Indexed OCR Text
Pages 361-380
الباب الثانى عشر
قصة يونس عليه السلام
الفصل الأول : قصة يونس عليه السلام .
الفصل الثانى : فضل يونس عليه السلام .
[ الفصل الأول ]
قصة يونس عليه السلام
قال الله تعالى فى سورة يونس: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَتَفَعَهَا إِيمَانُهَا
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ
إِلَى حِينٍ﴾(١) .
وقال تعالى فى سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُعَاضِباً فَظَنَّ أن ◌َّن
تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَادَىُ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبحانَكَ إِلَّى كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْعَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(٢) .
وقال تعالى فى سورة {والصافات: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ
إِلَى الْقُلْكِ الْمَشْحُونِ « فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ
مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ * فَتَبَذْنَاهُ
بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ
يَزِيدُونَ * فَآَمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾(٣) .
وقال تعالى فى سورة القلم: ﴿ فَاصْپرْ لِحُكْم رَبِّكَ وَلَا تَكُن گَصَاحِبٍ
الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلًا أن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَئِبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ
مَذْمُومٌ ، فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(٤).
قال أهل التفسير: بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل (( نينوى )) من أرض
(١) يونس الآية : ٩٨.
(٢) الأنبياء الآيان: ٨٧ - ٨٨
(٣) الصافات الآيات : ١٣٩ - ١٤٨.
(٤) القلم الآيات : ٤٨ - ٥٠ .
(٥) نينوى: قرية بالموصل بالقرب من الكوفة [معجم البلدان ٥ / ٣٣٩ ].
٣٦٣
الموصل ، فدعاهم إلى الله عزّ وجل ، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم ،
فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم ، ووعدهم حلول العذاب
بهم بعد ثلاث .
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ، وغير واحد من السلف
والخلف : فلما خرج من بين ظهرانيهم ، وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله فى
قلوبهم التوبة والإنابة ، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم ، فلبسوا المسوح وفرقوا
بين كل بهيمة وولدها ، ثم عجوا إلى الله عزّ وجل ، وصرخوا وتضرعوا إليه ،
وتمسكنوا لديه ، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات . وجأرت
الأنعام والدواب والمواشى ، فرغت الإِبل وفصلانها ، وخارت البقر وأولادها ،
وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة .
فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته ، عنهم العذاب الذى كان قد
اتصل بهم سببه ، ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم .
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَتَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ (٦) أى هلا
وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها ، فدل على أنه لم يقع ذلك ،
بل كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن ◌َّذِيٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِما
أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾(٧). وقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَياةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾(٨) أى آمنوا بكمالهم .
وقد اختلف المفسرون : هل ينفعهم هذا الإِيمان فى الدار الآخرة ، فينقذهم
من العذاب الأخروى كما أنقذهم من العذاب الدنيوى ؟ على قولين :
الأظهر من السياق: نعم. والله أعلم. كما قال تعالى: ﴿لَمَّا آمَنُواْ﴾ وقال
تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُم إِلَى
حِينٍ﴾(٩) ، وهذا المتاع إلى حين لا ينفى أن يكون معه غيره من رفع العذاب
(٦) يونس الآية : ٩٨ .
(٧) سبأ الآية : ٣٤.
.(٨) يونس الآية : ٩٨ .
(٩) الصافات الآيتان : ١٤٧ - ١٤٨ .
٣٦٤
الأخروى .. والله أعلم .
وقد كانوا مائة ألف لا محالة . واختلفوا فى الزيادة : فعن مكحول عشرة
آلاف . وروى الترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث زهير عمن سمع
أبا العالية: حدثنى أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله عَ لّم عن قوله :
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أُوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: ((يزيدون عشرين ألفاً)) فلولا
هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً فى هذا الباب(١٠) .
وعن ابن عباس : كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً ، وعنه : وبضعة وثلاثين
ألفاً ، وعنه وبضعة وأربعين ألفاً . وقال سعيد بن جبير: كانوا مائة ألف
وسبعين ألفاً .
واختلفوا : هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده ؟ أو هما أمتان ؟ على
ثلاثة أقوال : هى مبسوطة فى التفسير(١١).
*
*
*
والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضباً بسبب قومه ، ركب سفينة فى
البحر فلجت بهم ، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها ، وكادوا يغرقون على
ما ذكره المفسرون .
قالوا : فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا ، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه
من السفينة ليتخففوا منه .
فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبى الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية
فوقعت عليه أيضاً ، فشمر ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه ، فأبوا عليه ذلك . ثم أعادوا
القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً ، لما يريده الله به من الأمر العظيم .
قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَىْ الْقُلْكِ الْمَشْحُونِ
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾(١٢) وذلك أنه لما
(١٠) أخرجه الترمذى فى سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة الصافات. وقال: ((حديث غريب))
وأخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره ، تفسير سورة الصافات .
(١١) تفسير الطبرى ٢٣ / ٦٦، ٦٧ .
(١٢) الصافات الآيات : ١٣٩ - ١٤٢.
٣٦٥
وقعت عليه القرعة ألقى فى البحر ، وبعث الله عزّ وجل حوتاً عظيماً من البحر
الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحماً ولا يهشم له عظماً فليس لك
برزق ، فأخذه فطاف به البحار كلها . وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر
أكبر منه .
قالوا : ولما استقر فى جوف الحوت حسب أنه قد مات ، فحرك جوارحه
فتحركت ، فإذا هو حى فخر لله ساجداً وقال : يارب . اتخذت لك مسجداً فى
موضع لم يعبدك أحد فى مثله .
وقد اختلفوا فى مقدار لبثه فى بطنه . فقال مجالد عن الشعبى : التقمه ضحى
ولفظه عشية ، وقال قتادة : مكث فيه ثلاثاً ، وقال جعفر الصادق : سبعة أيام .
ويشهد له شعر أمية بن أبى الصلت : (١٣)
وأنت بفضل منك نجيت يونساً وقد بات فى أضعاف الحوت لياليّاً.
وقال سعيد بن أبى الحسن وأبو مالك : مكث فى جوفه أربعين يوماً .. والله
أعلم كم مقدار ما لبث فيه (١٤) .
والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به فى قرار البحار اللجية ، ويقتحم به
لجج الموج الأجاجى(١٥)، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن ، وحتى سمع تسبيح
الحصى لفالق الحب والنوى ، ورب السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما
وما تحت الثرى ، فعند ذلك وهنالك ، قال ما قال بلسان الحال والمقال ، كما أخبر
عنه ذو العزة والجلال ، الذى يعلم السر والنجوى ، ويكشف الضر والبلوى ،
سمع الأصوات وإن ضعفت ، وعالم الخفيات وإن دقت ، ومجيب الدعوات وإن
عظمت ، حيث قال فى كتابه المبين ، المنزل على رسوله الأمين ، وهو أصدق
القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: ﴿وَذَا الُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ إلى أهله
(١٣) أمية بن أبى الصلت بن أبى ربيعة بن عوف الثقفى، الشاعر الجاهلى. [راجع: الأغانى ٤ / ١٢٣ ط
دار الثقافة - بيروت، جمهرة الأنساب ٢٥٧، تهذيب الأسماء ١ / ١٢٦ ].
(١٤) تفسير الطبرى - تفسير سورة الأنبياء ١٧ / ٦٣ .
(١٥) الأجاج : الشديد الملوحة، وأجيج الماء : صوت انصبابه [اللسان: أجج ] .
٣٦٦
مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّنِ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَىْ فِي الظُّلُّمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ
سُبَحْائِكَ إِلَّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَّهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْعَمِّ وَكَذَلِكَ تُنْجِى
الْمُؤْمِنِينَ﴾(١٦) ﴿فَظَنَّ أَن لَّن ◌َّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أن نضيق عليه . وقيل معناه :
نقدر من التقدير وهى لغة مشهورة ، قدر وقدر (١٧) كما قال الشاعر :
فلا عائد ذاك الزمان الذى مضى تباركت، ماتقدر يكن، فلك الأمر
فَتَادَىْ فِىِ الظُّلُمَاتِ ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون
وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ، ظلمة الحوت
وظلمة البحر وظلمة الليل .
وقال سالم بن أبى الجعد : ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع
ظلمة البحر .
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنِ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ
يُتْعَثُونَ﴾ (١٨) قيل معناه فلولا أنه سبح الله هناك، وقال ما قال من التهليل
والتسبيح ، والاعتراف لله بالخضوع ، والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى
يوم القيامة ، ولبعث من جوف ذلك الحوت . هذا معنى ما روى عن سعيد
ابن جبير فى إحدى الروايتين عنه(١٩).
وقيل معناه : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ) من قبل أخذ الحوت له ﴿مِنَ
الْمُسَبِّحِينَ﴾ أى المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراً ، قاله الضحاك بن قيس
وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدی
وعطاء بن السائب والحسن البصرى وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير .
ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول
الله عَ له قال له: ((يا غلام .. إنى أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك ، احفظ
(١٦) الأنبياء الآيتان: ٨٧ - ٨٨.
(١٧) قدر وقدر : الأولى بكسر الدال المخففة والثانية بالفتح مع التشديد .
(١٨) الصافات الآيتان: ١٤٣ - ١٤٤.
(١٩) تفسير الطبرى جـ ١٧ / ٦٤.
٣٦٧
الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة)) (٢٠).
وروى ابن جرير فى تفسيره ، والبزار فى مسنده من حديث محمد
ابن إسحاق ، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال : سمعت
أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ ليه: ((لما أراد الله حبس يونس فى بطن الحوت
أوحى الله إلى الحوت : أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً . فلما
انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حساً ، فقال فى نفسه ما هذا؟ فأوحى الله
إليه وهو فى بطن الحوت : إن هذا تسبيح دواب البحر . قال : فسبح وهو فى
بطن الحوت ، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : يا ربنا . إنا نسمع صوتاً ضعيفاً
بأرض غريبة ! قال : ذلك عبدى يونس عصانى فحبسته فى بطن الحوت فى البحر
قالوا : العيد الصالح ، الذى كان يصعد إليك منه فى كل يوم وليلة عمل صالح ؟
قال : نعم قال : فشفعوا له عند ذلك ، فأمر الحوت فقذفه فى الساحل كما قال
الله: ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾.
هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً . ثم قال البزار : لا نعلمه يروى عن النبى
عَّ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال(٢١).
وقد قال ابن أبى حاتم فى تفسيره : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن
ابن أخى وهب ، حدثنا عمى ، حدثنى أبو صخر ، أن يزيد الرقاشى قال :
سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلّا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله عَ ليه
يقول: ((إن يونس النبى عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو فى
بطن الحوت قال : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فأقبلت
هذه الدعوة تحت العرش ، فقالت الملائكة : يارب .. صوت ضعيف معروف من
بلاد غريب . فقال أما تعرفون ذلك ؟ قالوا : لا يارب ومن هو ؟ قال : عبدی
يونس . قالوا : عبدك يونس الذى لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة
وقالوا : ياربنا .. أولا ترحم ما كان يصنعه فى الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ قال :
بلى . فأمر الحوت فطرحه فى العراء)).
(٢٠) أخرجه الترمذى فى كتاب القيامة، باب ٥٩ وقال: ((حسن صحيح)) وأحمد فى مسنده ١ / ٢٩٣.
(٢١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ، تفسير سورة الأنساء ١٧ / ٨١ .
٣٦٨
ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به(٢٢).
زاد ابن أبى حاتم : قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرنى ابن قسيط وأنا
أحدثه هذا الحديث ، أنه سمع أبا هريرة يقول : طرح بالعراء ، وأنبت الله عليه
اليقطينة. قلنا : يا أبا هريرة .. وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء، قال
أبو هريرة : وهيأ الله له أروية (٢٣) وحشية تأكل من خشاش الأرض ، أو قال :
هشاش الأرض ، قال : فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى
نبت .
وقال أمية بن أبى الصلت فى ذلك بيتاً من شعره :
فأنبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله أصبح ضاوياً
وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه . ويزيد الرقاشى ضعيف ، ولكن يتقوى
بحديث أبى هريرة المتقدم ، كما يتقوى ذاك بهذا .. والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿فَتَبَذْنَاهُ﴾ أى ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ وهو المكان
القفر الذى ليس فيه شىء من الأشجار ، بل هو عار منها، ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أى
ضعيف البدن . قال ابن مسعود : كهيئة الفرخ ليس عليه ريش ، وقال ابن عباس
وابن زيد : كهيئة الصبى حين يولد وهو المنفوش ليس عليه شىء. ﴿ وَأَنبَتْنَا
عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِن يَقْطِينٍ ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد
ابن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدی وقتادة
والضحاك وعطاء الخراسانى وغير واحد : هو القرع .
قال بعض العلماء : فى إنبات القرع عليه حكم جمة ، منها أن ورقه فى غاية
النعومة ، وكثير وظليل ، ولا يقربه ذباب ، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى
آخره ، نياً ومطبوخاً ، وبقشره وببذره أيضاً . وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير
ذلك .
(٢٢) أخرجه ابن جرير فى تفسير سورة الأنبياء ١٧ / ٨٢ .
(٢٣) أُرْوِيَّة: بضم الهمزة وكسرها وسكون الراء وكسر الواو وتشديد الياء مع فتحها : الأنثى من الوعول ،
وجمعها أرْوَى - على غير قياس [اللسان: روى ] .
٣٦٩
وتقدم كلام أبى هريرة فى تسخير الله تعالى له تلك الأروية التى كانت
ترضعه لبنها وترعى فى البرية ، وتأتيه بكرة وعشية . وهذا من رحمة الله به ونعمته
عليه وإحسانه إليه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِن العَمِّ﴾ أى
الكرب والضيق الذى كان فيه ﴿ وَكَذَلِكَ تُنجِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أى وهذا صنیعنا
بكل من دعانا واستجار بنا .
قال ابن جرير : حدثنى عمران بن بكار الكلاعى ، وحدثنا يحيى
ابن صالح ، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن ، حدثنى بشر بن منصور ، عن على
ابن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك - وهو ابن أبى
وقاص - يقول: سمعت رسول الله عَ الم يقول: ((اسم الله الذى إذا دعى به
أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، دعوة يونس بن متى )) قال : فقلت : يا رسول
الله .. هى ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: (( هى ليونس خاصة
وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿ فَتَادَىُّ فِىِ الظُّلُمَاتِ
أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَائِكَ إِنِى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِن
العَمِّ وَكَذَلِكَ تُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٤) فهو شرط من الله لمن دعاه به (٢٥) .
وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر عن
كثير بن زيد ، عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب -
يعنى أن سعد عن سعد - قال: قال رسول الله عَ له: ((من دعا بدعاء يونس استجيب
له )). قال أبو سعيد الأشج: يريد به: ﴿ وَكَذَلِكَ تُنجِى الْمُؤْمِنِينَ
وهذان طريقان عن سعد
وثالث أحسن منهما : وقال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن عمير ، حدثنا
يونس بن أبى إسحاق الهمدانی ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدثنی والدى
محمد ، عن أبيه سعد ۔۔ وهو ابن أبى وقاص رضى الله عنه - قال : مررت بعثمان
ابن عفان فى المسجد فسلمت عليه ، فملأ عينيه منى ثم لم يرد على السلام ، فأتيت
(٢٤) الأنبياء الآيتان : ٨٧ - ٨٨.
(٢٥) أخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره : تفسير سورة الأنبياء ١٧ / ٨٢.
٣٧٠
عمر بن الخطاب فقلت : يا أمير المؤمنين . هل حدث فى الإِسلام شىء ؟ قال :
لا . وما ذاك ؟ قلت : لا ، إلّا أنى مررت بعثمان آنفاً فى المسجد فسلمت عليه
فملأ عينيه منى ثم لم يرد علىّ السلام قال : فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه ، فقال :
ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام ؟ قال : ما فعلت . قال سعد :
قلت : بلى ، حتى حلف وحلفت . قال: ثم إن عثمان ذكر فقال : بلى ، وأُستغفر
الله وأتوب إليه ، إنك مررت بى آنفاً ، وأنا أحدث نفسى بكلمة سمعتها من رسول
الله عَ ◌ّه لا والله ماذكرتها قط ألا تغشى بصرى وقلبى غشاوة . قال سعد: فأنا
أنبئك بها ، أن رسول الله عَ الم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابى فشغله حتى قام
رسول الله عَّالله فاتبعته ، فلما أشفقت أن يسبقنى إلى منزله ضربت بقدمى
الأرض، فالتفت إلى رسول الله عَ له فقال: ((من هذا؟ أبو إسحاق)) ؟ قال:
قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((مه))؟ قلت : لا والله ، إلّا أنك ذكرت لنا
أول دعوة ، ثم جاء الأعرابی فشغلك . قال: « نعم .. دعوة ذى النون إذ هو فى
بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنَّى كُنتُ مِن الظَّالِمِينَ﴾، فإنه لم
يدع بها مسلم ربه فى شىء قط إلّا استجاب له)).
ورواه الترمذى والنسائى من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به(٢٦).
(٢٦) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ١ / ١٧٠ .
٣٧١
[ الفصل الثانى ]
ذكر فضل يونس عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿ وَإِن يُونُسَ لَمِن الْمُرْسَلِينَ﴾(١) وذكره تعالى فى جملة
الأنبياء الكرام فى سورتى النساء والأنعام ، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن
أبى وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله عَ له: ((لا ينبغى لعبد أن يقول أنا
خیر من يونس بن متى )) .
ورواه البخارى من حديث سفيان الثورى به(٢) .
وقال البخارى أيضاً : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة عن
أبى العالية عن ابن عباس، عن النبى معَ المه قال: ((ما ينبغى لعبد أن يقول إنى خير
من يونس بن متى ، ونسبه إلى أبيه )).
ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به ، قال شعبة فيما حكاه
أبو داود عنه : لم يسمع قتادة من أبى العالية سوى أربعة أحاديث ، هذا
أحدها(٣) .
وقد رواه الإمام أحمد عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن على بن زيد ،
عن يونس بن مهران ، عن ابن عباس، عن النبى عَّةٍ قال: ((ما ينبغى لعبد أن
يقول أنا خير من يونس بن متى)) .
(١) الصافات الآية : ١٣٩.
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده بلفظ ((ما ينبغى لنبى .. إنخ)) ١ / ٢٠٥.
(٣) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى ﴿ وَإِن يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسِلِينَ﴾ وأحمد فى
مسنده ١ / ٢٤٢ ومسلم فى كتاب الفضائل ، باب فى ذكر يونس عليه السلام .
٣٧٢
تفرد به أحمد (٤) .
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبرانى : حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان ،
حدثنا عبد الله بن رجاء أنبأنا إسرائيل ، عن أبى يحيى العتاب ، عن مجاهد ، عن
ابن عباس أن رسول الله عَّ الله قال: ((لا ينبغى لأحد أن يقول أنا عند الله خير من
يونس بن متى )) .
إسناده جيد ولم يخرجوه .
وقال البخارى : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ،
سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، عن النبى عَ لِ قال: ((لا ينبغى
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ))
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به .
وفى البخارى ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل ، عن عبد الرحمن
ابن هرمز الأعرج ، عن أبى هريرة فى قصة المسلم الذى لطم وجه اليهودى حين
قال : لا والذى اصطفى موسى عن العالمين .
قال البخارى فى آخره (( ... ولا أقول : إن أحداً أفضل من يونس
ابن متى)) وهذا اللفظ يقوى أحد القولين من المعنى: ((لا ينبغى لأحد أن يقول
أنا خير من يونس بن متى)) أى ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس(٥) .
والقول الآخر : لا ينبغى لأحد أن يفضلنی علی يونس بن متى ، کما قد ورد
فى بعض الأحاديث: ((لا تفضلونى على الأنبياء ولا على يونس بن متى)).
وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر
أنبياء الله والمرسلين .
(٤) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ١ / ٢٩٢ .
(٥) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء، باب ﴿وَإِن يُولُسَ لَمِن المُرْسَلِينَ﴾ ٦ / ٥١٩ ومسلم فى كتاب
الفضائل ، باب من فضائل موسى عليه السلام ٤ / ١٨٤٣ .
٣٧٣
الباب
الثالث عشر
قصة موسى عليه السلام
الفصل الأول
الفصل الثانى
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
: قصة موسى عليه السلام .
: الموقف بعد هزيمة فرعون في يوم الزينة .
: هلاك فرعون وجنوده .
: أمر بنى إسرائيل بعد هزيمة فرعون .
: دخول بنى إسرائيل التيه وما جرى لهم من
الأمور العجيبة .
: سؤال الرؤية .
الفصل السادس
: عبادة بنى إسرائيل العجل فى غيبة موسى .
الفصل السابع
: قصة بقرة بنى إسرائيل .
الفصل الثامن
: قصة موسى والخضر عليهما السلام .
الفصل التاسع
: حديث الفتون .
الفصل العاشر
الفصل الحادى عشر : بناء قبة الزمان .
الفصل الثانى عشر : قصة قارون مع موسى عليه السلام .
الفصل الثالث عشر : فضائل موسى ، ... ، ووفاته عليه السلام .
الفصل الرابع عشر : حج موسى إلى البيت العتيق .
الفصل الخامس عشر : صفة موسى عليه السلام .
الفصل السادس عشر : وفاة موسى عليه السلام .
الفصل السابع عشر : ذكر نبوة يوشع ... إلخ .
[ الفصل الأول ]
ذكر قصة موسى الكليم
عليه الصلاة والتسليم
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق
ابن إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ
مُحْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا تَّبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا
*
وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نِيًّا﴾(١) .
وقد ذكره الله تعالى فى مواضع كثيرة متفرقة من القرآن . وذكر قصته فى
مواضع متعددة مبسوطة وغير مطولة . وقد تكلمنا على ذلك كله فى مواضعه من
التفسير . وسنورد سيرته ها هنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة
وما ورد فى الآثار المنقولة من الإسرائيليات التى ذكرها السلف وغيرهم إن شاء
الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .
قال الله تعالى
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ « طسْمَ « تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ « نَثْلُوا
عَلَيْكَ مِن تَبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَثُرِيدُ أَن تَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَثُمَكِّنَ لَّهُمْ فِ الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾(٢) .
(١) مريم الآيات : ٥١ - ٥٣ .
(٢) القصص الآيات : ١ - ٦ .
٣٧٧
يذكر تعالى ملخص القصة ، ثم يبسطها بعد هذا ، فذكر أنه يتلو على نبيه
خبر موسى وفرعون بالحق ، أى بالصدق الذى كأن سامعه مشاهد للأمر
معاین له .
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعَاً﴾ ، أى تجبر وعتا وطغى
وبغى ، وآثر الحياة الدنيا ، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى . وجعل أهلها شيعاً ،
أى قسم رعيته إلى أقسام ، وفرق وأنواع ، يستضعف طائفة منهم ، وهم شعب
بنى إسرائيل الذين هم من سلاسة نبى الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل
الله. وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم
الكافر الفاجر ، يستعبدهم ويستخدمهم فى أخس الصنائع والحرفّ وأرداها
وأدناها ومع هذا ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُم وَيَسْتَحِْى نِساءَهُم إِنَّهُ كَانَ مِن
الْمُفْسِدِينَ ﴾ .
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بنى إسرائيل كانوا يتدارسون فيما
بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام ، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون
هلاك ملك مصر على يديه . وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة
امرأة الخليل من ملك مصر ، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها . وكانت
هذه البشارة مشهورة فى بنى إسرائيل ، فتحدث بها القبط فيما بينهم ووصلت إلى
فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده ، فأمر عند ذلك
بقتل أبناء بنى إسرائيل ، حذراً من وجود هذا الغلام ، ولن يغنى حذر من
قدر ! .
وذكر السدى عن أبى صالح وأبى مالك ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن
ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة : أن فرعون رأى فى منامه ، كأنَّ ناراً قد
أقبلت من نحو بيت المقدس ، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بنى
إسرائيل . فلما استيقظ هاله ذلك ، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة . وسألهم
عن ذلك ، فقالوا : هذا غلام يولد من هؤلاء ، يكون سبب هلاك أهل مصر على
يديه ، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان(٣).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير الطبرى، تفسير سورة البقرة ١ / ٢٧٢، ٢٧٣.
٣٧٨
٠
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَن ◌َّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي
الْأَرْضِ﴾. وهم بنو إسرائيل، ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أى
الذين يئول ملك مصر وبلادها إليهم ﴿وَثُمَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ . أى سنجعل الضعيف قوياً
والمقهور قاهراً والذليل عزيزاً. وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل ، كما قال تعالى :
﴿ وَأُوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا التى بَارَكْنَا
فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلٍ بِمَا صَبَرُواْ﴾ (٤) الآية .
وقال تعالى: ﴿فَأُخْرَ جْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُنٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ
وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَائِيلِ﴾(٥) . وسيأتى تفصيل ذلك فى موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى ، حتى جعل
رجالًا وقوابل يدورون على الحبالى ، ويعلمون ميقات وضعهن ، فلا تلد امرأة
ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته .
وعند أهل الكتاب : أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان ، لتضعف شوكة بنى
· إسرائيل ، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم .
وهذا فيه نظر ، بل هو باطل . وإنما هذا فى الأمر بقتل الولدان بعد بعثة
موسى ، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقْتُلُواْ أَبْنَاءَ الَّذِينَ
آمَنُواْ مَعَهُ وَاسْتَحْيُواْ نِسَاءَهُمْ﴾(٦) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿أُو ذِينَا
مِن قَبْلِ أَنَ تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِْنَا﴾(٧).
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولًا ، حذراً من وجود موسى .
هذا ، والقدر يقول : يا أيهذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة
بأسه واتساع سلطانه : قد حكم العظيم الذى لا يغالب ولا يمانع ، ولا تخالف
أقداره : إن هذا المولود الذى تحترز منه ، وقد قتلت بسببه من النفوس مالا يعد
(٤) سورة الأعراف الآية : ١٣٧ .
(٥) سورة الشعراء الآيات: ٥٧ - ٥٩
(٦) غافر الآية : ٢٥ .
(٧) الأعراف الآية : ١٢٩ .
5. 9
٣٧٩
ولا يحصى ، لا يكون مرباه إلّا فى دارك وعلى فراشك ، ولا يغذى إلا بطعامك
وشرابك فى منزلك وأنت الذى تتبناه وتربيه وتتفداه ، ولا تطلع على سر معناه ،
ثم يكون هلاكك فى دنياك وأخراك على يديه ، المخالفتك ما جاءك به من الحق
المبين ، وتكذيبك ما أوحى إليه ، لتعلم أنت وسائر الخلق ، أن رب السموات
والأرض هو الفعال لما يريد ، وأنه هو القوى الشديد ، ذو البأس العظيم ، والحول
والقوة والمشيئة التى لا مرد لها ! .
وقد ذكر غير واحد من المفسرين : أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بنى
إسرائيل ، بسبب قتل ولدانهم الذكور ، وخشى أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار ،
فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الأبناء
عاماً وأن يتركوا عاماً فذكروا أن هارون عليه السلام ولد فى عام المسامحة عن قتل
الأبناء ، وأن موسى عليه السلام ، ولد فى عام قتلهم ، فضاقت أمه به ذرعاً
واحترزت من أول ما حبلت ، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل . فلما وضعت
ألهمت أن اتخذت له تابوتاً ، فربطته فى حبل وكانت دارها متاخمة للنيل ، فكانت
ترضعه ، فإذا خشيت من أحد وضعته فى ذلك التابوت ، فأرسلته فى البحر ،
وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به .
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ
فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِ وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رِادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَةُ
آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَنَاً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ
خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ
نَتَّخِذَهُ ولَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾(٨) ..
هذا الوحى وحى إلهام وإرشاد كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
أَنْ أَحْذِى مِن الجَبَالِ بُيُوتَاً وَمِن الْشَّجَرِ وَمَمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمِّ كُلَى مَن كُلٌّ
الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ... ﴾(٩) الآية . وليس هو
بوحى نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول ، كما
(٨) القصص الآيات : ٧ - ٩ .
(٩) النحل الآيتان : ٦٨ - ٦٩.
٣٨٠