Indexed OCR Text
Pages 221-240
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا الْتُبُوقَ والكَتَابَ﴾(٤) الآية . فكل. كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل ، فمن ذريته وشيعته . وهذه خلعة سنية لا تضاهي ،ومرتبة علية لا تباهى . وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان : إسماعيل من هاجر ، ثم إسحاق من سارة ، وولد له يعقوب - وهو إسرائيل - الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم ، فكانت فيهم النبوة ، وكثروا جداً بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة ، حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل . وأما إسماعيل عليه السلام ، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلهم ، كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى . ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم ، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي ، المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه . فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة ، والدرة الزاهرة ، وواسطة العقد الفاخرة ، وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع ، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة . وقد ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: «سأقوم مقاماً يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ))(٥) . فمدح إبراهيم أباه مدحة عظيمة في هذا السياق ، ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق ، في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق . و قال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور عن المنهال ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله عَ لم يعوذ الحسن والحسين ويقول: ((إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق : أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لاقّة))(٦). (٤) سورة الحديد الآية : ٢٦ . (٥) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف بلفظ «وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام» . (٦) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب رقم ١٠ . ٢٢١ ورواه أهل السنن من حديث منصور به . وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أُرِنِّى كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أُوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لَّيِطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أُرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ آدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَآَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(٧) ذكر المفسرون لهذا السؤال أسباباً بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير . والحاصل : أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل، فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور . واختلفوا في تعيينها على أقوال ، والمقصود حاصل على كل تقدير ، فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ، ويخلط ذلك بعضه في بعض ، ثم يقسمه قسماً ويجعل على كل جبل منهن جزءاً ففعل ما أمر به . ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن ، فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه ، وكل ريشة تأتي إلى أختها ، حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه . وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشيء كن فيكون ، فأتين إليه سعياً ، ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيراناً. ويقال إنه أمر أن يأخذ رءوسهن في يده ، فجعل كل طائر يأتي فيلقى رأسه فيتركب على جثته كما كان ... فلا إله إلا الله . وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علماً يقينياً لا يحتمل النقيض . ولكن أحب أن يشاهد ذلك عياناً، ويترقي من علم اليقين إلى عين اليقين ! فأجابه الله على سؤاله وأعطاه غاية مأموله . وقال تعالى: ﴿ يَأَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَآلْإِنجِيلُ إَلا مِن بَعْدِهِ أُفَلَا تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاتُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَ اللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * مــ (٧) سورة البقرة الآية : ٢٦٠ . ٢٢٢٠ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ آَتَبَعُوهُ وَهَذا التَّبِىُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِى اَلْمُؤْمِنِينَ﴾(٨). ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين ، كون الخليل على ملتهم وطريقتهم ، فبرأه الله منهم ، وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله: ﴿ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَا مِن بَعْدِهِ﴾ (٩) أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ؟ ولهذا قال: ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ بَهُودِّيّاً وَلَا نَصْرَائِيّاً. وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾(١٠) فبين أنه كان على دين الله الحنيف ، وهو القصد إلى الإِخلاص، والانحراف عمداً عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف اليهودية والنصرانية والمشركية . كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغِبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِى الْذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِهِ وَيَعْقُوِبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَّهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا كُونُوا هُوِداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوْتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَُّّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أُحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ آَهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقِ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( صِبْعَةَ اللهِ وَمَن أَحْسَنُ مِن اللهِ صِبْعَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴿ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا ٠ (٨) سورة آل عمران: الآيات : ٦٥ - ٦٨. (٩) سورة آل عمران الآية : ٦٥. (١٠) سورة آل عمران الآية : ٦٧ . ٢٢٣ فِى الله وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنِحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَنْتُمْ أُعلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّ تَعْمَلُونَ " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١١) . فنزه الله عز وجل خليله عليه السلام على أن يكون يهودياً أو نصرانياً ، وبين أنه إنما كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين . ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ الْبَعُوهُ﴾(١٢) يعني الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم ﴿ وَهَذَا النَّبِىِ﴾ يعني محمداً عَ له، فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل ، وكمله الله تعالى له ، وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا من قبله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِى هَذَانِى رَبِّي إِلَىٍ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ * قُلْ إِنّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَمَحْيَاَىَ وَمَمَاتِى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَّهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أُوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾(١٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً اللهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرَاً لَّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وَآتَيْنَاهُ فِى الذُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أُوْ حَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ آَتَبَعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾(١٤) . وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبى معَّ اله لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت . ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال : ((قاتلهم الله ... والله ما استقسما بالأزلام قط))(١٥). لم يخرجه مسلم . (١١) سورة البقرة الآيات : ١٣٠ - ١٤١ . (١٢) سورة آل عمران الآية : ٦٨ . (١٣) سورة الأنعام الآيات: ١٦١ - ١٦٣. (١٤) سورة النحل الآيات : ١٢٠ - ١٢٣. (١٥) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾. ٢٢٤ وفي بعض ألفاظ البخاري: (( قاتلهم الله ... لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط)) (١٦). وقوله: ((أُمَّة)) أي قدوة إماماً مهتدياً داعياً إلى الخير، يقتدى به فيه ((قانتاً الله)) أي خاشعاً له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ((حَنِيفاً)) أي مخلصاً على بصيرة ((ولم يك من المشركين ، شاكراً لأنعمه )) أي قائماً بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله ((اجتباه )) أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته . واتخذه خليلاً ، وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة . وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أُحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتْخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾(١٧) يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام ، لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم ، وقد قام بجميع ما أمره به ربه، ومدحه تعالى بذلك فقال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّىَ﴾(١٨) ولهذا اتخذه الله خليلا ، والخلة هى غاية المحبة كما قال بعضهم : قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمى الخليل خليلا وهكذا نال هذه المرتبة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله عَ الم أنه قال: ((أيها الناس ... إن الله اتخذني خليلاً ))(١٩) . وقال أيضاً في آخر خطبة خطبها: ((أيها الناس ... لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله)). أخرجاه من حديث أبى سعيد(٢٠). (١٦) أخرجه البخاري في كتاب الحج ، باب من كبر في نواحي مكة . (١٧) سورة النساء الآية : ١٢٥. (١٨) سورة النجم الآية : ٣٧ . (١٩) انظر : سنن ابن ماجة ، المقدمة ، باب رقم ١١ . (٢٠) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ ((لو كنت متخذاً خليلا لا تخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي)) كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي معَ له لو كنت متخذا ... إلخ . ٢٢٥ وثبت أيضاً من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود . وروى البخاري في صحيحه : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن عمرو بن ميمون ، قال : إن معاذاً لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللهِ إِبْرَاهيم خَلِيلاً ﴾ فقال رجل من القوم : لقد قرت عين أم إبراهيم !(٢١). وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد ، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة ، حدثنا عبد الله الحنفي ، حدثنا زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله عَ له ينتظرونه ، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول : عجباً ... إن الله اتخذ من خلقه خليلاً! فإبراهيم خليله ، وقال آخر : ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليماً . وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته . وقال آخر : آدم اصطفاه الله . فخرج عليهم فسلم وقال: (( قد سمعت كلامكم وعجبكم ... إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى كليمه وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته ، وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وإنى حبيب الله ولا فخر ، ألا وإنى أول شافع وأول مشفع ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر )). هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وله شواهد من وجوه أخر ... والله أعلم . وروى الحاكم في مستدر كه من حديث قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم ؟ والكلام لموسى ؟ والرؤية لمحمد ؟ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن خالد السلمي ، حدثنا (٢١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي ، باب بعث أبى موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع . ٢٢٦ الوليد ، عن إسحاق بن يسار قال : لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوجل حتى إن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء . وقال عبيد بن عمير(٢٢): كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس ، فخرجٍ يوماً يلتمس إنساناً يضيفه فلم يجد أحداً يضيفه ، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلاً قائماً ، فقال : يا عبد الله ... ما أدخلك داري بغير إذني ؟ قال : دخلتها بإذن ربها . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، أرسلني ربي إلى عبد من عباده ، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً. قال : من هو ؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ، ثم لا أبرح له جاراً ، حتى يفرق بيننا الموت . قال : ذلك العبد أنت . قال : أنا ؟! قال : نعم . قال : فبم اتخذني ربي خليلاً ؟ قال : بأنك تعطي الناس ولا تسألهم . رواه ابن أبي حاتم . وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيراً في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له ، فقيل : إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعاً ، منها خمسة عشر في البقرة وحدها . وهو أحد أولى العزم الخمسة المنصوص علی أسمائهم تخصيصاً من بين سائر الأنبياء في آيتى الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أُخَذْنَا مِنَ النَّبِنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن تُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾(٢٣) وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّن الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِى أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... ﴾ (٢٤) الآية . ثم هو أشرف أولى العزم بعد محمد ێ. وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسنداً ظهره بالبيت المعمور (٢٢) عبيد بن عمير: مولى ابن عباس [تهذيب التهذيب ٧٢/٧ ]. (٢٣) سورة الأحزاب الآية : ٧ . (٢٤) سورة الشورى الآية : ١٣. ٢٢٧ الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم . وما وقع في حديث شريك بن أبى نمير عن أنس في حديث الإسراء ، من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة ، فمما انتقد على شريك في هذا الحديث . والصحيح الأول . وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا محمد بن عمرو ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ) (٢٥). تفرد به أحمد . ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه : ((وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم)). رواه مسلم من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه(٢٦). وهذا هو المقام المحمود الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)) (٢٧). ثم ذكر استشفاع الناس بآدم. ثم بنوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى ، فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمداً عَّ له فيقول: ((أنا لها، أنا لها)) الحديث بتمامه. وقال البخاري : حدثنا عبيد الله ، حدثني سعيد ، عن أبي هريرة قال : قيل: يا رسول الله ... من أكرم الناس؟ قال: (( أكرمهم أتقاهم )) فقالوا : ليس عن هذا نسألك. قال: (( فأكرم الناس يوسف نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله)). قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: ((فعن معادن العرب تسألونني))؟ قالوا: نعم. قال: ((فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا!(٢٨) (٢٥) أخرجه أحمد في مسنده ٣٣٢/٢ . (٢٦) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب صلاة المسافرين ، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف . (٢٧) أخرجه أحمد في مسنده ٥/١، والبخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ) وابن ماجه في سننه ، كتاب الزهد ، باب ذكر الشفاعة . (٢٨) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ((أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت)). وأحمد في مسنده ٢٣٢/٢. ٢٢٨ وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ، ومسلم والنسائي من طرق عن ابن سعيد القطان ، عن عبيد الله - وهو ابن عمر المرى به . ثم قال البخاري : قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبي هريرة عن النبي عربيةٍ .. قلت : وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما ، وحديث عبيدة بن سليمان . والنسائي من حديث محمد بن بشر ، أربعهم عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد. عن أبي هريرة عن النبي عَّةٍ ولم يذكروا أباه . وقال أحمد : حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمر ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله )). تفرد به أحمد(٢٩). وقال البخاري : إسحاق بن منصور ، أخبرنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي عَ ليه قال: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) (٣٠). تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه عن ابن عمر به . فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثنى مغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي محمد لهم. (( يُحْشَرُ النَّاسِ عُرَاة تُزْلاً فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام)) ثم قرأ: كَمَا بَدَأُنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدَهُ﴾ (٣١) فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي ، عن (٢٩) المسند ح ٤ / ١٠١ . . (٣٠) المسند ح ٢ / ١٩٦ عن ابن عمر . (٣١) الأنبياء الآية : ١٠٤. ٢٢٩ سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به (٣٢). وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضى الأفضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون . وأما الحديث الآخر الذي قال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع وأبو نعيم ، حدثنا سفيان - هو الثوري - عن مختار بن مختار بن فلفل ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رجل للنبي عَ له: ياخير البرية. فقال: ((ذاك إبراهيم)) فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس ، وعلى بن مشهر ومحمد بن فضيل ، أربعتهم عن المختار بن فلفل(٣٣). . وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال: (( لا تفضلوني على الأنبياء)) (٣٤) وقال: ((لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش ، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور )) ؟ (٣٥). وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة . وكذلك حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم : ((وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم)) (٣٦). ولما كان إبراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . أمر المصلى أن يقول في تشهده ، ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة (٣٧) وغيره، قال: قلنا: يا رسول الله ... هذا السلام (٣٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ ومسلم في صحيحه ، كتاب الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة . (٣٣) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب من فضائل إبراهيم عليه السلام . (٣٤) بهذا اللفظ لم أعثر عليه، ولكن هناك طرق كثيرة بلفظ ((لا تخيروا بين الأنبياء)) أخرجها البخاري وأحمد وغيرهما . (٣٥) أخرجه أحمد في مسنده بلفظ ((لا تخيروني عن موسى)) ٢٦٤/٢. (٣٦) سبق تخريجه . (٣٧) كعب بن عجرة الأنصاري المدني، توفى سنة ٩١ هـ [ تهذيب التهذيب ٤٣٥/٨، أسد الغابة ٤٨١/٤ ]. ٢٣٠ عليك قد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (٣٨). وقال الله تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى﴾(٣٩) قالوا: وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الإِيمان وشعبه ، وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار . قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن ابن طاوسٍ عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّ بِكِلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ (٤٠) قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد . في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والسواك، والاستنشاق ، وفرق الرأس . وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإِبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء . رواه ابن أبي حاتم . وقال : وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك . قلت: وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي عَ لّم قال: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط)) (٤١). وفي صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع ، عن زكريا ابن أبي زائدة ، عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي ، عن طلق بن حبيب العنزي، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله عد له: ((عشر من الفطرة : قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك ، واستنشاق (٣٨) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب رقم ١٠ . ومسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي عَ ◌ّ بعد التشهد . (٣٩) سورة النجم الآية : ٣٧ . (٤٠) سورة البقرة الآية : ١٢٤ . (٤١) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب اللباس، باب قص الشارب . ومسلم في كتاب الطهارة ، باب خصال الفطرة ٢٢١/١ . ٢٣١ الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم(٤٢)، ونتف الإِبط وحلق العانة. وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء))(٤٣). وسيأتي في ذكر مقدار عمره والكلام على الختان . والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالإِخلاص لله عز وجل وخشوع العبادة العظيمة ، عن مراعاة مصلحة بدنه ، وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الإصلاح والتحسين ، وإزالة ما يشين ، من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح (٤٤) أو وسخ . فهذا من جملة قوله تعالى في حقه المدح العظيم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ . (٤٢) البراجم : هى مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواجب ، وهى رءوس السُّلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشرت وارتفعت [ اللسان : برجم ] . (٤٣) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الطهارة ، باب خصال الفطرة ، وأبو داود في كتاب الطهارة ، باب السواك من الفطرة ، وابن ماجة في كتاب الطهارة ، باب الفطرة . (٤٤) القَلَحُ: والقلاح: صفرة تعلو الأسنان ... [اللسان: قلح ] . (٤٥) قارون تاريخ الطبرى ج ١ /١٩٧ - ٢٠١ طبعة البخارى الكبرى . ٢٣٢ [ الفصل العاشر ] ذكر قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن سنان القطار الواسطى ومحمد ابن موسى القطان قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن سماك عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إن في الجنة قصراً - أحسبه قال من لؤلؤة - ليس فيه فصم ولا وهن أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلاً )). وحدثنا أحمد بن جميل المروزي ، حدثنا النضر بن شميل ، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك عن عكرمة. عن أبي هريرة عن النبي عَ الله بنحوه. ثم قال : وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلا يزيد ابن هارون والنضر بن شميل وغيرهما يرويه موقوفاً . قلت : لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح . ولم يخرجوه(١). (١) الهيثمى فى مجمع الزوائد جـ ٢٠١/٨ ولفظه: (إن فى الجنة ذخرا من درة لاصدع فيها ولا وهن .. وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط والبزار ورجالها رجال الصحيح . ٢٣٣ [ الفصل الحادي عشر ] ذكر صفة إبراهيم عليه السلام قال الإِمام أحمد : حدثنا يونس وحجين قالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله عَ ل أنه قال: ((عرض على الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ، ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت شبها عروة بن مسعود ، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية)). تفرد به الإِمام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ(١). وقال أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا إسرائيل ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال: رسول الله عَ له: ((رأيت عيسى ابن مريم وموسى وإبراهيم ، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر ، وأما موسى فآدم جسيم)) قالوا له: فإبراهيم؟ قال: ((انظروا إلى صاحبكم)) يعني نفسه (٢) وقال البخاري : حدثنا بيان بن عمرو ، حدثنا النضر ، أخبرنا ابن عون ، عن مجاهد ، أنه سمع ابن عباس ، وذكروا له الدجال وأنه مكتوب بين عينيه كافر أو ((ك. ف. ر)) فقال لم أسمعه، ولكنه قال: قال عَ له: ((أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ، وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بخلبة (٣) كأني أنظر إليه انحدر في الوادي )). (١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٣٤/٣ . (٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٩٦/١ . (٣) خلب ـ بضم فسكون: حبل الليف والقطن إذا رق وصلب [اللسان: خلب ] ... ٢٣٤ ورواه البخاري أيضاً ومسلم ، عن محمد بن المثنى ، عن ابن أبي عدى ، عن عبد الله بن عون به. وهكذا رواه البخاري أيضاً في كتاب ((الحج)) وفي (( اللباس ) ومسلم ، جميعاً عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدی ، عن عبد الله بن عون به (٤) . (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء ، باب ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾. ٢٣٥ [ الفصل الثاني عشر ] ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره ذكر ابن جرير في تاريخه : أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان ، وهو - فيما قيل - الضحاك الملك المشهور ، الذي يقال إنه ملك ألف سنة ، وكان في غاية الغشم والظلم(١). وذكر بعضهم أنه من بنى راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام ، وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا ، وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر ، فهال ذلك أهل ذلك الزمان ، وفزع النمرود ، فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك!، فقالوا : يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه ، فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء ، وأن يقتل المولودون من ذلك الحين ، فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين ، فحماه الله عز وجل وصانه من كيد الفجار ، وشب شباباً باهراً ، وأنبته الله نباتاً حسناً ، حتى كان من أمره ما تقدم . وكان مولده ((بالسوس)) وقيل ((ببابل)) وقيل ((بالسواد )) من ناحية ((كوثى))(٢). وتقدم عن ابن عباس أنه ولد بيرزة شرقي دمشق فلما أهلك الله نمرود على يديه هاجر إلى حران ، ثم إلى أرض الشام ، وأقام ببلاد إيليا(٣) كما ذكرنا. وولد له إسماعيل وإسحاق. وماتت سارة قبله بقرية ((حبرون))(٤) التي في أرض كنعان(٥) ، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل (١) تاريخ الطبرى جـ ١٦٣/١ وهو قول عامة السلف (٢) موضع بالعراق . (٣) إيلياء : مدينة بيت المقدس ، قيل ومعناها : بيت الله [معجم البلدان ٢٩٣/١]. (٤) قرية حبرون : اسم القرية التي فيها قبر الخليل إبراهيم عليه السلام ببيت المقدس . (٥) أرض كنعان : هى من أرض الشام تشمل شرق الأردن والضفة الغربية ونابلس [ معجم البلدان ٤٨٣/٤ . ٢٣٦ الكتاب . فحزن عليها إبراهيم عليه السلام ، ورثاها رحمها الله ، واشترى من رجل من بني ((حيث)) يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربعمائة مثقال ، ودفن فيها سارة هنالك . قالوا : ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحاق فزوجه (( رفقاً )) بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح ، وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجواريها على الإِبل . قالوا: ثم تزوج إبراهيم عليه السلام ((قنطورا)) فولدت له زمران ، ويقشان ، ومادان ، ومدين ، وشياق ، وشوح ، وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطوراً . وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف ، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخباراً كثيرة الله أعلم بصحتها . وقد قيل إنه مات فجأة ، وكذا داود وسليمان . والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك . قالوا : ثم مرض إبراهيم عليه السلام ، ومات عن مائة وخمس وسبعين ، وقيل وتسعين سنة ، ودفن في المغارة المذكورة التى كانت بحبرون الحيثي عند امرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثى ، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ورد ما يدل على أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبي . فقال أبو حاتم ابن حبان في صحيحه : أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة ، حدثنا على بن زياد اللخمي ، حدثنا أبو قرة ، عن ابن جريح ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن النبي عَ له قال: ((اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة)) (٦). وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد عن أبى هريرة موقوفاً . (٦) أخرجه ابن حبان في صحيحه [ انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٢٩/٨]. ٢٣٧ ثم قال ابن حبان : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم : أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث . عن ابن عجلان ، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عَ له قال: ((اختتن إبراهيم حين بلغ عشرين ومائة سنة ، وعاش. بعد ذلك ثمانين سنة ، واختتن بقدوم)) . وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي عَ له. ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق أنه قال : القدوم اسم القرية . قلت : الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة . وفي رواية : وهو ابن ثمانين سنة ، وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك ... والله أعلم . وقال محمد بن إسماعيل الحساني الواسطى : زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات ، حدثنا أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : كان إبراهيم أول من تسرول ، وأول من فرق ، وأول من استحد ، وأول من اختتن بالقدوم ، وهو ابن عشرين ومائة سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ، وأول من قرى الضيف ، وأول من شاب . هكذا رواه موقوفاً ، وهو أشبه بالمرفوع ، خلافاً لابن حبان ... والله أعلم . وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال : كان إبراهيم أول من أضاف الضيف ، وأول الناس اختتن ، وأول الناس قص شاربه ، وأول الناس رأى الشيب . فقال: يا رب ... ماهذا؟ فقال الله: ((وقار)) فقال: يارب ... زدني وقاراً(٧) . وزاد غيرهما : وأول من قص شاربه ، وأول من استحد ، وأول من لبس السراويل . فقبره وقبر ولده إسحاق وقبل ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن (٧) أخرجه الإمام مالك في موطئه، في كتاب صفة النبي عَ له، باب ما جاء في السنة في الفطرة. ٢٣٨ داود عليه السلام ببلد حبرون ، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم . وهذا متلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل من زمن بنى إسرائيل وإلى زماننا هذا ، أن قبره بالمربعة تحقيقاً . فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم . فينبغى. أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها ، وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها ، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتها . وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال : وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة : يموت من جا أجله إلهى جهولا أمله لم تغن عنه حيله ومن دنا من حتفه أوله من مات عنه وكيف يبقى آخراً في القبر إلا عمله ـه والمرء لا يصحب ٢٣٩ [ الفصل الثالث عشر ] ذكر أولاد إبراهيم الخليل أول من ولد له : إسماعيل من هاجر القبطية المصرية ، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل ، ثم تزوج بعدها ((قنطورا)) بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة : مدين ، وزمران ، وسرج ، ويقشان ، ونشق ، ولم يسم السادس. ثم تزوج بعدها ((حجون)) بنت أمين ، فولدت له خمسة : كيسان ، وسورج ، وأميم ، ولوطان ، ونافس . هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه ((التعريف والأعلام)) ٢٤٠