Indexed OCR Text
Pages 581-600
وقال الله تعالى: ﴿وتفقَّد الطيرَ فقال ما لِيَ لا أُرِى الهُدْهُدَ أمْ كان من الغائبين * لَأُعَذِّبَنَّه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتينِّي بسلطان مبين ؛ فمكث غيرَ بعيد فقال أحطتُ بما لم تُحِطْ به وجئتك من سبَأَ بنبأ يقين * إني وَجَدْتُ امرأةً تملكهم وأُوتيتْ من كلِّ شيء ولها عرشٌ عظيم » وجَدْتُها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله وزيَّن لهم الشيطان أعمالَهم فصدَّهم عن السبيل فهم لا يهتدون * أَّا يَسْجُدوا لله الذي يُخْرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تُخْفون وما تُعلنون. الله لا إله إلا هو ربُّ العرشِ العظيمِ ، قال سننظرُ أصدَقْتَ أم كنتَ من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فأَلْقِهِ إليهم ثم تولَّ عنهم فانظر ماذا يرجعون × قالت يا أيها الملأ إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريم » إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألّا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين * قالت يا أيها الملأُّ أنْتُوني في أمري ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تَشْهَدُون » قالوا نحن أولو قوةٍ وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظرِي ماذا تأمرين * قالت إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزةَ أهْلِهَا أذِلَّةً وكذلك يَفْعلون * وإنّي مُرْسلٌ إليهم بهديةٍ فناظرةٌ بِمَ يَرْجع المرسَلون ، فلما جاء سليمانَ قال أُتمدونٍ بمالٍ فما آتانِي الله خيرٌ مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تَفْرحون » ارجع إليهم فلنأتينهم بجنودٍ لا قِبَل لهم بها ولُنخرجنهم منها أذلةً وهم صاغرون﴾(١). · يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذللك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدَّمون بما يُطلب منهم ويحضرون عنده بالنَّوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك ، وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أُعْوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء ، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض ، فإذا دلَّهم عليه حفروا عنه(٢) واستنبطوه واستخرجوه واستعملوه لحاجتهم. فلمَّا تطلَّبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقَده ولم يجده في موضعه من محل خِدْمته ﴿ فقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أَمْ كان من الغائبين﴾ أي ما له مفقوداً من ها هنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي ﴿لَأعذبَّه عذاباً شديداً﴾ توعَّده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه ، والمقصود حاصل على كل تقدير ﴿ أو لأَذْيحنه أو ليأتينِّي بسلطانٍ (١) سورة النمل: ٢٠ - ٣٧ . (٢) ((أ)) : له . - ٥٨١ - مبين ﴾ أي بحجة تنجيه من هذه الورطة . قال الله تعالى: ﴿فمكثَ غيرَ بعيد﴾ أي فغاب (١) الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها ﴿فقال﴾ لسليمان ﴿أَحَطْتُ بما لم تُحِط به﴾ أي اطلعتُ على ما لم تطلع عليه ﴿ وجئتك مِنْ سبأٍ بنيٍ يقين﴾ أي بخبر صادق ﴿إِنِّي وجدتُ امرأةً تملكهم وأوتيتْ من كلِّ شيء ولها عرشٌ عظيم ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوَّجين ، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم . وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملَّكوا عليهم بعد أبيها رجلاً فعم به الفساد ، فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمراً ثم حزت رأسه ونصبته على بابها ، فأقبل الناس عليها وملَّكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد . وقيل شَرَاحيل بن ذي جدَن بن السيرح بن الحارث بن قيس بن صَيْفي بن سَبَأْ بن يَشْجُب بن يَعْرب بن قَحْطان ، وكان أبوها من أكابر الملوك وكان قد تأبَّى(٢) أن يتزوج من أهل اليمن ، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن ، فولدت له هذه المرأة وسمها تلقمة ويقال لها بلقيس . وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي عَ ل أنه قال: كان أحد أبوي بلقيس جنّيًّا . وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف . وقال الثعلبي : أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة ، حدثنا أبو بكر بن حرجة ، حدثنا ابن أبي الليث ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ، عن أبي بكرة، قال ذُكرت بلقيسُ عند رسول الله عَ لـ فقال: ((لا يُفْلح قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأة )). إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف . (١) ((أ)): غاب . (٢) ((ط)): وكان يأبى أن يتزوج. وما أثبته من ((أ)). - ٥٨٢ - وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف ، عن الحسن ، عن أبي بكرة أن رسول الله عَ له لما بلغه أن أهلَ فارس ملَّكوا عليهم ابنةَ كسرى قال: ((لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة)) (١). ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد ، عن الحسن عن أبي بَكْرة ، عن النبي عَّ﴾ [بمثله ](٢) وقال الترمذي حسَن صحيح (٣). وقوله: ﴿ وأوتيت من كل شيء﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ﴿ولها عرشٌ عظيم﴾ يعني سرير مملكتها كان مزخرفاً بأنواع الجواهر واللآلىء والذهب والحلي الباهر . ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمسَ من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصَدِّه إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، الذي يُخْرج الخبْء في السموات والأرض ويعلم ما يُخفون وما يعلنون ، أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ﴾ أي له العرش العظيم الذي لا أعظَم منه في المخلوقات . فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله ، والإِنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه، ولهذا قال لهم: ﴿ أَّا تَعْلُوا عليَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري (٤) ﴿ وأُتوني مسلمين﴾ أي واقدَمُوا عليَّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مُراودة ، فلما جاءها الكتابُ مع الطير ، ومِن ثَمَّ اتخذ الناسُ البطائقَ ، ولكن أين الثريا من الثرى ، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له . فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر [ ما يكون من ](٥) جوابها عن كتابها ، فجمعت (١) صحيح البخاري كتاب المغازي باب كتاب النبي عَ لمه إلى كسرى وقيصر ٢٧٨/٢ (ط الأميرية). (٢) من ((أ)). (٣) سنن الترمذي كتاب الفتن باب رقم ٧٥ . حديث رقم ٢٢٦٢ . (٤) ((أ)) : أمري. (٥) ليست في ((أ)). - ٥٨٣ - أمراءها ووزراءها وأكابر دواتها إلى مشورتها ﴿ قالت يا أيها الملأ إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريم﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولاً ﴿إنه من سليمان﴾ [ ثم قرأته](١) ﴿وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تَعْلوا عليَّ وأتوني مسلمين﴾ ثم شاورتهم(٢) في أمرها وما قد حلَّ بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون ﴿ قالت يا أيها الملأ أَفْتُوني في أمري ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تَشْهدون﴾ تعني ما كنت لأبتَّ أمراً إلا وأنتم حاضرون ﴿ قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديدٍ ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال ، فإن أردتِ منا ذلك فإنا عليه من القادرين ﴿و﴾ مع هذا الأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة ، وفوّضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم . فكان رأيها أتم وأشد من رأيهم ، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالَب ولا يمانَع ولا يخالَف ولا يخادَع ﴿ قالت إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزةَ أهلها أذلةً وكذلك يفعلون﴾ تقول برأيها السديد : إن هذا الملك لو قد غلَب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلّ ولم تكن الحدّة والشدة والسطوة البليغة إلّا عليّ ﴿وإني مُرْسِلةٌ إليهم بهديّةٍ فناظرةٌ بِمَ يَرْجَع المرسَلُون﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها . وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتُحَف تبعثها ، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صَرْفاً ولا عَذْلاً، لأنهم كافرون ، وهو وجنوده عليهم قادرون . ﴿و﴾ لهذا ﴿ لما جاء سليمانَ قال أُتُمِدُّونَنِ بمالٍ فما آتَانِيَ اللهُ خيرٌ مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تَفْرحون﴾ هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة ، ذكرها المفسرون . ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون ﴿ارجع إليهم فلنأتينَّهم بجنودٍ لا قِبَل لهم بها ولنُخْرِجَنَّهم منها أذلةً وهم صاغرون ﴾ يقول ارجع بهديتك التي قدِمت بها إلى من قد مَنَّ بها فإن عندي مما قد أنعم الله عليَّ وأسداه (١) ليست في ((أ)). (٢) ((أ)): ثم آمرتهم في أمرها . - ٥٨٤ - إليَّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ﴿فلنأتينَّهم بجنودٍ لا قِبَل لهم بها﴾ أي فلأبعثنَّ إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نِزالهم ولا مُمَانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحَوْزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ﴿وهم صاغرون ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار . فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بدٌّ من السمع والطاعة ، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبةً الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين . فلما سمع بقدومهم عليه [ووفودهم إليه ](١) قال لمن بين يديه ممن هو مسخّر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن : قال يا أيها الملأ أيُّكم يأتيني بِعَرْشها قبلَ أن يَأْتُونِي مُسْلمين . قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبلَ أن تقومَ من مقامك وإني عليه لقَويُّ أمين . قال الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبلَ أن يرتدَّ إليك طَرْفُكَ . فلما رآه مستقرًّا عنده قال هذا مِنْ فَضْلِ ربِي لَيَبْلونِي أَشكر أم أكفرُ، ومن شكرَ فإنما يَشْكُر لنفسه وم كَفر فإن ربِّي غنِّ كريم » قال نَكِّروا لها عرشَها ننظرْ أتهتدي أم تكونُ من الذين لا يهتدون * فلما جاءت قيل أهكذا عَرْشُكِ قالت كأنه هو ، وأوتينا العلمَ من قبلها وكنا مسلمين » وصدَّها ما كانت تعبدُ من دونِ الله إنها كانت من قوم كافرين . قيل لها ادخلي الصَّرْحَ فلما رأته حَسِبْه لُجةً وكشَفتْ عن ساقيّها قال إنه صَرْحٌ مَمَرَّدٌ من قوارير قالت ربِّ إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ربِّ العالمين﴾(٢). • لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا عرش بلقيس ، وهو سرير مملكتها الذي (٢) تحلس عليه وقتَ حكمها، قبل قدومها عليه ﴿قال عفريتٌ من الجِنّ أنا آتيك به قبل أن تقومَ من مَقامك ﴾ يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما (١) ليست في (( أ)) . (٢) سورة النمل ٣٨ - ٤٤ . (٣) الأصل والمطبوعة: التي تجلس وهو تحريف، لأن الذي صفة لسير. وقد نقله هكذا كل ((المحققين))! - ٥٨٥ - يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدَّى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿وإنِّي عليه لقَويٌّ أمين﴾ أي وإني لذو قدرةٍ على إحضاره إليك وأمانةٍ على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿ قال الذي عِنْدَه علمٌ من الكتاب﴾ المشهور أنه آصف بن برخينا وهو ابن خالة سليمان . وقيل هو رجل من مؤمني الجان ، كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم . وقيل رجل من بني إسرائيل من علمائهم . وقيل : إنه سليمان ، وهذا غريب جداً . وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام . قال وقد قيل فيه قول رابع وهو: جبريل ﴿أنا آتيك به قبلَ أن يَرْتَدَّ إليك طَرْفُك﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولاً إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك . وقيل : قبل أن يصل إليك أبعدُ من تراه من الناس . وقيل : قبل أن يَكِلَّ طرفك إذا أدمتَ النظرَ به قبل أن تُطْبق جَفْنَك . وقيل : قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته . وهذا أقرب ما قيل . ﴿ فلما رآه مُسْتَقَرًّا عنده﴾ أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرًّا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿ قال هذا مِنْ فَضْلِ ربي لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أم أَكْفر﴾ أي هذا من فضل الله عليَّ وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شكرَ فإنما يَشكُر لنفسه﴾ أي إنما يعود نفع ذلك عليه ﴿ ومَنْ كَفَر فإنَّ رَبِّي غنيٌّ كريم﴾ أي غني عن شُكر الشاكرين ولا يتضرّر بكفر الكافرين . ثم أمر سليمان عليه السلام أن تُغَيَّر حُلَى هذا العرش ويُنَكَّر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: ﴿ ننظُرْ أتهتدي أمْ تكونُ من الذين لا يهتدون . فلما جاءت قيل : أهكذا عَرْشُك ؟ قالت كأنه هو ) وهذا من فطنتها وغزارة فهمها ، لأنها استبعدت أن يكون عرشَها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ، ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب . قال الله تعالى إخباراً عن سليمان وقومه : وأوتينا العلمَ من قبلها وكنا مُسْلمين . وصَدَّها ما كانت تَعْبُد من دون الله إنها كانت من قومٍ كافرين ﴾ أي ومنعها عبادةُ الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعاً لدين آبائهم وأسلافهم ، لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حدَاهم على - ٥٨٦ - ذلك . ● وكان سليمان قد أمر ببناء صَرْح من زجاج وعمل في ممره ماء ، وجعل عليه سَقفاً من زجاج ، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء ، وأُمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره [ فيه ](١) ﴿فلما رَأَتْه حَسبتْه لُجَّةً وَكشَفتْ عن ساقيها قال إنه صَرْحٌ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارير قالت ربِّ إني ظَلَمتُ نفسي وأسلمتُ مع سليمانَ لله ربِّ العالمين﴾ وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشِّعوا مظهرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفّره ذلك منها ، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلَّط عليهم معه . وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة . وهذا ضعيف وفي الأول أيضاً نظر . والله أعلم . إلا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوّجها سأل الإِنس عن زواله فذكروا له الموسى ، فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النَّوْرة ووضعوا له الحمَّام ، فكان أول من دخل الحمام . فلما وجد مسَّه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه (٢). وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه ، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط ، وأمر الجانَّ فبنوا له ثلاثة قصور باليمن : غُمْدان وسالحين وَبَيْتون . فالله أعلم . وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك هَمْدان وأقرها على ملك اليمن وسخّر زوبعة ملك اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن . والأول أشهر وأظهر . والله أعلم . وقال تعالى في سورة ص : ﴿ووهبنا لداودَ سليمانَ نِعْمَ العبدُ إنه أَوَّاب. إذ عُرض عليه بالعِشِيّ الصافناتُ الجِيَاد . فقال إني أحبَبْتُ حُبَّ الخيرِ عن ذِكْرِ ربِّى (١) ليست في ((أ)) . - (٢) تفسير الطبري ١٠٧/٢٠. - ٥٨٧ - حتى توارَتْ بالحجاب . رُدُّوها عليَّ فطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق. ولقد فتنًّا سُليمانَ وألقينا على كرسيِّه جَسداً ثم أَناب . قال ربِّ اغفر لي وهَبْ لي مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب . فسخَّرنا له الريحَ تجري بأمره رُخَاءً حيثُ أصابَ . والشياطين كلَّ بَنَّاء وغواصٍ. وآخرين مُقَرَّنِين في الأصفاد . هذا عطاؤنا فامنُنْ أو أَمْسِكْ بغيرٍ حساب. وإن له عندنا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآب﴾(١). · يذكر تعالى أنه وهب لِداود سليمانَ عليهما السلام، ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: ﴿ نعم العبدُ إنه أوَّاب﴾ أي رَجَّاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافئات وهي التي تقف على ثَلَاثٍ وطرفٍ حافرِ الرابعة ، الجياد ، وهي المُضَمَّرة السِّراع . ﴿ فقال إنِّي أحببتُ حُبَّ الخير عن ذِكْرِ ربِّي حتى توارَتْ بالحجاب﴾ يعني الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. ﴿ رُدُّوها عليَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأعناق﴾ قيل مسَح عراقيبها وأعناقها بالسيوف . وقيل مسح عنها العرق لمَّا أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر . والذي عليه أكثر السلف الأول ، فقالوا اشتغلَ بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس . روى هذا عن علي بن أبي طالب وغيره . والذي يُقطع به أنه لم يترك الصلاة عمداً من غير عذر ، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغاً في شريعتهم ، فأنّر الصلاةَ لأجل أسباب الجهاد ، وغَرْضُ الخيل من ذلك . وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي عَ لّه صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعاً إذ ذاك حتى نُسخ بصلاة الخوف ، قاله الشافعي وغيره . وقال مكحول والأوزاعي : بل هو حُكْم مُحكَم [ إلى اليوم ](٢) أنه(٣) يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد . كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف . وقال آخرون: بل كان تأخير النبي عَ لّمه صلاة العصر يوم الخندق نسياناً (١) سورة ص ٣٠ - ٣٩. (٢) ليست في (أ)). (٣) ((أ)): إذ يجوز. - ٥٨٨ - وعلى هذا فيحمل فِعْلُ سليمان عليه السلام على هذا . والله أعلم . وأما من قال : الضمير في قوله: ﴿حتى توارَتْ بالحجاب﴾ عائد على الخيل وأنه لم تنته وقت صلاة وأن المراد بقوله ﴿ردُّوها عليّ فطفق مَسْحاً بالسوق والأعناق ﴾ يعني مسح العَرَق عن عراقيبها وأعناقها ، فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبيّ عن ابن عباس في مسح العرق . ووجَّه هذا القول ابنُ جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويُهلك مالاً بلا سبب ولا ذنب لها(١) . وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه قد يكون هذا سائغاً في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذَبْحها وإهلاكها لئلا يتقوَّوا بها . وعليه حُمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقَر فرسه بمؤتة . وقد قيل إنها كانت خيلاً عظيمة . قيل كانت عشرة آلاف فرس . وقيل [ كانت](٢) عشرين ألف فرس . وقيل كان فيها عشرون فرساً من ذوات الأجنحة(٣). وقد روى أبو داود في سننه : حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا يحيى بن أيوب ، حدثني عمارة بن غزيَّة ، أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله عَ لّم من غروة تبوك أو خَيْبر وفي سَهْوتها (٤) ستر ، فهبَّت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب (6) فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: بناتي . ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع . فقال : ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت : فرس . قال : وما الذي عليه هذا ؟ قالت جناحان . قال : فرس له جناحان ! قالت : أما سمعت (١) تفسير الطبري ١٠٠/٢٣. (٢) من ((أ)). (٣) تهذيب تاريخ ابن عساكر ٢٩٥/٦. (٤) السهوة : الكوة . (٥) ((ط)): تلعب. وما أثبته من ((أ)) موافقاً لسنن أبي داود ٣٠٥/٢ (ط التازي). - ٥٨٩ - أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟! قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه عَ لّهِ(١). قال(٢) بعض العلماء لما ترك الخيلَ لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها ، وهو الريح التي كانت غدوُّها شهر ورواحها شهر ، كما سيأتي الكلام عليها . كما قال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد ابن هلال ، عن أبي قتادة وأبي الدهماء ، وكانا يكثران السفَر نحو [هذا](٣) البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله عَ ليه فجعل يعلِّمني مما علمه الله عز وجل وقال: (( إنك لا تَدع شيئاً اتقاءً الله عز وجل إلا أعطاك الله خيراً منها)) (٤). وقوله تعالى: ﴿ ولقد فتنَّا سليمانَ وألقَيْنَا على كُرْسيِّه جسَداً ثم أناب﴾. ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ها هنا آثاراً كثيرة عن جماعة من السلف ، وأكثرها أو كلها متلقّاة من الإسرائيليات وفي كثير منها نكارة شديدة ، وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير ، واقتصرنا ها هنا على مجرد التلاوة . ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوماً ثم عاد إليه ، ولما عاد أمَرَ ببناء بيت المقدس فبناه بناءً محكماً . وقد قدمنا أنه جدده وأن أول من جعله مسجداً إسرائيل عليه السلام ، كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر : قلت : يا رسول الله أيُّ مسجدٍ وضع أولَ ؟ قال: المسجد الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال : مسجد بيت المقدس ، قلت : كما بينهما ؟ قال : أربعون سنة (٥). (١) سنن أبي داود كتاب الأدب ٣٠٥/٢ (ط التازي) ٢٨٣/٤ (ط محيى الدين) حديث رقم ٤٩٣٢ . (٢) ((ط)): وقال. (٣) من المسند . (٤) المسند ٧٨/٥ . (٥) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٢٢/٢ (ط الأميريةُ). - ٥٩٠ - ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة دَعْ أربعين سنة ، وكان سؤاله المُلْكَ الذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس . قال الإِمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خُزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال رسول الله عَّ ◌ُله : إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خِلَالاً ثلاثاً فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة ، سأله حكماً يصادف حُكمه ، فأعطاه إياه ، وسأله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه ، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه. فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها))(١) . فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله : ﴿ وداودَ وسليمانَ إِذْ يَحْكُمان في الحرْث إذ نفَشَتْ فيه غَنمُ القومِ وكنا لحكمهم شاهدين «ففهَّمناها سليمانَ وَكلًّا آتينا حُكْماً وعلماً﴾ وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرْم فنفشت فيه غنمُ قوم آخرين ، أي رعته بالليل فأكلت شجره بالكلِّية ، فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكَرْم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بِمَ حكَم لَكُمْ نبيُّ الله؟ فقالوا: بكذا وكذا . فقال: أَمَا لو كنتُ أنا لمَا حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجاً ودرًّا حتى يصلح أصحابُ الغنم كَرْم أولئك ويردّوه إلى ما كان عليه ، ثم يتسلموا غنمهم . فبلغ داودَ عليه السلام ذلك فحكم به . وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزِّناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئبُ فأخذ ابنَ إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى : إنما ذهب بابنك . وقالت الصغرى : بل إنما ذهب بابنك . فتحاكمتَا إلى داودَ فحكم به للكبرى ، فخرجتا على سليمان فقال : ائتوني بالسكين أشْقُّه نصفين لكل واحدة (١) سنن ابن ماجة حديث رقم ١٤٠٨ . كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس . - ٥٩١ - منكما نصفه . فقالت الصغرى يرحمك الله هو ابنها . فقضى به لها)) (١) . ولعلَّ كلَّا من الحكمين كان سائغاً في شريعتهم ، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: ﴿وَكُلَّا آتَيْنَا حُكْماً وعلماً وسخِّرنا مع داودَ الجبالَ يسبِّحْنَ والطيرَ وَكنا فاعلين . وعلَّمْناه صَنْعةً لَبُوسٍ لكم لتُحْصِنَكُمْ من بأسكم فهل أنتم شاكرون ﴾(٢). ثم قال: ﴿ولسليمان الريحَ عاصفةٌ ﴾ أي وسخّرنا لسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي بارَكْنا فيها وكنا بكل شيء عالمين . ومن الشياطين من يَغُوصون له وَيَعْملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين ﴾((٣). وقال في سورة ص: ﴿فسخّرْنَا له الريحَ تجري بأمرِهِ رُخَاء حيثُ أصابَ × والشياطينَ كلَّ بِنَّاءٍ وَغَوَّاص * وآخرين مقرَّنين في الأصفاد « هذا عطاؤنا فامْنُنْ أو أمْسِكْ بغير حساب « وإن له عندنا لُلْفَى وحُسْنَ مَآب﴾(٤). لمّا ترك الخيلَ ابتغاء وجه الله عَوَّضه الله منها الريح التي هي أسرع سيراً وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها ﴿ تجري بأمره رخاءً حيثُ أصاب﴾ أي حيث أراد من أيّ البلاد ، كان له بساط مركّب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يُحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإِنس والجان ، وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفراً أو مستنزهاً أو قتالَ ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء ، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقلَّ بين السماء والأرض أمر الرُّحَاء فسارت به ، فإن أراد أسرع من ذلك أمرَ العاصفة فحملته أسرعَ ما يكون فوضعته في أي مكان شاء ، بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به (١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٢٢/٢ ( ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب الأقضية حديث رقم ٢٠ . (٢) سورة الأنبياء ٧٨ - ٧٩ . (٣) سورة الأنبياء ٨١، ٨٢. (٤) سورة من ٣٦ - ٤٠ . - ٥٩٢ - الريح فتضعه بإصطخر مسيرةً شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار ، ثم يروح من آخره فتردّه إلى بيت المقدس . كما قال تعالى: ﴿ولسليمانَ الريحَ غدوُّها شَهر ورَواحها شهر وأَسَلْنَا له عينَ القِطْر ومن الجن من يَعْمل بين يديه بإذن ربه ومن يَزِغْ منهم عن أُمْرِنا نُذقْه من عذابِ السَّعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدورٍ راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور﴾(١). قال الحسن البصري : کان یغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحاً منها فيبيت بكابل ، وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر . قلت : وقد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة(٢) الترك قديماً، وكذلك غيرها من بلدان شتى كتَذْمُر وبيت المقدس وباب جَيْرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال . وأما القِطْر فقال ابن عباس ومجاهد وعِكرمة وقتادة وغير واحد : هو النحاس . قال قتادة : وكانت باليمن أنبعها الله له . قال السُّدي : ثلاثةَ أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها . وقوله : ﴿ ومن الجِنِّ من يعملُ بين يديه بإذن ربه ومن يَزِغْ منهم عن أمرنا نُذِقْه من عذابِ السَّعير﴾ أي وسخر الله له من الجن عمالاً يعملون له ما يشاء لا يَفْترون ولا يخرجون عن طاعته ، ومن خرج منهم عن الأمر عذَّبه ونكل به يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس وتماثيل ﴾ وهي الصور في الجدران ، وكان هذا سائغاً في شريعتهم وملتهم وجفانٍ كالجواب﴾. قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض . وعنه : كالحياض . وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحَّاك وغيرهم . وعلى هذه الرواية (١) سورة سبأ : ١٢، ١٣. (٢) ((أ)): ملك. - ٥٩٣ - تكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يُجْبَى فيه الماء ، قال الأعشى : تُرُوح على آل المحلّق جَفْنةٌ كجابية الشيخ العراقيِّ تَفْهقُ(١) وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافيها منها ، يعني أنهن ثوابت لا يُزْنَ عن أماكنهن ، وهكذا قال مجاهد وغير واحد . ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وحيوان قال تعالى: ﴿ اعملوا آلَ داودَ شُكراً وقليلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورِ ﴾ وقال تعالى: ﴿والشياطينَ كلِّ بنَّاء وغوّاصٍ * وآخرين مُقرَّنين في الأصفاد ﴾ يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلىء وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك . وقوله : وآخرين مقرَّنين في الأصفاد﴾ أي قد عَصَوْا فقيِّدوا مقرَّنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود ، وهذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم يكن أيضاً لمن كان قبله . وقد قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عن النبي عَ لَّه قال: ((إنَّ عفريتاً من الجن تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي ، فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه إلى سارية من سَواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوةً أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغفر لي وهَبْ لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ فرددته خاسئاً))(٣). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة(٣) (١) تفهق : تفيض من امتلائها. والرواية في ديوان الأعشى (١٢١ ط صادر ) : ((نفى الذم عن آل المحلق جفنة)) (٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١٢١/٢ (ط الأميرية ). (٣) صحيح مسلم كتاب المساجد باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ٢٢٠/١ (ط عيسى الحلبي ) . - ٥٩٤ - وقال مسلم : حدثنا محمد بن سلمة المرادِيّ ، حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح ، حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخَوْلاني عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله عَ ل يصلي (١) فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثاً ، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً ، فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله [ قد ](٢) سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك ، ورأيناك بسطتَ يدك. قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات . ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة ، فلم يستأخر ثلاث مرات ، ثم أردت أخذه ، والله لولا دعوةُ أخينا سليمان لأصبح مُوثَقاً يلعب به ولدان أهل المدينة))(٣). وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به (٤). وقال أحمد : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا مسرة (٥) بن معبد ، حدثنا أبو عبيد صاحب (٦) سليمان ، قال : رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي [ معتماً بعمامة سوداء ، مُرْخِ طرفها من خَلْف، مُصْفَرَّ اللحية ] (٧)، فذهبت أمّ بين يديه فردَّني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله عَ له قام فصلى صلاة الصبح وهو خَلْفه، فقرأ فالتبسَتْ عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: ((لو رأيتموني وإبليسَ فَأُهْوَيْتُ بيدي فما زلت أُْنقُه حتى وجدتُ بَرْدِ لُعَابه بين (٨) إصبعيَّ هاتين الإبهام والتي تليها ، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري (١) ((ط)): فصلى. وما أثبته من ((أ)). وهذه الكلمة ليست في صحيح مسلم. (٢) سقطت من ((ط)) وأثبتها من ((أ)). (٣) صحيح مسلم ٢٢٠/١ ( ط عيسى الحلبي ) . (٤) سنن النسائي كتاب السهو (في الصلاة) باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة ١٣/٣ ( بشرح السيوطي ) . (٥) الأصل والمطبوعة: مرة . وهو تحريف وما أثبته من المسند ٨٢/٣. (٦) الأصل والمطبوعة: حاجب، وهو تحريف وما أثبته من المسند ٨٢/٣ . (٧) من المسند ٨٢/٣ . (٨) ((أ)): ما بين. - ٥٩٥ - المسجد يتلاعب به صبيان المدينة ، فمن استطاع منكم أن لا يَحُول بينه وبين القبلة أحدٌ فليفعل))(١). روى أبو داود منه ((فمن استطاع)) إلى آخره عن أحمد بن سريح عن أحمد الزبيري به(٢) . وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة ، سبعمائة بمهور ، وثلاثمائة سراري . وقيل العكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإِماء ، وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمراً عظيماً جداً ! قال البخاري : حدثنا خالد بن مَخْلد ، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي عَّ ◌ُلِّ قال: قال سليمان بن داود : لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله . فقال له صاحبه : إن شاء الله . فلم يقل فلم تحمل شيئاً إلا واحداً ساقطاً أحد شِقَّيْه . فقال النبي عَِّ: ((لو قالها لجاهدوا في سبيل الله)). وقال شعيب وابن أبي الزناد : تسعين وهو أصح . تفرّد به البخاري من هذا الوجه(٣) . وقال أبو يَعْلى : حدثنا زهير ، حدثنا يزيد ، أنبأنا هشام بن حسان عن محمد ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلةَ على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله. ولم يقل إن شاء الله ، فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن إلا امرأة ولدت نصف إنسان. فقال رسول الله عَ له: ((لو قال: إن شاء الله . لولدت كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل )) . (١) مسند أحمد ٨٢/٣، ٨٣. (٢) سنن أبي داود كتاب الصلاة باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه حديث رقم ٦٩٩ ( ط محيى الدين ) . (٣) صحيح البخاري كتاب المناقب ١٢١/٢ ( ط الأميرية). - ٥٩٦ - إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه(١). وقال الإِمام أحمد : حدثنا هُشَيم ، حدثنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال سليمان بن داود : لأطوفُن الليلة على مائة امرة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله ولم يستثن . فما ولدت إلا واحدة بشقّ إنسان . قال : قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لو استثنى لولِد له مائةُ غلام كلهم يقاتل في سبيل الله عز وجل)) . تفرد به أحمد أيضاً(٣) . وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا (٤) مَعْمَر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: قال سليمان بن داود ، الأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله قال : ونسي أن يقول إن شاء الله فأطاف بهن قال : فلم تلد منهن إلا (٥) واحدة نصف إنسان . فقال رسول الله عَّةٍ: ((لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دَرَكاً لحاجته)) (٦). وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله (٧). قال إسحاق بن بشر : أنبأنا مقاتل ، عن أبي الزناد : وابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سُرِّية فقال يوماً : لأطوفنَّ الليلةَ على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله . ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان. فقال النبي عَ له: ((والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله . لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله عز وجل)). (١) مسند أبي يعلى . (٣) مسند أحمد ٢٢٩/٢. (٢) المسند : أطوف الليلة . (٤) المسند : حدثنا . (٥) ((أ)): إلا امرأة واحدة. وفي المسند: فلم تلد منهن إلا واحدة . (٦) المسند ٢٧٥/٢ . (٧) صحيح البخاري كتاب الأيمان والنذور باب الاستثناء في الأيمان ١٦٢/٤ (بحاشية السندي) وصحيح مسلم كتاب الأيمان حديث رقم ٢٣، ٢٤ . - ٥٩٧ - وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر، فإنه مُنْكَر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح . • وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحداً بعده كما قال: ﴿وأوتينا من كل شيء ﴾ وقال: ﴿ ربِّ اغفر لي وهَبْ لي مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بَعْدِي إنك أنت الوهاب ﴾ وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال : هذا عطاؤنا فامنُنْ أو أَمْسِكْ بغير حِساب ﴾ أي أعط من شئت واحرم من شئت ، فلا حساب عليك أي تصرَّف في المال كيف شئت فإن الله قد سَوَّغ لك ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك ، وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول ، فإن من شأنه أن لا يعطى أحداً إلا بإذن الله له في ذلك . • وقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذه المقامين فاختار أن يكون عبداً رسولاً. وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه أن تواضَعْ . فاختار أن يكون عبداً رسولاً صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة . فلله الحمد والمنة . • ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا نَّه على ما أعدَّه له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقُربة التي تقربه إليه والفوز العظيم والإِكرام بين يديه، وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: ﴿وإنَّ له عِنْدَنا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآب ﴾ . - ٥٩٨ - ذكر وفاته وكم كانت مدة ملکه وحياته قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فلما قضَيْنَا عليه الموتَ ما دلَّهم على موتِه إلا دابَّةُ الأرضِ تَأْكُل مِنْسأَتُه فلما خَرَّ تبينت الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لَبثوا في العذابِ المهين ﴾ . روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طَهْمان عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس عن النبي عَ لِ قال: كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها : ما اسمك ؟ فتقول كذا . فيقول لأي شيء أنت ؟ فإن كانت لغرس غُرست وإن كان لدواء أنبتت(١) . فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك : قالت : الخَرُّوب(٢) . قال: لأي شيء أنت(٣) ؟ قالت: لخراب هذا البيت . فقال سليمان : اللهم عَمِّ على الجن موتي حتى تعلم الإِنسُ أن الجن لا يعلمون الغيبَ. فنحتها عصا فتوكاً عليها حَوْلاً والجن تعمل، فأكلتها الأَرَضَةُ فتبينت الإِنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حَوْلاً في العذاب المهين . قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك . فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء . لفظ ابن جرير . وعطاء الخراساني في حديثه نكارة (٤). وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كُهَيْل ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس موقوفاً . وهو أشبه بالصواب . والله أعلم . وقال السُّدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن أناس من الصحابة : كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة (١) تاريخ الطبري ٥٩٥/١: ((فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها لذلك )» . (٢) تاريخ الطبري : الخروبة . (٣) الطبري : لأي شيء نبت . (٤) اختصر ابن كثير هذا الخبر وهو بتفصيله في تاريخ الطبري ٥٩٥/١، ٥٩٦ (ط ليدن). - ٥٩٩ - والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه . فأدخله في المرة التي توفي فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يصبح فيه إلا نبت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا . فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخُّوبة(١) فسألها ما اسمك ؟ فقالت : أنا الخروبة . فقال : ولأي شيء نبتٌّ ؟ فقالت : نبتُّ لخراب هذا المسجد . فقال(٢) سليمان: ما كان ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس . فنزعها وغرسها في حائط له . ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات. ولم تعلم به الشياطين . وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم ، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوَّى بين يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألستُ جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب . فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر . فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في المحراب إلا احترق ، فلم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً ، فخرج فأخبر الناس أن سيلمان قد مات ، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا مِنْسأَته وهي العصا بلسان الحبشة ، قد أكلتها الأرضَة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة ، ثم حسَبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة ، وهي قراءة ابن مسعود . فمكثوا يَدْأبون(٣) له من بعد موته حولاً كاملاً فأيقن الناسُ عند ذلك أن الجن كانوا يَكْذبون (٤) ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له [ ذلك°] وذلك قول الله عز وجل: ﴿ ما دلَّهم على مَوْته إلا دابةُ الأرض تأكلُ مِنْسَأَتَّهُ فلما خَرّ تبينت الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين﴾ يقول: تبيَّن أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيبَ الشراب ، ولكنا سننقل إليك الماء والطين . قال : فإنهم (١) ((أ)) : الخروب. (٢) ((أ)): قال. (٤) تاريخ الطبري : يكذبونهم . (٣) تاريخ الطبري ٥٩٦/١ (ط ليدن): يدينون. (٥) من ((أ)). - ٦٠٠ -