Indexed OCR Text

Pages 521-540

غلب عليه .
قال البخاري [ رحمه الله ](١): حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا
ابن المبارك، عن معمر ، عن همام عن أبي هريرة عن النبي عَ لٍ قال: ((إنما سمي
الخضير أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء)) (٢).
تفرد به البخاري ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به .
ثم قال عبد الرزاق : الفروة : الحشيش الأبيض وما أشبهه يعني الهشيم
اليابس . وقال الخطابي: وقال أبو عُمَر : الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها .
وقال غيره : هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ، ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما
عليها من الشعر ، كما قال الراعي :
جَذِلاً إذا ما نال يوماً مَأْكَلَا
ولقد(٣) ترى الحبشَّ حولَ بيوتنا
بُذْرتْ فأنبتَ جانباه فُلفلاً
صَعْلاً (٤) أسَكَّ كَأَنَّ فروةَ رأسه
قال الخطابي: [ ويقال ](٥) إنما سمي الخضر خضراً لحسنه وإشراق وجهه .
قلت : وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح(٦) ، فإن كان ولا بد من التعليل
بأحدهما ، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى ، بل لا يلتفت إلى ما عداه .
وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضاً من طريق إسماعيل بن
(١) سقطت من ((أ)).
(٢) صحيح البخاري كتاب المناقب باب قول الله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ ١١٥/٢ (ط
الأميرية ) .
(٣) المطبوعة : وقد .
(٤) ((أ): الصعل: الدقيق الرأس والعنق. وفي المطبوعة جعدا. وما أثبته من ((أ)). وفي الأصل
والمطبوعة : أصك . وهو تحريف وما أثبته من ديوان الراعي ص ١١٧ (ط دمشق ) والأسك :
الصغير الأذن أو الأصم .
من (( أ)).
(٥) ليس في غريب الحديث للخطابي ٢٢/١. وما أثبته من ((أ)).
(٦) ((أ)) : في الحديث.
- ٥٢١ -

حفص بن عمر الأُبُلِّي : حدثنا عثمان وأبو جُزَيّ وهمام بن يحيى عن قتادة ، عن
عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس عن النبي عَ بم قال: (( إنما سمي
الخضر خضِراً لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء )).
وهذا غريب من هذا الوجه .
وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال : إنما سمي الخضر لأنه
كان إذا صلى اخضرَّ ما حوله .
وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجعل يقصَّان الأثر ، وجداه على
طنفسة خضراء على كبد البحر ، وهو مسجَّى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه
وقدميه ، فسلم موسى عليه السلام فكشف عن وجهه فردّ، وقال : أنَّى بأرضك
السلام؟! من أنت ؟ قال: أنا موسى. قال: [ نبي ](١) بني إسرائيل ؟ قال :
نعم . فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه عنهما .
وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه: أحدها : قوله تعالى: ﴿ فوجدا
عَبْداً من عِبَادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعَلَّمناه من لَدُنَّا عِلْماً﴾ .
الثاني: قول موسى له: ﴿ هل أَتَبِعُكَ على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمتَ رُشْداً * قال
إنك لن تستطيع مَعِيَ صبراً * وَكيف تَصْبر على ما لم تُحِطْ به خُبْراً * قال ستجدُني
إن شاء الله صابِراً ولا أعصي لكَ أمراً * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى
أُحْدِث لك منه ذِكْراً ﴾ .
فلو كان وليًّا وليس بنبي(٢) لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يردّ على موسى
هذا الرد ، بل موسى إنما سأله صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به
دونه . فلو كان غير نبي ، لم يكن معصوماً ، ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم
ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طَلِبة في علم وليّ غير واجب
العصمة ، ولمَا عزم على الذهاب إليه والتفتيش عنه ، ولو أنه يمضي حقباً من
(١) من ((أ)).
-
(٢) ((أ)): ولم يكن بنبي.
- ٥٢٢ -

الزمان ، قيل ثمانين سنة . ثم لما اجتمع به تواضع له وعظّمه ، واتبعه في صورة
مستفيد منه فدل (١) على أنه نبيّ مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من
العلوم اللدنية والأسرار النبوية بما لم يُطْلع الله عليه موسى الكليم ، نبي بني إسرائيل
الكريم . وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرُّمَّاني على نبوة الخضر عليه السلام .
الثالث : أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من
الملك العلام . وهذا دليل مستقل على نبوته ، وبرهان ظاهر على عصمته ، لأن الولي
لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يُلْقَى في خَلَده ، لأن خاطره ليس
بواجب العصمة ، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق . ولَما أقدم الخضر على قتل ذلك
الغلام الذي لم يبلغ الحلم ، علماً منه بأنه إذا بلغ يكفر ، ويحمل أبويه على الكفر
لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته ،
صيانة لأبويه من الوقوع في الكفر وعقوبته ، دل ذلك على نبوته ، وأنه مؤيَّد من الله
بعصمته .
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزِيّ طَرَق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج .
على نبوة الخضر وصححه . وحكى الاحتجاج عليه الرُّماني أيضاً .
الرابع : أنه لما فسَّر الخضر تأويلَ الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره
وجلّى ، قال بعد ذلك كله: ﴿ رحمةً من ربك وما فعلته عن أمري ﴾ يعني ما فعلته
من تلقاء نفسي ، بل [ أمرٌ ](٢) أمرت به وأوحي إلَّ فيه .
فدلت هذه الوجوه على نبوته . ولا ينافي ذلك حصول ولايته ، بل ولا رسالته ،
كما قال آخرون. وأما كونه مَلَكاً من الملائكة [فقول ](٢) غريب جداً، وإذا ثبت
نبوته - كما ذكرناه - لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور
دون أرباب الشرع الظاهر ، مستنَد يستندون إليه ، ولا معتمد يعتمدون عليه .
(١) ((أ)) : دل.
(٢) من ((أ)).
- ٥٢٣ -

وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا ؛ فالجمهور على أنه باق إلى اليوم ،
قيل لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوةُ أبيه آدم بطول الحياة ، وقيل
لأنه شرب من عين الحياة فحبي . وذكروا أخباراً استشهدوا بها على بقائه إلى الآن .
وسنوردها [ مع غيرها ](١) إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
• وهذه وصيته لموسى حين: ﴿ قال هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنك سأُنبئك بتأويل
ما لم تستطع عليه صَبْراً ﴾ روي في ذلك آثار منقطعة كثيرة : قال البيهقي : أنبأنا
أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو عبد الله الصفَّار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ،
حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، حدثني أبو عبد الله الملطي قال : لما أراد
موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني ، قال : كن نَفَّاعاً ولا تكن ضَرَّاراً ،
كن بَشَّاشاً ولا تكن غضبان ، ارجع عن اللَّجاجة ولا تمش في غير حاجة ، وفي رواية
من طريق أخرى زيادة : ولا تضحك إلا من عجّب .
وقال وهب بن منبه : قال الخضر: يا موسى إن الناس معَذَّبون في الدنيا على
قَدْر همومهم بها !
وقال بشر بن الحارث الحافي : قال موسى للخضر : أوصني ، فقال: يسَّر
الله عليك طاعته .
• وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكرياء بن يحيى
الوقاد - إلا أنه من الكذابين الكبار - قال: قرى على عبد الله بن وهب وأنا
أسمع ، قال الثوري : قال مُجاهد ، قال أبو الوداك ، قال أبو سعيد الخدري ، قال
عمر بن الخطاب، قال رسول الله عَ بلهم: ((قال أخي موسى يا رب وذكر كلمته،
فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمّرها ، فقال : السلام
عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام . قال : موسى :
هو السلام وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين ، الذي لا أُحصي نعمه ، ولا أقدر
على أداء شكره إلا بمعونته .
(١) من ((أ)).
- ٥٢٤ -

ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك ، فقال
الخضر : يا طالب العلم إن القائل أقلُّ ملالة من المستمع ، فلا تُمِلَّ جلساءك إذا
حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزِفٍ عن(١)
الدنيا وانبذها وراءك ، فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محلّ قرار ، وإنما جعلت
بُلْغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد(٢) ورُضْ نفسك على الصبر تَخْلص من الإثم.
يا موسى تفرّغ للعلم إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرَّغ له ، ولا تكن
مكثاراً للعلم مهذاراً ، فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوىء السخفاء .
ولكن عليك بالاقتصاد ، فإن ذلك من التوفيق والسداد وأعرض عن الجهال
وماطِلْهم ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء . وإذا
شتمك الجاهل فاسكت عنه حلماً ، وجانِبْه حزماً ، فإن ما بقي من جهله عليك
وسبِّه إياك أكثر وأعظم .
يا بن عمران ولا تَر أنك أوتيت من العلم إلا قليلاً، فإن الاندلاث (٣)
والتعسف من الاقتحام والتكلف . يا بن عمران لا تفتحنَّ باباً لا تدري ما غَلْقه ،
ولا تغلقن باباً لا تدري ما فتحه . يا بن عمران من لا تنتهي من الدنيا نَهْمته ، ولا
تنقضي منها رغبته ومن يَحْقِر حالَه ، ويتهم الله فيما قضي له كيف يكون زاهداً (٤)؟
هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ؟ أو ينفعه طلب العلم والجهل قد
حواه ؟ لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه .
يا موسى تعلَّم ما تعلمتَ لتعمل به، ولا تعلمه لتحدّث به ، فيكون عليك
بَواره، ولغيرك نوره . يا موسى بن عمران ، اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم
والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب(٥) السيئات ، وزعزع
بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيراً فإنك لا بد عامل سوءاً ، وقد
وعظتُ إِن حفظتَ .
(١) المطبوعة: واغرف من الدنيا. وهو تحريف! (٤) ((أ)) : عابداً.
(٢) ((أ)) : للمعاد.
(٣) الاندلاث : الانصباب .
(٥) ((أ)) : تصيب .
- ٥٢٥ -

قال : فتولّى الخضر وبقي موسى محزوناً مكروباً يبكي .
• لا يصح هذا الحديث ، وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري
[وقد ] (١) كذبه غيرُ واحد [ من الأئمة](١) والعجب أن الحافظ ابن عساكر
سكت عنه .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب
الطبراني ، حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي ، حدثنا محمد بن
الفضل بن عمران الكندي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي
أمامة أن رسول الله عَ لّم قال [لأصحابه](١) ((ألا أحدثكم عن الخضير؟ قالوا:
بلى يا رسول الله ، قال : بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل ، أبصره رجل
مكاتب ، فقال : تصدَّق عليّ بارك الله فيك . فقال الخضر : آمنت بالله ، ما شاء
الله من أمر يكون ، ما عندي من شيء أعطيكه . فقال المسكين : أسألك بوجه الله
لما تصدقتَ عليّ ، فإني نظرت إلى السماء في وجهك ، ورجوتُ البركة عندك. فقال
الخضر: آمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه ، إلا أن تأخذني فتبيعني ، فقال
المسكين : وهل يستقيم هذا ؟ قال : نعم ، الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم ،
أما إني لا أخيبك بوجه ربي ، بعني .
قال : فقدَّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم ، فمكث عندي المشتري زماناً
لا يستعمله في شيء ، فقال له: إنك [إنما ](٢) ابتعتني التماسَ خير فأوصني
بعمل ، قال : أكره أن أشقَّ عليك ، إنك شيخ كبير ضعيف . قال : ليس تشق
عليّ ، قال : فانقل هذه الحجارة . وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم . فخرج
الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة ، فقال : أحسنتَ
وأجملت وأطفْتَ ما لم أرك تطيقه . ثم عرض للرجل سفر ، فقال : إني أحسبك أميناً
فاخلُفني في أهلي خلافةً حسنة . قال : فأوصني بعمل ، قال : إني (٣) أكره أن أشق
عليك ، قال : ليس تشق عليّ ، قال : فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتّى أَقْدَم عليك .
فمضى الرجل لسفره ، فرجع وقد شيد بناؤه .
(١) ليست في ((أ)) .
(٢) من ((أ)).
(٣) ((ط)): فإني.
- ٥٢٦ -

فقال : أسألك بوجه الله ما سبيلك(١) وما أمْرك؟ فقال : سألتَني بوجه
الله ، والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية ، سأخبرك من أنا . أنا الخضر الذي
سمعت به ، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيء أعطيه ، فسألني بوجه
الله فأمْكَنْتُه من رقبتي ، فباعني . وأُخبرك أنه من سئل بوجه الله فردَّ سائله وهو
يقدر ، وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع .
فقال الرجل: آمنت بالله ، شقَقْتُ عليك يا نبي الله ولم أعلم! فقال(٢):
لا بأس أحسنتَ وأبقيت . فقال الرجل : بأبي وأمي يا نبي الله ، احكم في أهلي
ومالي بما أراك الله ، أو أخيّرك فأخلّي سبيلك ، فقال : أحب أن تخلي سبيلي ، فأعبد
ربي ، فخلى سبيله . فقال الخضر : الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني
منها .
• وهذا حديث رفعه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفاً ، وفي رجاله من لا
يُعرف . فالله أعلم .
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه ((عُجَالة المنتظِر في شرح حال الخضِر)) من
طريق عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك ، عن بَقِيَّة .
• وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناد إلى السُّدي : أن الخضر وإلياس كانا
أخوين ، وكان أبوهما ملِكاً ، فقال إلياس لأبيه : إن أخي الخضر لا رغبة له في
الملك ، فلو أنك زوَّجته لعله يجيء منه ولد يكون المُلْك له ، فزوجه أبوه بامرأة
حسناء بكر ، فقال لها الخضر : إنه لا حاجة لي في النساء ؛ فإن شئت أطلقتُ
سراحك ، وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عز وجل وتكتمين عليَّ سِرِّي.
فقالت : نعم ، وأقامت معه سنة .
فلما مضت السنة دعاها الملك ، فقال : إنك شابة وابني شاب فأين الولد ؟
فقالت : إنما الولد من عند الله ، إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن . فأمره فطلقها
وزوَّجه بأخرى ثيباً قد ولد لها ، فلما زُفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها ، فأجابت
(١) ((أ)): ما سببك.
(٢) ((أ)) : قال .
- ٥٢٧ -

إلى الإِقامة عنده . فلما مضت السَّنة سألها الملك عن الولد ، فقالت : إن ابنك لا
حاجة له بالنساء . فتطلبه أبوه فهرب ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه . فيقال إنه
قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره ، فهرب من أجل ذلك ، وأطلق سراح الأخرى .
فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة ، فمر بها رجل يوماً فسمعته
يقول : بسم الله . فقالت له : أنَّى لك هذا الاسم ؟ فقال : إني من أصحاب
الخضير ، فتزوجته فولدت له أولاداً . ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت
فرعون ، فبينما هي يوماً تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقال : بسم الله . فقالت
ابنة فرعون : أبي ؟ فقالت: لا ، ربي وربك ورب أبيك الله. فأعلمت أباها فأمر
بنقرة من نحاس فأحميت ، ثم أمر بها فألقيت فيها . فلما عاينت ذلك تقاعست أن
تقع فيها ، فقال لها ابن معها صغير : يا أمَّه اصبري فإنك على الحق . فألقت نفسها
في النار فماتت ، رحمها الله .
وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الأعمى تُفَيع - وهو كذاب وضَّاع -
عن أنس بن مالك ، ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف - وهو كذاب
أيضاً - عن أبيه عن جده: أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي عَّ ◌ٍ وهو يدعو
ويقول: ((اللهم أعنِّي على ما ينجيني مما خوفتني ، وارزقني شوقَ الصالحين إلى ما
شوقتهم إليه )). فبعث إلى رسول الله عَ ل أنس بن مالك فسلّم عليه فردَّ عليه السلام وقال
قل له : ((إن الله فضلك على الأنبياء كما فضل [ شهر ](١) رمضان على سائر
الشهور ، وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره )) الحديث .
• وهو مكذوب لا يصح سنداً ولا متناً ، فكيف لا يتمثَّل بين يدي رسولِ الله
عَّه ويجيء بنفسه مسلّماً ومتعلماً ؟!
• وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم: أن الخضر
يأتي إليهم ويسلم عليهم ، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالّهم ، وهو مع هذا لا يعرف
موسى بن عمران كليم الله ، الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه ، حتى
يتعرّف إليه بأنه موسى بني إسرائيل .
(١) ليست في (( أ)).
- ٥٢٨ -

وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي ، بعد إيراده حديث أنس هذا : وأهلُ
الحديث متفقون على أنه حديث منكر الإِسناد سقيم المتن ، يتبين فيه أثر الصنعة ..
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلاً : أخبرنا أبو عبد الله
الحافظ ، أنبأنا أبو بكر ابن بالويه ، حدثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا كامل بن
طلحة ، حدثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس بن مالك قال : لما قُبض رسول الله
عَ لّهِ أَحدَق به أصحابه ، فبكوا حوله واجتمعوا . فدخل رجل أشهب اللحية جَسِيم
صَبِيح فتخطَّى رقابهم فبكى. ثم التفت إلى أصحاب رسول الله عَ لّم فقال: إن في
الله عزاءً من كل مصيبة ، وعوضاً من كل فائت ، وخلفاً من كل. هالك ، فإلى الله
فأنيبوا وإليه فارغبوا ، وقد نظر إليكم في البلاء فانظروا ، فإن المصاب من لم يُجْبر ،
وانصرف .
فقال بعضهم لبعض : أتعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعليّ : نعم ، هو
أخو رسول الله عَ ليه الخضر عليه السلام.
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة به . وفي متنه مخالفة
لسياق البيهقي .
ثم قال البيهقي: عبَّاد بن عبد الصمد ضعيف فهذا منكر بمرّة (١). قلت :
عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصري ، روى عن أنس نسخة ، قال ابن
حبان والعقيلي : أكثرها موضوع ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو
حاتم : ضعيف الحديث جداً منكره . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه في فضائل
علي ، وهو ضعيف غالٍ في التشيع ..
وقال الشافعي في مسنده : أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن جعفر
ابن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله عَ ليه
وجاءت التعزية سَمعوا قائلاً يقول : إن في الله عزاءً من كل مصيبة ، وخلفاً من كل
هالك ، ودَرَكاً من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجو ، فإن المصاب من حُرم
الثواب . قال علي بن الحسين : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر .
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٢٦٩/٧.
- ٥٢٩ -

شيخ الشافعي القاسم العُمَري متروك . . قال أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين :
يكذب . زاد أحمد : وبضع الحديث. ثم هو مرسل ومثله لا يُعتمد عليه ها هنا .
والله أعلم .
وقد روي من وجه آخر ضعيف ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن
جده ، عن أبيه ، عن عليٍّ ، ولا يصح .
وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه ، عن محمد بن عَجْلان ، عن محمد
ابن المنكدر : أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفاً وهو
يقول : لا تَسْبقنا يرحمك الله . فانتظره حتى لحق بالصف ، فذكر دعاءه للميت :
إن تعذِّ به فكثيراً عصاك ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك . ولما دفن قال : طوبى لك
يا صاحب القبر إن لم تكن عَرِيفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطياً . فقال
عمر : خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو ؟ [ قال ](١) فتوارى عنهم ،
فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع . فقال عمر : هذا والله الخضير الذي حدثنا عنه رسول
الله له
وهذا الأثر فيه مبهم ، وفيه انقطاع ولا يصح مثله .
وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري عن عبد الله بن المحرَّر(٢) عن زيد بن
الأصم ، عن علي بن أبي طالب قال : دخلت الطوافَ في بعض الليل ، فإذا برجل
متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يمنعه سمع عن سمع ، ويا من لا تغلّطه
المسائل ، ويا من لا يُبْرِمه إلحاحُ الملحِّين ولا مسألة السائلين. أُذِقْني بَرْدَ عفوك
وحلاوةَ رحمتك . قال : فقلت أعِدْ علّ ما قلت ، فقال لي : أوسمعته ؟ قلت نعم .
فقال لي : والذي نفس الخضر بيده - قال : وكان هو الخضر - لا يقولها عبدٌ
خلفَ صلاةٍ مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زَبد البحر وورق الشجر
وعدد النجوم، لغفرها الله له .
وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرر ، فإنه متروك الحديث ، ويزيد بن
الأصم لم يدرك عليًّا ، ومثل هذا لا يصح . والله أعلم .
(١) ليست في ((أ)).
(٢) ((ط)): ابن محرز. وهو تحريف صوابه من ((أ)) وانظر ميزان الاعتدال ٥٠٠/٢ .
- ٥٣٠ -

وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي : حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا صالح بن أبي
الأسود ، عن محفوظ بن عبد الله الحضرمي ، عن محمد بن يحيى قال : بينما علي بن
أبي طالب يطوف بالكعبة ، إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا
يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يغلِّطه السائلون ، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين ،
أذقني بردَ عفوك وحلاوة رحمتك . قال : فقال له علي : يا عبد الله أعِدْ دعاءك
هذا . قال : أوقد سمعته ؟ قال : نعم . قال : فادع به في دُبر كل صلاة ، فوالذي
نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عددُ نجوم السماء ومطرها ، وحصباء
الأرض وترابها ، لغفر لك أسرعَ من طرفة عين .
· وهذا أيضاً منقطع ، وفي إسناده من لا يعرف ، والله أعلم .
وقد رواه(١) ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا : حدثنا يعقوب بن
يوسف ، حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر نحوه . ثم قال : وهذا إسناد مجهول
منقطع ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر .
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم ابن الحصين (٢) أنبأنا
أبو طالب محمد بن محمد، أنبأنا أبو إسحق المزَكِّي، حدثنا محمد بن إسحق بن
خزيمة ، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان ، أنبأنا عمرو بن عاصم ،
حدثنا الحسن بن رَزين (٣) عن ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عباس قال : ولا أعلمه
إلا مرفوعاً إلى النبي عَ ظله - قال: ((يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم
فيحلق كل [واحد ](٤) منهما رأسَ صاحبه، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات : بسم
الله ما شاء الله ، ولا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف السّوءِ(٥) إلا الله ، ما
شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله)).
قال وقال ابن عباس : من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات ، آمنه
الله من الغرق والحَرَق والسَّرق . قال : وأحسبه قال : ومن الشيطان والسلطان والحية
والعقرب .
(١) ((ط)) : وقد أورد.
(٢) (أ)): ابن الحسين .
(٣) ((ط)): ابن زريق. وهو تحريف صوابه من ((أ)). وانظر ميزان الاعتدال ٤٩٠/١.
(٤) من ((أ)).
(٥) ((ط)) : الشر.
- ٥٣١ -

قال الدارقطني في الأفراد : هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم
يحدث به غير هذا الشّيخ [ عنه ](١) يعني الحسن بن رزين هذا(٢). وقد روى عن
محمد بن كثير العبدي أيضاً ، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : ليس
بالمعروف .
وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي: مجهول وحديثه غير محفوظ . وقال أبو الحسين
ابن المنادي : هو (٣) حديث واه بالحسن بن رزين . وقد روى ابن عساكر نحوه من
طريق علي بن الحسن الجهضَمي - وهو كذاب - عن ضمرة بن حبيب المقدسي ،
عن أبيه ، عن العلاء بن زياد القشيري ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه عن جده
عن علي بن أبي طالب مرفوعاً قال: يجتمع كلَّ يوم عرفة بعرفات ــ جبريل
وميكائيل وإسرافيل والخضر . وذكر حديثاً طويلاً موضوعاً تركنا إيراده قصداً والله
الحمد .
وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى الخشني ،
عن ابن أبي روّاد قال : إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ،
ويحجّان في كل سنة، ويشربان من ماء زمزم شربة [واحدة ](٤) تكفيهما إلى مثلها
من قابل .
وروى ابن عساكر : أن الوليد بن عبد الملك بن مروان - باني جامع
دمشق - أحبَّ أن يتعبد ليلة في المسجد ، فأمر القوَمة أن يُخْلوه له ففعلوا ، فلما
كان من الليل جاء في باب الساعات فدخل الجامع ، فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه
وبين باب الخضراء ، فقال للقومة : ألم آمركم أن تُخْلوه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا
الخضر يجيء كل ليلة يصلي ها هنا .
قال ابن عساكر أيضاً : أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل بن أحمد أنبأنا أبو بكر
ابن الطبري ، أنبأنا أبو الحسين بن الفضل ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا
يعقوب - هو ابن سفيان الفسَوي - حدثني محمد بن عبد العزيز ، حدثنا
(١) ليست في ((أ)) .
(٢) ((ط)) : عنه.
(٣) ((أ) : هذا حديث.
(٤) ليست في (( أ )) .
- ٥٣٢ -

ضمرة(١) عن السَّرِي بن يحيى ، عن رباح بن عبيدة ، قال: رأيت رجلاً يماشي عمر
ابن عبد العزيز معتمداً على يديه ، فقلت في نفسي : إن هذا الرجل حافٍ ، قال :
فلما انصرف من الصلاة ، قلت : من الرجل الذي كان معتمداً على يدك آنفاً ؟
قال: وهل رأيته يا رياح؟ قلت : نعم . قال: ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً ، ذاك
أخي الخضر بشرني أني سَألِي وأعدِل .
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزِيّ : الرملي مجروح عند العلماء . وقد قدَح
أبو الحسين بن المنادى في ضمرة والسرِيّ ورباح . ثم أورد من طرق أخر عن عمر بن
عبد العزيز ، أنه اجتمع بالخضر ، وضعَّفها كلها .
وروى ابن عساكر أيضاً أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة
يطول ذكرهم .
• وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم . وكل
من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جداً لا يقوم بمثلها حجة في الدين ، والحكايات لا
يخلو أكثرها عن ضعف الإِسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من
صحابي أو غيره ؛ لأنه يجوز عليه الخطأ . والله أعلم .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة، أن أبا سعيد قال: حدثنا رسول الله عَ لّه حديثاً طويلاً عن الدجال:
وقال فيما يحدثنا: ((يأتي الدجال - وهو مُحرَّم عليه أن يدخل نِقَابَ المدينة -
فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيرهم ، فيقول أشهد أنك أنت
الدجال الذي حدثنا (٢) رسول الله عَ ليه بحديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت
هذا ثم أحييته أتشكّون في الأمر ؟ فيقولون : لا . فيقتله ثم يُحْييه . فيقول حين
يحيا : والله ما كنتُ أَشدّ بصيرةً فيك مني الآن . قال : فيريد قتله الثانية فلا يسلّط
عليه .
قال معمر : بلغني أنه يُجعل على حلقة صحيفة من نحاس ، وبلغني أنه
(١) ((ط)): جمرة . محرفة.
(٢) الأصل والمطبوعة : حدثنا عنك . وما أثبته من صحيح البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال .
- ٥٣٣ -

الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به(١) .
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي عن مسلم
الصحيحَ (٢): يقال إن هذا الرجل [هو ](٣) الخضر (٤).
وقول معمر وغيره : بلَغني . ليس فيه حجة .
وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث : فيأتي بشاب ممتلىء شباباً فيقتله ، وقوله :
الذي حدثنا عنه رسول الله عَ لٍّ لا يقتضي المشافهة ، بل يكفي التواتر.
• وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه: ((عجالة
المنتظر في شرح حالة الخضر)) الأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبيَّن أنها
موضوعة ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها
ببيان أحوالها وجهَالة رجالها ، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد .
وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ، ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي
وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج الجوزي ، وقد انتصر لذلك وألف (٥) فيه
كتاباً أسماه ((عُجالة المنتظِر في شرح حالة الخضر)) فيحتج لهم بأشياء كثيرة ؛ منها
قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا لِبَشرٍ من قَبْلك الخُلْد﴾(٦)، فالخضر إن كان بشراًا(٧)
فقد دخل في هذا العموم لا محالة ، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح ،
(١) صحيح البخاري كتاب الفتن باب ذكر الدجال ٢٣٢/٤ (بحاشية السندي). وصحيح مسلم
كتاب الفتن وأشراط الساعة باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه ٥٧٤/٢ (ط عيسى الحلبي) .
(٢) أي الذي روى صحيح مسلم . كما قال النووي: أبو إسحق هذا هو إبراهيم بن سفيان راوي الكتاب
عن مسلم .
(٣) من صحيح مسلم ٥٧٤/٢ .
٥
(٤) كذا في صحيح مسلم ٥٧٤/٢ . وفي الأصل والمطبوعة: عن مسلم الصحيح أن يقال ! وهو تحريف
شنيع .
(٥) ((أ)) : وصنف.
(٦) سورة الأنبياء ٣٤
(٧) ((أ)): بشريا.
- ٥٣٤ -

والأصل عدمه حتى يثبت . ولم يُذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب
قبوله .
ومنها : أن الله تعالى قال: ﴿وإذْ أُخذ الله ميثاقَ النبيِّين لمَا آتَيْتُكُمْ من
كتابٍ وحكمة ثم جاءكم رسول ◌ُّصَدِّقٌ لِمَا معكم لَتُؤْمنُنَّ به ولَتَنْصُرَنَّه ، قال أأقررتم
وأخذتم على ذلِكُمْ إِصْري ؟ قالوا أقرَرْنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من
الشاهدين ﴾(١) .
قال ابن عباس : ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو
حيّ ليؤمنن به ولينصرنه . وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق ؛ لئن بُعث محمد وهم
أحياء ليؤمنن به ولينصرنه . ذكره البخاري عنه (٢)
• فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا، فقد دخل في هذا الميثاق ، فلو كان حيًّا في
زمن رسول الله عَ لّه لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه ، يؤمن بما أنزل الله
عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ؛ لأنه إن كان وليًّا فالصِّدِّيق أفضل
منه ، وإن كان نبيًّا فموسى أفضل منه .
وقد روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا سُرَيْج (٣) بن النعمان ؛ حدثنا
هُشَيم، أنبأنا مجالِد، عن الشَّعبي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله عَ ليه
قال: ((والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّ ما وسِعه إلا أن يتبعني)) (٤).
وهذا الذي يُقطع به ويُعلم من الدين علمَ الضرورة ، وقد دلت عليه هذه
الآية الكريمة : أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء [ مكلفون ](8) في زمن رسول
الله عَ لَّهِ ، لكانوا كلهم أتباعاً له ، وتحت أوامره وفي عموم شرعه. كما أنه صلوات
الله وسلامه عليه لمَّا اجتمع بهم (٦) ليلةَ الإِسراء رُفع فوقهم كلهم . ولما هبطوا معه إلى
بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم ، فصلى(٧) بهم في
(٢) هذا وهم ، ولم يرد ذلك في صحيح البخاري .
(١) سورة آل عمران ٨١.
(٣) الأصل والمطبوعة: شريح. محرفة والتصويب من المسند ٣٨٧/٣.
(٤) مسند أحمد ٣٨٧/٣.
(٦) ((ط )) : معهم .
(٥) ليست في ((أ)).
(٧) ((أ)) : فيصلي
- ٥٣٥ -

محل ولايتهم ودار إقامتهم . فدل على أنه الإِمام الأعظم ، والرسول الخاتم المبجل
المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
فإذا علم هذا - وهو معلوم عند كل (١) مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حيًّا
لكان من جملة أمة محمد عَّهِ ، ومن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك .
هذا عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة
المطهرة ، لا يَخْرج منها ولا يحيد عنها ، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين وخاتم
أنبياء بني إسرائيل . والمعلوم (٢) أن الخضر لم يُنقل بسند صحيح ولا حسن تسكنُ
النفس إليه ؛ أنه اجتمع برسول الله عَ ◌ّه في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالاً في
مشهد من المشاهد .
وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربَّه عز وجل ، واستنصره
واستفتحه على من كفَره: ((اللهم إن تَهْلِكْ هذه العصابةُ لا تُعبد بعدها في
الأرض )) ، وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى
جبريل عليه السلام ، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له ، في بيت يقال إنه
أفخر بيت قالته العرب :
وببئر(٣) بَدر إذ يردُّ وجوهَهم جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ
فلو كان الخضر حيًّا ، لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم
غزواته .
● قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي : سئل بعض
أصحابنا عن الخضر : هل مات ؟ فقال: نعم . قال : وبلغني مثل هذا عن أبي
طاهر بن الغباري قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًّا لجاء إلى رسول الله عَ له.
نقله ابن الجوزي في العجالة .
فإن قيل : فهل (٤) يقال إنه كان حاضراً في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن
(١) ((أ)) : لكل مؤمن .
(٢) ((أ)) : ومعلوم .
(٣) المطبوعة: وثبير. وهو تحريف! والبيت من قصيدته في رثاء حمزة رضي الله عنه. سيرة ابن هشام
١٥٨/٢ .
(٤) ((أ)): فهلا.
- ٥٣٦ -

أحد يراه ؟ فالجواب : أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص
العموميات بمجرد التوهمات . ثم ما الحامل(١) له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظمُ
لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته ؟ ثم لو كان باقياً بعده ، لكان تبليغه عن
رسول الله عَ ليه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث
المكذوبة ، والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في
غزواتهم وشهوده جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ،
وتسديده العلماء والحكام ، وتقريره الأدلة والأحكام ، أفضل مما يقال عنه من كُمونه
في الأمصار ، وجَوْبِه الفيافي والأقطار ، واجتماعه بُعُبَّاد لا يعرف أحوال كثير منهم ،
وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم . وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف فيه أحد فيه بعد
التفهيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
· ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما - عن عبد الله بن عمر : أن
رسول الله عَ لّه صلى ليلة العشاء ثم قال: ((أرأيتم ليلتكم هذه؟ فإنه إلى مائة سنة
لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد)). وفي رواية ((عين تطرف)). قال ابن
عمر: فَوُهِلَ الناس(٢) من مقالة رسول الله عَ لِ هذه، وإنما أراد انخرام (٣)
قرنه (٤) .
قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري قال :
أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، أن عبد الله بن عمر
قال: صلى رسول الله عَ ليه ذات ليلة [ صلاة](٥) العشاء في آخر حياته ، فلما
سلَّم قام فقال: ((أرأيتم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على
ظهر الأرض أحد )) (٦) .
وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري .
(١) (( أ)) : الحاصل . محرفة.
(٣) الانخرام : الانقطاع .
(٢) وهلوا : فزعوا .
(٥) من (( أ)) .
(٤) صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة ٨٨/١ (ط الأميرية).
(٦) مسند أحمد ٨٨/٢ وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ٤١٢/٢ ( ط عيسى الحلبي ).
- ٥٣٧ -

وقال الإِمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن
أبي نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عَ لّه قبل موته بقليل أو
بشهر: (( ما من نفس مَنْفوسة - أو ما منكم من نفس اليومَ منفوسةٍ - يأتي
عليها مائة سنة وهي يومئذ حية ))(١) .
وقال أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لَهِيعة ، عن أبي الزبير ، عن
جابر، عن النبي عَّمه أنه قال قبل أن يموت بشهر: ((يسألونني عن الساعة وإنما
عِلْمها عند الله ، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة
سنة))(٢) .
وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير : كل منهما عن جابر بن
عبد الله به نحوه (٣) .
وقال الترمذي : حدثنا عباد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي
سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله عَ له: ((ما على الأرض من نفس منفوسة
يأتي عليها مائة سنة)).
وهذا أيضاً على شرط مسلم .
قال ابن الجوزي : فهذه الأحاديث الصحاح تقطّع دابر دَعوى حياة
الخضِر .
قالوا: فالخضر(٤) إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله عَ لّهم كما هو المظنون
الذي يترقى في القوة إلى القطع ، فلا إشكال ، وإن كان قد أدرك زمانه ، فهذا
الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة ، فيكون الآن مفقوداً لا موجوداً ؛ لأنه
(١) مسند أحمد ٣٠٥/٣.
(٢) المسند ٣٤٥/٣.
(٣) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب قوله عَ ◌ّم: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس
منفوسة )) ٤١٣/٢ ( ط الحلبي).
(٤) ((أ)) : والخضر .
- ٥٣٨ -

داخِل في هذا العموم ، والأصل عدم المخصِّص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب
قبوله . والله أعلم .
وقد حكى الحافظ أبو القاسم السُّهيلي في كتابه: ((التعريف والإِعلام )) عن
البخاري وشيخه أبي بكر بن العربي: أنه أدرك حياة النبي عَ طٍ ولكن مات بعده
لهذا الحديث .
وفي كون البخاري رحمه الله يقول بهذا وأنه بقي إلى زمان النبي عَّة ، نظر .
ورجّح السهيلي بقاءه ، وحكاه عن الأكثرين .
قال: وأما اجتماعه مع النبي عَ لّم وتعزيته لأهل البيت بعده فمروي من طرق
صحاح ، ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ، ولم يورد أسانيدها . والله علم .
- ٥٣٩ -

[ وأما ](١) إلياس عليه السلام
قال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات: ﴿وإنَّ إلياسَ
لَمِنَ المُرْسَلين « إذ قال لقومه أَلا تَتَّقون * أَتَدْعون بَعْلاً وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالقين « الله
رَبَّكم وَرَبَّ آبائكم الأولين » فكذَّبوه فإنهم لمحضرون ، إلا عبادَ الله المخلصين :
وتركنا عليه في الآخِرِين * سلامٌ على إلياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين = إنه من
عبادنا المؤمنين ﴾(٢).
قال علماء النسب هو : إلياس النشبي ، ويقال : ابن یاسین بن فنحاص بن
العيزار بن هارون . وقيل : إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران .
قالوا : وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل
وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه (( بَعْلاً)). وقيل كان امرأة اسمها ((بعل)).
والله أعلم .
[ والأول أصح](٣) ولهذا قال لهم: ﴿أَلَا تتقون * أَتَدْعُون بَعْلاً وَتَذَرون
أحسنَ الخالقين ؛ الله ربكم وربَّ آبائكم الأولين ﴾ .
فكذَّبوه وخالفوه وأرادوا قتله . فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم قال
أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار ، قال :
وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في
الغار الذي تحت الدم (٤) عشر سنين ، حتى أهلك الله الملك وولَّى غيره ، فأتاه
(١) من ((أ)) .
(٢) سورة الصافات ١٢٣ - ١٣٢ .
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) كذا بالأصول ولم أجد في كتب البلدان إلا ((ذو دم)) موضع يضاف إلى دم كان فيه . معجم ما
استعجم للبكري ٥٥٦/١ .
- ٥٤٠ -