Indexed OCR Text

Pages 261-280

هذا الموضع مَعْبَداً لله عز وجل ، وأن جميع ما يُرزقه من شيء يكون الله عُشْره .
ثم عَمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دُهْناً يتعرفه به ، وسمى ذلك الموضع :
((بيت إيل)) أي بيت الله ، وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد
ذلك كما سيأتي .
قالوا : فلما قدم يعقوب على خاله أرض حَرَّان ، إذا له ابنتان : اسم
الكبرى: ((ليا)) واسم الصغرى: ((راحيل)) وكانت أحسنهما وأجملهما،
فأجابه(١) إلى ذلك بشرط أن يرعى غنمه سبع سنين . فلما مضت المدة على خاله
((لابان)) صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وزفَّ إليه [ ليلاً ](٢) ابنته الكبرى ((ليا))
وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر. فلما أصبح يعقوب إذا هي ((ليا))، فقال
لخاله : لِمَ غدرتَ بي ؟ إنما خطبتُ إليك راحيل . فقال: إنه ليس من سُنَّتنا أن
نزوج الصغرى قبل الكبرى(٣)، فإن أحببتَ أختها فاعمل سبع سنين أخرى
وأزوجكها !
فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها . وكان ذلك سائغاً في ملتهم ثم
نسخ في شريعة التوراة . وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لأن فعل يعقوب
عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لأنه معصوم(٤). ووهب ((لابان)) لكل
واحدة من ابنتيه جارية ، فوهب لليا جارية اسمها ((زلفى))، ووهب لراحيل جارية
اسمها ((بلهى)).
وجبر الله تعالى ضعف (( ليا)) بأن وهب لها أولاداً، فكان أول من ولدت
ليعقوب، روبيل ، ثم شمعون، ثم لاوي، ثم يهوذا. فغارت عند ذلك ((راحيل))
وكانت لا تحبل، فوهبت ليعقوب جاريتها ((بلهى)) فوطئها فحملت ، وولدت له
غلاماً سمته ((دان)) وحملت وولدت غلاماً آخر سمته ((نيفتالي)). فعمدت عند
(١) كذا ولعل فيها سقطاً : فطلب يعقوب من خاله أن يزوجه راحيل .
.(٢) ليست في ((أ)).
(٣) ((أ)): على الكبرى.
(٤) هذا إن صحت الرواية بذلك . ولكن ما في أيدي أهل الكتاب محرف .
- ٢٦١ -

ذلك ((ليا)) فوهبت جاريتها ((زلفى)) من يعقوب عليه السلام فولدت له : جاد ،
وإيشي ، غلامين ذكرين ثم حملت (( ليا)) أيضاً فولدت غلاماً خامساً منها وسمته
((إيساخر)) ثم حملت وولدت غلاماً سادساً سمته ((زابلون)). ثم حملت وولدت بنتاً
سمتها ((دينا)) (١) فصار لها سبعة من يعقوب .
ثم دعت الله تعالى ((راحيل)) وسألته أن يَهب لها غلاماً من يعقوب فسمع
الله نداءها وأجاب دعاءها ، فحملت من نبي الله يعقوب ، فولدت له غلاماً عظيماً
شريفاً حسناً جميلاً سمته ((يوسف)) .
كل هذا وهم مقيمون بأرض حَرَّان ، وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله
على البنتين ست سنين أخرى ، فصار مدة مقامه عشرين سنة .
فطلب يعقوب من خاله ((لابان)) أن يسرحه لمّ إلى أهله ، فقال له خاله :
إني قد بورك لي بسببك فسَلْني من مالي ما شئت . فقال : تعطيني كل حَمل يولد
من غنمك هذه السنة أبقع (٢)، وكل حَمل ملمّع أبيض بسواد، وكل أَمْلح(٣)
ببياض ، وكل أجلح (٤) أبيض من المعز فقال : نعم .
فعمد بنُوه فأبرزوا مِن غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس ، لئلا
يولد شيء من الحملان على هذه الصفات . وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم
أبيهم .
قالوا : فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز ولب(٥)،
فكان يقشرها بُلقاً ، وينصبها في مساقي الغنم من المياه ، لتنظر الغنم إليها فتفزع
وتتحرك أولادها في بطونها ، فتصير ألوان حُمْلانها كذلك .
وهذا يكون من باب خوارق العادات ، وينتظم في سلك المعجزات .
فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد ، وتغير له وجه خاله
(١) ((أ)): دنيا.
(٢) الأبقع : ما فيه سواد وبياض .
الأملح : ما يخالط بياضه سواده .
(٣)
(٤) الأجلح : ما لا قرن له .
(٥) ((أ)) : دلب.
- ٢٦٢ -

وبنيه ، وكأنهم انحصروا منه .
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب أن يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ، ووعده بأن يكون
معه ، فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين إلى طاعته ، فتحمَّل بأهله وماله ،
وسرقت راحيل أصنام أبيها !
فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم، لحقهم ((لابان)) وقومه ، فلما اجتمع لابان
بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه ، وهلّ أعلمه(١) فيخرجهم في فرح ومَزاهر
وطبول ، وحتى يودع بناته وأولادهن ، ولم أخذوا أصنامه معهم ؟
ولم يكن عند يعقوب علم من أصنامه ، فأنكر أن يكون أخذوا له أصناماً ،
فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئاً ، وكانت راحيل قد جعلتهن في برذعة
الجمل وهي(٢) تحتها ، فلم تقم ، واعتذرت بأنها طامث . فلم يقدر عليهن .
فعند ذلك تواثَّقُوا على رابية هناك يقال لها ((جلماد )) على أنه لا يهين بناته ،
ولا يتزوج عليهن ، ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخر ، لا لابان ولا يعقوب ،
وعملا طعاماً وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر . وتفارقوا راجعين إلى
بلادهم .
فلما اقترب يعقوب من أرض ((ساعير)) تلقته الملائكة يبشرونه
[ بالقدوم ](٣). وبعث يعقوب البُرد (٤) إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له .
فرجعت البُردُ وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل .
فخشي يعقوب من ذلك ، ودعا الله عز وجل وصلى له ، وتضرع إليه
وتمسكن لديه ، وناشده عهده ووعده الذي وعده به . وسأله أن يكف عنه شر أخيه
العيص ، وأعد لأخيه هدية عظيمة وهي : مائتا شاة ، وعشرون تيساً [ ومائتا نعجة ،
وعشرون كبشاً ، وثلاثونَ لِفْحَة (٥)، وأربعون بقرة، وعشرةً من الثيران ](٦) وعشرون
(١) ((أ)): أعلمهم.
(٢) ((أ)): وهن.
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) البرد : جمع بريد وهو الرسول .
(٥) اللقحة : الناقة الحلوب .
(٦) سقطت من (( أ)) .
- ٢٦٣ -

أتاناً وعشرة من الحُمر . وأمر عبيده أن يسوقوا كلًّا من هذه الأصناف وحده .
وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة ، فإذا لقيهم العيص فقال للأول : لمن أنت ؟ ولمن
هذه معك ؟ فليقل : لعبدك يعقوب ، أهداها لسيدي العيص . وليقل الذي بعده
كذلك [ وكذلك الذي بعده ](١) وكذا الذي بعده ، ويقول كل منهم : وهو جاءٍ
بَعْدَنا .
وتأخر يعقوب بزوجتيه وأَمَتَيْه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين ، وجعل
يسير فيهما ليلاً ويَكْمُن نهاراً . فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية ، تبدَّى له
ملَكٌ من الملائكة في صورة رجل ، فظنه يعقوب رجلاً من الناس ، فأتاه
[ يعقوب](٢) ليصارعه ويغالبه . فلما أضاء الفجر قال له الملك : ما اسمك ؟ قال :
يعقوب . قال : لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل . فقال له يعقوب: ومن
أنت ؟ وما اسمك ؟ فذهب عنه . فعلم أنه ملك من الملائكة ، وأصبح يعقوب وهو
يعرج من رجله . فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل ◌ِرْقَ النَّسَا(٣)!
ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل ، فتقدم أمام
أهله . فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات ، وكانت هذه تحيتهم في ذلك
الزمان . وكان مشروعاً لهم ، كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد
إخوة يوسف وأبوه له كما سيأتي .
فلما رآه العيص تقدم إليه واحتضنه وقبله وبكى ، ورفع العيص عينيه ونظر إلى
النساء والصبيان فقال : من أين لك هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء الذين وهب الله لعبدك ،
فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له ودنَتْ ((ليا)) وبنوها فسجدوا له . ودنت
((راحيل)) وابنها يوسف فخرًّا سجداً له . وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه
فقبلها .
ورجع العيص فتقدم أمامه ، ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الأنعام والمواشي
(١) سقطت من ((أ)) .
(٢) من ((أ)).
(٣) المطبوعة : عرق النساء! محرفة . قال في القاموس: والنسا : عرق من الورك إلى الكعب . قال
الزجاج : لا تقل عرق النسا لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه .
- ٢٦٤ -

والعبيد قاصدين جبال ((ساعير)).
فلما مر بساحور ابتنى له بيتاً ، ولِدَوابِه ظلالاً ، ثم مر على أورشليم قرية
شخيم فنزل قبل (١) القرية، واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة ، فضرب
هنالك فسطاطه، وابتنى ثَمَّ مذبحاً فسماه ((إيل)) إله إسرائيل وأمره الله ببنائه
ليستعلن له فيه . وهو بيت المقدس اليوم ، الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود
عليهما السلام : وهو مكان الصخرة التي عملها بوضع الدُّهن عليها قبل ذلك ، كما
ذكرنا أولاً .
وذكر أهل الكتاب هنا قصة ((دينا)) بنت يعقوب بنت ((ليا)) وما كان من
أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها ، وأدخلها منزله ثم خطبها من أبيها
وإخوتها، فقال إخوتها إلا أن تَخْتَتِنُوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا ، فإنا لا نصاهر قوماً
غُلْفاً . فأجابوهم إلى ذلك واختنتوا كلهم . فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من
ألم الختان ، مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم ، وقتلوا شخيماً وأباه جمور
لقبيح ما صنعوا إليهم ، مضافاً إلى كفرهم ، وما كانوا يعبدونه من أصنامهم ، فلهذا
قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة .
ثم حملت راحيل فولدت غلاماً وهو ((بنيامين)) إلا أنها جهدت في طَلْقها
[ به] (٢) جهداً [شديداً](٢) وماتت عقيبه، فدفنها يعقوب في ((أفراث)). وهي
بيت لحم ، وصنع يعقوب على قبرها حجراً ، وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى
اليوم . وكان أولاد يعقوب الذكور اثني عشر رجلاً. فمن ليا : روبيل ، وشمعون ،
ولاوي ، ويهوذا ، وإيساخر(٣)، وزابلون . ومن راحيل: يوسف ، وبنيامين . ومن أمَة
راحيل : دان ، ونفتالي . ومن أمة ليا : جاد ، وإيشي (٤)، عليهم السلام.
(١) ((أ): قبلي القرية.
(٢) ليست في (( أ)).
(٣) ((أ)): وأشاخر وفي بعض روايات ابن كثير : يستاخر .
(٤): ((أ)): حاذ .
- ٢٦٥ -

وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان
حيث كان يسكن إبراهيم . ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ، ودفنه
ابناه : العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها (١) . كما قدمنا.
(١) هذا الخبر الطويل عن يعقوب وأخيه ، مروي عن أهل الكتاب ، وليس في الأخبار الإسلامية تعرض
له .
- ٢٦٦ -

ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك :
قصة يوسف بن راحیل
وقد أنزل الله عز وجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ،
لُيُتْدَبَّر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم . أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * الر « تلك آياتُ الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآناً
عربياً لعلكم تعقلون * نحن نقصُّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا
القرآن ، وإن كنتَ من قبله لمن الغافلين
﴾(١).
قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة ، فمن أراد تحقيقه
فلينظره ثَمَّ ، وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير . ونحن
نذكر ها هنا نبذاً مما هناك على وجه الإيجاز والإنجاز(٢).
وجملة القول في هذا المقام : أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده
ورسوله الكريم ، بلسان عربي فصيح ، بيّن واضح جليّ ، يفهمه كل عاقل ذكي
[ زكى، فهو أشرف كتاب نزل من السماء ، أنزله أشرفُ الملائكة على أشرف
الخلق ](٣) في أشرف زمان ومكان ، بأفصح لغة وأظهر بيان .
فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر أحْسَنها وأبْينها وأظهر الحقَّ
مما اختلف الناس فيه ، ودمغ الباطل وزيَّفه وردَّه .
وإن كان في الأوامر والنواهي فأعْدَل الشرائع وأوضح المناهج ، وأبين حِكَماً
وأعدل حُكْماً .
(١) سورة يوسف ١ - ٣.
(٢) الأصل والمطبوعة : والنجاز .
(٣) سقطت من ((أ)).
- ٢٦٧ -

فهو كما قال تعالى: ﴿وتمتْ كلمةُ ربك صِدقاً وعَدْلاً﴾(١).
يعني صِدْقاً في الأخبار ، وعدلاً في الأوامر والنواهي .
ولهذا قال تعالى: ﴿ نحن نقصُّ عليك أحْسَن القصص بما أوحينا إليك هذا
القرآنَ وإن كنتَ من قبله لمن الغافلين﴾ أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه .
كما قال تعالى: ﴿ وَكذلك أَوْحَيْنَا إليك رُوحاً من أُمْرنا ، ما كنتَ تدري ما
الكتابُ ولا الإِيمانُ ، ولكنْ جعلناه نوراً نهدي به مَنْ نشاء من عِبَادنا ، وإنك لَتهدي
إلى صراط مستقيم » صراطِ اللهِ الذي له ما في السموات وما في الأرض ، ألا إلى الله
تصير الأمور ﴾(٢).
وقال تعالى: ﴿ كذلك نَقُصُّ عليك من أنهاء ما قد سَبَق ، وقد آتيناك من
لَدُنَّا ذِكْراً * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وِزْراً * خالدين فيه وساءً لهم يومَ
القيامة حِمْلاً﴾(٣).
يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا
الوعيد . كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على ،
مرفوعاً وموقوفاً: ﴿ من ابتغى(٤) الهدى في غيره أضله الله﴾(٥) .
وقال الإِمام أحمد: حدثنا سُريح بن النعمان، حدثنا هُشَيْم (٦) ، أنبأنا
مُجَالِد(٧) عن الشَّعبي ، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبيَّ عَێلم بكتابٍ
أصابه مِنْ بعض أهل الكتاب ، فقرأه على النبي معَّ له ، قال: فغضب وقال:
(١) سورة الأنعام ١١٥ .
(٢) آخر سورة الشورى .
(٣) سورة طه ٩٩ - ١٠١ .
(٤) ((أ)): اتبع .
(٥) صحيح الترمذي كتاب فضائل القرآن حديث رقم ٢٩٠٦ .
(٦) الأصل والمطبوعة : هشام . وهو تحريف وما أثبته عن مسند أحمد .
(٧) الأصل : خالد . محرفة . وما أثبته عن مسند أحمد .
- ٢٦٨ -

((أَتَتَهوَّكُون(١) فيها يا بن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاءَ نقية ،
لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقٍّ فتُكَذِّبوا به أو بباطل فتُصدِّقوا به(٢)، والذي
نفسي بيده لو أنَ موسى كان حيًّا ما وسِعه إلا أن يتبعني)).
إسناد صحيح(٣).
ورواه أحمد من وجه آخر عن عمر وفيه: فقال رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((والذي
نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنكم حظى من الأمم
وأنا حظُّكم من النبيين )) (٤) .
وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف . وفي بعضها :
أن رسول الله عَ له خطب الناس فقال في خطبته: ((أيها الناس إني قد أُوتيت
جوامع الكلم وخواتمه ، واختُصر لي اختصاراً ، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا
تَتَهوَّكوا ، ولا يغرنكم المتهوكون)). ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفاً حرفاً )).
﴿ إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحدَ عشر كوكباً والشمس والقمر
رأيتُهم لي ساجدين » قال يا بني لا تَقْصُصْ رؤياك على إخواتك فيكيدوا لك كيداً ،
إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين » وكذلك يجتبيك رُبُّك ويعلّمك من تأويل
الأحاديث ، ويتمُّ نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبلُ إبراهيمَ
وإسحق إن ربَّك عليم حكيم ﴾ .
قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولداً [ذكراً ](٥) وسميناهم
وإليهم تُنسب أسباط بني إسرائيل كلهم ، وكان أشرفهم وأجلّهم وأعظمهم يوسف
عليه السلام .
(١) تتهوكون : تتحیرون أو تتهورون .
(٢) الأصل : فتكذبونه . أو بباطل فتصدقونه . وما أثبته من مسند أحمد .
(٣) المسند ٣٨٧/٣.
(٤) المسند ٤٧٠/٣ - ٤٧١.
(٥) ليست في ((أ)).
- ٢٦٩ -

وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره ، وباقي إخوته لم
یوحَ إليهم .
وظاهر ما ذكر من فَعَالهم ومقالهم في هذه القصة(١) يدل على هذا القول.
ومن استدل على نبوتهم بقوله: ﴿قولوا آمنًا بالله وما أُنْزِل إلينا وما أنزل إلى
إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ والأسباط﴾(٢) وزعم أن هؤلاء هم الأسباط
فليس استدلاله بقوي ، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجد فيهم
من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء . والله أعلم .
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة
- أنه ما نص على واحد من إخوته سواه ، فدل على ما ذكرناه .
ويُستأنس لهذا بما قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الرحمن
ابن(٣) عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله عَ لّه قال:
((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم)) (٤).
انفرد به البخاري(٥) . فرواه عن عبد الله بن محمد وعَبْدة عن عبد الصمد بن
عبد الوارث به . وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا . ولله
الحمد والمنة .
قال المفسرون وغيرهم : رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم ،
كأنَّ أحد عشر كوكباً ، وهم إشارة إلى بقية إخوته ، والشمس والقمر وهما عبارة عن
أبويه ، قد سجدوا له ، فهالَه ذلك .
(١) يزيد الخبر المتقدم عن إسحق والعيص.
(٢) سورة البقرة ١٣٦.
(٣) الأصل : عن عبد الله . وهو تحريف وما أثبته من المسند .
(٤) المسند ٩٦/٢ .
(٥) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق وكتاب التفسير ١٤٣/٣ بحاشية السندي .
- ٢٧٠ -

فلما استيقظ قصَّها على أبيه ، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة
في الدنيا والآخرة ، بحيث يخضع له أبوه وإخوته فيها . فأمره بكتمانها وأن لا يقصها
على إخوته ، كيلا(١) يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل [ والمكر ](٢).
وهذا يدل على ما ذكرناه(٣).
ولهذا جاء في بعض الآثار : (( استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها ، فإن
كل ذي نعمة محسود)) (٤) .
وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معاً . وهو غلط منهم .
﴿ وكذلك يَجتبيك ربُّك﴾ أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة ، فإذا كتمتها
يجتبيك ربك ﴾ أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة، ﴿ويعلِّمك مِن تأويل
الأحاديث ﴾ أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك .
ويتم نعمتَه عليك﴾ أي بالوحي إليك ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي
بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. ﴿ كما أتمَّها على أبويك من قَبْلُ
إبراهيم وإسحاق ﴾ أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة ، كما أعطاها أباك يعقوب ،
وجدك إسحاق ، ووالد جدك إبراهيم الخليل، ﴿إن ربك عليم حكيم ﴾ كما قال
تعالى : ﴿ الله أعلمُ حيثُ يجعل رسالته ﴾ .
لهذا قال رسول الله عَ ليه لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: ((يوسف نبي
الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)) (٥) .
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما ، وأبو يعلى والبزار في
مسنديهما ، من حديث الحكم بن ظَهِير - وقد ضعفه الأئمة - عن السُّدي عن
(١) ((أ)) : لئلا .
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) یرید عدم نبوتهم .
(٤) رواه الطبراني وأبو نعيم بسند ضعيف عن معاذ بن جبل. رفعه. كشف الخفا للعجلوني ١٢٣/١.
(٥) صحيح البخاري كتاب التفسير ((سورة يوسف)) ٢٤١/٣، ٢٤٢ بحاشية السندي.
- ٢٧١ -

عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر قال: أتى النبيَّ عَ لِّ رجلٌ من اليهود يقال له :
بستانة اليهودي ، فقال : يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها
ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي عَ لّمه فلم يجبه بشيء ، ونزل جبريل
عليه السلام بأسمائها. قال: فبعث إليه رسول الله فقال: ((هل أنت مؤمن إن
أخبرتك بأسمائها؟)) قال: نعم. فقال: ((هي جَرْيان والطارق، والذيَّال، وذو
الكتفين(١)، وقابس، ووثَّاب، وعمودان(٢)، والفَلِيقُ"، والمصبح ، والضروح ، وذو
الفَرْغ (٤)، والضياء والنور)) (٥) .
فقال اليهودي : [ إي ](٦) والله إنها لأسماؤها . وعند أبي يعلى : فلما قصها
على أبيه قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله ، والشمس أبوه والقمر أمه .
لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين * إذا قالوا لَيُوسف وأخوه
أحبُّ إلى أبينا منا ونحن ◌ُصبة ، إن أبانا لَفي ضلال مبين * اقتلوا يوسفَ أو اطرحوه
أرضاً يَخْلُ لكم وَجْهُ أبيكم ، وتكونوا من بَعْدِه قوماً صالحين » قال قائل منهم : لا
تقتلوا يوسفَ، وألقوه في غيَابة الجُبِّ يلتقطْه بعضُ السيارة إن كنتم فاعلين﴾(٧) .
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم ، والدلالات والمواعظ
والبينات(٨). ثم ذكر حسدَ إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه ــ يعنون شقيقه
لأمه بنيامين - أكثر منهم ، وهم عصبة أي جماعة يقولون : فكنا نحن أحق بالمحبة
من هذين ﴿ إِنَّ أَبانا لَفِي ضلالٍ مبين ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا.
(١) المطبوعة : وذو الكتفان . محرفة .
(٢) المطبوعة : عمر دان . محرفة .
(٣) الأصل والمطبوعة: والفيلق وما أثبته من تفسير الطبري ١٥١/١٢ والكشاف ٢٤٢/٢.
(٤) كذا في الأصل وتفسير الطبري ١٥١/١٢. وفي الكشاف للزمخشري ٢٤٢/٢: والفرغ وكذلك
نقلها عنه الرازي في تفسيره ٩٠/١٨ .
(٥) قال الرازي في تفسيره ٩٠/١٨: ((واعلم أن كثيراً من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في
صورة الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال )) .
(٦) ليست في ((أ)).
(٨) ((أ)) والبيان.
(٧) ((أ)): سورة يوسف ٧ - ١٠.
- ٢٧٢ -

ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع(١) منها ،
ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمخّض محبته لهم وتتوفر عليهم، وأضمروا التوبة بعد(٢)
ذلك .
فلما تمالأوا على ذلكم وتوافقوا عليه ﴿ قال قائلٌ منهم ﴾ قال مجاهد : هو
شمعون ، وقال السُّدي : هو يهوذا ، وقال قتادة ومحمد بن إسحق : هو أكبرهم
روبيل: ﴿ لا تَقْتلوا يوسف وألْقُوه فِي غَيَابة الجبِّ يلتقطْه بعضُ السّيَّارة﴾ أي المارة
من المسافرين ﴿ إن كنتم فاعلين﴾ ما تقولون لا محالة ، فليكن هذا الذي أقول
لكم ، فهو أقرب حالاً من قَتْله أو نفيه وتغريبه .
فأجمعوا رأيهم على هذا، فعند ذلك ﴿ قالوا يا أبانا ما لَك لا تَأْمَنَّا على
يوسُفَ وإنا له لَنَاصحون * أَرْسِلْه معنا غداً يَرْتَعْ وَيَلْعب وإنا له لَحَافظون * قال إنه
لَيَحْزُنُنِي أنْ تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا لئن أكله
الذئبُ ونحن ◌ُصبة إنا إذاً لخاسرون﴾ . طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم
يوسف ، وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم ، وأن يلعب وينبسط ، وقد أضمروا
له ما الله به عليم !
فأجابهم الشيخ ، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم : يا بنيَّ يشقُّ عليّ أن
أفارقه ساعة من النهار ، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه (٣)، فيأتي
الذئب فيأكله ، ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه .
قالوا لئن أكله الذئبُ ونحن عُصْبة إنا إذاً لخاسرون﴾ أي لئن عدًا عليه
الذئب فأكَله مِنْ بيننا ، أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة ، إنا إذاً
لخاسرون ، أي عاجزون هالكون .
وعند أهل الكتاب : أنه أرسله وراءهم يتبعهم ، فضلّ عن الطريق حتى
أرشده رجل إليهم .
وهذا أيضاً من غلطهم وخطئهم في التعريب ، فإن يعقوب عليه السلام كان
(١) ((أ)) : لا مرجع فيها.
(٢) ((أ)): على ذلك .
(٣) ((أ)): عليه .
- ٢٧٣ -

أحرص عليه من أن يبعثه معهم ، فكيف يبعثه وحده ؟!
﴿ فلما ذهبوا به وأجْمَعُوا أَن يَجْعلوه في غيَابةِ الجبِّ وأوحينا إليه لَتنبئَّهم
بأمرهم هذا وهم لا يشعرون * وجاءوا أباهم عِشَاءً يَبْكون « قالوا يا أبانا إنا ذهَبْنا
نَسْتَبِقُ وتركنا يوسفَ عند متاعنا فأكله الذئبُ ، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا
صادقين * وجاءوا على قميصه بدمٍ كَذِبٍ ، قال بل سَوَّلتْ لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ
جميل * والله المستعانُ على ما تَصِفُون ﴾ .
لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه (١)، فجعلوا
يشتمونه ويهينونه بالفَعَال والمقال ، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب ، أي في قعره
على راعُوفته (٢)، وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح ، وهو
الذين ينزل يملأ الدلاء إذا قلَّ الماء ، والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح .
فلما ألقوه فيه ، أوحى الله إليه : أنه لا بد لك مِنْ فَرَج ومَخْرج من هذه
الشدة التي أنت فيها ، ولَّتُخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز ، وهم
محتاجون إليك خائفون منك ، ﴿ وهم لا يشعرون ﴾.
قال مجاهد وقتادة : وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك . وعن ابن عباس
وهم لا يشعرون﴾ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها. رواه ابن
جرير عنه .
فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه ، أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ، ورجعوا
إلى أبيهم عِشَاء وهم يبكون ، أي على أخيهم . ولهذا قال بعض السلف : لا يغرنك
بكاء المتظلم فَرُبَّ ظالمٍ وهو باكٍ ! وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء
بيكون ، أي في ظلمة الليل ، ليكون أَمْشَى لِغَدْرهم لا لعُذْرهم .
قالوا يا أبانا إنا ذهَبْنا نَسْتَبقُ وتركْنا يوسفَ عند متاعنا ﴾ أي ثيابنا
(١) ((أ)) : عينه.
(٢) الأصل والمطبوعة: راعونته. وهو تحريف. قال في القاموس: ((وراعوفة البئر وأرعوفتها: صخرة تترك
في أسفل البئر إذا احتفرت .. )).
- ٢٧٤ -

فأكله الذئب﴾ أي في غيبتنا عنه في استباقنا . وقولهم ﴿وما أنت بمؤمنٍ لنا ولو
كنا صادقين﴾ أي وما أنت بمصدّق لنا في الذي أخبرناك من (١) أكل الذئب له،
ولو كنا غير متَّهمين عندك . فكيف وأنت تتهمنا في هذا ؟ فإنك خشيت أن يأكله
الذئب ، وضَمِنَّا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله ، فصِرْنا غير مصدَّقين عندك ،
فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه .
﴿ وجاءوا على قميصه بدعٍ كذب ﴾ أي مكذوب مفتعل ، لأنهم عمدوا إلى
سَخْلة(٢) ذبحوها ، فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ، ليوهموه أنه أكله
الذئب . قالوا : ونسوا أن يخرقوه ، وآفة الكذب النسيان ! ولما ظهرت عليهم علائم
الرِّيبة لم يُرُجْ صنيعهم على أبيهم ، فإنه كان يفهم عداوتهم له ، وحسدهم إياه على
محبته له من بينهم أكثر منهم ، لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة(٣) التي كانت
عليه في صغره ، لما يريد الله أن يخصه به من نبوته . ولمَّا راودوه عن أخذه ، قبمجرد
ما أخذوه أعدموه ، وغيبوه عن عينيه وجاءوا وهم يتباكون ، وعلى ما تمالأوا يتواطأون .
ولهذا ﴿ قال بل سَوَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل » والله المستعان على ما
تَصِفون
وعند أهل الكتاب : أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا
يشعرون ويرده إلى أبيه ، فغافلوه وباعوه لتلك القافلة . فلما جاء روبيل آخر النهار
ليخرج يوسف لم يجده ، فصاح وشق ثيابه ، وعمد أولئك إلى جَدْي فذبحوه ،
ولطَّخوا من دمه جبةً يوسف ، فلما علم يعقوب شق ثيابه ، ولبس مؤزراً أسود وحزن
على ابنه أياماً كثيرة .
وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير .
وجاءت سيارةٌ فأرسلوا وارِدَهم فأدلى دَلْوه قال يا بُشْرَى هذا غلامٌ وأسرُّوه
بضاعةً والله عليم بما يعملون * وشَروه بَثَمنٍ بَخْس دراهمَ معدودةٍ وكانوا فيه من
(٣) ((أ)): من المهابة والجلالة.
(١) ((أ)): في .
(٢) السخلة : ولد الشاة .
- ٢٧٥ -

الزاهدين * وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرِمي مَثْواه عسى أن يَنْفَعنا أو نتخذَه
ولداً ، وكذلك مكَّنا ليوسفَ في الأرض ولنعلِّمه من تأويل الأحاديث ، والله غالبٌ
على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشدَّه آتيناه حُكماً وعِلماً وكذلك
. .
نجزي المحسنين
• يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجُب : أنه جليس ينتظر فرج
الله ولطفه به ، فجاءت سيارة ، أي مسافرون . قال أهل الكتاب : كانت بضاعتهم
من(١) الفستق والصنوبر والبُطْم(٢) قاصدين ديار مصر من الشام ، فأرسلوا بعضهم
ليستقوا من ذلك البئر ، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسفُ .
فلما رآه ذلك الرجل ﴿ قال يا بشرى﴾ أي يا بشارتي ﴿ هذا غلام وأسرُوه
بضاعة﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة مَتْجرهم ﴿ والله عليم بما يعملون﴾ أي
هو عالم بما تمالاً عليه إخوته ، وبما يُسِرّه واجدوه من أنه بضاعة لهم . ومع هذا لا
يغيره تعالى ، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدَر السابق والرحمة بأهل مصر ،
بما(٣) يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ، ثم بعد هذا
يملِّكه أزِّة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم ، بما لا يُحَدُّ ولا يوصف .
ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيّارة له لحقوهم ، وقالوا هذا غلامنا أبَق
منا ، فاشتروه منهم بثمن بخس ، أي قليل نَزْر ، وقيل هو الزيف ﴿ دراهم معدودة
وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ .
قال ابن مسعود وابن عباس ونَوْف البِكَّالِيّ (٤) والسُّدي وقتادة وعطية
العَوْفي : باعوه بعشرين درهماً ، اقتسموها درهمين [ درهمين ] . وقال مجاهد : اثنان
وعشرون درهماً . وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق : أربعون درهماً . والله أعلم .
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مَثواه ﴾ [ أي أحسني
(١) ((ط)): في .
(٢) البطم : الحبة الخضراء .
(٣) ((أ)): فيما .
(٤) هو أبو زيد نوف بن فضالة البكالي . وهو ابن امرأة كعب الأحبار. تابعي. اللباب ١٣٧/١.
- ٢٧٦ -

إليه ](١) ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً﴾، وهذا من لطف الله به ورحمته
وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له(٢) ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة .
قالوا : وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها ، الذي الخزائن
مسلَّمة إليه . قال ابن إسحاق : واسمه إطفير ابن روحيب قال : وكان ملك مصر
يومئذ الريَّان بن الوليد، رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز: ((راعيل))
بنت رعاييل. وقال غيره: كان اسمها ((زليخا)) والظاهر أنه لقبها. وقيل ((فكا))
بنت ينوس (٣)، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي .
وقال محمد بن إسحق ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن
عباس : كان اسم الذي باعه بمصر - يعني الذي جلبه إليها - مالك بن زعر بن
نويب بن مديان بن إبراهيم . فالله أعلم .
وقال ابن إسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال : أفرس الناس ثلاثة :
عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أكرمي مثواه ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها عن
موسى: ﴿ يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القوي الأمين ﴾، وأبو بكر
الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
ثم قيل : اشتراه العزيز بعشرين ديناراً ، وقيل بوزنه مِسْكاً ووزنه حريراً ووزنه
وَرِقاً . فالله أعلم .
وقوله: ﴿وكذلك مكنًا ليوسف في الأرض ﴾ أي وكما قيَّضنا هذا العزيز
وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر ﴿ولنعلّمه من تأويل
الأحاديث﴾ أي فَهْمها ، وتعبير الرؤيا من ذلك. ﴿والله غالبٌ على أمره ﴾ أي إذا
أراد شيئاً فإنه يقيِّض له أسباباً وأموراً لا يهتدي إليها العباد . ولهذا قال تعالى :
﴿ ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ﴾.
(١) ليست في ((أ)).
(٢) ((أ) : لذلك.
(٣) ((أ)) : بنت موسن .
- ٢٧٧ -

ولما بلغ أشُدَّه آتيناه حُكْماً وعِلْماً وكذلك نجزي المحسنين﴾. فدل على أن
هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشُدّ، وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى
عباده النبيين ، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين .
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد : فقال مالك وربيعة وزيد
ابن أسلم والشَّعْبي: هو الحُلم . وقال سعيد بن جُبير : ثماني عشرة سنة . وقال
الضحاك : عشرون سنة . وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة . وقال السُّدي :
ثلاثون سنة . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة . وقال الحسن :
أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشُدَّه وبلغ أربعين سنة﴾(١).
وراودَتْه التي هو في بيتها عن نفسه ، وعلّقت الأبواب وقالت هَيْت لك .
قال معاذ الله ، إنه ربي أحْسَنَ مَثَوَايَ إنه لا يفلح الظالمون » ولقد همَّتْ به وهَمَّ بها
لولا أن رأى برهانَ ربه ، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاءَ ، إنه من عبادنا
المُخْلَصين . واستبقًا البابَ وقدَّت قميصَهُ مِن دُبر ، وأَلْفَيا سيدَها لدى الباب،
قالت ما جزاءُ من أراد بأهلك سُوءاً إلا أن يُسْجَن أو عذابٌ أليم * قال هي روادَتْني
عن نفسي وشهد شاهدٌ من أهلها : إنْ كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقَتْ وهو من
الكاذبين * وإن كان قميصُه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين × فلما رأى
قميصَه قُدَّ من دُبُرٍ ، قال إنه من كَيْدِكُنَّ إن كَيْدَكُنَّ عظيم » يوسُفُ أعْرِضْ عَن هذا
واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ﴾.
يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه
وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه ، وهي في غاية الجمال والمال . والمنصِب
والشباب . وكيف غلَّقت الأبواب عليها وعليه ، وتهيأت له وتصنعت ، ولبست
أحسن ثيابها وأفخر لباسها ، وهي مع هذا كله امرأة الوزير . قال ابن إسحاق :
وبنت أخت [الملك ](٢) الريان بن الوليد صاحب مصر .
(١) سورة الأحقاف ١٥ .
(٢) ! ليست في ((أ)) .
- ٢٧٨ -

وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء ، إلا أنه نبي
من سلالة الأنبياء ، فعصمه ربه عن الفحشاء ، وحماه من مكر النساء ، فهو سيد
السادة النجباء ، السبعة الأتقياء ، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء ، في
قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا
ظلَّ إلا ظله : إمام عادل ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلِّق
بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابًّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا
عليه ، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه ، وشاب
نشأ في عبادة الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف
الله)) (١) .
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص ، فقال: ﴿معاذ
الله إنه رِّي﴾ يعني زوجها صاحب المنزل سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي أحسن
إليَّ وأكرم مقامي عنده ﴿إنه لا يفلح الظالمون ﴾ وقد تكلمنا على قوله تعالى :
ولقد همَّتْ به وهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ بما فيه كفاية ومقنع في
التفسير .
وأكثر أقوال المفسرين ها هنا متلقَّى من كتب أهل الكتاب ، فالإِعراض عنه
أولى بنا .
والذي يجب أن يُعتقد : أن الله تعالى عَصَمه وبرَّأه ، ونزهه عن الفاحشة
وحماه عنها وصانه منها ، ولهذا قال تعالى: ﴿ كذلك لنَصْرِف عنه السوءَ والفحشاء
إنه من عبادنا المُخْلَصِین
واستبقا البابَ ﴾ أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها فاتبعته
في أثره ﴿ وألفيًا﴾ أي وجدا ﴿سيدَها﴾ أي زوجها لدى الباب، فبدرَتْه
(١) أخرجه الشيخان في صحيحيهما: البخاري حديث رقم ٦٦٠ فتح الباري ٣٦/١٠. ومسلم في
كتاب الزكاة حديث رقم ٩١ .
- ٢٧٩ -

بالكلام وحرَّضته عليه ، ﴿ قالت ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سُوءاً إلا أن يُسْجَن أو
عذابٌ أليم ﴾ اتهمته وهي المتَّهمة ، وبرَّأت عرضها ونزهت ساحتها . فلهذا قال
يوسف عليه السلام: ﴿ هي راودَتْني عن نفسي﴾، احتاج إلى أن يقول الحق عند
الحاجة .
وشَهِدَ شاهدٌ من أَهْلِهَا﴾ قيل كان صغيراً في المهد . قاله ابن عباس .
وروي عن أبي هريرة وهلال بن يسَاف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك . واختاره
ابن جرير ، وروى فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس ، ووقفَه غيره عنه .
وقيل كان رجلاً قريباً إلى (( قطفير)) بعلها، وقيل قريباً إليها . ومن قال إنه
كان رجلاً : ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسُّدي ومحمد بن إسحاق
وزيد بن أسْلم .
فقال: ﴿ إن كان قميصه قُدَّ من قُبل فصدقتْ وهو من الكاذبين ﴾ أي
لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدَّت مقدَّم قميصه . ﴿وإن كان قميصه قُدَّ من
دُبر فكذبت وهو من الصادقين ﴾ [ أي ](١) لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته
وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك ، وكذلك كان . ولهذا قال تعالى: ﴿ فلما رأى
قميصه قُدَّ من دُبر قال إنه من كَيْدكن إن كيدكن عظيم ﴾ أي هذا الذي جرى من
مكركن ، أنت(٢) راودتيه عن نفسه ، ثم اتهمتيه بالباطل .
ثم أضرب بعلها [ عن هذا](٣) صفحاً فقال: ﴿يوسُفُ أعْرِضْ عن
هذا﴾ ( أي لا تذكره لأحد ) لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها
بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها، والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب
الله عليه .
وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام ، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر
الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك . ولهذا قال لها بعلها ،
(١) ليست في (أ)).
(٢) ((أ)): أنت التي.
(٣) ليست في (أ)).
- ٢٨٠ -