(١)، ابن الشَّتراء!
قال : فلمّا استقرّت قدماى وثبتُّ أَقبل، فلمّا دنا منّى ضربنى، فاتَّقيت
بالدَّرَقَة فوقع سيفه فلَحِج - يعنى لزم - فأَضرِبِه على عاتقه وهو دارع ،
فارتعش، ولقد فضَّ (٢) سيفى درعَه. فظننت أَنّ سيفى سيقتله . فإِذا
بريق سيف من وَرانى، فطأطأت رأسى ويقع السيف فأَطنّ(٣) قِحْف رأسه
بالبيضة ، وهو يقول: خُذْها وأَنا ابن عبد المطّلب ! فالتفتُّ من ورائى فإِذا
حَمزةٌ بن عبد المطّلب(٤).
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا الواقدىّ قال: "فحدّثنى عمر بن عُثمان الجَحشىّ
عن أَبيه ، عن عمّته ، قالت: قال عُكاشة بن مِحْصَن : انقطع سيفى
فى يوم بدر، فأَعطانى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عودًا، فإِذا هو سيف
أبيض طويل ، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين - فلم يزل عنده حتى هلك.
حدثنا محمّد قال : أَخبرنا الواقديّ قال ، حدّثْنى أسامة بن زيد :
عن داود بن الحُصَين ، عن رجالٍ من بنى عبد الأَشْهَل عِدّة ، قالوا : انكسر
سيف سَلَّمَة بن أَسلم بن حَريش يوم بدر ، فبقى أَعزلَ لا سلاحَ معه ،
(١) فى ت: ((مقرّ)).
(٢) هكذا فى الأصل؛ وفى سائر النسخ: ((قطّ)). والفضّ: الكسر بالتفرقة.
( الصحاح ، ص ١٠٩٨) .
(٣) فى ت: ((فيطن)).
(٤) فى ح: ((فإذا هو حمزة عمّى والمقتول طعيمة بن عدىّ)).

٩٤
فأعطاه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قضيباً كان فى يده من عَراجين (١) ابن
طاب ، فقال : اضربْ به ! فإذا هو سيفٌ جيّد ، فلم يزل عنده حتى قُتل
يوم جِسر أَبى عُبَيد . وقال: بينا حارثةُبن سُراقة كارعٌ فى الحَوض، إِذ
أَتاه سهمٌ غَرْب (٢) فوقع فى نحره ، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه .
فبلغ أُمَّه وأُخته وهما بالمدينة مقتلُه، فقالت أُمّه : والله ، لا أبكى عليه
حتى يقدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فأَسأَله؛ فإن كان ابنى فى الجنَّة لم أَبك
عليه ، وإِن كان ابنى فى النار بكيته لعَمْر الله فأعولته! فلمّا قدم رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم من بدر جاءت أُمّه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فقالت:
يا رسول الله ، قد عرفتَ موقع حارثة من قلبى ، فأردت أن أبكى عليه فقلت :
لا أفعل حتى أَسأَل رسول الله ؛ فإن كان فى الجنّة لم أَبك عليه ، وإن كان
فى النار بكيته فأَعولته . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هَبِلْتِ، أَجنّةٌ
واحدة ؟ إنها جنان كثيرة ؛ والذى نفسى بيده إنَّه لفى الفردوس الأعلى .
قالت : فلا أَبكى عليه أبدًا! ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بإناءٍ من
ماءٍ فغمس يده فيه ومضمض فاه ، ثم ناول أُمّ حارثة فشربت ، ثم ناولت
ابنتها فشربت ، ثم أمرهما فنضحتا فى جيوبهما ، ففعلتا فرجعتا من عند
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وما بالمدينة امرأتان أَفرّ أَعيناً منهما ولا أَسرّ .
قالوا : وكان هُبَيرة بن أَبِى وَهب لمّا رأَى الهَزيمة انخزل (٣) ظهرُهُ فَعَقِرَ(٤)
(١) فى ت: ((عراجين أرطاب)). وعراجين: جمع عرجون، والعرجون: العذق، أو إذا
يبس واعوج، أو أصله ، أو عود الكباشة . وابن طاب : ضرب من الرطب .
( القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٤٨؛ ج ١، ص ٩٨).
(٢) سهم غرب: أى لا يعرف راميه. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٣).
(٣) انخزل الشىء: انقطع. (الصحاح، ص ١٦٨٤).
(٤) عقر : كفرح، فجئه الروع فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر. ( القاموس المحيط ،
ج ٢، ص ٩٤) .

٩٥
فلم يستطع أن يقوم ؛ فأَناه أبو أُسامة الجُشّمىّ حليفه ، ففتق درعه عنه
واحتمله . ويُقال ضربه أَبو داود المازنىّ بالسيف فقطً. درعه، ووقع لوجهه
وأَخلد إلى الأَرض وجاوزه أَبو داود، وبصُر به ابنا زُهَير الجُشَميّان، أَبوأُسامة
ومالك وهما حليفاه ، فذبًا عنه حتى نجوا به ، واحتمله أَبو أسامة
فنجا به ، وجعل مالك يذُبّ عنه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
حماه كلباه ! الحليف مثل أَبى أُسامة كأَنّه رَقْل ! - الرَّفْل النخلة الطويلة
ويُقال إِنّ الذى ضربه مُجَذَّر بنُ ذِياد .
حدّثنا محمد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى موسى بن يعقوب ،
عن عمّه ، قال : سمعت أبا بكر بن سُليمان بن أَبِى حَثْمَة قال : سمعت
مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر ، فجعل الشيخ يكره
ذلك حتى أَلِحّ عليه ، فقال حكيم : التقينا فاقتتلنا ، فسمعت صوتاً وقع
من السماء إلى الأرض مثل وقع الحصاة فى الطست، وقبض النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم القبضة فرمى بها فانهزمنا .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى أبو إسحاق بن
محمّد، عن عبد الرحمن بن محمّد بن عبد ، عن عبد الله بن ثَعْلَبَة بن
صُعَير ، قال : سمعتُ نَوفل بن مُعاوية الدِّيلىّ يقول: انهزمنا يوم بدر
ونحن نسمع كوقع الحصا فى الطِّساس بين أيدينا ومن خلفنا ، فكان ذلك
أشدّ الرعب علينا .
وكان حكيم بن حزام يقول : انهزمنا يوم بدر فجعلت أسعى وأقول :
قاتل الله ابنَ الحَنْظَلِيّة! يزعم أَنَّ النهار قد ذهب ؛ والهِ إِنّ النهار لكما
هو ! قال حكيم : وما ذاك بى إلَّا حُبَّ أَن يأْتى الليل فيقصر عنّا طلب القوم.
فيُدرك حكيماً عُبَيْدُ الله وعبد الرحمن ابنا العَوّام على جمل لهما ، فقال

٩٦
عبد الرحمن لأَّخيه : انزل فاحمل أَبا خالد . وكان عُبَيد الله رجلاً أَعرج لا
رُجْلَة به، فقال عُبَيد الله: إنه لا رُجْلَة بى كما ترى. قال عبد الرحمن:
والله إِنْ منه بدُّ(١)؛ أَلا نحمل رجلاً إِن مُتنا كَفانا ما خلفنا من عيالنا، .
وإِن ◌ِشنا حمل (٢) كَلَّنا! فنزل عبد الرحمن وأخوه وهو أَعرج، فحملاه ،
فكانوا يتعاقبون الجمل ، فلمّا دنا من مكّة فكان بمَرّ الظَّهْران، قال :
واللهِ، لقد رأيت ها هنا أَمْرًا ما كان يخرج على مثله أحدٌ له رأى، ولكنَّه
شؤْم ابن الحَنْظَليّة ! إِنّ جزورًا نُحرت ها هنا فلم يبقَ خِباء إِلَّا أَصابه من
دمها . فقالا : قد رأينا ذلك ، ولكن رأيناك وقومنا مضيتم فمضينا معكم ،
فلم يكن لنا أمرٌ معكم .
بسم الله الرحمن الرحيم ، قُرئ على أبى القاسم بن أبى حَيَّة، قال :
حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن شُجاع قال : حدّثنى محمّد بن عمر الواقدىّ
قال: فحدّثنى عبد الرحمن بن الحارث، عن مَخْلَد بن خُفاف، عن أبيه ،
قال : كانت الدروع فى قُرَيش كثيرة، فلمّا انهزموا جعلوا يُلقونها ، وجعل
المسلمون يتبعونهم ويلقطون ما طرحوا ، ولقد رأيتنى يومئذ ألتقط ثلاثة
أَدْرُع جئت بها أَهلى ، كانت عندنا بعد، فزعم لى رجلٌ من قُرَيش - ورأَى
درعاً منها عندنا فعرفها - فقال : هذه درع الحارث بن هشام .
قال الواقدىّ : فحدّثنى محمّد بن أبى حُمَيد ، عن عبد الله بن عمرو
ابن أُمَيّة ، قال : سمعت أَبى عمرو بن أُمَيّة قال : أخبرنى من انكشف
يومئذٍ منهزماً، وإنَّه ليقول فى نفسه: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إِلَا
النساء !
(١) فى الأصل: ((إن لا بد منه))؛ وما أثبتناه من ب، ت.
(٢) فى ح: ((حملنا)).

٩٧
قالوا: وكان قُباث(١) بن أَشْيَم الكِنانىّ يقول: شهدت مع المشركين
بدرًا، وإِنىّ لأَّنظر إلى قلَّة أصحاب محمّد فى عينى وكثرة ما معنا من الخيل
والرجال (٢)، فانهزمت فيمن انهزم؛ فلقد رأيتنى وإِنِّى لأَنظر إلى المشركين
فى كلّ وجهٍ ، وإنّى لأَقول فى نفسى: ما رأيت مثل هذا الأمر فرّ منه إِلّا
النساء ! وصاحبنى رجلٌ ، فبينا هو يسير معى إِذ لحقنا مَن خلفنا ، فقلت
لصاحبى : أَبك نهوض ؟ قال: لا والله، ما هو بى. قال: وعَقِرٍ، وترفَّعتُ. (٣)
فلقد صبّحتُ غَيْقَةٍ(٤) - عن يسار السُّفْيا بينها وبين الفُرِّغ ليلة، والمدينة
ثمانية بُرُد - قبل الشمس ، كنت هادياً بالطريق ولم أَسلك المحاجّ ،
وخفت من الطلب فتنكّبت عنها ، فلقينى رجلٌ من قومى بغَيْقَة فقال : ما
وراءَك ؟ قلت: لا شىءَ ! قُتلنا وأُسرنا وانهزمنا، فهل عندك من حُملان؟
فقال : فحملنى على بعيرٍ ، وزوّدنى زادًا حتى لقيتُ الطريق بالجُحْفَة،
ثم مضيت حتى دخلت مكّة، وإِنِىّ لأَنظر إلى الحَيْسُمان بن حابس الخُرَاعِىّ
بالغَميم(٥) ، فعرفت أنَّه يَقدَم ينعَى قُرَيشاً بمكَّة، فلو أردت أن أَسبقه
لسبقته ؛ فتنكَّبت عنه حتى سبقنى ببعض النهار ، فقدمت وقد انتهى
إلى مكَّة خبرُ قتلاهم، وهم يلعنون الخزاعىّ ويقولون: ما جاءنا بخير! فمكثت
بمكَّة ، فلمّا كان بعد الخَنْدَق قلت : لو قدمت المدينة فنظرت ما يقول
محمّد ! وقد وقع فى قلبى الإِسلام . فقدمت المدينة فسألت عن رسول الله
(١) فى الأصل: ((قتات))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن عبد البر.
(الاستيعاب ، ص ١٣٠٣) ..
(٢) فى ح: ((والرحل)).
(٣) ترفعت: من رفع البعير فى السير، أى بالغ. ( الصحاح، ص ١٢٢١)
(٤) فى الأصل: ((عفة))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن السمهودى. قال: موضع بساحل
البحر قرب الجار ، يصب فيها وادى ينبح ورضوى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٤).
(٥) الغميم: موضع بين رابع والجحفة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٣).

٩٨
صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا : هو ذاك فى ظلّ المسجد مع ملٍ من أصحابه .
فأتيته، وأنا لا أَعرفه من بينهم، فسلَّمت فقال: يا قُباث بن أَشْيَم ،
أَنت القائل يوم بدر ((ما رأيت مثل هذا الأَمر فرّ منه إِلّ النساء))؟ قلت:
أَشهد أَنَّك رسول الله، وأَنَّ هذا الأمر ما خرج منِّى إِلى أَحدٍ قطُّ ، وما
ترمرمتُ(١) به إلاَّ شيئاً حدّثت به نفسى، فلولا أَنّك نبيّ ما أَطلعك الله
عليه ؛ هَلُمَّ حتى أُبايعَك . فعرض علىّ الإِسلام فأسلمت .
قالوا : فلمّا تصافّ المسلمون والمشركون، قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : مَن قتل قتيلاً فله كذا وكذا ، ومَن أَسر أَسيرًا فله كذا وكذا .
فلمّا انهزموا كان الناس ثلاث فِرَق، فرقةٌ قامت عند خيمة النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم - وأبو بكر رضى الله عنه معه فى الخيمة - وفرقةٌ أَغارت على
النهب ، وفرقةٌ طلبت العدوّ فأَسروا وغنِموا. فتكلَّم سعد بن معاذ، وكان
ممّن أقام على خَيمة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال : يا رسول الله، ما
مِنَّعَنا أَن نطلب العدوَّ زهادةٌ فى الأجر ، ولا جُبْنٌ عن العدوّ. ولكنَّا خِفنا أَن
يَعْرَى موضعك فتميل عليك خيلٌ من خيل المشركين ورجالٌ من رجالهم ؛
وقد أَقام عند خَيمتك وُجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ولم يشذَّ أَحدٌ
منهم ، والناس يا رسول الله كثير ؛ ومتى تُعْطِ هؤلاء لا يبق لأَصحابك
ـىءٌ، والأَّسرى والقتلى كثيرٌ والغنيمة قليلةٌ. فاختلفوا، فأَنزل الله عزّ
وجلّ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْقَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾(٢)، فرجع الناس
وليس لهم من الغنيمة شىء. ثم أنزل الله عزَّ وجلّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَيِمْتُمْ مِنْ
شَىءٍ فَأَنَّ ◌ِلهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ﴾(٣) ، فقسمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بينهم.
(١) ترموم: حرك فاه للكلام. (الصحاح، ص ١٩٣٧) .
(٢) سورة ٨ الأنفال ١
(٣) سورة ٨ الأنفال ٤١

٩٩
فحدّثْنِى يَعقوب بن مُجاهد أبو حَزْرَة، عن عبادة بن الوليد بن عُبادة ،
عن أبيه ، عن جدّه، عُبادة بن الصامت، قال: سلَّمنا الأَنفال لله ولرسوله ،
ولم يُخمّس رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بدرًا، ونزلت بعد: ﴿واعْلَمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِ خُمُسَهُ﴾. فاستقبل رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بالمسلمين الخُمُس فيما كان من أَوّل غنيمة بعد بدر . فحدّثنى
عبد المُهَيْمِن بن عبّاس بن سَهل، عن أبيه ، عن أبى أُسيد الساعدىّ ، مثله .
وحدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمّد بن أَبِى سَبْرَة، عن سُلَيمان بن
سُحَيم ، عن عِكْرِمَة ، قال : اختلف الناس فى الغنائم يوم بدر ، فأَمر
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالغنائم أَن تُرَدّ فى المقسم ، فلم يبق منها
شىء إلّا رُدّ . فظنَّ أَهل الشجاعة أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخُصّهم
بها دون غيرهم من أَهل الضعف. ثم أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن
تُقْسَم بينهم على سَواءٍ ، فقال سَعد : يا رسول الله، أَيُعطَى فارسُ القوم
الذى يحميهم مثل ما يُعطى الضعيف؟ فقال النبى صلَّى الله عليه وسلَّم :
ثكلنْك أُمُّك، وهل تُنصَرون إِلّا بضعفائكم ؟
فحدّثنى عبد الحميد بن جعفر قال : سأَلت موسى بن سعد بن زيد
ابن ثابت : كيف فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم يوم بدر فى الأَسرى،
وُالأَسلاب، والأَّنفال ؟ فقال: نادى مناديه يومئذٍ: مَن قتل قتيلاً فله
سلَبه، ومن أسر أسيرًا فهو له ! فكان يُعطى مَن قتل قتيلاً سَلَبه. وأمر
بما وُجد فى العسكر وما أخذوا بغير قتال، فقسمه بينهم عن فُواق (١)
فقلت لعَبد الحَميد بن جَعفر : فمن أُعطى سَلَبَ أَبِى جَهل ؟ قال : اختُلِف
(١) فى ح: ((عن فراق)). وعن فواق: معناه جعل بعضهم فوق بعض فى القسم ممن رأى تفضيله،
أو يعنى سرعة القسم، من فواق الناقة. ( شرح على المواهب اللدنية، ج ١، ص ٥٤٢).