Indexed OCR Text
Pages 101-120
فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فنشهد أنه قد بلغ))(٧٩) وهو قوله تعالى ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ (٨٠) والوسط العدل . فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق والمصدوق ، بأن الله قد بعث نوحاً بالحق ، وأنزل عليه الحق وأمره به ، وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ، ولم يدع شيئاً مما ينفعهم فى دينهم إلا وقد أمرهم به ، ولا شيئاً مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه . وهكذا شأن جميع الرسل ، حتى إنه حذر قومه المسيح الدجال ، وإن كان لا يتوقع خروجه فى زمانهم ، حذراً عليهم وشفقة ورحمة منه . كما قال البخارى : حدثنا عبدان ، حدثنا عبد الله ، عن يونس ، عن الزهرى ، قال سالم قال ابن عمر: قام رسول الله عَّ له فى الناس فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم ذكر الدجال فقال: (( إنى لأنذر كموه ، وما من نبى إلا وقد أنذره قومه . لقد أنذره نوح قومه ، ولكنى أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه : تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور))(٨١). وهذا الحديث فى الصحيحين أيضاً من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة عن النبى عَ له قال: ((ألا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدث نبى قومه ؟ أنه أعور وأنه يجيء معه بمثال الجنة والنار والتى يقول عليها الجنة هى النار ، وإنى أنذركم كما أنذر به نوح قومه)) [ لفظ البخارى](٨٢). وقد قال بعض علماء السلف : لما استجاب الله له ، أمره أن يغرس شجراً ليعمل منه السفينة ، فغرسه وانتظره مائة سنة ، ثم نجره فى مائة أخرى وقيل فى أربعين . والله أعلم . (٧٩) أخرجه البخارى ، فى كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة . (٨٠) البقرة الآية : ١٤٣. (٨١) الصحيح كتاب الفتن ، باب ذكر الدجال . (٨٢) أخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الفتن ، باب ذكر الدجال . ١٠١ قال محمد بن إسحاق عن الثورى : وكان من خشب الساج وقيل من الصنوبر وهو نص التوراة . قال الثورى : وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعاً ، وأن يطلى ظاهرها وباطنها بالقار ، وأن يجعل لها جؤجواً أزور يشق الماء (٨٣). وقال قتادة : كان طولها ثلاثمائة ذراع فى عرض خمسين ذراعاً . وهذا الذى فى التوراة على ما رأيته قال الحسن البصرى : ستمائة فى عرض ثلاثمائة ، وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع فى عرض ستمائة ذراع ، وقيل كان طولها ألفى ذراع ، وعرضها مائة ذراع . وقالوا كلهم : كان ارتفاعها ثلاثين ذراعاً، وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشرة أذرع ، فالسفلى للدواب والوحوش ، والوسطى للناس ، والعليا للطيور . وكان بابها فى عرضها ، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها . قال الله تعالى : ﴿ قال رب انصرنى بما كذبون » فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾(٨٤) أى بأمرنا لك، وبمرأى منا لصنعتك لها ، ومشاهدتنا لذلك ، لنرشدك إلى الصواب فى صنعتها . فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾(٨٥). فتقدم إليه بأمره العظيم العالى أنه إذا جاء أمره وحل بأسه ، أن يحمل فى هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات ، وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها ، وأن يحمل معه أهله ، أى أهل بيته ، إلا من سبق عليه القول منهم ، أى إلا من كان كافراً فإنه قد نفذت فيه الدعوة التى لا ترد ، ووجب عليه (٨٣) الجوجو: صدر السفينة، والأزوار : المائل والمنحرف . (٨٤) المؤمنون الآيتان : ٢٦ - ٢٧ . (٨٥) المؤمنون الآية : ٢٧ . ١٠٢ حلول البأس الذى لا يرد ، وأمره أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعانيه من العذاب العظيم ، الذى قد حتمه عليهم الفعال لما يريد . كما قدمنا بيانه قبل . والمراد بالتنور عند الجمهور وجه الأرض ، أى نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التى هى محال النار ، وعن ابن عباس : التنور عين فى الهند وعن الشعبى: بالكوفة (٨٦)، وعن قتادة بالجزيرة . وقال على بن أبى طالب : المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر ، أى إشراقه وضياؤه . أى عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين ، وهذا قول غريب . وقوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾(٨٧) هذا أمر بأنه عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين . وفى كتاب أهل الكتاب : أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ، ومالا يؤكل زوجين : ذكر وأنثى . وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى فى كتابنا الحق: ﴿اثنين) إن جعلنا ذلك مفعولًا به ، وأما إن جعلناه توكيدالزو جين والمفعول به محذوف فلا ينافى .. والله أعلم . وذكر بعضهم - ويروى عن ابن عباس : أن أول ما دخل من الطيور الدرة (٨٨) وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار ، ودخل إبليس متعلقاً بذنب الحمار . وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنى الليث ، حدثنى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه . أن رسول الله عَ لّه قال : (٨٦) الكوفة : مدينة بالعراق ، بُنيت فى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه. [ معجم البلدان ٤ / ٤٩٠ ] . (٨٧) هود الآية : ٤٠ . (٨٨) الدرة : نوع من البيغاوات . ١٠٣ (( لما حمل نوح فى السفينة من كل زوجين اثنين ، قال أصحابه : وكيف نطمئن؟ - أو كيف تطمئن المواشى ومعنا الأسد؟ - فسلط الله عليه الحمى ، فكانت أول حمى نزلت فى الأرض . ثم شكوا الفأرة ، فقالوا : الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا . فأوحى الله إلى الأسد فعطس.، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها )) هذا مرسل . وقوله : ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾(٨٩) أى من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر، فكان منهم ابنه (( يام )) الذى غرق كما سيأتي بيانه . ومن آمن ﴾ أى واحمل فيها من آمن بك من أمتك . قال الله تعالى: وما آمن معه إلا قليل ﴾ هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ، ودعوتهم الأكيدة ليلاً ونهاراً بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى . وقد اختلف العلماء فى عدة من كان معه فى السفينة . فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفساً معهم نساؤهم ، وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفساً . وقيل كانوا عشرة . وقيل إنما كانوا نوجاً وبنيه الثلاثة وكنائنه الأربع بامرأة (( يام)» الذى انخزل وانعزل ، وسلك عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل . وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية ، بل هى نص فى أنه قد ركب معه من غير أهله طائفة ممن آمن به، كما قال: ﴿ونجنى ومن معى من المؤمنين﴾(٩٠) . وقيل كانوا سبعة . وأما امرأة نوح وهى أم أولاده كلهم وهم : حام ، وسام ، ويافث ، ويام ، ويسميه أهل الكتاب (( كنعان)) وهو الذى قد غرق، و ((عابر)) فقد ماتت قبل الطوفان ، وقيل إنها غرقت مع من غرق ، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها . (٨٩) هود الآية : ٤٠ . (٩٠) الشعراء الآية : ١١٨. ١٠٤ وعند أهل الكتاب أنها كانت فى السفينة ، فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك ، أو أنها أنظرت ليوم القيامة ، والظاهر الأول لقوله: ﴿ لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ (٩١). قال الله تعالى: ﴿ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلنى منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين﴾(٩٢). أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة ، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه ، كما قال تعالى: ﴿ والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لِتَسْتَوُوا على ظُهُورِهِ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ (٩٣). وهكذا يؤمر بالدعاء فى ابتداء الأمور : أن يكون على الخير والبركة ، وأن تكون عاقبتها محمودة، كما قال تعالى لرسوله عَ لمه حين هاجر: ﴿وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ (٩٤). وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية وقال : ﴿اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم ﴾(٩٥) أى على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه ﴿ إن ربى لغفور رحيم﴾ أى وذو عقاب أليم، مع كونه غفوراً رحيماً، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره . قال تعالى: ﴿ وهى تجرى بهم فى موج كالجبال﴾(٩٦) وذلك أن الله تعالى (٩١) نوح الآية : ٢٦ . (٩٢) المؤمنون الآيتان: ٢٨ - ٢٩. (٩٣) الزخرف الآيتان: ١٢ - ١٣. (٩٤) الإِسراء الآية : ٨٠ . (٩٥) هود الآية : ٤١ . (٩٦) هود الآية : ٤٢ . ١٠٥ أرسل من السماء مطراً لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده ، كان كأفواه القرب ، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى : فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر « وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ (٩٧) والدسر المسامير ﴿ تجرى بأعيننا﴾ (٩٨) أى بحفظنا وكلاءتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها ﴿ جزاء لمن كان كفر ﴾(٩٩). وقد ذكر ابن جرير وغيره : أن الطوفان كان فى ثالث عشر من شهر آب فى حساب القبط . وقال تعالى: ﴿ إنّا لما طغى الماء حملناكم فى الجارية﴾(١٠٠) أى السفينة لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية﴾(١٠١). ٤ قال جماعة من المفسرين : ارتفع الماء على أعلى جبل فى الأرض خمسة عشر ذراعاً، وهو الذى عند أهل الكتاب : وقيل : ثمانين ذراعاً ، وعم جميع الأرض طولها وعرضها، سهلها وحزنها ، وجبالها وقفارها ورمالها ، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ، ولا صغير ولا كبير . قال الإِمام مالك عن زيد بن أسلم : كان أهل ذلك الزمان قد ملئوا السهل والجبل . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم تكن بقعة فى الأرض إلا ولها مالك وحائز . رواهما ابن أبى حاتم . ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء ، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ﴾ (١٠٢). (٩٧) القمر الآيات: ١٠ - ١٣ . (٩٨، ٩٩) القمر الآية : ١٤ . (١٠٠) لحاقة الآية : ١١. (١٠١) الحاقة الآية : ١٢ . (١٠٢) هود الآيتان: ٤٢ _ ٤٣. ١٠٦ وهذا الابن هو (( يام)) أخو سام وحام ويافث، وقيل اسمه ((كنعان)). وكان كافراً عمل عملًا غير صالح، فخالف أباه فى دينه ، فهلك مع من هلك . هذا وقد نجا مع أبيه الأجانب فى النسب ، لما كانوا موافقين فى الدين والمذهب . وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾(١٠٣). أى لما فرغ من أهل الأرض ، ولم يبق بها أحد ممن عبد غير الله عز وجل ، أمر الله الأرض أن تبتلع ماءها ، وأمر السماء أن تقلع أى تمسك عن المطر ﴿ وغيض الماء﴾ أى نقص عما كان ﴿وقضى الأمر﴾ أى وقع بهم الذى كان. قد سبق فى علمه وقدره ، من إحلاله بهم ما حل بهم . ﴿ وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ أى نودى عليهم بلسان القدرة : بعداً لهم من الرحمة والمغفرة . كما قال تعالى: ﴿فكذبوه فأنجيناه والذين معه فى الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين﴾ (١٠٤) . وقال تعالى : ﴿ فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾(١٠٥). ء وقال تعالى : ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ﴾ (١٠٦) . وقال تعالى: ﴿ فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون . ثم أغرقنا بعد الباقين * إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ (١٠٧) . (١٠٣) هود الآية : ٤٤ .. (١٠٤) الأعراف الآية : ٦٤ . (١٠٥) يونس الآية : ٧٣. (١٠٦) الأنبياء الآية : ٧٧ . (١٠٧) الشعراء الآيات: ١١٩ - ١٢٢. ١٠٧ فأنجيناه وأصحاب السفينة وَجَعَلْنَاهَا آية وقال تعالى : ﴿ للعالمين﴾(١٠٨). وقال تعالى: ﴿ ثم أغرقنا الآخرين﴾(١٠٩). وقال: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر ، فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدکر﴾(١١٠). وقال تعالى : ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً * وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً » إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾(١١١). وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة ــ دعوته ، فلم يبق منهم عين تطرف . وقد روى الإِمامان أبو جعفر بن جرير(١١٢) وأبو محمد بن أبى حاتم فى تفسيريهما من طريق يعقوب بن محمد الزهرى، عن قائد مولى عبد الله بن أبى رافع ، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله عَ لّم قال: «فلو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أم الصبى ». قال رسول الله عَ له: (( مكث نوح عليه السلام فى قومه ألف سنة ــ يعنى إلا خمسين عاماً - وغرس مائة سنة الشجر ، فعظمت وذهبت كل مذهب ، ثم قطعها ثم جعلها سفينة ، ويمرون عليه ويسخرون منه ، ويقولون : تعمل سفينة فى البر ، كيف تجرى ؟ قال : سوف تعلمون . فلما فرغ ونبع الماء صار فى السكك خشيت أم الصبى عليه وكانت تحبه حباً شديدا، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى (١٠٨) العنكبوت الآية: ١٥ . (١٠٩) الشعراء الآية : ٦٦ . (١١٠) القمر الآيات : ١٥ - ١٧ . (١١١) نوح الآيات: ٢٥ -٢٧ (١١٢) ذكره ابن جرير الطبرى فى تفسيره، تفسير سورة هود: ١٢ / ٣٥. ١٠٨ استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا ، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبى)) ! . وهذا حديث غريب . وقد روى عن کعب الأحبار ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة . وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفاً متلقى عن مثل كعب الأحبار .. والله أعلم . * * والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديًّاراً . فکیف یزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ۔ ویقال ابن عناق - کان موجوداً من قبل نوح إلى زمان موسى . ويقولون كان كافراً متمرداً جباراً عنيداً . ويقولون کان لغیر رشدة ، بل ولدته أمه بنت آدم من زنا ، وأنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه فى عين الشمس ، وأنه كان يقول لنوح وهو فى السفينة : ما هذه القصة التى لك ؟ ويستهزىء به . ویذکرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة و ثلاثين ذراعاً وثلثاً ، إلى غير ذلكمن الهذيانات التى لولا أنها مسطرة فى كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها . ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول . أما المعقول : فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره ، وأبوه نبی الأمة وزعيم أهل الإِيمان ، ولا يهلك وج بن عنق ، ويقال عناق ، وهو أظلم. وأطغى على ما ذكروا ؟ . وكيف لا يرحم الله منهم أحداً ولا أم الصبى ، ويترك هذا الدعى الجبار العنيد الفاجر ، الشديد الكافر ، الشيطان المريد على ما ذكروا ؟ . وأما المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾(١١٣) وقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾(١١٤). (١١٣) الشعراء الآية : ٦٦ . (١١٤) نوح الآية : ٢٦ . ١٠٩ ثم هذا الطول الذى ذكروه مخالف لما فى الصحيحين عن النبى عَ له أنه قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) (١١٥) فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن الهوى ﴿ إن هو إلا وحى يوحى﴾(١١٦) أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ، أى لم يزل الناس فى نقصان فى طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك وهلم جرا إلى يوم القيامة . وهذا يقتضى أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه . فكيف يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكفرة من أهل الكتاب ، الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها ؟ فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وهم الخونة والكذبة عليهم لعائن الله التابعة إلى يوم القيامة ، وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلاق من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء .. والله أعلم . ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه فی ولده ، وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف . ووجه السؤال : إنك وعدتنى بنجاة أهلى معى وهو منهم وقد غرق ؟ فأجيب بأنه ليس من أهلك ، أى الذين وعدت بنجاتهم . أى أنا قلنا لك وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ﴾(١١٧) فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأنه سيغرق بكفره ، ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الإِيمان ، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان . ثم قال تعالى : ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾(١١٨). (١١٥) البخارى كتاب الأنبياء. باب خلق آدم ... إلخ . (١١٦) النجم الآية : ٤ . . (١١٧) المؤمنون الآية : ٢٧ . (١١٨) هود الآية : ٤٨ . ١١٠ هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الأرض ، وأمكن السعى فيها والاستقرار عليها . أن يهبط من السفينة التى كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل ((الجودى)). وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور. ﴿ بسلام منا وبركات ﴾ أى اهبط سالماً مباركاً عليك . وعلى أمم ممن سيولد بعد ، أى من أولادك ، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلًا ولا عقباً سوى نوح عليه السلام . قال تعالى: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾(١١٩) ، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بنى آدم ، ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم : سام ، وحام ، ويافث . قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن، عن سمرة، أن النبى معَّ المه قال: ((سام أبو العرب، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم)) (١٢٠) . ورواه عن الترمذى عن بشر بن معاذ العقدی. عن یزید بن زريع، عن سعيد ابن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعاً نحوه . وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : وقد روى عن عمران بن حصين عن النبى عَ لِ مثله. قال: والمراد بالروم هنا الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومى بن لبطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام . ثم روی من حدیث إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد ابن المسيب(١٢١) ، أنه قال : ولد نوح ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة : فولد سام : العرب وفارس والروم . وولد يافث : الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج . وولد حام : القبط والسودان والبربر . قلت : وقد قال الحافظ أبو بكر البزار فى مسنده : حدثنا إبراهيم بن هانىء وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا : حدثنا محمد بن يزيد بن سنان (١١٩) الصافات الآية : ٧٧ . (١٢٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ٩ . (١٢١) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومى أبو محمد المدنى ، وتوفى سنة ٩٤ هـ [ تذكرة الحفاظ ١ / ٥٣، تهذيب التهذيب ١٢ / ٤٦٥ ] . ١١١ الرهاوی ، حدثنی ابی عن یحیی بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((ولد لنوح: سام وحام ويافث ، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم . وولد ليافث : يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم . وولد لحام : القبط والبربر والسودان)». ثم قال : لا نعلم يروى مرفوعاً إلا من هذا الوجه ، تفرد به عن محمد ابن يزيد بن سنان عن أبيه ، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلًا ولم يسنده ، وإنما جعله من قول سعيد . قلت : وهذا الذى ذكره أبو عمر، هو المحفوظ عن سعيد قوله: ((وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله)) والله أعلم . ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوى ضعيف بمرة لا يعتمد عليه . وقد قيل : إن نوحاً عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد إلا بعد الطوفان، وإنما ولد له قبل السفينة ((كنعان)) الذى غرق، و((عابر)) مات قبل الطوفان . والصحيح أن الأولاد الثلاثة كانوا معه فى السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة. وقد ذكر أن ((حاماً)) واقع امرأته فى السفينة ، فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته ، فولد له ولد أسود هو كنعان بن حام جد السودان . وقيل بل رأى أباه نائماً وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه ، فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته ، وأن يكون أولاده عبيداً لإخوته . وذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير من طريق على بن يزيد بن جدعان عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أنه قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها . قال : فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب ، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفه . وقال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : هذا كعب حام بن نوح . قال : وضرب الكثيب بعصاه وقال: بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. فقال له عيسى عليه السلام : هكذا هلكت ؟ قال : لا ولكنى مت وأنا شاب ، ولكنى ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت . ١١٢ قال : حدثنا عن سفينة نوح . قال : كان طولها ألف ذراع ومائتى ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : فطبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإِنس ، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أوراث الدواب أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام : أن اغمز ذنب الفيل ، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث ، ولما وقع الفأر يخرز السفينة بقرضه ، أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام : أن اضرب بين عينى الأسد ، فخرج من منخرهسنور وسنورة فأقبلا على الفأر . فقال له عيسى : كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت . قال : ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها ، فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التى فى عنقها ، ودعا لها أن تكون فى أنس وأمان ، فمن ثم تألف البيوت . قال : فقالوا : يا رسول الله .. ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال : فقال له : عد بإذن الله .. فعاد تراباً . وهذا أثر غريب جداً (١٢٢). وروى علباء بن أحمر . عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان مع نوح فى السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم ، وإنهم كانوا فى السفينة مائة وخمسين يوماً ، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً ، ثم وجهها إلى ((الجودى)) فاستقرت عليه ، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض ، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه ، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل ((الجودى)) فابتنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة ، إحداها العربية ، وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم . وقال قتادة وغيره : ركبوا فى السفينة فى اليوم العاشر من شهر رجب فساروا (١٢٢) ذكره ابن جرير الطبرى فى تفسيره، تفسير سورة هود ١٢ / ٣٥ . ١١٣ مائة وخمسين يوماً واستقرت بهم على ((الجودى)) شهراً. وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء من المحرم . وقد روى ابن جرير خبراً مرفوعاً يوافق هذا ، وأنهم صاموا يومهم ذلك . وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدى عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبل، عن أبى هريرة قال: مر النبى معَ له بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا الصوم))؟ فقالوا: هذا اليوم الذی نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا اليوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل، فقال النبى عَلِ: ((أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم)) (١٢٣) وقال لأصحابه: «من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه)) (١٢٤) . وهذا الحديث له شاهد فى الصحيح من وجه آخر ، والمستغرب ذکر نوح أيضاً .. والله أعلم . وأما مايذكره كثير من الجهله أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ، ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها ، وطحنوا الحبوب يومئذ ، واكتحلوا بالإثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعدما كانوا فى ظلمة السفينة - فكل هذا لا يصح فيه شىء ، وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بنى إسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقتدى بها .. والله أعلم . وقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان ـأرسل ريحاً على وجه الأرض ، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض ، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على ((الجودى)) - فيما يزعم أهل التوراة - فى الشهر السابع عشرة ليلة مضت منه وفى أول يوم من الشهر العاشر رئیت رؤوس الجبال . فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً فتح نوح كوة الفلك التى صنع فيها ، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه ، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعاً ، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ، ثم مضت سبعة (١٢٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣٥٩، ٣٦٠. (١٢٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣٥٩ بسند غير سند الحديث السابق . ١١٤ أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع ، فرجعت حين أمست وفى فيها ورق زيتونة ، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض . ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه ، فعلم نوح أن الأرض قد برزت ، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين ، برز وجه الأرض ، وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك . وهذا الذی ذكره ابن إسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التى بأيدى أهل الكتاب . وقال ابن إسحاق : وفى الشهر الثانى من سنة اثنين فى ست وعشرين ليلة منه قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطِ بِسَلَامٍ مِّنَا وَبَرَ كَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مِعَكَ وَأُمَمْ سَتُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١٢٥). وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحاً قائلًا له : اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك ، وجميع الدواب التى معك ، ولينموا وليكثروا فى الأرض . فخرجوا وابتنى نوح مذبحاً الله عز وجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قرباناً إلى الله عز وجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض . وجعل تذكاراً لميثاقه إليه القوس الذى فى الغمام ، وهو قوس قزح الذى روى عن ابن عباس أنه أمان من الغرق . قال بعضهم : فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر ، أى أن هذه الغمام لايوجد طوفانا كأول مرة . وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان ، واعترف به آخرون منهم وقالوا : إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا . قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابراً عن كابر ، من لدن كيومرث ـ يعنون آدم - إلى زماننا هذا . وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان . وهذه سفسطة منهم و كفر فظيع وجهل بليغ ، ومكابرة للمحسوسات ، وتكذيب لرب الأرض والسموات . (١٢٥) هود الآية : ٤٨ . ١١٥ وقد أجمع أهل الأديان الناقلون عن رسل الرحمن ، مع ما تواتر عند الناس فى سائر الأزمان ، على وقوع الطوفان ، وأنه عم جميع البلاد ، ولم يبق الله أحداً من كفرة العباد ، استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم ، وتنفيذاً لما سبق فى القدر المحتوم . ١١٦ [ الفصل الثانى ] ذكر شىء من أخبار نوح نفسه عليه السلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عِبْدَاً شَكُوَراً﴾(١) . قيل: إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله . وقال الإِمام أحمد : حدثنا أبو أسامة ، حدثنا زكريا بن أبى زائدة عن سعيد ابن أبى بردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها)). وكذا رواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث أبى أسامة(٢). والظاهر أن الشكور هو الذى يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية ، فإن الشكر يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء منى ثلاثة يدى ولسانى والضمير المحجبا (١) الإسراء الآية : ٣ . (٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ١٠٠، ١١٧، ومسلم فى صحيحه ، كتاب الذكر ، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب ، والترمذى فى سننه ، كتاب الأطعمة ، باب ما جاء فى الحمد على الطعام إذا فرغ منه . ١١٧ [ الفصل الثالث ] ذكر صومه عليه السلام وقال ابن ماجه (( باب صيام نوح عليه السلام)): حدثنا سهل بن أبى سهل ، حدثنا سعيد بن أبى مريم ، عن ابن هیعة، عن جعفر بن ربيعة ، عن أبى فراس ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله عَ المه يقول: ((صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى » . وهكذا رواه ابن ماجه عن طريق عبد الله بن لهيعة بإسناده ولفظه(١). وقال الطبرانى : حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج ، حدثنا عمر بن خالد الحرانى ، حدثنا ابن لهيعة عن أبى قتادة ، عن يزيد بن رباح أبى فراس ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله عَ له يقول: ((صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى ، وصام داود نصف الدهر ، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر ، صام الدهر وأفطر الدهر )) . (١) أخرجه ابن ماجه فى سننه ، فى كتاب الصيام ، باب ما جاء فى صيام نوح عليه السلام ، والحديث فيه عبد الله بن لهيعة، قال عنه ابن حجر ((صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه)) [ تقريب التهذيب ١ / ٤٤٤ ] . ١١٨ [ الفصل الرابع ] ذكر حجه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا أبى ، عن زمعة - وهو ابن أبى صالح - عن سلمة بن دهران ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : حج رسول الله عَ لّه فلما أتى وادى عسفان(١) قال: (( يا أبا بكر .. أى واد هذا .. أى واد هذا))؟ قال: هذا وادى عسفان. قال: ((لقد مر بهذا نوح وهود وإبراهيم على بكرين(٢) لهم حمر خطمهم الليف، أزرهم العباء وأرديتهم الثمار (٣) ، يحجون البيت العتيق)) (٤) . فيه غرابة . (١) عسفان - بضم أوله وسكون ثانيه ـ فُعلان من عسفت المفازة ، وهو يعسفها قطعها بلا هداية ولا قصد، وهى على الطريق بين مكة والمدينة [معجم البلدان ٣ / ١٢١ ]. (٢) المفرد : بكر وهو ذكر الإِبل . (٣) برود من صوف ذات خطوط بيض فى سود . (٤) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٢٣٢. ١١٩ [ الفصل الخامس ] ذكر وصيته لولده عليه السلام قال الإِمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم - قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله ابن عمرو قال: كنا عند رسول الله عَ لّم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة بالديباج فقال: ((ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس - أو قال : يريد أن يضع كل فارس ابن فارس - ورفع كل راع ابن راع)) . قال : فأخذ رسول الله ګ بمجامع جبته وقال: « ألا أری علیك لباس من لا يعقل))؟! ثم قال: (( إن نبى الله نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه : إنى قاص عليك وصية ، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين : آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت فى كفة ووضعت لا إله إلا الله فى كفة رجحت بهن لا إله إلا الله . ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة ضمتهن لا إله إلا الله ، وبسبحان الله وبحمده . فإن بها صلات كل شىء ، وبها يرزق الخلق . وأنهاك عن الشرك والكبر)) قال : قلت - أو قيل - يارسول الله، هذا الشرك قد عرفناه ، فما الكبر؟ أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: (( لا )) قال : هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها ؟ قال: ((لا)) قال: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: ((لا)) قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: ((لا )) قلت - أو قيل - يارسول الله. فما الكبر؟ قال: ((سفه الحق وغمط الناس)). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه(١) . (١) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ١٧٠ . ١٢٠