Indexed OCR Text
Pages 441-460
ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ، ووفودهم عليه . فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه ، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق فى المقال: ﴿ وَلَقَدْ فَتَّ قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أُذُوا إِلَىَّ عِبَادَ اللهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَن لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللهِ إِنِّى آتِيَكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَاعْتَزِلُونِ ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِىَ لَيْلًا إِنَّكُم مُتَبَعُونَ * وَاثْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُعْرَقُونَ ( كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخِرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرِائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينَ » مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ احْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَأَتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُّبِينٌ﴾(١٤). فقوله تعالى: ﴿ وَأَثْرُكِ الْبَحَرَ رَهْواً﴾ أى ساكناً على هيئته ، لا تغيره عن هذه الصفة . قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب(١٥) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم . فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون ، فرأى ما رأى وعاين ما عاين ، هاله هذا المنظر العظيم ، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم ، فأحجم ولم يتقدم ، وندم فى نفسه على خروجه فى طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم ، لكنه أظهر لجنوده تجدداً وعاملهم معاملة العدا ، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه ، وعلى باطله تابعوه : انظروا كيف انحسر البحر لى لأدرك عبيدى الآبقين من يدي ، الخارجين على طاعتي وبلدى ؟ وجعل يورى فى نفسه أن يذهب خلفهم ، ويرجو (١٤) الدخان الآيات: ١٧ - ٣٣. . (١٥) سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار أبو المغيرة الكوفى توفى سنة ١٢٣ هـ [ تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٣. ٤٤١ أن ينجو وهيهات ، ويقدم تارة ويحجم تارات ! . فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى فى صورة فارس راكب على رمكة حائل(١٦) فمر بين يدى فحل فرعون لعنه الله ، فحمحم إليها وأقبل عليها وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر ، واستبق الجواد وقد أجاد ، فبادر مسرعاً ، هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضراً ولا نفعاً ، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين ، فحصلوا فى البحر أجمعين أكتعين أبصعين ، حتى هم أولهم بالخروج منه ، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر . فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان ، فلم ينج منه إنسان . قال الله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مِّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخْرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أُكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(١٧) . أى فى إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد ، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد ، آية عظيمة ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة ، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة ، والمناهج المستقيمة . وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِيَتِى إِسْرَائِلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَعْياً وَعَذْواً حَتَّى إِذَا أَذْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىِ آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قبَلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ تُتَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾(١٨). يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط ، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى ، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ، ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم ، ليكون أقر لأعين بنى إسرائيل ، وأشفى لنفوسهم . فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به ، وباشر (١٦) الفرس التى لم تلقح . (١٧) الشعراء الآيات : ٦٥ - ٦٨. (١٨) يونس الآيات: ٩٠ - ٩٢ . ٤٤٢ سكرات الموت أناب حينئذ وتاب ، وآمن حين لا ينفع إيمانه ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِئُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (١٩) . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَحَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾(٢٠) . وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه ، أن يطمس على أموالهم ، ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، أى حين لا ينفعهم ذلك ، ویکون حسرة عليهم . وقد قال تعالى هما - أى لموسى وهارون - حین دعوا بهذا : قَدْ أُجِيبتَ دَّعْوَتُكُمَا﴾(٢١) فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام .. ومن ذلك الحديث الذى رواه الإِمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علىبن زيد، عن يوسف بن مهران، عن بن عباس قال : قال رسول الله عَّه: ((لما قال فرعون: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِلَ ﴾ قال لى جبريل: يا محمد فلو رأيتنى وقد أخذت من حال البحر فأدسُّه فى فيه ، مخافة أن تدركه الرحمة))(٢٢) !. ورواه الترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم عند هذه الآية من حديث حماد ابن سلمة ، وقال الترمذى : حديث حسن(٢٢). وقال أبو داود الطيالسى : حدثنا شعبة ، عن عدى بن ثابت ، وعطاء ابن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: (( قال لى جبريل : لو رأيتنى وأنا آخذ من حال البحر فأدسه فى فم فرعون مخافة (١٩) يونس الآيتان .: ٩٦ - ٩٧ . (٢٠) غافر الآيتان: ٨٤ - ٨٥. (٢١) يونس الآية : ٨٩. (٢٢) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢٤٥ وابن جرير الطبرى فى تفسير سورة يونس ١١ / ١٦٣ والحديث فى سنده على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما ذكرنا سابقاً . ٤٤٣ أن تناله الرحمة))(٢٣) ورواه الترمذى وابن جرير من حديث شعبة ، وقال الترمذى حسن غريب صحيح ، وأشار ابن جرير فى رواية إلى وقفه . وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته : ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّا الَّذَى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه ، فجعل يأخذ الحال بجناحيه ، فيضرب به وجهه فيرمسه(٢٤). ورواه ابن جرير من حديث أبى خالد به(٢٥) . وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان وليس بمعروف ، وعن أبى حازم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ له: (( قال لى جبريل عليه السلام : يا محمد .. لو رأيتنى وأنا أغطه وأدس من الحال فى فيه ، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له )) ! يعنى فرعون (٢٦) .. وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التيمى وقتادة وميمون ابن مهران ، ويقال إن الضحاك بن قيس (٢٧) خطب به الناس ، وفى بعضٍ الروايات أن جبريل قال: (( ما بغضت أحداً بغضى لفرعون حين قال: ﴿ أنا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى﴾ ولقد جعلت أدس فى فيه الطين حين قال ما قال )). وقوله تعالى: ﴿اَلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ استفهام إنكار ، ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك ، لأنه - والله أعلم - لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه ، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون: ﴿يَالَيْنَا ثُرَدُّ وَلَا تُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ (٢٣) مسند الطيالسى ص (٣٤١). (٢٤) رمسه : دفنه وواراه التراب . (٢٥)، (٢٦) ذكره ابن جرير الطبرى فى تفسيره - تفسير سورة يونس ١١ / ١٦٣. (٢٧) الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهرى القرشى انظر [تهذيب التهذيب ٤ / ٤٤٩]. ٤٤٤ قال الله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُحْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ الْمُؤْمِنِينَ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾(٢٨) وقوله: ﴿فَالَيَوْمَ تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لَمِنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾(٢٩) قال ابن عباس وغير واحد : شك بعض بنى إسرائيل فى موت فرعون ، حتى قال بعضهم إنه لا يموت ، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع ، قيل على وجه الماء ، وقيل على نجوة من الأرض ، وعليه درعه التى يعرفونها من ملابسه . ليتحققوا بذلك هلاكه ، ويعلموا قدرة الله عليه . ﴿ فَاليَوْمَ تُنَجِّيكَ بِبَدَنِك أى مصاحباً درعك المعروفة بك، ﴿لِتَكُونَ﴾ أى أنت آية ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ أى من بنى إسرائيل، ودليلًا على قدرة الله الذى أهلك، ولهذا قرأ بعض لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. ويحتمل أن يكون المراد : ننجيك السلف : بجسدك مصاحباً درعك ، لتكون علامة لمن وراءك من بنى إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت .. والله أعلم . وقد كان هلاكه وجنوده فى يوم عاشوراء . کما قال الإِمام البخارى فى صحيحه : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم النبى عَ ◌ِّ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا اليوم الذى تصومونه )) ؟ فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون . قال النبى مِّالله علينا لأصحابه: ((أنتم أحق بموسى منهم فصوموا)) (٣٠). وأصل هذا الحديث فى الصحيحين وغيرهما .. والله أعلم . (٢٨) الأنعام الآيتان : ٢٧، ٢٨. (٢٩) يونس الآية : ٩٢ . (٣٠) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير ، تفسير سورة طه ومسلم فى صحيحه فى كتاب الصيام ، باب صوم يوم عاشوراء . :٤٤٥ [ الفصل الرابع ] فيما كان من أمر بنى إسرائيل بعد هلاك فرعون قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَعَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِلَ بِمَا صَبِرُوا. وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَّ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيَكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَإِذْ أُنجَيْنَاكُم مِّنْ آلٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفَى ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾(١) . يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده فى غرقهم ، وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم، وأورث بنى إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم ، كما قال : كَذَلِكَ وَأُوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَائِيلَ﴾(٢) وقال: ﴿وَثُرِيدُ أَن ◌َّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(٣) وقال ها هنا : وَأُوْرَقْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَعَارِبَهَا التَّيِ بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴾ . أى أهلك ذلك جميعه ، وسلبهم عزهم العزيز العريض فى الدنيا ، وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده ، ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا . (١) الأعراف الآيات : ١٣٦ - ١٤١. (٢) الشعراء الآية : ٥٩ . (٣) القصص الآية : ٥ . ٤٤٦ وذكر ابن عبد الحكم فى تاريخ مصر : أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها ، بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة ، فكانت لهن السطوة عليهم . واستمرت هذه سنة نساء مصر إلى يومنا هذا ! . وعند أهل الكتاب : أن بنى إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سنتهم وأمروا أن يذبح أهل كل بيت حملًا من الغنم ، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه . فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ، ليكون علامة لهم على بيوتهم ، ولا يأكلونه مطبوخاً ، ولكن مشوياً برأسه وأكارعه وبطنه ، ولا يبقوا منه شيئاً ، ولا يكسروا له عظماً ، ولا يخرجوا منه شيئاً إلى خارج بيوتهم . وليكن خبزهم فطيراً سبعة أيام ، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم ، وكان ذلك فى فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة ، وخفافهم فى أرجلهم ، وعصيهم فى أيديهم ، وليأكلوا بسرعة قياما ، ومهما فضل عن عشائهم فما بقى إلى الغد فليحرقوه بالنار . وشرع لهم هذا عيداً لأعقابهم مادامت التوراة معمولًا بها ، فإذا نسخت بطل شرعها . وقد وقع . قالوا : وقتل الله عزّ وجل فى تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ، ليشتغلوا عنهم : وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار ، وأهل مصر فى مناحة عظيمة على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ، ليس من بيت إلّا وفيه عويل . وحين جاء الوحى إلى موسى خرجوا مسرعين ، فحملوا العجين قبل اختماره ، وحملوا الأزواد فى الأردية وألقوها على عواتقهم ، وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حلياً كثيراً ، فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذرارى بما معهم من الأنعام، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة .. هذا نص كتابهم . وهذه السنة عندهم تسمى سنة ((الفسخ))، وهذا العيد الفسخ ، ولهم عيد ((الفطر))، وعيد ((الحمل)) وهو أول السنة، وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم ، منصوص عليها فى كتابهم . . ٤٤٧ ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام ، وخرجوا على طريق بحر يوسف ، وكانوا فى النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عمود نور ، والليل أمامهم عمود نار ، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر فنزلوا هنالك ، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين ، وهم هناك حلول على شاطىء اليم ، فقلق كثير من بنى إسرائيل ، حتى قال قائلهم : كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية . فقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة : لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا . قالوا : وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ، وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل فى البحر والييس . وصار الماء من ها هنا وها هنا كالجبلين ، وصار وسطه بيساً ، لأن الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر وأتبعهم فرعون وجنوده ، فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه ، فرجع الماء كما كان عليهم لكن عندأهل الكتاب: أن هذا كان فى الليل ، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح . وهذا من غلطهم وعدم فهمهم فى تعريبهم .. والله أعلم . قالوا : ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب ، وقالوا : « نسبح الرب البهي ، الذى قهر الجنود ، ونبذ فرسانها فى البحر المنيع المحمود » وهو تسبيح طويل . قالوا : وأخذت مريم النبية - أخت هارون - دفاً بيدها ، وخرج النساء فى أثرها كلهن بدفوف وطبول . وجعلت مريم ترتل لهن وتقول : سبحان الرب القهار ، الذى قهر الخيول وركبانها إلقاء فى البحر . هكذا رأيته فى كتابهم . ولعل هذا هو من الذى حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه : أن مريم بنت عمران أم عيسى ، هى أخت هارون وموسى ، مع قوله : ﴿ يَا أُحْتَ هَارُونَ﴾(٤) . وقد بينا غلطه فى ذلك ، وأن هذا لا يمكن أن يقال ، ولم يتابعه أحد عليه ، (٤) مريم الآية : ٢٨. ٤٤٨ بل كل واحد خالفه فيه . ولو قدر أن هذا محفوظ ، فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون عليهما السلام . وأم عيسى عليها السلام وافقتها فى الاسم واسم الأب واسم الأخ، لأنهما كما قال رسول الله عَ ليه للمغيرة بن شعبة، لما سأله أهل نجران عن قوله ﴿ ياأخت هارون )فلم يدر مايقول لهم ، حتى سأل رسول الله عَ ◌ّه عن ذلك فقال: « أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم». رواه مسلم(٥) . وقولهم: ((النبية)) كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة، ومن بيت الإِمرة أميرة ، وإن لم تكن مباشرة شيئاً من ذلك ، فكذا هذه استعارة لها ، لا أنها نبية حقيقة یوحی إليها . وضربها بالدف فى مثل هذا اليوم الذى هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف فى العيد ، وهذا مشروع لنا أيضاً فى حق النساء ، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف فى أيام منى ، ورسول الله عَ ل مضطجع مول ظهره إليهن، ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن وقال: أبمزمور الشيطان فى بيت رسول الله عَ لّهِ ؟ فقال: (( دعهن يا أبابكر .. فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا ))(٦) . وهكذا یشرع عندنا فى الأعراس ولقدوم الغياب ، كما هو مقرر فى موضعه .. والله أعلم . وذكروا أنهم لما جازوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء ، فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك ، فوجدوا ماء زعافاً أجاجاً لم يستطيعوا شربه ، فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه ، فحلا وساغ شربه . وعلمه الرب هنالك فرائض وسنناً ، ووصاه وصايا كثيرة . وقد قال الله تعالى فى كتابه العزيز المهيمن على ماعداه ، من الكتب : وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ قَالُوا (٥) أخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الآداب ، باب النهى عن التكنى بأبى القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء . .(٦) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب العيدين ، باب سنة العيدين لأهل الإسلام وأحمد فى مسنده ٦ / ١٨٦، ٠١٨٧ ٤٤٩ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾(٧) قالوا هذا الجهل والضلال ، وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ، ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذى الجلال والإكرام وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصناماً ، قيل كانت على صور البقر ، فكأنهم سألوهم . لم يعبدونها ؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات ، فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم فى ذلك ، فسألوا نبيهم الكليم العظيم، أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة ، فقال لهم مبيناً لهم إنهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ثم ذكرهم نعمة الله عليهم ، فى تفضيله إياهم على عالمى زمانهم بالعلم والشرع ، والرسول الذى بين أظهرهم ،وما أحسن به إليهم وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد ، وإهلاكه إياه وهم ينظرون ، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة ، وما كانوا يعرشون ، وبين لهم أنه لاتصلح العبادة إلّا لله وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق القهار ، وليس كل بنى إسرائيل سأل هذا السؤال ، بل هذا الضمير عائد على الجنس فى قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِيَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَىَ اجْعَل لََّا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ أى قال بعضهم كما فى قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدأَ * وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَاَ خَلَقْتَاكُمْ أُوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتَمْ أَلَّن نَّجْعَل لَكُم مَّوْعَداً ﴾(٨) فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم . وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهرى ، عن سنان بن أبى سنان الديلى عن أبى واقد الليثى(٩)، قال : خرجنا مع رسول الله عَ لِّ قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله .. اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط . وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون (٧) الأعراف الايتان : ١٣٨ - ١٣٩. (٨) الكهف الآيتان : ٤٧ - ٤٨. (٩) هو: الحارث بن عوف الليثى. توفى سنة ٦٨ هـ [أسد الغابة ٦ / ٣٢٥]. ٤٥٠ ـحي حولها ، فقال النبى معَ له: ((الله أكبر .. هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى :. اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم ». ورواه النسائى عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به . ورواه الترمذى عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومى ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهرى به ، ثم قال : حسن صحيح(١٠) . وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومعمر وعقيل ، عن الزهرى ، عن سنان بن أبى سنان ، عن أبى واقد الليثى ، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله عَ لّه إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عليها ، ويعلقون بها أسلحتهم ، يقال لها: ((ذات أنواط)) قال : فمررنا بسدرة خضراء عظيمة ، قال : فقلنا : يا رسول الله .. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . قال : ((قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَل لََّا إِلَّهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّ هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعَمْلُونَ﴾(١١). # والمقصود أن موسى عليه السلام ، لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوماً من الجبارين ، من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم . فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم ، وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس ، فإن الله كتبه لهم ، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل ، فأبوا ونكلوا عن الجهاد ، فسلط الله عليهم الخوف . وألقاهم فى التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون . فى مدة من السنين طويلة هى من العدد أربعون، كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ (١٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ٢١٨. (١١) ذكره ابن جرير فى تفسيره، تفسير سورة الأعراف. ٠ ٤٥١ ٠٫٠ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنِيَاءَ وَجَعَلَكُم ◌ُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالِمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَّةَ الَّتِىِ كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَقَلِبُواْ خَاسِرِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُ جُوا مِنْهَا فَإِن يَحْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنَّعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ قَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَائِلًا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّ نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾(١٢). يذكرهم نبى الله نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية ، ويأمرهم بالجهاد فى سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَسَة الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أى تنكصوا على أعقابكم ، وتنكلوا عن قتال أعدائكم ﴿فَتَقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ﴾ أى فتخسروا بعد الربح ، وتنقصوا بعد الكمال . قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ أى عتاة كفرة متمردين ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَحْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون ، وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأساً ، وأكثر جمعاً وأعظم جنداً . وهذا يدل على أنهم ملومون فى هذه المقالة ، ومذمومون على هذه الحالة ، من الذلة عن مصاولة الأعداء ، ومقاومة المردة الأشقياء . وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثاراً فيها مجازفات كثيرة باطلة ، يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالًا هائلة ضخامة جداً حتى إنهم ذكروا أن رسل بنى إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين ، فجعل يأخذهم واحداً واحداً ، ويلقيهم فى أكمامه وحجرة سراويله ، وهم اثنا عشر رجلًا ، فجاء بهم فنثرهم بين يدى ملك الجبارين ، فقال : ما هؤلاء ؟ ولم يعرف (١٢) المائدة الآيات: ٢٠ - ٢٦ . ٤٥٢ أنهم من بنى آدم حتى عرفوه . وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها . وأن الملك بعث معهم عنباً كل عنبة تكفى الرجل ، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم . وهذا ليس بصحيح . وذكروا ها هنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بنى إسرائيل ليهلكهم ، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع . هكذا ذكره البغوى وغيره ، وليس بصحيح ، كما قدمنا بيانه عند قوله عَ له: ((إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)). قالوا : فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ، ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى ، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها فصارت طوقاً فى عنق عوج ابن عنق . ثم عمد موسى إليه فوثب فى الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع ، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع ، فوصل إلى كعب قدمه فقتله . يروى هذا عن نوف البکالی ، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفى إسناده إليه نظر . ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات ، وكل هذه من وضع جهال بنى إسرائيل ، فإن الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم ، ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها . ثم لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين فى النكول عن قتالهم ، وقد ذمهم الله على نكولهم ، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم . وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإِقدام ، ونهياهم عن الإِحجام ، ويقال : إنهما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا . قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدى والربيع بن أنس ، وغير واحد . قَالَ رَجُلانِ مِن الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أى يخافون الله وقرأ بعضهم : يُخَافُونَ﴾(١٣) أى يهابون ﴿أَنْعَم اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ أى بالإِسلام والإِيمان (١٣) بضم الياء وفتح الخاء . ٤٥٣ ٠٠ والطاعة والشجاعة ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنْكُمْ غَالِبُونَ * وَعَلى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أى إذا توكلتم على الله، واستعنتم به ولجأتم إليه ، نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم وأظفركم بهم . قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن تَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ فصمم ملؤهم على النكول عن الجهاد ، ووقع أمر عظيم ووهن كبير ، فيقال : إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقا ثيابهما ، وأن موسى وهارون سجدا إعظاماً لهذا الكلام وغضباً لله عزّ وجل ، وشفقة عليهم من وبيل المقالة . قَالَ رَبِّ إِنِّى لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباسٍ: اقض بينى وبينهم. ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾ عوقبوا على نكولهم بالتيهان فى الأرض، يسيرون إلى غير مقصد . ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساء . ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله ، بل ماتوا كلهم فى مدة أربعين سنة ، ولم يبق إلّا ذراريهم ، سوى يوشع وكالب عليهما السلام . لکن أصحاب محمد عګ﴾ يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى ، بل لما استشارهم فى الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن ، وتكلم غيره من المهاجرين . ثم جعل يقول: ((أشيروا علىّ)) حتى قال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول الله ؟ فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر فى الحرب ، صدق فى اللقاء ، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله . فسر رسول الله بقول سعد ونشطه ذلك . وقال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن مخارق بن عبد الله الأحمسى، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله عَ ظله يوم بدر : يا رسول الله .. إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ ٤٥٤ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . وهذا إسناد جيد من هذا الوجه ، وله طرق أخرى(١٤) . قال أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا إسرائيل ، عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه: لقد شهدت: من المقداد مشهداً، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلى مما عدل به. أتى رسول الله عَ له وهو يدعو على المشركين فقال : والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ ﴾ لكننا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله عَ لّهم يشرق لذلك وسر بذلك . رواه البخارى فى التفسير ، والمغازى من طرق عن مخارق به(١٥) . وقال الحافظ أبو بكر بن مردویه : حدثنا على بن الحسين بن على ، حدثنا أبو حاتم الرازى ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى ، حدثنا حميد عن أنس ، أن رسول الله عَ ◌ّه لما سار إلى بدر، استشار المسلمين فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار .. إياكم يريد رسول الله عَ ليه ، قالوا : إذن لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾، والذى بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد(١٦) لا تبعناك. رواه الإِمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل ، عن أنس به ، ورواه النسائى عن محمد بن المثنى ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، عن أنس به نحوه . وأخرجه ابن حبان فى صحيحه عن أبى يعلى ، عن عبد الأعلى عن معتمر ، عن حميد عن أنس به نحوه(١٧) . (١٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٤ / ٣١٤ . (١٥) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٣٩٠ والبخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة المائدة . (١٦) برك الغماد : موضع . (١٧) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٣ / ١٠٥ . ٤٥٥ [ الفصل الخامس ] ، فى دخول بنى إسرائيل التيه وما جرى لهم فيها من الأمور العجيبة ذكرنا نكول بنى إسرائيل عن قتال الجبارين ، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه ، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة . ولم أر فى كتاب أهل الكتاب قصة نکوهم عن قتال الجبارين ، ولکن فيها : أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار ، وأن موسى وهارون وخور جلسوا على رأس أكمة ، ورفع موسى عصاه ، فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم ، وكلما مالت يده لها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هارون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس ، فانتصر حزب يوشع عليه السلام. وعندهم أن (( يثرون)) كاهن مدين وختن موسى عليه السلام بلغه ما كان من أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوه فرعون ، فقدم على موسى مسلماً ، ومعه ابنته ((صفوراً)) زوجة موسى، وابناها منه، ((جرشون))، و((عازر))، فتلقاه موسى وأكرمه ، واجتمع به شيوخ بنى إسرائيل وعظموه وأجلوه . وذكروا أنه رأى كثرة اجتماع بنى إسرائيل على موسى فى الخصومات التى تقع بينهم ، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالًا أمناء أتقياء أعفاء ، يبغضون الرشاء والخيانة ، فيجعلهم على الناس رءوس ألوف ، ورءوس مئين ، ورءوس خمسين ، ورءوس عشرة ، فيقضوا بين الناس ، فإذا أشكل عليهم أمر جاءوك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم ، ففعل ذلك موسى عليه السلام . قالوا : ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء ، فى الشهر الثالث من خروجهم من مصر . وكان خروجهم فى أول السنة التى شرعت لهم ، وهى أول فصل الربيع ، فكأنهم دخلوا التيه فى أول فصل الصيف .. والله أعلم . ٠ ٤٥٦ قالوا : ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء، وصعد موسى الجبل فُكلمه ربه ، وأمره أن يذكر بنى إسرائيل ما أنعم به عليهم ، من إنجائه إياهم من فرعون وقومه ، وكيف حملهم على مثل جناحى نسر من يده وقبضته ، وأمره أن يأمر بنى إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم وليستعدوا إلى اليوم الثالث ، فإذا كان فى اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ، ولا يقترب أحد منهم إليه ، فمن دنا منه قتل ، حتى ولا شىء من البهائم ، ما داموا يسمعون صوت القرن(١) فإذا سكن القرن فقد حل لكم أن ترتقوه . فسمع بنو إسرائيل ذلك وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا . فلما كان اليوم الثالث ركب الجبل غمامة عظيمة ، وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جداً . ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعاً شديداً ، وخرجوا فقاموا فى سفح الجبل ، وغشى الجبل دخان عظيم فى وسطه عمود نور زلزل الجبل كله زلزلة شديدة . واستمر صوت الصور ، وهو البوق واشتد ، وموسى عليه السلام فوق الجبل ، والله يكلمه ويناجيه . وأمر الرب عزّ وجل موسى أن ينزل ، فيأمر بنى إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ، وأمر الأحبار ، وهم علماؤهم أن يدنوا فيصعدوا الجبل ، ليتقدموا بالقرب . وهذا نص فى كتابهم على وقوع النسخ لا محالة . فقال موسى : يارب .. إنهم لا يستطيعون أن يصعدوا ، وقد نهيتهم عن 1 ذلك ، فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتى معه بأخيه هارون ، ولكن الكهنة وهم العلماء ، والشعب وهم بقية بنى إسرائيل ، غير بعيد ، ففعل موسى . وكلمه ربه عزّ وجل ، فأمره حينئذ بالعشر الكلمات . وعندهم أن بنى إسرائيل سمعوا كلام الله ، ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى ، وجعلوا يقولون لموسى : بلغنا أنت عن الرب عزّ وجل ، فإنا نخاف أن نموت . (١) أى ما ينفخ فيه. ٤٥٧ فبلغهم عنه فقال هذا العشر الكلمات : وهى : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والنهى عن الحلف بالله كاذباً . والأمر بالمحافظة على السبت ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة ، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذى نسخ الله به السبت ، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك فى الأرض . الذى يعطيك الله ربك لا تقتل . لا تزن . لا تسرق . لا تشهد على صاحبك شهادة زور . لا تمد عينيك إلى بيت صاحبك ، ولا تشته امرأة صاحبك ، ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ، ولا شيئاً من الذى لصاحبك .. ومعناه النهى عن الحسد . وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم : مضمون هذه العشر الكلمات فى آيتين من القرآن، وهما قوله تعالى فى سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَثُلُ مَا حَرَّمَ ربُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُواْ أُوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَّاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُواْ النّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمٍ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشْدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكُلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أُوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَبِعُواْ السُُّلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنِ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(٢). وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة وأحكاماً متفرقة عزيزة ، كانت فزالت ، وعمل بها حيناً من الدهر ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ، ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها ، ثم بعد ذلك كله سلبوها (٣) فصارت منسوخة مبدلة ، بعدما كانت مشروعة مكملة . فلله الأمر من قبل ومن بعد ، وهو الذى يحكم ما يشاء ، ويفعل ما يريد ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين . وقد قال الله تعالى: ﴿يَابَنِى إِسْرَائِيلَ قَدْ أُنْجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوّكُمْ (٢) الأنعام الآيات : ١٥١ - ١٥٣. (٣) بضم الباء . ٤٥٨ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيَمْنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى » كُلُواْ مِنْ طَيَِّاتِ مَا رَزَقْتَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى - فَقَدْ هَوَى * وَإِنَّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى . يذكر تعالى منته وإحسانه إلى بنى إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن أى منهم ، لينزل عليهم أحكاماً عظيمة فيها مصلحة لهم فى دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم فى حالٍ شدتهم وضرورتهم فى سفرهم فى الأرض التى ليس فيها زرع ولا ضرع ، مَنّاً من السماء ، يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم ، فيأخذون منه قدر حاجتهم فى ذلك اليوم إلى مثله من الغد ، ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد ، ومن أخذ منه قليلًا كفاه ، أو كثيراً لم يفضل عنه فيصنعون منه مثل الخبز ، وهو فى غاية البياض والحلاوة ، فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى ، فيقتنصّون منها بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشائهم . وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام ، وهو السحاب الذى يستر عنهم حر الشمس وضوءها الباهر ، كما قال تعالى فى سورة البقرة: ﴿يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفٍ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّىَ فَارْهَبُونَ * وَآمِنُواْ بِمَا أُنزِلْتُ مُصَدَّقَاً لَّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أُوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِى ثَمَناً قَلِيلًا وَإِنَّىَ فَاتَّقُونِ ﴾(٥). إلى أن قال: ﴿وَإِذْ نَجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَخْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنًا مُوسَى أَرْبِعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ انَّخَذْثُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنِكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِالْحَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ (٤) طه الآيات: ٨٠ - ٨٢ . (٥) البقرة الآيتان : ٤٠ - ٤١ . ٤٥٩ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَْنَاكُم مِّنِ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْتَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(٦) إلى أن قال: ﴿ وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبِ بُّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانِفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَاً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍِ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رُّؤْقِ اللهِ وَلَا تَعْتَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَّا رَبَّكَ يُحْرِجْ لَنَا مَمَّا تُنِتُ الْأَرْضُِ مِن بَقْلِهَا وَقِنَّائِهَا وَقُومِهَا وعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَكْسْتَيْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَذْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِعَضَبٍ مِّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِينَ بِغَيْرَ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾(٧) . فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم ، بما يسر لهم من المن والسلوى ، طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعى لهم فيه ، بل ينزل الله المن باكراً ، ويرسل عليهم طير السلوى عشياً ، وأنبع الماء لهم ، بضرب موسى عليه السلام حجراً كانوا يحملونه معهم بالعصا ، فتفجر منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سبط عين منه تنبجس ، ثم تنفجر ماء زلالا فيستقون فيشربون ويسقون دوابهم ، ويدخرون كفايتهم ، وظلل عليهم الغمام من الحر . وهذا نعم من الله عظيمة ، وعطيات جسيمة ، فما رعوها حق رعايتها ، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها . ثم ضجر كثير منهم منها وتبرموا بها ، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ، مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها . فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلاً: ﴿أَتَسْتَيْدِلُونَ (٦) البقرة الآيات : ٤٩ - ٥٧ . (٧) البقرة الآيتان : ٦٠ - ٦١ . ٤٦٠