Indexed OCR Text

Pages 701-720

يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأْ سَوَءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾(١١) ذکر کثیر من
السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها
فمروا على محلتها والأنوار حولها ، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها :
﴿ يَا مَرْيمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ أي أمرا عظيماً منكراً . وفي هذا الذي قالوه
نظر ، مع أنه كلام ينقض أوله آخره وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل
على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهى تحمله . قال ابن عباس : وذلك بعدما
تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً .
والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها ﴿يَا مَرْيمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً
فَرِيًّا﴾ والفرية هى الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال.
ثم قالوا لها : ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ ﴾ قيل شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت
تساميه في العبادة ، و کان اسمه هارون . قاله سعيد بن جبير . وقیل أرادوا بهارون
أخا موسى شبهوها به في العبادة ، واخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها
أخت موسى وهارون نسباً ، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى
من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع ، وكأنه غره أن في التوراة أن
مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق
فرعون وملأه ، فاعتقد أن هذه هى هذه .
وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه
في التفسير مطولاً ولله الحمد والمنة .
وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون
وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها ...
والله أعلم .
قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، سمعت أبى يذكره ، عن
سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله عَظ المه إلى
نجران(١٢) فقالوا: أرأيت ما تقرءون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ ﴾ وموسى قبل عيسى
(١١) سورة مريم الآيتان: ٢٧ - ٢٨.
(١٢) نجران: موضع فى ضواحى اليمن من ناحية مكة [معجم البلدان ٥ / ٢٦٦ ].
٧٠١

بكذا وكذا؟ قال فرحت فذكرت ذلك لرسول الله عَ ليه فقال: ((ألا أخبرتهم
أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)) .
وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس ، وقال
الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وفي رواية: (( ألا
أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم))(١٣).
وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون التسمية بهارون حتى قيل إنه حضر
بعض جنائزهم بشر كثير منهم ممن يسمى هارون أربعون ألفاً ... فالله أعلم .
والمقصود أنهم قالوا: ﴿ يَا أُحْتَ هَارُونَ ﴾ ودل الحديث على أنها قد كان
لها أخ نسبي اسمه هارون وكان مشهوراً بالدين والصلاح والخير ، ولهذا قالوا :
مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأْ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي لست من بيت هذا
شيمتهم ولا سجيتهم لا أخوك ولا أمك ولا أبوك ، فاتهموها بالفاحشة العظمى
ورموها بالداهية الدهياء .
فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه
وقد انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشره فيها كما
قدمناه . ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار .
فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال ، عظم التوكل على ذي
الجلال ، ولم يبق إلى الإِخلاص والاتكال ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي خاطبوه
وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه ، فعندها ﴿ قَالُوا﴾ من
كان منهم جباراً شقياً: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ أي كيف
تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب ، وهو مع ذلك رضيع في
مهده ولا يميز بين محض وزبدة ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء
والنقص لنا والازدراء إذ لا تردين علينا قولا نطقيا ، بل تحيلين في الجواب على من
كان في المهد صبياً .
(١٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٤ / ٢٥٢، ومسلم فى كتاب الآداب ، باب النهى عن التكنى بأبى القاسم ،
وبيان ما يستحب من الأسماء ، والترمذى فى سننه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة مريم .
٧٠٢

فعندها: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللهِ آثَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نِيًّا * وَجَعَلَنِى
مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأُوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَادُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَ الِدَّتِى
وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيًّا ، وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَوْمَ أُمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ
حيًّا﴾ (١٤).
هذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم ، فكان أول ما تكلم به أن ﴿ قَالَ
إِى عَبْدُ اللهِ ﴾ اعترف لربه تعالى بالعبودية ، وإن الله ربه فنزه جناب الله عن
قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله ، بل هو عبده ورسوله وابن أمته ، ثم برأ أمه
مما نسب إليها الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: ﴿ ... آثَانِىَ الْكِتَابَ
وَجَعَلَنِی ئِيًّا ﴾ فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم ، كما
قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِم عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾(١٥) وذلك أن
طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا : إنها حملت به من زنا في زمن الحيض ،
لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد
أولى العزم الخمسة الكبار ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ وذلك
أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص
والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس ﴿ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالَّكَاةِ
مَادُمْتُ حَيًّا﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة ،
والإحسان إلى الخليقة بالزكاة ، وهى تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق
الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى
الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقربات وسائر وجوه الطاعات
وأنواع القربات .
ثم قال: ﴿ وَبِرًّا بِوَ الِدَّتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيًّا﴾ أي وجعلني برا
بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها ، فسبحان
من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها . ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيًّا﴾
أي لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته .
وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيَّ﴾ وهذه المواطن
(١٤) سورة مريم الآيات: ٣٠ - ٣٣.
(١٥) سورة النساء الآية : ١٥٦.
٧٠٣

الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام .
ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال : ﴿ ذَلِكَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ « مَا كَانَ اللهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلِدِ
سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أُمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنِ فَيَكُونُ﴾(١٦) كما قال تعالى بعد ذكر
قصته وما كان من أمره في آل عمران: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ
الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنَّ
فَكُونُ « الْحَقُ مِن رَبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا
جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا بَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْتَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ تَبْتَهِلْ فَتَجْعَلِ لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ
الْحَقُّ وَهَا مِنْ إِلَهِ إِلاَّ الله وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ
اللهُ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾(١٧) .
ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر
منهم ، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد
وأبو حارثة بن علقمة ، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل
عمران في ذلك ، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله ، وأمر رسوله
بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه ، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا
عن المباهلة وعدلوا إلى المسالمة والموادعة وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح : يا
معشر النصارى .... لقد علمتم أن محمدا لَنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من
خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لَاعَنَ قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبت
صغيرهم وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم
والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى
بلادكم. فطلبوا ذلك من رسول الله عَّلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن
يبعث معهم رجلا أمينا ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بينا ذلك في تفسير
آل عمران وقد بسطنا هذه القصة في السيرة النبوية :.
(١٦) سورة مريم الآيتان: ٣٤ - ٣٥.
(١٧) سورة آل عمران الآيات : ٥٨ - ٦٣.
٧٠٤

والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح فقال لرسوله: ﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد
الله، ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ اللهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلِدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا
يَقُولُ لَهُ كُنِ فَكُونُ﴾ أي لايعجزه شيء ولا یکرنه ولا يؤوده بل هو القدیر
الفعال لما يشاء ﴿ إِنَّمَا أُمْرُهِ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(١٨)
وقوله: ﴿ وَإِنَّ اللهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٌ﴾(١٩) هو من
تمام كلام عيسى لهم في المهد ، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم ، وإن هذا
هو الصراط المستقيم .
قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَخْزَابُ مِن بَيْنِهِم فَوْيِلٌ لَلَّذِينَ كَفَرُوا مِن
مَّشْهَدٍ يَوْمٍ عَظِيم﴾(٢٠) أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه .
فمن قائل من اليهود : إنه ولد زنية ، واستمروا على كفرهم وعنادهم .
وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا : هو الله . وقال آخرون : هو ابن الله .
وقال المؤمنون : هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه ، وهؤلاء هم الناجون المثابون والمؤيدون المنصورون ، ومن خالفهم في
شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون ، وقد توعدهم العلي العظيم
الحكيم العليم بقوله: ﴿قَوْيِلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِـ
قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، أنبأنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ،
حدثني عمير بن هانيء ، حدثني جنادة بن أبي أمية ، عن عبادة بن الصامت عن
النبي عَ ل قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده
ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق
والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل))(٢١).
٢
(١٨) سورة يس الآية : ٨٢.
(١٩) سورة مريم الآية : ٣٦ :
(٢٠) سورة مريم الآية : ٣٧ .
(٢١) أخرجه البخارى فى صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب قوله تعالى: ﴿ يأهل الكتاب لا تغلوا فى
دينكم﴾. وأخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الإيمان ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل
الجنة قطعاً .
٧٠٥

قال الوليد : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عمير ، عن
جنادة: وزاد: (( من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء).
وقد رواه مسلم عن داود بن رشید ، عن الولید ، عن جابر به ومن طریق
أخرى عن الأوزاعي به .
٧٠٦

[ الفصل الثالث ]
بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى
عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً
وقال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً » لَّقَدْ
جِئْتُمْ شَيْئاً إِداً﴾(١) شيئا عظيماً ومنكرا من القول وزوراً ﴿تَكَادُ السَّمَواتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ اَلْأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَذَّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا
يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ إِلَا آتَى
الرَّحْمَنِ عَبْدَاً لَّقَّدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُم عَدَاً * وَكُلّهُم آتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ
فَرْداً ﴾ (٢) .
فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه ، وكل شيء فقير
إليه ، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده ، هو ربهم لا إله
إلا هو ولا رب سواه كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا اللَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُم
وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِ بِغَيْرِ عَلْمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * يَدِيعُ السَّمَواتِ
وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَّدٍ وَلَّمْ تَكُنِ لَّهُ صَاحَبَةٌ وَخِلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلٌ
شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُم الله رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوٍ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ )* لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الخَبِيرُ﴾(٣).
فبین أنه خالق كل شيء فکیف یکون له ولد ، والولد لا يكون إلا بين شيئين
متناسبين ، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه ولا عديل له ، فلا صاحبة له ، فلا
(١) سورة مريم الآيتان: ٨٨ - ٨٩.
(٢) سورة مريم الآيات : ٩٠ - ٩٥.
(٣) سورة الأنعام الآيات: ١٠٠ - ١٠٣ .
٧٠٧

يكون له ولد كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَّد « وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواْ أَحَدٌ ﴾ (٤) يقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته ولا
في صفاته ولا في أفعاله ﴿ الصَّمَدُ﴾ وهو السيد الذي کمل في علمه وحكمته
ورحمته وبلغ جميع صفاته ﴿ لَمْ يَلِدِ﴾ أي لم يوجد منه ولد ﴿ وَلَمْ يُولَد ﴾ أي
ولم يتولد عن شيء قبله ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواْ أُحَدٌ﴾ أي وليس له عدل ولا
مكافيء . ولا مساو فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي ، فانتفى أن يكون له
ولد ، إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين ، تعالى الله
عن ذلك علوا كبيراً .
وقال تبارك وتعالى وتقدس: ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَعْلُوا فِ دِينِكُمْ وَلَا
تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ آنْتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ
إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَّهُ وَلَدْ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأُرْضِ
وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدَاً للهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ، فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفْتِهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيَدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأُمَّا
الَّذِينَ اسْتَنِكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أُلِيماً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ
اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيراً﴾(٥) .
ينهي تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والإطراء في الدين وهو مجاوزة
الحد ، فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد ...
فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله ابن أمته العذراء البتول
التى أحصنت فرجها فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة
حملت منها بولدها عيسى عليه السلام . والذي اتصل بها من الملك هى الروح
المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم ، وهى مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما
يقال : بيت الله وناقة الله وعبد الله . وكذا روح الله أضيف إليه تشريفاً لها
(٤) سورة الإخلاص الآيات : ١ - ٤ .
(٥) سورة النساء الآيات : ١٧١ - ١٧٣.
٧٠٨

وتكريماً . وسمى عيسى بها لأنه كان بها من غير أب وهى الكلمة أيضا التى عنها
خلق وبسببها وجد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ
مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(٦). وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَنَّخَذَ اللهُ وَلَدَاً
سُبْحَائَهُ بَل لَّهُ مَا فِىِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * يَدِيعُ السَّمَواتِ
وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرَأْ فِإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾(
وقال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابِنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ
اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِم يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَائِلَهُمُ اللهُ أَنَّى
يُؤْفَّكُونَ ﴾(٨) .
فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله ، كل من الفريقين ادعوا
على الله شططاً وزعموا أن له ولداً ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وأخبر
أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه ، إلا مجرد القول ومشابهة من
سبقهم إلى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم .
وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب
الوجود الذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدأ الأول ، وأنه صدر عن العقل الأول
عقل ثان ونفس وفلك ، ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة
والنفوس إلى تسعة والأفلاك إلى تسعة ، باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات
باردة أوردوها . ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر .
وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله وأنه
صاهر سروات الجن فتولد منها الملائكة ، تعالى الله عما يقولون وتنزه عما
يشركون. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذَينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾(٩). وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ
(٦) سورة آل عمران الآية : ٥٩ .
(٧) سورة البقرة الآيتان: ١١٦ - ١١٧.
(٨) سورة التوبة الآية : ٣٠ .
(٩) سورة الزخرف الآية : ١٩.
٧٠٩

أَلَبِّكَ الْنَاتُ وَلَهُم البَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا المَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُم
مِن إِفْكِهِم لَيَقُولُونَ* وَلَدِ اللهِ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ " مَا
لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أُفَلَا تَذَكَّرُونَ ، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينَ * فَأُتُوا بِكِتَابِكُم إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُم
لَمُحْضَرُونَ*ُسُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّ عِبَادَ اللهِ المُحْلَصِينَ﴾(١٠).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأَ سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَن آرْتَضَى وَهُم مِّن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّى إِلَهٌ مِّن
دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾(١١) .
وقال تعالى في أول سورة الكهف وهى مكية: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ
عَلَى عَيْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا » قَيِّماً لَيُنِذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً » مَّ كِئِينَ فِيهِ
أَبَداً * وَيُنِذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَأَ « مَّالَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِبَائِهِمْ كَبُرَتْ
كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّ كَذِباً﴾(١٢).
وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَنَّخَذَا اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ مَا فِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّنِ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتْقَوُلُونَ عَلَى اللهِ مَالَا
تَعْلْمٌونَ ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِى الدُّنْيَا
ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ تُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾(١٣) .
فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من
الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن لله
ولدا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا .
ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة من أشهر من قال
(١٠) سورة الصافات الآيات: ١٤٩ - ١٦٠.
(١١) سورة الأنبياء الآيات: ٢٦ - ٢٩.
(١٢) سورة الكهف الآيات: ١ - ٥ ,
(١٣) سورة يونس الآيات: ٦٨ - ٧٠.
٧١٠

بهذه المقالة ذكروا في القرآن كثيرا للرد عليهم وبيان تناقضهم وقلة علمهم وكثرة
جهلهم ، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم ، وذلك أن الباطل كثير التشعب
والاختلاف والتناقض .
وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب . قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافَاً كَثِيراً ﴾(١٤) . فدل على أن الحق يتحد ويتفق
والباطل يختلف ويضطرب . فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو
الله تعالى . وطائفة قالوا هو ابن الله ، عز الله . وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة .
جل الله .
قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ
المَسِيحُ ابْنُ مَرْيمَ قُلْ فَمَن يَملِكُ مِن اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ
مَرْيمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً وَللهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
يَحْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(١٥) فأخبر تعالى عن كفرهم
وجهلهم وبين أنه الخالق القادر على كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه .
وقال في آواخرها: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ
المَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهِ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدٍ حَرَّمٍ
الله عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنْصَارِ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ
اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِن إِلَهٍ إِلاَّ إِلَّهِ وَاحِدٌ وَإِن ◌َّمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمِسَّنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ
رحِيمٌ * مَّا المَسِيحُ ابنُ مَرْيمَ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلِ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ ثُبَيِّنُ لَهُم الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾(١٦).
حكم تعالى بكفرهم شرعاً وقدراً ، فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول
إليهم هو عيسى ابن مريم ، وقد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم
داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار وعدم
(١٤) سورة النساء الآية : ٨٢.
(١٥) سورة المائدة الآية : ١٧ .
(١٦) سورة المائدة الآيات : ٧٢ - ٧٥ .
٧١١

الفوز بدار القرار والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار، ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ مَن
يُشْرِكُ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنْصَارِ ﴾.
ثم قال: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِن إِلَهٍ إِلاَّ إِلَه
وَاحِدٌ﴾ قال ابن جرير وغيره : المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة : أقنوم الأب
وأقنوم الأبن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الأبن ، على اختلافهم في ذلك ما
بين المليكية واليعقوبية والنسطورية ، عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في
ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس ، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة
سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة .
ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا مِن إِلَّهِ إِلاَّ إِلَّهٌ وَاحِدٌ﴾ أي وما من إله إلا
الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفء له ولا صاحبة له ولا ولد . ثم
توعدهم وتهددهم فقال: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمِسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور
الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾.
ثم بين حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة ، أي ليست بفاجرة
كما يقول اليهود لعنهم الله ، وفيه دليل على أنها ليسعت بنبية كما زعمه طائفة من
علمائنا . وقوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ كناية عن خروجه منهما كما يخرج
من غيرهما ، أي ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلهاً ، تعالى الله عن قولهم
وجهلهم علواً كبيراً .
وقال السدي وغيره، المراد بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ
ثَلَاثَةٍ ﴾ زعمهم في عيسى وأمه أنهما الإِلهان مع الله ، يعني كما بين تعالى كفرهم
في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى
أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٌّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِىٍ وَلَا أَعْلَمُ
مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ» مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أُمَرْئِنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا
اللّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّادُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِى كُنْتَ أُنْتَ
٧١٢

الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ وَأَنِتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(١٧).
يخبر تعالى أنه يسأل عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة على سبيل الإكرام
له والتقريع والتوبيخ لعايديه ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله ، أو أنه الله
أو أنه شريكه ، تعالى الله عما يقولون ، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله
عنه ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له : ﴿ أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى
وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي تعاليت أن يكون معك شريك
مَا يَكُونُ لَي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ ﴾ أي ليس هذا يستحقه أحد سواك
إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ
عَلَّامُ الْغُيوبِ﴾ وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا
أمَرْئَنِى بِهِ﴾ أي ما قلت غير ما أمرتني عليه حين أرسلتني إليهم وأنزلت علي
الكتاب الذي كان يتلى عليهم . ثم فسر ما قاله لهم بقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّى
وَرَبَّكُمْ﴾ أي خالقي, وخالقكم ورازقي ورازقكم ﴿ وَكَنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا
دُمْتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَقَّيْتِىٌ﴾ أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني
وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك
كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٍ ﴾.
ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل والتبري من أهل النصرانية :
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادُكَ ﴾ أي وهم يستحقون ذلك ﴿ وإِن تَغْفِرُ لَهُم فَإِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضى
وقوع ذلك، ولهذا قال: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل الغفور
الرحيم .
وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله عَ ليه قام
بهذه الآية الكريم ليلة حتى أصبح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُم فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُم
فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال: (( إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي
فأعطانيها وهى نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً))(١٨). وقال:
(١٧) سورة المائدة الآيات: ١١٦ - ١١٨ .
(١٨) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ١٤٩ .
٧١٣

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَاَلْأَرْضَ وَمَا بَيْتَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَذِنَا أَن تَّتَّخِذَ لَهُواً
لََّتَخَذْنَاهُ مِن ◌َّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا
هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ
لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا
يَفْتُرُونَ﴾(١٩) .
وقال تعالى: ﴿لَّوْ أُرَادَ اللهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدَأَ لََّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ
عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارِ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخْرَ الشَمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ
مُسَمَّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾(٢٠)
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَايِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ
السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَا يَصِفُونَ﴾(٢١).
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ
فِى الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنَ لَّهُ وَلِىٌّ مِّن الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾(٢٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُواْ أَحَدٌ ﴾(٢٣).
وثبت في الصحيح عن رسول الله عَ لم أنه قال: ((يقول الله تعالى:
شتمنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد
ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد)» (٢٤).
وفي الصحيح أيضاً عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((لا أحد أصبر على أذى
(١٩) سورة الأنبياء الآيات: ١٦ - ٢٠.
(٢٠) سورة الزمر الآيتان: ٤ - ٥ .
(٢١) سورة الزخرف الآيتان: ٨١ - ٨٢ .
(٢٢) سورة الإسراء الآية : ١١١.
(٢٣) سورة الإخلاص الآيات : ١ - ٤ .
(٢٤) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، باب تفسير سورة الإخلاص .
٧١٤

سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم)) (٢٥).
ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((إن الله ليملي
للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَحْذُ رَبِّكَ إِذَا أُخْذَ القُرَى
وَهَى ظَالِمَةٌ إِنَّ أُخْذَهُ أُلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(٢٦).
وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِنِ مِّن قَرْيَةٍ أُمْلَيْتُ لَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا
وَإِلَىَّ المَصِيرُ﴾(٢٧).
وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَ نَضْطَرُّهُمٍ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾(٢٨).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِى
الذُّنْيَا ثَّمَ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُم ثُمَّ تُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾(٢٩)
وقال تعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أُمْهِلْهُمْ رُويداً﴾(٣٠).
(٢٥) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأدب ، باب الصبر فى الأذى .
(٢٦) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة هود .
(٢٧) سورة الحج الآية : ٤٨ .
(٢٨) سورة لقمان الآية : ٢٤.
(٢٩) سورة يونس الآيتان : ٦٩ - ٧٠ .
(٣٠) سورة الطارق الآية : ١٧ .
٧١٥

[ الفصل الرابع ]
ذكر منشا عيسى ابن مريم عليهما السلام
ومرباه في صغره وصباه ، وبيان بدء الوحي
إليه من الله تعالى
قد تقدم أنه ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس .
وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر وأن مريم سافرت هى ويوسف بن
يعقوب النجار وهى راكبة على حمار ليس بينهما وبين الأكاف شيء .
وهذا لا يصح ، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت
لحم ، كما ذكرنا ، ومهما عارضه فباطل .
وذكر وهب بن منبه أنه لما خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض
ومغاربها ، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر
عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به ، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء
وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا : هذا لمولد عظيم
في الأرض ، فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلى عيسى ، فلما قدموا
الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك ، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد
ولد فيه عيسى ابن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد ،
فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا
عنه ، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها : إن رسل ملك الشام إنما
جاءوا ليقتلوا ولدك . فاحتملته فذهبت به إلى مصر ، فأقامت به حتى بلغ عمره
اثنتى عشرة سنة ، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره . فذ کر منها
أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء
٧١٦

والضعفاء والمحاويج فلم يدر من أخذها ، وعز ذلك على مريم عليها السلام وشق
على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها ، فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك
عمد إلى رجل أعمى وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه . فقال للأعمى :
أحمل هذا المقعد وانهض به . فقال: إني لا أستطيع ذلك . فقال : بلى كما فعلت
أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار . فلما قال ذلك صدقاه
فيما قال وأتيا بالمال فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جداً .
ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده ، فلما
اجتمع الناس وأطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شراباً - يعني خمراً - كما كانوا
يصنعون في ذلك الزمان لم يجد في جراره شيئاً فشق ذلك عليه ، فلما رأى عيسى
ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها
ذلك إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب ، فتعجب الناس من ذلك جداً وعظموه
وعرضوا عليه وعلى أمه مالا جزيلاً فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس ...
والله أعلم .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا عثمان بن ساج وغيره ، عن موسى بن وردان ،
عن أبى نضرة ، عن أبي سعيد ، وعن مكحول عن أبي هريرة قال : إن عيسى ابن
مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل ، فمجد الله
تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلا ولا نهراً ولا عينا إلا
ذكره في تمجيده فقال : اللهم أنت القريب في علوك ، المتعال في دنوك ، الرفيع
على كل شيء من خلقك ، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء بكلماتك مستويات
طباقاً أجبْنَ وهن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك ، فيهن ملائكتك يسبحون
قدسك لتقديسك وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام وضياء من ضوء الشمس
بالنهار ، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد ، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك وجعلت
فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران ، فتباركت اللهم في مفطور
سماواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج
الغامر ، فأذللتها إذلال التظاهر ، فذل لطاعتك صعبها واستحيا لأمرك أمرها
وخضعت لعزتك أمواجها ، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار ومن بعد الأنهار
٧١٧

الجداول الصغار ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار ، ثم أخرجت منها الأنهار
والأشجار والثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء ،
فأطاعت أطوادها وجلمودها .
فتباركت اللهم ! فمن يبلغ بنعمته نعتك أم من يبلغ بصفته صفتك ؟ تنشر
السحاب وتفك الرقاب وتقضى الحق وأنت خير الفاصلين ، لا إله إلا أنت
سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب ، لا إله إلا أنت سبحانك سترت
السموات عن الناس ، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياس ،
نشهد إنك لست بإله استحدثناك ، ولا رب يبيد ذكره ، ولا كان معك شر کاء
فندعوهم ونذرك ، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك ، نشهد إنك أحد
صمد لم تلد ولم تولد ، ولم يكن لك كفواً أحد )).
وقال إسحاق بن بشر : عن جويبر ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن
عباس ، أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا حتى بلغ ما
يبلغ الغلمان ، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان فأكثر اليهود فيه وفي أمه من
القول ، وكانوا يسمونه ابن البغية وذلك قوله تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى
مَرْيَمَ بِهْتَاناً عَظِيماً ﴾(١).
قال : فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب ، فجعل لا يعلمه المعلم
شيئاً إلا بدره إليه ، فعلمه أبا جاد فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ فقال المعلم : لا
أدري . فقال عيسى : كيف تعلمني ما لا تدري . فقال المعلم : إذن فعلمني .
فقال له عيسى : فقم من مجلسك . فقام فجلس عيسى مجلسه فقال : سلني ؟ فقال
المعلم : فما أبو جاد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله . والباء بهاء الله والجيم بهجة
الله وجماله . فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد .
ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله عَ لّه عن ذلك فأجابه على كل كلمة
بحديث طويل موضوع لا يسأل عنه ولا يتمادى ! .
وهكذا روى ابن عدى من حديث إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن
(١) سورة النساء الآية : ١٥٦ .
٧١٨

يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن مسعود ، عن مسعر بن كدام عن عطية ، عن
أبى سعيد ، رفع الحديث فى دخول عيسى إلى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف
أبی جاد وهو مطول لا يفرح به .
ثم قال ابن عدي : وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل .
وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة قال : كان عبد الله بن عمر يقول: كان
عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم : تريد أن
أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم فيقول : خبأت لك كذا وكذا .
فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها أطعميني ما خبأت لي . فتقول : وأي شيء
خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا . فتقول له : من أخبرك ؟ فيقول : عيسى ابن
مريم . فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم . فجمعوهم
في بيت وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في
بيت فسأل عنهم فقالوا : إنما هؤلاء قردة وخنازير . فقال : اللهم كذلك . فكانوا
كذلك . رواه ابن عساكر .
وقال إسحاق بن بشر ، عن جويير ، ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن
عباس قال : وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله ، ففشا ذلك في
اليهود وترعرع عيسى ، فهمت به بنو إسرائيل ، فخافت أمه عليه ، فأوحى الله
إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر ، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ
وَأُمَّهُ آيَةً وَآَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوةٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينِ﴾(٢).
وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذکر الله من صفتها
أنها ذات قرار ومعين ، وهذه صفة غريبة الشكل ، وهى أنها ربوة وهو المكان
المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه متسع ، ومع علوه فيه
عيون الماء المعين ، وهو الجاري السارح على وجه الأرض فقيل : المراد المكان
الذي ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس، ولهذا ﴿ نَادَاهَا مِن تَحْتِها أَلاَّ
تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾(٣) وهو النهر الصغير في قول جمهور
(٢) سورة المؤمنون الآية : ٥٠ .
(٣) سورة مريم الآية: ٢٤ بلفظ: ﴿ فناداها ... ﴾
٧١٩

السلف ، وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك
المكان بأنهار دمشق . وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن
تلقاه عنهم ... والله أعلم . وقيل هى الرملة (٤) .
وقال إسحاق بن بشر : قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه ، قال : إن
عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال
فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام
بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام
والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي
من العجائب فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره .
(٤) الرملة : مدينة عظيمة بفلسطين وكانت قصبتها [معجم البلدان ٣ / ٦٩].
٧٢٠