Indexed OCR Text

Pages 701-720

السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول: (( بسم الله خير
الرازقين)) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. ويقال: وخَلّ ، ويقال :
ورُمَّان وثمار ، ولها رائحة عظيمة جداً ، قال الله لها كوني فكانت .
ثم أمرهم بالأكل منها ، فقالوا : لا تأكل حتى تأكل . فقال : إنكم الذين
ابتدأتم السؤال لها . فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراءَ والمحاويج والمرضى
والزَّمنى وكانوا قريباً من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كلُّ من به عاهة أو آفة أو مرض
مزمن ، فندم الناس على ترك الأكل منها لِمَا رأوا من صلاح حال أولئك . ثم قيل إنها
كانت تنزل كلَّ يوم مرة فيأكل الناس منها ، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى
[ قيل ](١) إنها(٢) كان يأكل منها نحو سبعة آلاف.
ثم كانت تنزل يوماً بعد يوم ، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوماً بعد يوم .
ثم أمر الله عيسى أن يَقْصرها على الفقراء أو المحاويح دون الأغنياء . فشق ذلك على
كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك ، فرفعت بالكلّية ومُسخ الذين تكلموا في
ذلك خنازير .
وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً ، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي ،
حدثنا سفيان بن حبيب ، حدثنا سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة عن خِلَاس (٣) ،
عن عمار بن ياسر ، عن النبي عٍَّ قال: نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا
أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد ، فخانوا وادخروا ورفَعوا ، فمسِخوا قردة
وخنازير (٤) .
ثم رواه ابن جرير عن بِنْدَار(٥) ، عن ابن أبي عِدِي ، عن سعيد ، عن
قتادة ، عن خِلَاس ، عن عمار موقوفاً. وهذا أصح . وكذا رواه من طريق سِمَاك ،
عن رجل من بني عجل ، عن عمار موقوفاً . وهو الصواب . والله أعلم (٦).
(١) ليست في ((أ)).
(٢) ((أ)) : إنه .
(٤) تفسير الطبري ١٣٤/٧ .
(٥) تفسير الطبري : حدثنا محمد بن بشار .
(٦) تفسير الطبري ١٣٥/٧ .
(٣) وردت في تفسير الطبري: جلاس. وهو تحريف . وجلاس بن عمرو من التابعين.
- ٧٠١ -

وخِلَاس عن عمار منقطع ، فلو صح هذا الحديث مرفوعاً لكان فيصلاً في
هذه القصة ، فإن العلماء اختلفوا في المائدة : هل نزلت أم لا ؟ فالجمهور أنها نزلت
كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله :
إني منزِّلها عليكم﴾ كما قرره ابن جرير (١) . والله أعلم .
وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد وإلى الحسن بن أبي الحسن
البصري ، أنهما قالا: لم تنزل وإنهم أبوا نزولها حين قال: ﴿فمن يكفر بعدُ منكم
فإني أعذبه عذاباً لا أعذِّبه أحداً من العالمين﴾ ولهذا قيل إن النصارى لا يعرفون خبرَ
المائدة وليس مذكوراً في كتابهم ، مع أن خبرها مما تتوافر الدواعي على نقله . والله
أعلم(٢) .
وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك ، ومن أراد مراجعته
فلينظره من ثم . ولله الحمد والمنة .
فصل
قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا رجل سقط اسمه ، حدثنا حجاج [ بن
محمد](٢) حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال :
فقدَ الحواريون نبيَّهم عيسى فقيل لهم توجَّه نحو البحر ، فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا
إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى ، وعليه كساءٌ ، مُرْتَدٍ
بنصفه ومؤتزر بنصفه ، حتى انتهى إليهم فقال له بعضهم - قال أبو هلال ظننت
أنه من أفاضلهم - ألا أجيء إليك يا نبي الله ؟ قال : بلى. قال : فوضع إحدى
رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى فقال : أوه غرقتُ يا نبي الله . فقال: أرني
يدك يا قصير الإِيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء !
ورواه أبو سعيد بن الأعرابي ، عن إبراهيم بن أبي الجحيم ، عن سليمان بن
حرب ، عن أبي هلال عن بكر بنحوه .
(١) تفسير الطبري ١٣٥/٧.
(٢) ليست في (أ))
- ٧٠٢ -

ثم قال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان(١) ، حدثنا
إبراهيم بن الأشعث ، عن الفضيل بن عياض ، قال : قيل لعيسى بن مريم :
يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال: بالإِيمان واليقين . قالوا: فإنا آمنا كما
آمنت وأيقنا كما أيقنت . قال : فامشوا إذاً . قال : فمشوا معه في الموج فغرقوا فقال
لهم [ عيسى ](٢) ما لكم ؟ فقالوا: خِفنا الموجَ . قال: ألا خفتم ربَّ الموج !
قال : فأخرجهم . ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى
يديه ذهب وفي الأخرى مدَر أو حصَّى فقال: أيهما أَحْلَى في قلوبكم ؟ قالوا: هذا
الذهب . قال : فإنهما عندي سواء !
وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان
يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدَّخر
شيئاً لغد . قال بعضهم : كان يأكل من غَزْل أمه ، صلوات الله وسلامه عليه .
وروى ابن عساكر عن الشَّعبي أنه قال: كان عيسى عليه السلام إذا ذُكرت
عنده الساعة صاح ويقول : لا ينبغي لابن مريم أن يذكر عنده الساعة ويسكت .
وعن عبد الله بن سعيد بن أُبْجر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ
النَّكْلَى .
وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر ، حدثنا جعفر بن بلقان ، أن عيسى كان
يقول: (( اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو ،
وأصبح الأمرُ بيد غيري ، وأصبحتُ مرتَهناً بعملي ، فلا فقير أفقر مني ! اللهم لا
تُشْمت بي عدوِّي ولا تَسُؤْ بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط عليَّ
من لا يرحمني )).
وقال الفضيل بن عياض عن يونس عن عُبَيد ، كان عيسى يقول : لا يصيب
أحدٌ(٣) حقيقة الإِيمان حتى لا يبالي مَن أكلَ الدنيا !
(١) ((أ)) : ابن شقيق.
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) ((أ)) : لا نصيب حقيقة الإيمان حتى لا نبالي .
- ٧٠٣ -

قال الفضيل: وكان عيسى يقول : فَكَّرْت في الخَلْق فوجدت من لم يُخلق
أغبطَ عندي ممن خُلق !
وقال إسحاق بن بشر ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن قال : إن عيسى
رأسُ الزاهدين يومَ القيامة . قال : وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع
عيسى .
قال : وبينما عیسی يوماً نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به
إبليس فقال : يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئاً من عَرض الدنيا ؟ فهذا الحجر
من عرض الدنيا . قال : [ فقام عيسى ](١) فأخذ الحجر فرمى به إليه وقال: هذا
لك مع الدنيا !
وقال معتمر بن سليمان : خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف
وكساء وتُبَّان(٢) حافياً باكياً شَعثاً مصفرّ اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش
فقال : السلام عليكم يا بني إسرائيل ، أنا الذي أنزلتُ الدنيا منزلتها بإذن الله ولا
عجب ولا فخر ، أتدرون أين بيتي ؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله ؟ قال : بيتي
المساجد ، وطِيبي الماء ، وإدامي الجوع ، وسِراجي القمر بالليل، وصِلائي في
الشتاء مشارق الشمس ، وريحاني بقُول الأرض ، ولباسي الصوف(٣)، وشعاري
خوف رب العزة ، وجلسائي الزَّمْنَى والمساكين ، أصبح وليس لي شيء وأمسي وليس
لي شيء وأنا طيّب النفس غير مُكْترث فمن أغنَى منِّي وأربح !
رواه ابن عساكر .
وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي
المصري ، حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني ، عن حَيْوة بن شريح ، حدثني الوليد
ابن أبي الوليد، عن شُفَيّ بن ماتع (٤)، عن أبي هريرة، عن النبي عَ ◌ّه قال:
أوحى الله تعالى إلى عيسى : أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تُعرف
(١) سقطت من ((ط)) وأثبتها من ((أ)).
(٢) التبان : سراويل صغير يستر العورة المغلظة.
(٣) ((ط)): الصون. محرفة .
(٤) ((أ)): سفي بن نافع. محرفة. والتصويب من المشتبه للذهبي ٣١٩/٢.
- ٧٠٤ -

فتؤَذَى ، فوعزتي وجلالي لَأَزوجنك ألفَ حَوْراء ولأُولِنَّ عليك أربعمائة عام !
وهذا حديث غريب رَفْعه ، وقد يكون موقوفاً من رواية شُفَي بن ماتع ،
عن كعب الأحبار أو غيره من الإِسرائيليين . والله أعلم .
• وقال عبد الله بن المبارك: عن سفيان بن عُيَينة، عن خلَف بن حَوْشَب ،
قال : قال عيسى للحواريين : كما ترك لكم الملوك الحكمةَ فكذلك فاتركوا لهم الدنيا !
وقال قتادة : قال عيسى عليه السلام : سَلُوني فإني لَيّن القلب وإني صغير
عند نفسي .
وقال إسماعيلي بن عَيَّش ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال: قال
عيسى للحواريين : كلوا خبزَ الشعير واشربوا الماء القَرَاح واخرجوا من الدنيا سالمين
آمنين ، بحقّ ما أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ، وإن مرارة الدنيا حلاوة
الآخرة ، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعّمين، بحقٍّ ما أقول لكم إن شركم عالمٌ يُؤثر هواه
على عِلمه يودُّ أن الناس كلهم مثله .
وروي نحوه عن أبي هريرة .
قال أبو مصعب عن مالك إنه بلغه أن عيسى كان يقول : يا بني إسرائيل
عليكم بالماء القَرَاح والبقل البَرير(١) وخبز(٢) الشعير، وإياكم وخبز البُرّ فإنكم لن
تقوموا بشكره .
وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد قال : كان عيسى
يقول اعْبُروا الدنيا ولا تَعْمُرُوها(٣). وكان يقول : حب الدنيا رأس كل خطيئة ،
والنظر يزرع في القلب الشهوة .
(١) البرير: ثمر الأراك. ومنه حديث طهفة: ((ونستعضد البرير)) أي نجنيه للأكل. وانظر النهاية لابن
الأثير ٨٧/١ .
(٢) ((أ)): الخبز والشعير.
(٣) هذه المرويات تصور ما أثر عن عيسى عليه السلام من عزوف عن المتاع وإقبال على العبادة ، لكنها
ليست مما يحتج به في موقف الدين من الدنيا ، أما الإِسلام فإنه يجمع بين الدنيا والآخرة ويجعل الدنيا
ميداناً للعمل والجهاد .
- ٧٠٥ -

وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد : ورب شهوة أورثت أهلَها حزناً طويلاً .
وعن عيسى عليه السلام: يا ابن آدم الضعيف اتقِ الله حيث ما كنتَ ،
وكن في الدنيا ضيفاً ، واتخذ المساجد بيتاً ، وعلِّم عينك البكاء وجسَدك الصبر
وقلبك التفكر ، ولا تهتم برزق غدٍ فإنها خطيئة .
وعنه عليه السلام أنه قال كما [ أنه ](١) لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج
البحر داراً فلا يتخذ الدنيا قراراً .
وفي هذا يقول سابق البَّرْبَرِي (٢):
يُبْنى على الماء بيت أُسُّهُ مَدرُ !
الكم بيوت بمُسْتَنِّ السيوفِ وهل
وقال سفيان الثَّوري : قال عيسى بن مريم :
لا يستقيم حُبُّ الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن ، كما لا يستقيم الماء والنار في
إناء .
وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد ، عن أبي عبد الله الصوفي ، قال :
قال عيسى : طالبُ الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً
حتى يقتله .
وعن عيسى عليه السلام : إن الشيطان مع الدنيا ومَكْره مع المال (٣) وتزيّنه مع
الهوى ، واستمكانه عند الشهوات .
وقال الأعمش بن خيثمة : كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم
ويقول : هكذا فاصنعوا بالقِرَى .
وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام : طوبى لحجْر حَمَلك ولثدي أرضعك .
فقال : طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه .
(١) ليست في ((أ)).
(٢) هو أبو سعيد سابق بن عبد الله البربري ، وليس منسوباً إلى البربر، وإنما هو لقب له . اللباب لابن
الأثير ١٠٧/١ .
(٣) ((ط)): وفكره من المال. محرفة .
- ٧٠٦ -

وعنه : طوبى لمن بكَى مِن ذِكْر خطيئته وحفَظ لسانه ووسِعه بيته .
وعنه : طوبى لعينٍ نامت ولم تحدِّث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير إثم .
وعن مالك بن دينار قال : مَرَّ عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا : ما أنتن ريحها ،
فقال : ما أبيضَ أسنانها . لينهاهم عن الغيبة .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا الحسين بن عبد الرحمن ، عن زكريا بن
عَدِي قال : قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواربين ارضوا بدنىء الدنيا مع سَلامة
الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيّ الدين مع سلامة الدنيا .
قال زكريا : وفي ذلك يقول الشاعر :
ولا أراهم رضُوا في العيش بالدونِ
أرى رجالاً بأدنى الدين قد قَنَعوا
استغنَى الملوكُ بدنياهم عن الدين
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما
وقال أبو مصعب عن مالك: قال عيسى بن مريم عليه السلام: (( لا تُكثروا
الحديثَ بغير ذِكر الله فتقسوَ قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا
تعلمون ، ولا تنظروا في (١) ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد،
فإنما الناس رجلان معافّى ومُبْتلى، فارحموا أهلَ البلاء واحمدوا الله على العافية)).
وقال الثوري : سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي ، قال : قال عيسى
لأصحابه : بحقٍّ أقول لكم : مَن طَلَب الفردوسَ فخُبز الشعير والنوم في المزابل مع
الكلاب کثیر .
وقال مالك بن دينار : قال عيسى : إن أكلَ الشعير مع الرماد والنوم على
المزابل مع الكلاب لقَليلٌ في طلب الفردوس .
وقال عبد الله بن المبارك : أنبأنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي
الجعد ، قال : قال عيسى : اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم ، انظروا إلى هذا الطير
تغدو وتروح لا تَخْرث ولا تحصد والله يرزقها ، فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من الطير
(١) ((أ)): إلى .
- ٧٠٧ -

فانظروا إلى هذه الأباقر(١) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد
والله يرزقها .
وقال صفوان بن عمرو : عن شريح بن عبد الله(٢) ، عن يزيد بن ميسرة ، قال :
قال الحواريون للمسيح : يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه . قال : آمين
آمين بحق ما أقول لكم : لا يترك الله من هذا المسجد حجراً قائماً إلا أهلكه بذنوب
أهله ، إن الله لا يصنع بالذهب ولا الفضة ولا بهذه الحجارة التي تعجبكم شيئاً ، إن
أحب إلى الله منها القلوبُ الصالحة وبها يَعْمر الله الأرض ، وبها يخرب الله الأرض إذا
كانت على غير ذلك .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه : أخبرنا أبو منصور بن محمد
الصوفي ، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوَرْكانية ، قالت : حدثنا أبو محمد
عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم إملاءً ، حدثنا الوليد بن أبان إملاء ، حدثنا
أحمد بن جعفر الرازي ، حدثنا سُهيل بن إبراهيم الحنظلي ، حدثنا عبد الوهاب بن
عبد العزيز، عن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس عن النبي عَ لّم قال: مرَّ
عيسى عليه السلام على مدينة ◌َربة ، فأعجبه البنيان فقال : أيْ رب مُر هذه المدينة
أن تجيبني. فأوحى الله إلى المدينة: أيَّتُها المدينة الخَرِبة جاوبي عيسى . قال : فنادت
المدينة : عيسى حبيبي وما تريد مني ؟ قال : ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما
فعل قصورك وأين سكانك ؟ قالت : حبيبي جاء وعدُ ربك الحق فيبست أشجاري
ونشفت أنهاري وخَرِبت قصوري ومات سكاني . قال : فأين أموالهم ؟ فقالت :
جمعوها من الحلال والحرام موضوعةٌ في بطني ، لله ميراث السموات والأرض . قال :
فنادى عيسى عليه السلام : تعجبت(٣) من ثلاث أناس : طالب الدنيا والموت
يَطْلبه ، وباني القُصور والقبر مَنْزله، ومن يضحك ملء فِيه والنار أمامه ! ابنَ آدم لا
بالكثير تشبع ولا بالقليل تَقنع ، تجمع مالَك لمن لا يَحْمدك وتَقْدَم على رب لا
يَعْذرك، إنما أنت عبدُ بطنك وشهوتك، وإنما تُملأ بطنك إذا دخلتَ قبرك ، وأنت
(١) ((أ)) : الأباقير . وفي القاموس : الباقر : الأسد .
(٢) ((أ)): ابن عبيد الله.
(٣) ((ط)): فعجبت.
- ٧٠٨ -

يا بن آدم تری حشدَ مالك في ميزان غيرك .
هذا حديث غريب جداً وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك .
وقال سفيان الثوري عن أبيه ، عن إبراهيم التّيمي، قال عيسى عليه السلام :
يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيثُ كنزه .
وقال ثور بن يزيد عن عبد العزيز بن ظبيان قال : قال عيسى بن مريم عليه
السلام : من تعلَّم وعَمِل دُعِي عظيماً في ملكوت السماء .
وقال أبو كُريب : روي أن عيسى عليه السلام قال : لا خير في علم لا يَعْبر
معك الوادِي وَيَعْبر بك النادِي .
وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعاً أن عيسى قام في بني
إسرائيل فقال : يا معشر الحواريين لا تحدِّثوا بالحِكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها
أهلها فتظلموهم ، والأمور ثلاثة: أمر تبيَّن رُشْده فاتبعوه ، وأمر تبيَّن غَيّه فاجتنبوه ،
وأمر اختلف عليكم فيه فردُّوا عِلْمه إلى الله عز وجل .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمر ، عن رجل ، عن عكرمة قال : قال عيسى :
لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير ، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئاً، ولا تعطوا الحكمة
من لا يريدها ، فإن الحكمة خیر من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير !
وكذا حكى وهب وغيره عنه أنه قال لأصحابه: أنتم مِلْح الأرض فإذا فسدتم
فلا دواء لكم ، وإن فيكم خصلتين من الجهل : الضحك من غير عجب
والصُبحة(١) من غير سَهر .
وعنه أنه قيل له : من أشد الناس فتنة ؟ قال : زّة العالِم، فإن العالِم إذا زلّ
يزل(٢) بِزَلَّته عالَم كثير .
وعنه أنه قال : يا علماء السُّوء جعلتم الدنيا على رءوسكم والآخرة تحت
أقدامكم ، قولكم شفاء وعلمكم داء(٣) مثلكم مثل شجرة الدِّفْلي (٤) تُعجب من
(١) الصبحة : نوم الغداة .
(٢) ((أ)» : زل.
(٣) ((ط)): دواء . محرفة .
(٤) الدفلي : نبت مر ، قتال زهره كالورد الأحمر .
- ٧٠٩ -

رآها وتقتل من أكلها .
وقال وهب : قال عيسى : يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا
تدخلونها ولا تَدعون المساكين يدخلونها ، إنّ شر الناس عند الله عالمٌ يطلب الدنيا
بعلمه .
وقال مكحول : التقى يحيى بعيسى ، فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له
يحيى : يا بن خالة : ما لي أراك ضاحاً كأنك قد أمِنتَ ؟! فقال له عيسى : ما لي
أراك عابساً كأنك قد يئست ! فأوحى الله إليهما : إنّ أحبكما إليَّ أبشّكما
بصاحبه .
وقال وهب بن منبه : وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلي فيه ،
فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه في أرحام(١)
أمهاتكم ، فإذا أحب(٢) الله أن يُوسع وسَّع .
وقال أبو عمر الضرير : بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده
دماً .
والآثار في مثل هذا كثيرة جداً . وقد أورد الحافظ ابن عساكر طرفاً صالحاً
اقتصرنا منها على هذا القَدْر . والله الموفق للصواب .
(١) ((ط)) : من أرحام.
(٢) ((أ)): فإذا أراد.
- ٧١٠ -

ذكر رفع عيسى عليه السلام
إلى السماء
في حفظ الرب ، وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصَّلْب
قال الله تعالى: ﴿ومَكَرُوا ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى
إِنِّي متوفِّك ورافعك إليَّ ومُطَهِّرك من الذين كفروا وجاعلُ الذين اتبعوك فوقَ الذين
كَفروا إلى يوم القيامة ثم إليَّ مَرْجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه
تختلفون ﴾(١) .
وقال تعالى: ﴿ فيما نَقْضهم ميثاقَهم وَكُفْرهم بآياتِ الله وَقَتْلهم الأنبياءَ بغير
حق وقولهم قلوبنا غُلْف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً . وبكفرهم
وقولهم على مريمَ بُهْتاناً عظيماً . وقولهم إنا قتلنا المسيحَ عيسى بن مريم رسول الله وما
قَتَلوه وما صَلِبُوه ولكن شُبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شَك منه ما لهم به من
عِلْم إلّا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً . وإنْ من
أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به قَبْلَ موته ويومَ القيامةِ يكونُ عليهم شهيداً ﴾(٢) .
فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع
به ، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشَوا به إلى بعض الملوك الكفَرة في
ذلك الزمان .
(١) سورة آل عمران ٥٤، ٥٥.
(٢) سورة النساء ١٥٥ - ١٥٩ .
- ٧١١ -

قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق : كان اسمه داود بن نورا(١) فأمر بقتله
وصَلْبه ، فحصروه في دار بيت المقدس ، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت ، فلما
حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من
رَوْزنة [ من](٢) ذلك البيت إلى السماء ، وأهل البيت ينظرون ، ودخل الشُّرَط
فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه فأخذوه ظانِّين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا
الشوكَ على رأسه إهانة له ، وسَلَّم لليهود عامةُ النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من
أمر عيسى أنه صُلب وضَلُوا بسبب ذلك ضلالاً مبيناً كثيراً فاحشاً بعيداً .
وأخبر تعالى بقوله: ﴿وإنْ من أهل الكتاب إلا ليؤمنَنَّ به قَبْل موته﴾(٣)
أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة ، فإنه ينزل ويقتل الخنزير
ويكسر الصليب ويضع الجِزْية ولا يقبل إلا الإِسلام ، كما بينا ذلك بما ورد فيه من
الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء ، كما أوردنا ذلك مستقصَّ
في كتاب الفتن والملاحم عند أخبار المسيح الدجال ، فذكرنا ما ورد في نزول المسيح
المهديّ عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى
الضلال .
وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء :
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن المنهال بن
عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى
السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم من الحواريين ، يعني
فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يَقطر ماءً فقال : إنَّ منکم من یکفر بي اثني
عشرة مرة بعد أن آمَن بي ، ثم قال: أيّكم [ يُلْقى ](٤) عليه شَبهي فيقتل مكاني
فيكون معي في دَرجتي ؟ فقام شاب من أحدَثْهم سنًّا فقال له : اجلس . ثم أعاد
عليهم فقام الشاب فقال : أنا . فقال : أنت هو ذاك . فألقي عليه شبه عيسى ، ورفع
عيسى من روزنة في البيت إلى السماء .
(١) ((أ)): بن فودا.
(٢) من ((أ)).
(٣) سورة النساء ١٥٩.
(٤) سقطت من (( أ)) .
- ٧١٢ -

قال : وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشَّبه فقتلوه ثم صلبوه فكفَر به بعضهم
اثني عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فِرَق ، فقالت طائفة : كان الله فينا ما
شاء ثم صعد إلى السماء ، وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابنَ الله ما شاء
ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسْطورية. وقالت فرقةٍ: كان فينا عبدَ الله ورسوله ما شاء
ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم
يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً عَ له.
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَيَّدْنا الذين آمنوا على عدوّهم
فأصبحوا ظاهرين﴾(١) .
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم . ورواه النسائي عن أبي
كريب ، عن أبي معاوية به نحوه . ورواه ابن جرير عن مُسْلم بن جنادة عن أبي
معاوية .
وهكذا ذكر غير واحد من السلف وممن ذكر ذلك مطولاً محمد بن إسحاق
ابن يسار(٢) .
قال : وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخر أجله ، يعني
ليبلّغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناسُ الدخولَ في دين الله. قيل: وكان عنده من
الحواربين اثنا عشر رجلاً : بطرس ، ويعقوب بن زيدا ، ويحنس أخو يعقوب ،
واندراوس ، وفليبس ، وابرثلما ، ومتّى، وتوماس،. ويعقوب بن حلقيا، وتداوس (٣)،
وفتاتيا ، ويودس(٤) [ بن ] کریایوطا ، وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى.
قال ابن إسحق : وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى وهو
الذي ألقي شبه موسى عليه فصلب عنه . قال : وبعض النصارى يزعم أن الذي
صُلب عن المسيح وألقي عليه شبهه هو يودس بن كريوطا . والله أعلم .
وقال الضحاك عن ابن عباس : استخلف عیسی شمعون وقتلت الیهود یودس
(١) سورة الصف ١٤ .
(٢) ((ط)): ابن بشار . محرفة .
(٣) حلقايا وبراوسيس.
(٤) ((أ)) : ونودس.
- ٧١٣ -

الذي أُلقي عليه الشَّبه .
وقال أحمد بن مروان : حدثنا محمد بن الجهم ، قال : سمعت الفرَّاء يقول في
قوله: ﴿ومكروا ومكر الله، والله خيرُ الماكرين﴾ قال: إن عيسى غاب عن خالته
زماناً فأتاها ، فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب
داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى ،
ثم خرج إلى أصحابه فقال : لم أره . ومعه سيف مسلول . فقالوا : أنت عيسى
وألقى الله شبه عيسى عليه [ فأخذوه ](١) فقتلوه وصلبوه ، فقال جل ذكره: ﴿ وما
قتلوه وما صَلبوه ولكن شُبِّه لهم ﴾ .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد : حدثنا يعقوب القُمّي ، عن هارون بن
عنترة ، عن وهب بن منبه ، قال : أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت
فأحاطوا بهم ، فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم :
سحرتمونا ◌َتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلكم جميعاً . فقال عيسى لأصحابه : من يشتري
منكم نفسه اليوم بالجنة(٢) فقال: رجل أنا. فخرج إليهم فقال : أنا عيسى. وقد
صوره الله على صورة عيسى ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثَم شُبه لهم وظنوا أنهم قد
قتلوا عيسى ، فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ، ورفع الله عيسى من يومه
ذلك(٣)
قال ابن جرير : وحدثنا المثني ، حدثنا إسحاق ، حدثنا إسماعيل بن عبد
الكريم ، حدثني عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهباً يقول : إن عيسى بن مريم لما
أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقَّ عليه ، فدعا الحواربين وصنع
لهم طعاماً فقال : احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل
عشاهم وقام يخدمهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده
ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال : من ردَّ علي شيئاً الليلة مما
أصنع فليس مني ولا أنا منه . فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال : أما ما صنعت
بكم الليلة مما خدمتكم (٤) على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي
(١) ليست في ((أ)).
(٢) ((أ)): من يرى اليوم الجنة.
(٣) تفسير الطبري ١٢/٦ .
(٤) ((أ)) : مما حدثكم .
- ٧١٤ -

أسوة ، فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظّم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم
لبعض نفسه ، كما بذلت نفسي لكم ، وأمّا حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله
[ لي ](١) وتجتهدون في الدعاء أن يؤخّر أجلي .
فلما نصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذَهم النوم حتى لم يستطيعوا
دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله أمَا تصبرون لي ليلةً واحدة تعينوني فيها ؟
فقالوا : والله ما ندري ما لنا، والله لقد كنا نَسْمر فنكثر السمَر وما نطيق الليلة
سمراً ، وما نريد دعاءً إلا حِيل بيننا وبينه فقال: يُذهب بالراعي وتتفرق الغنم! وجعل
يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه .
ثم قال : الحق لَيَكْفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ،
وليبيعتَّني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلنَّ ثُمني .
فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحدَ الحواربين فقالوا :
هذا من صحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه . فتركوه . ثم أخذه آخرون فجحد
كذلك ، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه .
فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إنْ دللتكم على
المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلَّهم عليه وكان شُبّه عليهم قبل ذلك
فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل وجعلوا يقودونه ويقولون : أنت كنت تحيي الموتى
وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون ، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟! ويَبْصقون عليه
ويُلْقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه
وصَلبوا ما شُبه لهم فمكث سبعاً .
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان
حيث كان المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال : علامَ تبكيان ؟ قالتا : عليك .
فقال : إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير ، وإنَّ هذا شيء شبه لهم . فَأُمرا
الحواريين أن يَلْقَوني إلى مكان كذا وكذا . فلقوه إلى ذلك المكان أحدَ عشر وفقد
(١) من ((أ)).
- ٧١٥ -

الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابَه فقالوا إنه ندم على ما صنع
فاختنق وقتل نفسه . فقال : لو تاب لتاب الله عليه . ثم سألهم عن غلام
[كان ](١) يتبعهم يقال له يحيى فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل
إنسان منكم يحدّث بِلُغة قوم فلينذرهم وليَدْعهم(٢).
وهذا إسناد غريب عجيب ، وهو أصح مما ذكره النصارى لعنهم الله من أن
المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعة فأراها مكانَ المسامير في
جسده ، وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب .
وهذا بَهْت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل على
خلاف الحق ومقتضى الدليل(٣) .
وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب ، فيما بلغه ، أن مريم
سَأَلت مِن بَيْت الملك بَعْدَ ما صُلب المصلوب بسبعة أيام ، وهي تحسب أنه ابنها ،
أن يُنْزل جسده ، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك، فقالت مريم لأم يحيى : ألا
تذهبين بنا نزور قبر المسيح ؟ فذهبتًا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى : ألا
تستترين ؟ فقالت : وممن أستتر؟ فقالت من هذا الرجل الذي هو عند القبر.
فقالت أم يحيى : إني لا أرى أحداً فرجَتْ مريم أن يكون جبريل ، وكانت قد بَعُد
عهدها به ، فاستوقفت أمَّ يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها
جبريل : وعرفته : يا مريم أين تريدين (٤)؟ فقالت: أزور قبر المسيح فأسلّم عليه
وأُحْدث عهداً به . فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح، إن الله قد رفع المسيح
وطهَّره من الذين كفروا ، ولكن هذا الفتى الذي أُلقي شَبهه عليه وصُلب وقتل
مكانه ، وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم بيكون عليه ، فإذا
كان يوم كذا وكذا فَأَتِي غَيْضَةَ كذا وكذا فإنك تَلْقَين المسيح .
قال : فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من
أمر الغَيْضة ، فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغَيْضة فلما رآها
(١) من ((أ)). وليست في تاريخ الطبري.
(٢) تاريخ الطبري ٧٣٧/١ (ط ليدن).
(٣) ((ط)): ومقتضى النقل.
(٤) ((أ)) : أين تريدون .
- ٧١٦ -

أسرع إليها وأكبَّ عليها فقبَّل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال يا أمَّه إنّ
القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك والموتُ يأتيك قريباً فاصبري
واذكري الله كثيراً . ثم صعد عيسى فلم تَلْقَه إلا تلك المرة حتى ماتت.
قال : وبلغني أن مريم بقيت بعدَ عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون
سنة . رضي الله عنها وأرضاها .
وقال الحسن [ البصري ](١): كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعاً
وثلاثين سنة. وفي الحديث: ((إن أهل الجنة يدخلونها (٢) جُرْداً مُرْداً مكحلين أبناء
ثلاث وثلاثين))(٣). وفي الحديث الآخر: ((على ميلاد عيسى وحُسن يوسف))
وكذا قال حماد بن سلمة عن علي بن يزيد ، عن سعيد بن المسيّب ، أنه قال : رفِع
عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة .
فأما الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه ويعقوب بن سفيان الفَسوي في
تاريخه ، عن سعيد بن أبي مريم ، عن نافع بن يزيد ، عن عمارة بن غزيّة ، عن محمد
ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته عن عائشة
كانت تقول: أخبرتني فاطمة أن رسول الله عَ له أخبرها أنه لم يكن نبي كان بَعدَه
نبِّ إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله وإنه أخبرني أن عيسى بن مريم
عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلا ذاهباً على رأس ستين . هذا لفظ الفسوي .
فهو حديث غريب .
قال الحافظ ابن عساكر: والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر ، وإنما أراد
به مدة مقامه في أمته ، كما روى سفيان بن عُيَينة ، عن عمرو بن دينار عن يحيى بن
جعدة، قال: قالت فاطمة: قال لي رسول الله عَّ له: إن عيسى بن مريم مكث
في بني إسرائيل أربعين سنة وهذا منقطع .
(١) ليست في ((أ)).
(٢) ((أ)): يدخلون.
(٣) رواه الترمذي في سننه كتاب صفة الجنة باب ما جاء في سن أهل الجنة عن معاذ بن جبل حديث رقم
٢٥٤٥ وقال : هذا حديث حسن غريب وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلاً ولم
يسندوه . ورواه أحمد في مسنده ٢٩٥/٢ عن أبي هريرة .
- ٧١٧ -

وقال جرير والثّوري عن الأعمش ، عن (١) إبراهيم: مكث عيسى في قومه
أربعين عاماً .
ويروى عن أمير المؤمنين عليّ أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين
من رمضان ، وتلك الليلة في مثلها توفي عليّ بعد طعنه بخمسة أيام .
وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع إلى السماء جاءته سحابة
فدنت منه حتى جلس عليها ، وجاءته مريم فودَّعته وبكت ثم رفع وهي تنظر وألقى
إليها عيسى بُرداً له وقال : هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة وألقى عمامته على
شمعون ، وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها ، وكان تحبه حباً
شديداً ، لأنه توفر (٢) عليه حبه من جهتي الوالدين إذ لا أب له ، وكانت لا تفارقه
سفراً ولا حضراً [وكانت كما ](٣) قال بعض الشعراء:
وكنت أرى كالموتِ مِنْ بَيْن ساعةٍ
فكيف بيينٍ كان مَوْعِدُه الحشْرُ
وذكر إسحاق بن بشر ، عن مجاهد بن جبر(٤) أن اليهود لما صَلبوا ذلك
الرجل شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسَلَّم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك ، تسلَّطوا
على أصحابه بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرُهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق
في ذلك الزمان ،فقيل له : إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل يذكر لهم أنه
رسول الله وكان(٥) يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفعل العجائب ، فعدوا عليه
فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم . فبعث فجيء بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون
وجماعة ، فسألوهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه ، فبايعهم في دينهم وأعلى كلمتهم
وظهر(٦) الحقُّ على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم ، وبعَث إلى المصلوب فوضع
عن جذعه ، وجيء بالجذع الذي صُلب عليه ذلك الرجل فعظَّمه فمن ثَم عظَّمت
النصارى الصليبَ ، ومن ها هنا دخل دينُ النصرانية في الروم .
• وفي هذا نظر من وجوه :
(١) الأصل : أن إبراهيم .
(٢) ((أ)): موفر .
(٣) من ( أ)).
(٤) ((ط)) : ابن جبير .
(٥) ((أ)) : وأنه كان.
(٦) ((أ)) : فأظهر .
- ٧١٨ -

أحدها : أن يحيى بن زكريا نبي لا يُقِر على أن المصلوب عيسى، فإنه
معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق .
الثاني : أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة ، وذلك في
زمان قسطنطين بن قسطس باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره .
الثالث : أن اليهود لما صَلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته جعلوا مكانه مَطْرحاً
للقمامة والنجاسة وجِيَف الميتات والقاذورات ، فلم يزل كذلك حتى كان في
[ زمان ] قسطنطين المذكور فعمَدت أمُّه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من
هنالك معتقدةً أنه المسيح ، ووجدوا الخشبة التي صُلب عليها المصلوب ، فذكروا أنه
ما مسَّها ذو عاهة إلا عوفي . فالله أعلم أكان هذا أم لا ، وهل كان هذا لأن ذلك
الرجل الذي بذل نفسه كان رجلاً صالحاً أو كان هذا محنة وفتنةً لأمّة النصارى في
ذلك اليوم ، حتى عظَّموا تلك الخشبة وغشَّوها بالذهب واللآلىء ، ومن ثم اتخذوا
الصُّلبانات وتبرّكوا بشكلها وقَّلوها .
وأمِرَت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة
مزخرفة بأنواع الزينة ، فهذه هي المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها
القمامة باعتبار ما كان عندها ، ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح
منها .
ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي
هي قِبْلة اليهود فلم تزل كذلك حتى فتح عُمر بن الخطاب بيتَ المقدس ، فكنس
عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس ، ولم يضع المسجد وراءها ولكن
أمامها حيث صلى رسول الله عَ لّه ليلة الإسراء بالأنبياء وهو [المسجد] الأقصى.
- ٧١٩ -

ذكر صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
قال الله تعالى: ﴿ ما المسيحُ ابنُ مريمَ إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبله الرسلُ
وأمه صِدِّيقة ﴾(١) .
قيل سمي المسيح لَسْحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك
الزمان ، لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه عليهما السلام . وقيل لأنه
كان ممسوح القدمين .
وقال تعالى: ﴿وقفَّينا على آثارهم برُسلنا وقَفَّينا بعيسى بن مريم وآتيناه
الإِنجِيلَ فيه هدى ونور﴾(٢). وقال تعالى: ﴿وآتينا عيسى بنَ مريم البيناتِ وأيدناه
بروح القُدس﴾(٣) والآيات في ذلك (٤) كثيرة جداً .
وقد تقدم ماثبت في الصحيحين: (( ما من مولود إلا والشيطان يَطْعن في
خاصرته حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها ، ذهب يطعن فطَعن في
الحجاب))(٥) وتقدم حديث عمير بن هانئء عن جنادة ، عن عبادة عن رسول الله
عَّه أنه قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبد الله
ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنةُ
حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل )).
رواه البخاري وهذا لفظه ، ومسلم (٦).
وروى البخاري ومسلم من حديث الشَّعبي ، عن أبي بُردة بن أبي موسى ،
عن أبيه ، قال: قال رسول الله عَّ الله: ((إذا أدَّب الرجل أمتَه فأحسن تأديبها
(١) سورة المائدة ٧٥ .
(٢) سورة الحديد ٢٧ .
(٣) سورة البقرة ٢٥٣ .
(٤) ((أ)): في ذكره .
(٥) سبق تخريج هذا الحديث قريباً .
(٦) ((ط )) : عبده .
(٧) سبق تخريج هذا الحديث .
- ٧٢٠ -