Indexed OCR Text

Pages 41-60

قال رسول الله عَ له: ((فحج آدم موسى)) مرتين (٢).
قلت : وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري ، عن
حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة عن النبي عَ له بنحوه .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، عن الأعمش ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي عَ لم قال: ((احتج آدم وموسى ، فقال
موسى : يا آدم ... أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، أغويت
الناس وأخرجتهم من الجنة )).
قال: ((فقال : آدم : وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على
عمل أعمله ، كتبه الله على قبل أن يخلق السموات والأرض .
قال : فحج آدم موسى )).
وقد رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن يحيى بن حبيب بن عدي ، عن معمر
ابن سليمان، عن أبيه ، عن الأعمش به .
قال الترمذي : وهو غريب من حديث سليمان التيمي عن الأعمش .
قال : وقد رواه بعضهم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد .
قلت : هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده ، عن محمد بن مثنى ،
عن معاذ بن أسد ، عن الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن
أبي سعيد(٣) .
ورواه البزار أيضاً : حدثنا عمرو بن على الفلاس ، وحدثنا أبو معاوية ، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد عن النبي عَ له فذكر
نحوه .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٦٤/٢، والبخاري بنحوه كما سبق في الحديث
السابق ، ومسلم في صحيحه في كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليه
السلام .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣٩٧/٢، ٣٩٨ والترمذى في سنته، كتاب
القدر ، باب ما جاء في حجاج آدم وموسى .
٤١

وقال أحمد : حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاوساً ، سمع أبا هريرة يقول :
قال رسول الله عَ ليه: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا
خيبتنا وأخرجتنا من الجنة .
قال له آدم : ياموسى ... أنت الذي اصطفاك الله بكلامه - وقال مرة :
برسالته - وخط لك بيده ، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين
سنة ؟
قال: ((حج آدم موسى، حج آدم موسى، حج آدم موسى)) (٤).
وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني ، عن سفيان ، قال : حفظناه من
عمرو عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة عن النبي عَ لم قال: ((احتج آدم
وموسى ، فقال موسى : ياآدم ... أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة .
فقال له آدم : ياموسى ... اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده ، أتلومني
على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ .
((فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى )) هكذا ثلاثاً .
قال سفيان: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبى
صَّ اللّه مثله(٥).
وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من عشر طرق ، عن سفيان بن عيينة عن
عمرو بن دينار ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي
عَ لّه بنحوه .
وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد ، عن عمار ، عن أبي هريرة
عن النبي عَ ◌ٍّ قال: ((لقي آدم موسى، فقال: أنت آدم الذي خلقك الله
بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وأسكنك الجنة ، ثم فعلت ما فعلت ؟
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٤٨/٢ .
(٥) صحيح البخاري ، كتاب القدر ، باب تحاج آدم وموسى وأخرجه مسلم في صحيحه،
كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى وابن ماجه في سنته في المقدمة ، حديث
رقم ٨٠ ص ٣١ ط المكتبة العلمية .
٤٢

فقال : أنت موسى الذي كلمك الله واصطفاك برسالته ، وأنزل عليك
التوراة ، أنا أقدم أم الذكر ، قال : لا ، بل الذكر .
فحج آدم موسى(٦) .
قال أحمد : وحدثنا عفان ، حدثنا حماد ، عن عمار بن أبي عمار عن أبي
هريرة، عن النبي عَ ◌ّهِ، وحميد عن الحسن عن رجل - قال حماد - أظنه
جندب بن عبد الله البجلي - عن النبي عَ ل قال: ((ولقي آدم موسى فذكر
معناه .(٧) .
تفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد : حدثنا حسین ، حدثنا جرير - هو ابن حازم عن محمد - هو
ابن سيرين - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((لقي آدم موسى
فقال : أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ثم
صنعت ما صنعت ؟)).
قال آدم لموسى : أنت الذي كلمه الله ، وأنزل عليه التوراة ؟ قال : نعم
قال : فهل تجده مكتوباً على قبل أن أخلق ؟ قال : نعم .
قال: (( فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى))(٨).
وكذا رواه حماد بن زيد ، عن أيوب ، وهشام عن محمد بن سيرين ، عن أبي
هريرة رفعه . وكذا رواه على بن عاصم ، عن خالد ، وهشام.، عن محمد بن
سيرين ، وهذا على شرطهما من هذه الوجوه .
وقال ابن أبى حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني
أنس بن عياض ، عن الحارث بن أبي دياب ، عن يزيد بن هرمز ، سمعت أبا هريرة
يقول: قال رسول الله ٹے: « احتج آدم وموسی عند ربهما فحج آدم موسی ،
فقال موسى : أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك
(٦) مسند أحمد ٤٦٤/٢ .
(٧) مسند أحمد ٤٦٤/٢.
(٨) مسند أحمد ٣٩٢/٢ .
١
١
٤٣

ملائكته ، وأسكنك جنته ، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك ؟
قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه ، وأعطاك الألواح
فيها تبيان كل شيء ، وقربك نجياً ؟ فبكم وجدت الله كتب التواراة ؟ قال
موسى : بأربعين عاماً ، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَىَ آدَمُ رَبَّهُ
فَغَوِىَ﴾(٩) قال : نعم . قال : أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله على أن
أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((فحج آدم موسى)).
قال الحارث : وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك ، عن أبي هريرة ، عن
رسول الله عَ ليه.
وقد رواه مسلم عن إسحاق بن موسى الأنصاري ، عن أنس بن عياض عن
الحارث بن عبد الرحمن بن أبي زباب ، عن يزيد بن هرمز والأعرج ، عن أبي
هريرة عن النبي عَ لِّ بنحوه(١٠).
وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهرى ، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى
لآدم: يا آدم ... أنت الذي أدخلت ذريتك النار))؟
فقال آدم : ياموسى ... اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، وأنزل عليك
التوراة فهل وجدت أن أهبط ؟ قال : نعم ، قال : فحجه آدم .
وهذا على شرطهما ولم يخرجاه من هذا الوجه، وفي قوله: ((دخلت ذريتك
النار)) نكارة(١١).
فهذه طرق هذا الحديث عن أبي هريرة ، رواه عنه حميد وعبد الرحمن
وذكوان أبو صالح السمان ، وطاوس بن كيسان ، وعبد الرحمن بن هرمز
(٩) سورة طه الآية : ١٢١ .
(١٠) صحيح مسلم ، كتاب القدر ، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام .
(١١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٦٨/٢ .
٤٤

الأعرج ، وعمار بن أبى عمار ، ومحمد بن سیرین ، وهمام بن منبه ، ویزید بن
هرمز ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن .
#
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلى في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه فقال : حدثنا الحارث بن مسكين المصري ، حدثنا
عبد الله بن وهب ، أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن
عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( قال موسى عليه
السلام ، يا رب ... أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة . فأراه آدم عليه
السلام فقال أنت آدم ؟ فقال له آدم : نعم . فقال: أنت الذى نفخ الله فيك من
روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك الأسماء كلها ؟ قال : نعم . قال : فما
حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟
فقال له آدم: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال : أنت موسى نبى بنى إسرائيل؟
أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب ، فلم يجعل بينك وبينه رسولاً من
خلقه ؟ قال : نعم . قال : تلومني على أمر قد سبق من الله عز وجل القضاء به
قبل ؟ قال رسول الله عَ له: (( فحج آدم موسى، فحج آدم موسى)) .
ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصري ، عن ابن وهب به (١٢).
قال أبو يعلى(١٣): وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الملك بن الصباح
المسمعى ، حدثنا عمران ، عن الرديني ، عن أبي مجلز عن يحيى بن يعمر ، عن
ابن عمر عن عمر - قال أبو محمد أكبر ظني أنه رفعه - قال: ((التقى آدم
وموسى فقال موسى لآدم : أنت أبو البشر ، أسكنك الله جنته ، وأسجد لك
ملائكته . قال آدم : يا موسى ... أما تجده على مكتوبا ؟ قال : فحج آدم
(١٢) أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلى في مسنده ٢٠٩/١ وإسناده جيد، وأخرجه أبو داود في
سننه ، كتاب السنة ، باب القدر .
(١٣) هو: أبو يعلى الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمى، وتوفى سنة ٣٠٧ هـ ( طبقات الحفاظ
ص ٣٠٦، تذكرة الحفاظ ٧٠٧/٢ ).
٤٥
.

موسى ، فحج آدم موسى)) (١٤)
وهذا الإِسناد أيضاً لا بأس به ... والله أعلم .
.وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الأعمش ، عن أبي صالح
عن أبي سعيد ، ورواية الإِمام أحمد له عن عفان ، عن حماد بن سلمة عن حميد ،
عن الحسن عن رجل . قال حماد : أظنه جندب بن عبد الله البجلي ، عن النبي
عَّ له: ((لقي آدم موسى)) فذكر معناه.
وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث :
فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق .
واحتج به قوم من الجبرية ، هو ظاهر لهم بادى الرأي حيث قال: ((فحج
آدم موسى)) لما احتج عليه بتقديم كتابه ، وسيأتي الجواب عن هذا .
قال آخرون : إنما حجه لأنه لامه على ذنب قد تاب منه ، والتائب من
الذنب كمن لاذنب له .
وقيل : إنما حجه لأنه أكبر منه وأقدم . وقيل لأنه أبوه . وقيل لأنهما في
شريعتين متغايرتين . وقيل لأنهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما
يزعمون .
والتحقيق : أن هذا الحديث روي بألفاظ كثيرة بعضها مروي بالمعنى وفيه
نظر .
وهذان معظمهما في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه
وذريته من الجنة ، فقال له آدم : أنا لم أخرجكم ، وإنما أخرجكم الذي رتب
الإِخراج على أكلي من الشجرة ، والذي رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق ،
هو الله عز وجل ، فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلى أكثر من أني نهيت عن
الأكل من الشجرة فأكلت منها ، وكون الإِخراج مترتباً على ذلك ليس من فعلي ،
(١٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٢١١/١ .
٤٦

فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة ، وإنما كان هذا من قدر الله وصنعه ، وله
الحكمة في ذلك . فلهذا حج آدم موسى (١٥) .
ومن كذب بهذا الحديث فمعاند ، لأنه متواتر عن أبي هريرة رضى الله عنه ،
وناهيك به عدالة وحفظاً وإتقاناً .
ثم هو مروي عن غيره من الصحابة كما ذكرنا .
ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفاً ، فهو بعيد من اللفظ والمعنى وما
فيهم من هو أقوى مسلكاً من الجبرية .
وفيما قالوه نظر من وجوه :
أحدها : أن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تاب عنه فاعله .
الثاني : أنه قتل نفساً لم يأمر بقتلها ، وقد سأل الله في ذلك بقوله : ﴿ رَبِّ
إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَعَفَرَ لَهُ﴾(١٦).
الثالث : أنه لو كان الجواب على اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على
العبد ، لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله ، فيحتج بالقدر السابق فينسد
باب القصاص والحدود . ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الأمر الذي
ارتكبه في الأمور الكبار والصغار ، وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة . فلهذا قال من
قال من العلماء ، بأن جواب آدم إنما كان احتجاجاً بالقدر على المصيبة لا
المعصية .
والله تعالى أعلم(١٧).
(١٥) أبو يعلى، المسند ٢١١/١، رقم ١٠٥ - (٢٤٤) والآجري في الشريعة/١٨٠.
(١٦) سورة القصص الآية : ١٦.
(١٧) وللتوسع انظر: فتح الباري ٥٠٥/١١ - ٥١٢، وابن القيم في شفاء العليل (٢٨ -
٤١) وفصل: الأمر والإرادة من مجموعة الرسائل الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن
حزم في الملل والنحل ٢٢/٣ - ٥٢.
٤٧

[ الفصل الثالث ]
ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم عليه السلام
قال الإِمام أحمد : حدثنا یحیی ومحمد بن جعفر ، حدثنا عوف ، حدثنى
قسامة بن زهير ، عن أبي موسى، عن النبي عَّ المه قال: ((إن الله خلق آدم من
قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم
الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب ، والسهل والحزن وبين
ذلك ))
ورواه أيضا عن هوذة ، عن عوف ، عن قسامة بن زهير ، سمعت الأشعري
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من
جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، فجاء منهم الأبيض والأحمر
والأسود وبين ذلك ، والسهل والحزن وبين ذلك ، والخبيث والطيب وبين
ذلك )) .
و کذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه ، من حديث عوف
ابن أبي جميلة الأعرابي ، عن قسامة بن زهير المازني البصري ، عن أبي موسى عبد
الله بن قيس الأشعري عن النبي عَ له بنحوه. قال الترمذي: حسن صحيح(١).
وقد ذکر السدي عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن
ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله عَ لّهم قالوا: فبعث الله عز وجل
جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : أعوذ بالله أن تنقص مني أو
(١) أخرجه أحمد في مسنده في موضعين بإسنادين، الإسناد الأول في ٤ /٤٠٠،
والإسناد الثاني في ٤٠٦/٤ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة ، باب القدر،
والترمذي في كتاب التفسير، باب ما جاء في سورة البقرة، وابن حبان في
صحيحه ، كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق .
٤٨

تشينني ، فرجع ولم يأخذ ، وقال : رب ... إنها عاذت بك فأعذها .
فبعث ميكائيل فعادت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل . فبعث
ملك الموت فعاذت منه ، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ
من وجه الأرض وخلط ، ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة بيضاء
وحمراء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين .
فصعد به فَلَّ التراب حتى عاد طيناً لازبا . واللازب : هو الذي يلزق بعضه
ببعض ، ثم قال للملائكة: ﴿ إِنَّى خَالِقٌ بَشِرَاً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ
فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾(٢) .
فخلقه الله بیده لئلا يتكبر إبليس عنه ، فخلقه بشرا ، فكان جسدا من طين
أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت الملائكة ففزعوا منه لما رأوا وكان
أشدهم منه فزعا إبليس ، فكان يمر به فيضربه ، فيصوت الجسد كما يصوت
الفخار يكون له صلصلة ، فذلك حين يقول: ﴿ مِن صَلْصَالِ كَالفَخَّارِ﴾(٣)
ويقول : لأمر ما خلقت ، ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة : لا
ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف ، لئن سلطت عليه لأهلكنه .
فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة :
إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في
رأسه عطس ، فقالت الملائكة : قل الحمد لله، فقال : الحمد لله ، فقال له
الله رحمك ربك ، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخلت
الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى
ثمار الجنة ، وذلك حين يقول الله تعالى: ﴿ خُلِقَ الإِنسَانُ مِن عَجَل﴾ (٤)
﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ
السَّاجِدِينَ﴾(٥) وذكر تمام القصة(٦).
(٢) سورة ص الآيتان : ٧١، ٧٢ .
(٣) سورة الرحمن الآية : ١٤ .
(٤) سورة الأنبياء الآية : ٣٧ .
(٥) سورة الحجر الآيتان: ٣٠، ٣١.
(٦) الأثر أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره، تفسير سورة البقرة ٢٠٣/١ ط دار الفكر .
٤٩

ولبعض هذا السياق شاهد من الأحاديث ، وإن كان كثير منه متلقی من
الإسرائيليات .
فقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس
أن النبي عَ ◌ّه قال: ((لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف
به ، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك))(٧) .
وقال ابن حبان في صحيحه : حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا هدبة بن
خالد ، حدثنا حمد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك أن رسول
الله عَ له قال: ((لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس. فقال: الحمد لله رب
العالمين ، فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله)) (٨).
وقال الحافظ أبو بكر البزار (٩): حدثنا يحيى بن محمد بن السكن ، حدثنا
حبان بن هلال ، حدثنا مبارك بن فضاله . عن عبيد الله عن حبيب . عن
حفص - هو ابن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب - عن أبي هريرة رفعه
وقاله: (( لما خلق الله آدم عطس ، فقال : الحمد لله ، فقال له ربه : رحمك ربك
يا آدم)) (١٠).
وهذا الإِسناد لا بأس به ولم يخرجوه .
وقال عمر بن عبد العزيز : لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد
منهم إسرافيل ، فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته .
رواه ابن عساكر .
وقال الحافظ أبو يعلي حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا عمرو بن محمد عن
إسماعيل بن رافع المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله عَ لّم قال: ((إن الله
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ١٥٢/٣ .
(٨) كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق .
(٩) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصرى توفي ٢٩٢ هـ. (طبقات الحفاظ ص ٢٨٥،
تذكرة الحفاظ ٦٥٣/٢، شذرات الذهب ٢٠٩/٢ ).
(١٠) أخرج نحوه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩١١/١ .
٠٠
٥

خلق آدم من تراب ، ثم جعله طينا ثم تركه ، حتى إذا كان حماً مسنونا خلقه الله
وصوره ، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار قال : فكان إبليس يمر به
فيقول : لقد خلقت لأمر عظيم .
ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه
فعطس فلقاه الله رحمة به ، فقال الله يرحمك ربك، ثم قال الله : يا آدم ...
اذهب إلى هؤلاء النفر فقل له ، فانظر ماذا يقولون ؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا :
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته . فقال: يا آدم ... هذه تحيتك وتحية
ذريتك . قال : يا رب وما ذريتي ؟ قال : اختر يدي ياآدم ، قال : أختار يمين
ربي وكلتا يدي ربي يمين ، فبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف
الرحمن ، فإذا رجال منهم أفواههم النور ، وإذا رجل یعجب آدم نوره ، قال : یا
رب ... من هذا ؟ قال : ابنك داود ، قال يا رب ... فكم جعلت له من
العمر ؟ قال : جعلت له ستين ، قال يارب ... فأتم له من عمري حتى يكون
مائة سنة ، ففعل الله ذلك ، وأشهد على ذلك .
فلما تقدم عمر آدم بعث الله ملك الموت ، فقال آدم : أو لم يبق من عمري
أربعون سنة ؟ قال له الملك : أو لم تعطها ابنك داود ؟ فجحد ذلك .
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في ((اليوم والليلة )) من
حديث صفوان بن عيسى . عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب ، عن سعيد
المقبري ، عن أبي هريرة عن النبي عَُّآلِ . وقال الترمذي : حديث حسن غريب
من هذا الوجه. وقال النسائي : هذا حديث منكر ... وقد رواه محمد بن
عجلان ، عن أبيه عن أبي سعيد المقبري ، عن عبد الله بن سلام قوله(١١).
وقال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه:
« لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها
(١١) أخرجه الحافظ أبو يعلى في مسنده ٤٥٣/١١ - ٤٥٥ وإسناد هذا الحديث ضعيف لورود
إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري فيه ، وقد ضعفه العلماء انظر : تهذيب التهذيب ٢٥٨/١ ،
وتقريب التهذيب ٦٩/١ .
٥١

من ذريته ، إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا(١٢) من
نور ، ثم عرضهم على آدم فقال : أي رب ... من هؤلاء ؟ قال هؤلاء ذريتك ،
فرأى رجلا فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ... من هذا ؟ قال هذا
رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود ، قال : رب ... وكم جعلت عمره ؟
قال : ستين سنة ، قال : أي رب ... زده من عمري أربعين سنة .
فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت ، قال : أو لم يبق من عمري أربعون
سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد فجحدت ذریته ، ونسی آدم
فنسيت ذريته ، وخطىء آدم فخطئت ذريته)).
ثم قال الترمذي : حسن صحيح . وقد روی من غير وجه عن أبي هريرة عن
النبي عَ ◌ّةٍ. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ،
وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه(١٣).
وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن
عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعا فذكره ، وفيه: (( ثم عرضهم على آدم
فقال: ياآدم ... هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع
الأسقام ، فقال آدم: يارب ... لم فعلت هذا بذريتي ؟ قال : كى تشكر
نعمتي)»(١٤) .
ثم ذكر قصة داود ، وستأتي من رواية ابن عباس أيضاً .
وقال الإِمام أحمد في مسنده : حدثنا الهيثم بن خارجة ، حدثنا أبو الربيع عن
يونس بن ميسرة ، عن أبي أدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي عَ لّم قال:
((خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى ، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر ،
وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم (١٥)، فقال للذي في
(١٢) الوبيص : البريق ..
( اللسان : وبص ) .
(١٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأعراف ،
والحاكم في مستدركه .
(١٤) هذه الرواية في سندها عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال ابن الجوزي : أجمعوا على
ضعفه . انظر تهذيب التهذيب ١٦٢/٦ .
(١٥) الحُمَمْ: الفحم والرماد، واحدته: حُمَمَة. ( اللسان: حمم).
٥٢

يمينه: إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في كتفه اليسرى : إلى النار ولا
أبالي))(١٦) .
وقال ابن أبي الدنيا(١٧): حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا الحكم بن سنان ، عن
حوشب ، عن الحسن قال : خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من
صفحته اليمنى ، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى ، فألقوا على وجه
الأرض ، منهم الأعمى والأصم والمبتلى . فقال آدم : يارب .. ألا سويت بين
. ولدى؟ قال : ياآدم .. إنى أردت أن أشكر ...
وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة عن الحسن بنحوه .
وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال : حدثنا محمد بن إسحاق
ابن خزيمة ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذباب ، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله عَّ: ((لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله ، فحمد
الله بإذن الله ، فقال له ربه : يرحمك ربك يا آدم ، اذهب إلى أولئك الملائكة -
إلى ملٍ منهم جلوس - فسلم عليهم - فقال : السلام عليكم ، فقالوا: وعليكم
السلام ورحمة الله .
ثم رجع إلى ربه فقال : هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم .
وقال الله ويداه مقبوضتان : اختر أيهما شئت ، فقال : اخترت يمين ربي ،
وكلتا يدى ربي يمين مباركة ، ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته ، فقال : أي
رب ... ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك ، وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره
بين عينيه ، وإذا فيهم رجل اضوؤهم - أو من أضوئهم - لم يكتب له إلا أربعون
سنة ، قال : يا رب ... من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود ... وقد كتب الله عمره
أربعين سنة . قال : أي رب ... زد في عمره ، فقال: ذاك الذي كتب له ،
قال : فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة ، قال : أنت وذاك . اسكن الجنة .
(١٦) رواه الإمام أحمد في مسنده ٤٤١/٦ .
(١٧) هو: عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان الأموي مولاهم وتوفي سنة
٢٨١ هـ (طبقات الحفاظ ٢٩٤، تاريخ بغداد ٨٩/١٠، تذكرة الحفاظ ٦٧٧/٢ ).
٥٣

فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها ، وكان آدم يعد لنفسه ، فأتاه ملك
الموت فقال له آدم : قد عجلت ، قد كتب لي ألف سنة . قال : بلى ، ولكنك
جعلت لابنك داود منها ستين سنة ، فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسى فنسيت
ذريته ، فيومئذ أمر بالكتاب والشهود هذا لفظه(١٨).
وقد قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر ، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي مَّ الِ قال: ((خلق الله آدم
وطوله ستون ذراعا ، ثم قال : اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع
ما يجيبونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام
عليك ورحمة الله فزاده ( ورحمة الله ) . فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ،
فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) (١٩).
وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان ، عن يحيى بن جعفر ، ومسلم ،
عن محمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق به .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد
عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله عَ لّم قال: ((كان طول
آدم ستين ذراعاً في سبع أذرع عرضاً))(٢٠).
انفرد به أحمد .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ،
عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت آية الدين قال رسول
الله عَّله: ((إن أول من جحد آدم ، إن أول من جحد آدم ، إن أول من جحد
آدم. أن الله لما خلق آدم مسح ظهره . فأخرج منه ما هو ذاريء إلى يوم
(١٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق وفي سند
الحديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذياب، قال عنه الحفاظ بن حجر: ((صدوق بهم))
انظر: تقريب التهذيب ١٤٢/١ وتهذيب التهذيب : ١٢٨/٢.
(١٩) صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، باب بدء خلق آدم وذريته .
(٢٠) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده ٥٣٥/٢، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ، وهو
ضعيف . انظر تهذيب التهذيب ٢٨٣/٧ .
٥٤

القيامة ، فجعل يعرض ذريته عليه ، فرأي فيهم رجلا يزهر ، قال : يارب .... من
هذا ؟ قال : هذا ابنك داود ، قال : أي رب ... كم عمره . قال : ستون عاماً ،
قال : أي رب ... زد في عمره . قال : لا، إلا أن أزيده من عمرك ، وكان عمر
آدم ألف عام فزاده أربعين عاماً فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة .
فلما احتضر آدم أتته الملائكة لقبضه ، قال : إنه قد بقى من عمري أربعون
عاما ، فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود ، قال : ما فعلت وأبرز الله عليه
الكتاب وشهدت عليه الملائكة(٢١) .
وقال أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن
زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن
أول من جحد آدم - قالها ثلاث مرات - إن الله عز وجل لما خلقه مسح ظهره
فأخرج ذريته فعرضهم عليه ، فرأى فيهم رجلا يزهر ، فقال : أي رب ... زد في
عمره . قال : لا إلا أن تزيده أنت من عمرك . فزاده أربعين سنة من عمره .
فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة .
فلما أراد أن يقبض روحه قال : إنه بقى من أجلي أربعون سنة ، فقيل له :
إنك قد جعلتها لابنك داود . قال : فجحد . قال : فأخرج الله الكتاب، وأقام
عليه البينة ، فأتمها لداود مائة سنة ، وأتم لآدم عمره ألف سنة .
تفرد به أحمد ، وعلى بن زيد في حديثه نكارة (٢٢) .
وروى الطبرانى(٢٣) عن على بن عبد العزيز ، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن
سلمة ، عن علي بن زيد ، عن یوسف بن مهران ، عن ابن عباس وغير واحد .
عن الحسن قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله عَ له: ((إن أول من جحد
آدم - ثلاثا -)) وذكره (٢٤).
(٢١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥١/١، ٢٥٢، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ، وهو
ضعيف كما بينا في الحديث السابق .
(٢٢) أخرجه في مسنده ٢٩٩/١، وفي سنده على بن زيد، وهو ضعيف كما بينا سابقاً.
(٢٣) هو: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الطبراني، وتوفي سنة ٣٦٠ هـ. ( طبقات
الحفاظ ص ٢٧٢ هـ، البداية والنهاية ٦٢٠/١١، ميزان الاعتدال ١٩٥/٢.
(٢٤) هذه الرواية ضعيفة لوجود « علي بن زيد » أيضاً في سندها .
٥٥

وقال الإِمام مالك بن أنس (٢٥) فى موطئه عن زيد بن أبى أنيسة ، إن عبد.
الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره عن مسلم بن يسار الجهنى أن
عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنِ بَنِى آدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمَ عَلَى أَنفُسِهِم أُلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾(٢٦)
الآية، فقال ابن الخطاب: سمعت رسول الله عَ لّهِ يُسْأل عنها فقال: ((إن
الله خلق آدم عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية . قال :
خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه
ذرية قال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون)) .
فقال رجل: يا رسول الله ... فقيم العمل؟ قال رسول الله عَ ليه: ((إذا خلق
الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل
الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق الله العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار حتى
يموت على عمل من أعمال أهل النار )).
وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذى والنسائي وابن جرير وابن أبي
حاتم وأبو حاتم ، وابن حبان في صحيحه من طرق ، عن الإِمام مالك به .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر ،
وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة ، زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .
وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جثعم ،
عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن
مسلم بن يسار ، عن نعيم بن ربيعة ، قال : كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل
عن هذه الآية فذكر الحديث(٢٧).
(٢٥) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر المدني توفي سنة ١٧٩٠ هـ (طبقات
الحفاظ ص ٧٩ ، الديباج المذهب ص ١٧ ).
:
(٢٦) سورة الأعراف الآية : ١٧٢ .
(٢٧) أخرجه مالك في الموطإ، كتاب القدر، وأحمد في مسنده ٤٥/١، وأبو داود في
سننه، كتاب السنة، باب القدر، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير
سورة الأعراف ، وابن جرير الطبري في تفسيره ، تفسير سورة الأعراف ١١٣/٩ ط دار
الفكر ، وابن حبان في صحيحه ، كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق .
٥٦

قال الحافظ الدار قطني(٢٨): وقد تابع عمر بن جعثم أبو فروة بن زيد بن
سنان الرهاوي ، عن زيد بن أبي أنيسة قال : وقولهما أولى بالصواب من قول
مالك رحمه الله .
وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر
وقسمتهم قسمين: أهل اليمين وأهل الشمال، وقال: ((هؤلاء للجنة ولا أبالي ،
وهؤلاء للنار ولا أبالي )).
فأما الإشهاد عليهم واستنطاقهم بالإِقرار بالوحدانية ، فلم يجىء في الأحاديث
الثابتة . وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه
هناك وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها ، فمن أراد
تحريره فليراجعه ثم ... والله أعلم .
فأما الحديث الذي رواه أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير -
يعنى ابن حازم - عن كلثوم بن جبر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن
النبي عَّ المِ قال: ((إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم
عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا
قال: ﴿أُلَسْتُ بَرِبُّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافِلِين « أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أَقَتَهْلِكُنَا بِما
فَعَلِ المُبْطِلونَ﴾(٢٩).
فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم ، رواه النسائي وابن جرير والحاكم في
مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزى به . وقال الحاكم : صحيح الإسناد
ولم يخرجاه ، إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروى عنه مرفوعاً وموقوفاً
وكذا روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً . وهكذا رواه العوفي
والوالبي والضحاك وأبو جمرة . عن ابن عباس قوله . وهذا أكثر وأثبت ...
(٢٨) هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن، توفي ٣٨٠ هـ ( طبقات الحفاظ ص
٣٩٣، تاريخ بغداد ٣٤/١٢).
(٢٩) سورة الأعراف الآيتان : ١٧٢، ١٧٣.
٥٧

والله أعلم. وهكذا روى عن عبد الله بن عمر موقوفاً ومرفوعاً والموقوف
أصح (٣٠) .
واستأنس القائلون بهذا القول - وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم
الجمهور - بما قال الإِمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنى شعبة ، عن أبي عمران
الجونى عن أنس بن مالك، عن النبي عَّ له قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم
القيامة : لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به ؟ قال : فيقول :
نعم . فيقول : قد أردت منك ما هو أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر
آدم أن لا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك بي)) .
أخرجاه من حديث شعبة به(٣١).
وقال أبو جعفر الرازي : عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن
كعب، في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذَرِّيَتَهُمْ ﴾
الآية والتى بعدها .
قال : فجمعهم له يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فخلقهم ثم
صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهد عليهم أنفسهم
أُلَسْتُ بِرِبِّكُمْ قَالُوا بَلِى ... ) الآية .
قال : فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع ، وأشهد عليكم
أباكم آدم ، أن لا تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا ، اعلموا أنه لا إله غيري ولا
رب غيري ، ولا تشركوا بي شيئاً ، وإني سأرسل إليكم رسلاً ينذرونكم عهدي
ومیثاقی ، وأنزل علیکم کتابي .
قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك . فأقروا
(٣٠) أخرجه أحمد في مسنده ٢٧٢/١، والحاكم في المستدرك، كتاب التاريخ، باب
ذكر آدم ، وابن جرير في تفسيره في تفسير سورة الأعراف ، والحسين بن محمد المروزي ، الوارد
في سند الحديث مجهول كما قال ابن حجر. ( تقريب التهذيب ١٧٩/١ ).
(٣١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣ / ١٢٧، والبخاري في كتاب الأنبياء، باب
خلق آدم وذريته ، ومسلم في صحيحه في كتاب المنافقين ، باب طلب الكافر الفداء بملء
الأرض ذهبا .
٥٨
٠١٦٠

يومئذ بالطاعة .
ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون
ذلك ، فقال : يارب ... لو سويت بين عبادك ؟ فقال : إني أحببت أن أشكر .
ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة
والنبوة، فهو الذي يقول الله تعالى: ﴿ وَإِذَ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِّينَ مِينَاقَهُمْ وَمِنكَ
وَمِن تُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾(٣٢)
وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلَدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَة الله التَّى فَطَرِ النَّاسِ عَلَيْهَا
لَا تَبْدِيلَ لِحَلْقِ الله﴾(٣٣) وفي ذلك قال: ﴿ هَذَا نَذِيرٌ مِّن النُّذُرِ الأولَى﴾(٣٤)
وفي ذلك قال: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أُكْثَرَهُمْ
لَفَاسِقِينَ ﴾(٣٥).
رواه الأئمة : عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في
تفاسيرهم من طريق أبي جعفر ، وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير
والحسن البصري وقتادة والسدي ، وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق
هذه الأحاديث(٣٦).
وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم ، امتثلوا كلهم للأمر
الإِلهى ، وامتنع إبليس من السجود له حسداً وعداوة له ، فطرده الله وأبعده
وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها ، وأهبطه إلى الأرض طريداً ملعوناً شيطاناً
رجيماً .
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع ، ويعلى ومحمد ابنا عبيد ، قالوا : حَدثنا
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا قرأ
(٣٢) سورة الأحزاب الآية : ٧ .
(٣٣) سورة الروم الآية: ٣٠.
(٣٤) سورة النجم الآية : ٥٦ .
(٣٥) سورة الأعراف الآية : ١٠٢ .
(٣٦) تفسير الطبري ٧٦/٩ - ٨١.
٥٩

ابن آدم السجدة فسجد ، اعتزل الشيطان بيكي يقول : يا ويله ... أمر ابن آدم
بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار )) .
ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش به(٣٧).
ثم لما أسكن آدم الجنة التى أسكنها - سواء أكانت في السماء أم في الأرض
على ما تقدم من الخلاف فيه - أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام ، يأكلان
منها رغداً حيث شاءا ، فلما أكلا من الشجرة التى نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من
اللباس وأهبطا إلى الأرض . وقد ذكرنا الاختلاف فى مواضع هبوطه منها .
واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة : فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا
ما رواه مسلم عن أبى هريرة مرفوعاً: ((وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم
الجمعة)) وتقدم أيضاً حديثه عنه، وفيه - يعني يوم الجمعة - (( خلق آدم ،
وفيه أخرج منها )) .
فإن كان اليوم الذي خلق فيه أخرج فيه ـ وقلنا إن الأيام الستة کهذه
الأيام - فقد لبث بعض يوم من هذه، وفي هذا نظر . وإن كان إخراجه في غير
اليوم الذي خلق فيه ، أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن
ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير ، فقد لبث هناك مدة طويلة .
قال ابن جرير : ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة ، والساعة
منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، فمكث مصورا طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح
أربعين سنة وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثاً أو أربعين سنة وأربعة أشهر ... والله
تعالى أعلم (٣٨).
وقد روی عبد الرزاق ، عن هشام بن حسان ، عن سوار خبر عطاء بن أبي
رباح : أنه كان لما أهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء ، فحطه الله إلى
ستين ذراعاً . وقد روي عن ابن عباس نحوه .
(٣٧) أخرجه أحمد في مسنده ٤٤٣/٢، ومسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب
بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة .
(٣٨) الطبري ٢٠/١٧ و٢١ .
٦٠