Indexed OCR Text
Pages 21-40
مِّنْ حَمَإٍ مَّسْئُونٍ﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ مِنِ رُوِحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ » فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلَّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَّى أَن يَكُونَ مَعَ الِسَّاجِدِينَ » قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَالَكَ أَلَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أُكُن لَّأَسْجُدَ لِبَشَرِ خَلَقْتَهُ مِنِ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَا مَّسْئُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾(٣٧) استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراءه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين . التعيين . وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا، و کان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ﴾ قَالَ أُرَأيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَرْئَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأُخْتَلِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأُمْوَالِ وَالْأُوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُروراً * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَ كِيلاً ﴾(٣٨) . وقال في سورة الكهف: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أُمْرِ رَبِّهِ أُفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أُوْلِيَاءَ مِن دُونِى﴾ (٣٩) أى خرج عن طاعة الله عمداً وعناداً واستكباراً عن امتثال أمره ، وماذاك إلا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها ، فإنه مخلوق من نار كما قال، وكما جاء في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله عَ لَّه قال: (( خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم )) (٤٠) . وقال الحسن البصري : لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط . وقال (٣٧) سورة الحجر الآيات: ٢٨ - ٣٥. (٣٨) سورة الإسراء الآيات : ٦١ - ٦٥. (٣٩) سورة الكهف الآية : ٥٠ . (٤٠) صحيح مسلم ، كتاب الزهد ، باب في أحاديث متفرقة . ٢١ شهر بن حوشب : كان من الجن ، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار ، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك ، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه . وقال ابن مسعود(٤١) وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون : كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا . قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل ، وفي رواية عنه : الحارث . قال النقاش : وكنيته أبو كردوس قال ابن عباس : وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن ، وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم ومن أكثرهم علما وعبادة ، وكان من أولى الأجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيماً(٤٢) . وقال في سورة ص : ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنَّى خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ مِنِ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ » فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أُسْتَكْبَرْتَ أُمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَاخَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنُظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ المَعْلُومِ، قَالَ فَبِعَّتِكَ لَّأُغْوِيِنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُحْلَصِينَ ﴾ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ : لَأَمْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣) . وقال في سورة الأعراف: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآَ تِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٤٤) أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ، ولآتينهم من كل جهة منهم ، فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه . (٤١) هو: عبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن الذهلي توفى ٣٢ هـ ( أسد الغابة ٣٨٤/٣، الإصابة ٣٦٠/٢) . (٤٢) تفسير الطبرى ١٧٨/١. (٤٣) سورة ص الآيات: ٧١ - ٨٥ . (٤٤) سورة الأعراف الآيتان : ١٦، ١٧ . ٢١ وقال الإِمام أحمد(٤٥): حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو عقيل - هو عبد الله بن عقيل الثقفي - حدثنا موسى بن المسيب ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن سبرة بن أبي الفاكه قال: سمعت رسول الله عَ ه يقول: ((إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه )) وذكر الحديث (٤٦) . وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم . أَهُمْ جميع الملائكة كما دل عليهم عموم الآيات ؟ وهو قول الجمهور . أو المراد بهم ملائكة الأرض ، كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن . عباس ؟ وفيه انقطاع وفي السياق نكارة ، وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه . ولكن الأظهر من السياقات الأولى، ويدل عليه الحديث: (( وأسجد له ملائكته )) وهذا عموم أيضاً ... والله أعلم . وقوله تعالى لإِبليس : ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾(٤٧) و﴿ الحُرُجْ مِنْها ﴾(٤٨) دلیل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها ، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته ، وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ، ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه ، فأهبط إلى الأرض مذموماً مدحوراً . وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(٤٩) . (٤٥) هو أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي أبو عبد الله توفى ٢٤١ هـ (شذرات الذهب ٩٦/٢ ) . (٤٦) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٤٨٣، والنسائى فى كتاب الجهاد ، باب «مالمن أسلم وهاجر وجاهد » . (٤٧) سورة الأعراف الآية: ١٣ بلفظ ﴿فاهبط﴾. (٤٨) سورة الأعراف الآية : ١٨. (٤٩) سورة البقرة الآية : ٣٥. ٢٣ وقال في الأعراف: ﴿ قَالَ آخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(٥٠) . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِسَ أَبَّى ء فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُحْرِ جَتَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى « وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾(٥١) .. وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم إلى الجنة لقوله: ﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾(٥٢) وهذا قد صرح به إسحاق ابن يسار(٥٣)، وهو ظاهر هذه الآيات. ٠ ولكن حكى السدي عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا : أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشيا ليس له فيها زوج يسكن إليها ، فنام نومة فاستقيظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه . فسألها : ما أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلى ، فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه : ما اسمها يا آدم ؟ قال حواء ، قالوا : ولم كانت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي . وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه . الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم مكانه لحماً . ومصداق هذا في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ... ﴾ (٥٤) الآية . وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا (٥٠) سورة الأعراف الآيتان : ١٨، ١٩. (٥١) سورة طه الآيات: ١١٦ - ١١٩. (٥٢) سورة الأعراف الآية : ١٩ . (٥٣) إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم. (تهذيب التهذيب ٢٣/١٣). (٥٤) سورة النساء الآية: ١ . 1: ٢٤ زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغْشَّاهَا حَمْلت حملاً خفيفاً فمرت به ... ﴾(٥٥)، وسنتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى . وفي الصحيحين من حديث زائدة، عن ميسرة الأشجعي ، عن أبي حازم عن أبي هريرة(٥٦)، عن النبي عَ لِ أنه قال: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً)). هذا لفظ البخاري (٥٧). وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿ وَلَّا تَقْرَبَا هَذِهِ الْشَّجَرَةَ ﴾ (٥٨) فقيل : هى الكرم ، وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ، ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة : قال : وتزعم يهود أنها الحنطة ، وهذا مروي عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي ، وأبي مالك ومحارب بن دثار ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى . وقال وهب : والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل . وقال الثوري عن أبي حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلاَ تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هى النخلة . وقال ابن جريج عن مجاهد : هي التينة . وبه قال قتادة وابن جريج ، وقال أبو العالية : كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث . وهذا الخلاف قريب ، وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها ، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن . وإنما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي أدخلها آدم : هل هى في (٥٥) سورة الأعراف الآية : ١٨٩. (٥٦) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي توفي ٥٨ هـ (أسد الغابة ٢٧٨/٢، الإصابة ٥٤٣/١ ) : (٥٧) صحيح البخاري كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته صحيح مسلم: كتاب الرضاع باب الوصية بالنساء . (٥٨) سورة البقرة الآية: ٣٥ . ٢٥ السماء أو في الأرض ، هو الخلاف الذي ينبغي فصله والخروج منه . والجمهور على أنها هى التي في السماء ، وهى جنة المأوى ، لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٥٩) والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي ، وإنما تعود على معهود ذهني ، وهو المستقر شرعاً من جنة المأوى ، وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام: ((علام أخرجتنا ونفسك من الجنة ... ))؟ الحديث كما سيأتي الكلام عليه . وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي - واسمه سعد بن طارق - عن أبى حازم سلمة بن دينار ، عن أبي هريرة ، وأبو مالك عن ربعي ، عن حذيفة(٦٠) قالا: قال رسول الله عَ ليه: ((يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة . فيأتون آدم فيقولون : يا أبانا ... استفتح لنا الجنة ، فيقول : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم)) ؟ وذكر الحديث بطوله(٦١) . وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى ، وليست تخلو عن نظر . وقال آخرون : بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد ، لأنه کلف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة ، ولأنه نام فيها وأخرج منها ، ودخل عليه إبليس فيها ، وهذا مما ينافي في أن تكون جنة المأوى . وهذا القول محكي عن أبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس ، ووهب بن منبه ، وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في ((المعارف )) والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفاً على حدة . وحكاه عن أبي حنيفة الإِمام وأصحابه رحمهم الله . ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري مسـ (٥٩) سورة البقرة الآية : ٣٥ . (٦٠) هو: حذيفة بن اليمان حسين بن جابر العبسى توفي ٣٦ هـ (أسد الغابة ٤٦٣/١، تهذيب التهذيب ٢١٩/١ ) . (٦١) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . ٢٦ في تفسيره(٦٢) عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية . وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم(٦٣) في ((الملل والنحل))، وأبو محمد بن عطية في تفسيره وأبو عيسى الرماني في تفسيره ، وحكى عن الجمهور الأول ، وأبو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال : واختلف في الجنة التي أسكناها - يعني آدم وحواء - على قولين : أحدهما : أنها جنة الخلد . الثاني : أنها جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء(٦٤) . ومن قال بهذا اختلفوا على قولين : أحدهما أنها في السماء لأنه أهبطهما منها ، وهذا قول الحسن ، والثاني أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار . وهذا قول ابن يحيى . وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم ... والله أعلم بالصواب من ذلك . هذا كلامه . فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة ، وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة . ولهذا حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال : هذه الثلاثة التى أوردها الماوردي ، ورابعها الوقف . وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى ، عن أبي الجبائي(٦٥) . وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالاً يحتاج مثله إلى جواب ، فقالوا : لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية ، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية (٦٢) أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن الرازي، الملقب بالفخر الرازي ، توفي هـ ٠٦٠٦ (٦٣) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب ، الفارسي الأصل ، توفي ٤٥٧ هـ (وفيات الأعيان ٣٤٠/١، طبقات الحفاظ ٤٣٦). (٦٤) قارن: ص / ١٨ . (٦٥) تفسير الفخر الرازي جـ ٤ /٤ .. ٢٧ ، بحيث يمكن مخالفته ، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ، ولهذا قال : اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً﴾ (٦٦) وقال: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ (٦٧) وقال: ﴿الخُرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمُ﴾ (٦٨) والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة ، وأيا ما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدراً في المكان الذي طرد منه وأبعد منه ، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز . قالوا : ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له : هَلْ أُذُلُكَ عَلَى شَجَرِةِ الْخُلْدِ ومُلْكٍ لَّا يَبْلِى﴾(٦٩) وبقوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنَ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أُوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ » وَقَاسَمَهُمَا إِنَّى لَكُمَا لِمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِعُرورٍ ... ﴾ (٧٠) الآية . وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما . وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها ، وأنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء . وفي الثلاثة نظر ... والله أعلم . ومما احتج به أصحاب هذه المقالة : ما رواه عبد الله بن الإِمام أحمد في الزيادات عن هدية بن خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن البصري ، عن يحيى بن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب ، قال : إن آدم لما احتضر اشتهى قطفاً من عنب الجنة ، فانطلق بنوه ليطلبوه له ، فلقيتهم الملائكة فقالوا : أين تريدون يابني آدم ؟ فقالوا : إن أبانا اشتهى قطفاً من عنب الجنة . فقالوا لهم : ارجعوا فقد كفيتموه . فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومن خلفه الملائكة ودفنوه ، وقالوا : هذه سنتكم في (٦٦) سورة الأعراف الآية : ١٨ . (٦٧) سورة الأعراف الآية : ١٣ بلفظ ﴿ فاهبط﴾. (٦٨) سورة ص الآية : ٧٧ بلفظ ﴿فاخرج﴾. (٦٩) سورة طه الآية : ١٢٠ . (٧٠) سورة الأعراف الآيات: ٢٠ - ٢٢ . ٢٨ ٠ موتاكم . وسيأتي الحديث بسنده ، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام . قالوا : فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكناً ، لما ذهبوا يطلبون ذلك ، فدل على أنها في الأرض لا في السماء ... والله تعالى أعلم . قالوا: والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾(٧١) لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ، ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام ، فإن آدم خلق من الأرض ولم ينقل أنه رفع . إلى السماء، وخلق ليكون في الأرض ، وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال : ﴿ إِنَّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾(٧٢). قالوا : وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (٧٣)) فالألف واللام ليس للعموم ، ولم يتقدم معهود لفظي ، وإنما هو للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان . قالوا : وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء ، قال الله تعالى : قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمِ مّمن مَّعَكَ﴾ (٧٤) وإنما كان في السفينة حين استقرت على ((الجودي)) ونضب الماء عن وجه الأرض أمر أن يهبط إليها هو ومن معه مباركاً عليه وعليهم . وقال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّاسَأَلْتُمْ﴾ (٧٥) الآية وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ... ﴾ (٧٦) الآية. وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير . قالوا : ولا مانع - بل هو الواقع - أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة (٧١) سورة الأعراف الآية : ١٩. (٧٢) سورة البقرة الآية : ٣٠. (٧٣) سورة القلم الآية : ١٧ . (٧٤) سورة هود الآية : ٤٨ . (٧٥) سورة البقرة الآية : ٦١ . (٧٦) سورة البقرة الآية : ٧٤ . ٢٩ عن سائر بقاع الأرض ، ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور ، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴾(٧٧) أي لا يذل باطنك بالجوع ولاظاهرك بالعرى ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَوُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٧٨) أى لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر ، الشمس ، ولهذا قرن بين هذا وهذا ، وبين هذا وهذا ، لما بينهما من الملاءمة . فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهى عنها ، أهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان ، واختلاف السكان ديناً وأخلاقاً وأعمالاً، ومقصوداً وإرادات وأقوالاً وأفعالاً ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾(٧٩). ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال: ﴿ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لِفَيفاً﴾ (٨٠) ، ومعلوم أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء . قالوا : وليس هذا القول مفرعاً على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ولا تلازم بينهما ، فكل من حكى عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ، ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم ، كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحاح .. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الْشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾(٨١) أي عن الجنة ﴿فَأُخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾(٨١) أي من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والنكد ، وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما ، كما قال تعالى : ﴿ قَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهَمَا مِنِ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَّكَيْنِ أُوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ﴾ (٨٢) يقول : ما (٧٧) سورة طه الآية : ١١٨ . (٧٨) سورة طه الآية : ١١٩. (٧٩) سورة البقرة الآية : ٣٦. (٨٠) سورة الإسراء الآية : ١٠٤ . (٨١) سورة البقرة الآية : ٣٦. (٨٢) سورة الأعراف الآية : ٢٠. ٣٠ نها كما عن الأكل من هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، آي لو أكلتما منها لصرتما كذلك . وَقَّاسَمَهُمَا﴾ أي حلف لهما على ذلك ﴿إِنَّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (٨٣) كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرةِ الخُلْدِ وَمُلْكِ لا يَبْلَى﴾(٨٤) : أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم ، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي ؟ وهذا من التغرير والتزوير والإخبار بخلاف الواقع. والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت ، وقد تكون هى الشجرة التي قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ له: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها : شجرة الخلد)) (٨٥). وكذا رواه أيضاً عن غندر وحجاج ، عن شعبة ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضاً به . قال غندر : قلت لشعبة : هى شجرة الخلد ؟ قال : ليس فيها هى . تفرد به الإِمام أحمد . وقوله : ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةَ﴾ (٨٦) كما قال في طه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآئُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾(٨٧) وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم ، وهى التي حدته على أكلها ... والله أعلم . (٨٣) سورة الأعراف الآية : ٢١ . (٨٤) سورة طه الآية : ١٢٠. (٨٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٥٥/٢، والدارمي في مسنده كتاب الرقائق، باب في أشجار الجنة . (٨٦) سورة الأعراف الآية : ٢٢ . (٨٧) سورة طه الآية : ١٢١. ٣١ وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا بشر بن محمد ، حدثنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي عَّ الم نحوه: (( لولا بنو إسرائيل لم يخبث ولم يخنز(٨٨) اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها))(٨٩) . تفرد به من هذا الوجه ، وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة به ، ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف ، عن أبي وهب ، عن عمرو بن الحارث عن أبي يونس ، عن أبي هريرة به . وفي كتاب التوراة التي بأيدي أهل الكتاب : أن الذي دل حواء على الأكل من الشجرة هي الحية ، وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها ، فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام ، وليس فيها ذكر لإِبليس ، فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ، فوصلا من ورق التين وعملا مآزر ، وفيها أنهما كانا عريانين . وكذا قال وهب بن منبه : كان لباسهما نوراً على فرجه وفرجها . وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم ، وتحريف وخطأ في التعريب ، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يتيسر لكل أحد ، ولا سيما ممن لا يكاد يعرف كلام العرب جيداً ، ولا يحيط علماً بفهم كتابه أيضاً ، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظاً ومعنى . وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله: ﴿يَنَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِما﴾ (٩٠) فهذا لا يرد لغيره من الكلام ... والله تعالى أعلم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن بن أسكاب ، حدثنا علي بنٍ عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ((عن الحسن خلق آدم رجلاً (٨٨) خَيْزَ اللحمُ: فسد وأنتن ( اللسان : خنز) . (٨٩) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم وذريته . وأخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الرضاع ، باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر ، وأحمد في مسنده ٣٠٤/٢، ٣١٥. (٩٠) سورة الأعراف الآية : ٢٧. ٣٢ طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق )) (٩١)، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة ، فأخذت شعره شجرة فنازعها ، فناداه الرحمن عز وجل : يا آدم ... مني تفر ؟ فلما سمع كلام الرحمن قال : يارب ... لا ، ولكن استحياء)) (٩٢). وقال الثوري عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَحْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾(٩٣) ورق التين . وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب ، وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك ، وبتقدير تسليمه فلا يضر ... والله أعلم . وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن البصري عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله عَ له: ((إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ، ستون ذراعاً كثير الشعر موارى العورة ، فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته ، فخرج من الجنة ، فلقيته شجرة فأخذت بناصيته ، فناداه ربه : أفراراً مني ياآدم ؟ فقال : بل حياء منك يارب مما جئت به))(٩٤). ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن يحيى ابن ضمرة ، عن أبي بن كعب عن النبي عَّ ◌ُلِ بنحوه. وهذا أصح ، فإن الحسن لم يدرك أبياً . (٩١) نخلة سحوق: طويلة بَعُد ثَمرُها على المجْتَنِى (اللسان: سحق). (٩٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، وفي سنده « على بن عاصم» وهو: على بن عاصم بن صهيب الواسطى،" أبو الحسن التيمى مولاهم، قال يعقوب بن «أبى شيبة: سمعت على بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه ، منهم من أنكر عليه كثرة الخطإ والغلط ، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك، وتركه الرجوع عما يخالفه فيه الناس ولجاجته فيه ، وثباته على الخطإ .. انظر : تهذيب التهذيب ٣٠٢/٧ . ·(٩٣) سورة الأعراف الآية : ٢٢ . (٩٤) أخرجه الحاكم في مستدركه ٥٤٤/٢ من كلام أبى بن كعب، وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي على ذلك . ٣٣ ثم أورده أيضاً من طريق خيثمة بن سليمان الأطرابلسى ، عن محمد بن عبد الوهاب أبي مرصافة العسقلاني ، عن آدم بن إني أياس ، عن سنان ، عن قتادة عن أنس مرفوعاً بنحوه . وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنِ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينَ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(٩٥). وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة ، وتذلل وخضوع واستكانة ، وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة ، وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه . قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾(٩٦) وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس ، قيل والحية معهم ، أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاريين . وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله عَ الفهم أنه أمر بقتل الحيات ، وقال: ((ما سالمناهن منذ حاربناهن)) (٩٧) . وقوله في سورة طه: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعضٍ عَدُوُّ﴾(٩٨) هو أمر لآدم وإبليس ، واستتبع آدم حواء وإبليس الحية . وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى: ﴿ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَتَمُ القَوْمِ وَكُنَّا لَحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾(٩٩) . والصحيح أن هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين مدع ومدعى عليه ، قال: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِم شَاهِدِينَ ﴾ . (٩٥) سورة الأعراف الآية: ٢٢ - ٢٣. (٩٦) سورة الأعراف الآية : ٢٤ . (٩٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢٣٠/١ . (٩٨) سورة طه الآية : ١٢٣. (٩٩) سورة الأنبياء الآية : ٧٨ . ٣٤ وأما تكريره الإِهباط في سورة البقرة في قوله: ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِنَّكُم مِّنِّ هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاَهُمْ يَحْزَنُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾(١٠٠) فقال بعض المفسرين : المراد بالإِهباط الأول : الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا وبالثاني : من السماء الدنيا إلى الأرض . وهذا ضعيف لقوله في الأول: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْضِ مُسْتَقَرِّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ فدل على أنهم اهبطوا إلى الأرض بالإِهباط الأول ... والله أعلم . والصحيح أنه كرره لفظاً وإن كان واحداً ، وناط مع كل مرة حكماً ، فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم ، وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ، ومن خالفه فهو الشقي ، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم . وروي الحافظ ابن عساكر عن مجاهد قال : أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره . فنزع جبريل التاج عن رأسه ، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه ، وتعلق به غصن ، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة ، فنكس رأسه يقول : العفو العفو . فقال الله : أفراراً مني ؟ قال : بل حياء منك ياسيدي ! وقال الأوزاعي (١٠١) عن حسان - هو ابن عطية -: مكث آدم في الجنة مائة عام ، وفي رواية : ستين عاماً ، وبكى على الجنة سبعين عاماً ، وعلى خطيئته سبعين عاماً ، وعلى ولده حين قتل أربعين عاماً . رواه ابن عساكر . (١٠٠) سورة البقرة الآيات: ٣٦ - ٣٩. (١٠١) هو: عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي. توفي سنة ١٥٧ هـ (طبقات الحفاظ ص ٧٩، تذكرة الحفاظ ١٧٨/١، تهذيب التهذيب ٢٣٨/٦). ٣٥ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال لها (( دحنا)) بين مكة والطائف . وعن الحسن قال : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدستميان من البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان . رواه ابن أبي حاتم أيضاً . وقال السدي : نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة ، فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك . وعن ابن عمر قال : أهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمرؤة رواه ابن أبي حاتم أيضاً . وقال عبد الرزاق : قال معمر : أخبرني عوف ، عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة ، فثماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير . س وقال الحاكم في مستدركه : أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله عَ له: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها))(١٠٢). (١٠٢) كتاب، الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، والزيادة من طريق قتيبة بن سعيد عن المغيرة ، في المصدر نفسه والصحيفة نفسها . ٣٦ وفي الصحيح من وجه آخر: ((وفيه تقوم الساعة)). وقال أحمد : حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا الأوزاعي ، عن أبي عمار ، عن عبد الله بن فروخ، عن أبي هريرة، عن النبي عَ لم قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، وفيه تقوم الساعة )) . على شرط مسلم . فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي : حدثنا محمد بن جعفر الوركاني ، حدثنا سعيد بن ميسرة ، عن أنس قال : قال رسول الله عَ لِ: ((هبط آدم وحواء عريانين جميعاً، عليهما ورق الجنة ، فأصابه الحر حتى قعد يبكي ويقول لها : ياحواء ... قد آذاني الحر ، قال : فجاء جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها ، وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج )) وقال : ((كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة، حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة)) قال: ((وكان كل واحد منهما ينام على حدة ، وينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى ، حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله ))، قال: وعلمه كيف يأتيها ، فلما جاءه جبريل فقال : كيف وجدت امرأتك ؟ قال: صالحة))(١٠٣) . فإنه حديث غريب ورفعه منكر جداً ، وقد يكون من كلام بعض السلف ، وسعيد بن ميسرة هذا هو : أبو عمران البكري البصري ، قال فيه البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات ، وقال ابن عدي : مظلم الأمر (١٠٤). وقوله : ﴿ فَتَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ﴾(١٠٥) قيل هى قوله: ﴿ ... رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإِن لَّمْ تَعْفِرُ لَنَا (١٠٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه . (١٠٤) وأورد هذه القصة السيوطي في الدر جـ ١٣٨/١ وقال سنده ضعيف . (١٠٥) سورة البقرة الآية: ٣٧ . ٣٧ وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾(١٠٦) . روی هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٠٧). وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن بن أسكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله عَ ليه: ((قال آدم عليه السلام: أرأيت يارب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة ؟ قال: نعم )) فذلك قوله: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾(١٠٨) . وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع . وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الكلمات: ((اللهم لا إله إلا الله أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين . اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب على إنك أنت التواب الرحيم)) (١٠٩) . وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قال : قال آدم : يارب ... ألم تخلقني بيدك ؟ قيل له : بلى ، ونفخت في من روحك ؟ قيل له : بلى ، وعطست فقلت يرحمك الله ، وسبقت رحمتك غضبك ؟ قيل له : بلى ، وكتبت على أن أعمل هذا ؟ قيل له : بلى ، قال : أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قال : نعم . ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه(١١٠). وروى الحاكم أيضاً والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن (١٠٦) سورة الأعراف الآية : ٢٣. (١٠٧) تفسير الطبري ١٩٣/١ حيث أورد الأسانيد جميعاً . (١٠٨) سورة البقرة الآية: ٣٧ . (١٠٩) تفسير الطبري جـ ١٩٤/١. (١١٠) المستدرك ٥٤٥/٢ . ٣٨ ١ أسلم ، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب(١١١) قال: قال رسول الله عَ ليه: (( لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب ... أسألك بحق محمد إلا غفرت لي)). فقال الله : فكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد ؟ فقال: يارب ... لأنك لما خلقتني بيدك ، ونفخت في من روحك ، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك . فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إلى ، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ، ولولا محمد ما خلقتك(١١٢). قال البيهقي : تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف ... والله أعلم . وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَعَصَىَ آدَمُ رَبَّهُ فَغْوِىَ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ (١١٣) عَلَيْهِ وَهَدیَ (١١١) هو: أبو حفص العدوى، الفاروق ، استشهد سنة ٢٣ هـ عن ستين سنة . ( أسد الغابة ١٤٥/٤، الإصابة ٥١١/٢، طبقات الحفاظ ص ٣). (١١٢) لم أعثر عليه في مستدرك الحاكم، ورواه الطبراني في المعجم الصغير ٨٢/٢، ٨٣ وقال: « لا يروي عن عمر إلا بهذا الإسناد ، تفرد به أحمد بن سعيد» والحديث في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ضعيف من الثامنة . ( (١١٣) سورة طه الآيتان: ١٢١ - ١٢٢ . ٣٩ [ الفصل الثاني ] ذكر احتجاج آدم وموسى عليهما السلام قال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا أيوب بن النجار ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عَ لّم قال: ((حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له : أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم . قال آدم : ياموسى ... أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، أتلومني على أمر قد كتبه الله على قبل أن يخلقني - أو قدره على قبل أن يخلقني)). قال رسول الله عَ له: ((فحج آدم موسى)). وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد ، والنسائي عن محمد بن عبد الله بن یزید ، عن أيوب بن النجار به قال أبو مسعود الدمشقي : ولم يخرجا عنه في الصحيحين سواه(١). وقد رواه أحمد ، عن عبد الرزاق عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، ورواه مسلم عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به . وقال الإِمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، حدثنا إبراهيم ، حدثنا أبو شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((احتج آدم وموسى ، فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم : وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، تلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق ؟ (١) البخاري في صحيحه، كتاب التفسير ، تفسير سورة طه، ومسلم في صحيحه ، كتاب القدر ، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام ، وأحمد في مسنده ٢٦٨/١ . ٤٠