Indexed OCR Text

Pages 241-260

كان أهل مدين قوماً عرباً يسكنون مدينتهم (مدين)) التي هي قريبة (١) من
أرض معَان من أطراف الشام ، مما يلي ناحية الحجاز قريباً من بحيرة قوم لوط ، وكانوا
بعدهم بمدة قريبة . ومدين قبيلةٌ عُرفت بهم (٢) وهم من بني مَذْين بن مديان بن
إبراهيم الخليل .
وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (٢) بن يَشْجن ، ذكره ابن إسحق .
قال : ويقال له بالسريانية يترون ، وفي هذا نظر . ويقال شعيب بن يشخر
ابن لاوي بن يعقوب ويقال شُعيب بن نُوَیب بن عیفا (٤) بن مَذْین بن إبراهيم ، ویقال
شُعيب بن صيفور بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم ، وقيل غير ذلك في
نسبه .
قال ابن عساكر : ويقال جَدَّته ، ويقال أمه ، بنت لوط .
وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق .
وعن وهب بن منِّه أنه قال : شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق
بالنار ، وهاجرا معه إلى الشام ، فزوَّجَهُمَا بنتَيْ لوط عليه السلام .
ذكره ابن قتيبة .
وفي هذا كله نظر . والله تعالى أعلم .
وذكر أبو عمر ابن عبد البَرّ في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد (٥)
العَنزي: أنه قدم على رسول الله عَ ليه فأسلم وانتسب إلى عَنْزة، فقال : نعم الحي
عنزة ، مَبغَيّ (٦) عليهم منصورون رَهْط (٧) شعيب وأخْتَانُ (٨) موسى)).
فلو صح هذا الدل على أن شعيباً صِهْر(٩) موسى وأنه من قبيلة من العرب
(١)
المطبوعة : قرية . محرفة .
(٦) ((أ)) : يبغي .
(٢)
المطبوعة: مدينة عرفت بها القبيلة. (٧) ((ط)): قوم شعيب.
(٣) ((ط)) : مكيل .
(٨) الأختان: جمع ختن وهو الصهر . وفي المطبوعة : وأحبار . محرفة .
(٤) ((أ)) : غبها .
(٩) ((ط)) : من موسى. محرفة .
(٥) ((أ)): سعيد. وهي رواية. كما قال ابن الأثير أسد الغابة ٣٣٦/٢.
- ٢٤١ -

العاربة يقال لهم عَنزة ، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن
عدنان ، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل . والله أعلم .
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حِبَّان في ذكر الأنبياء والرسل
قال: أربعة من العرب: ((هود وصالح وشعيب ونبيُّك يا أبا ذر)).
وكان بعض السلف يسمى شُعيباً خطيبَ الأنبياء . يعني لفصاحته وعلوّ
عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإِيمان برسالته .
وقد روى إسحاق بن بشر عن جُوبَير ومقاتل، عن الضَّحاك، عن ابن
عباس قال: كان رسول الله عَ لّه إذا ذكر شعيباً قال: ((ذاك خطيب الأنبياء)).
وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيلَ ويخيفون المارة ، ويعبدون الأيكة ، وهي
شجرة من الأيك حولها غَيْضة ملتقّة بها .
وكانوا من أسوأ الناس معاملةً ، يبخسون المكيال والميزان ، ويطفِّفون فيهما ،
يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص .
فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى
عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بَخْس
الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبُلهم وطرقاتهم ، فآمن به بعضُهم وَكَفر أكثرهم ،
حتى أحلّ الله بهم البأس الشديد. وهو الوليُّ الحميد.
كما قال تعالى: ﴿وإلى مَدْيَن أخاهم شعيباً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم
من إله غيره قد جاءتكم بينةٌ من ربكم ﴾ أي دلالة وحجة واضحة ، وبرهان قاطع
على صِدْق ما جئتكم به وأنه أرسلني ، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات
التي لم يُنقل إلينا تفصيلها(١)، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالاً .
فَأوفوا الكيلَ والميزان بالقِسْط ولا تَبْخسوا الناسَ أشياءهم ولا تُفسدوا في
الأرض بعدَ إصلاحها ﴾ .
(١) ((ط)): لم تنقل إلينا تفصيلاً.
- ٢٤٢ -

أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم ، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال :
ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ [ أي طريق](١)
توعدون﴾ أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مُكُوس وغير ذلك وتخيفون
السبل .
قال السِّدي في تفسيره عن الصحابة: ﴿ ولا تَقعدوا بكل صراط توعدون
أنهم كانوا يأخذون العُشورَ من أموال المارّة .
وقال إسحاق بن بشر عن جُوَيبر عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كانوا
قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق ، يبخسون الناس ، يعني يُعَشِّرونهم(٣) وكانوا أول
من سن ذلك .
وتَصُدُّون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً﴾ نهاهم (٣) عن قطع
الطريق الحسية الدنيوية ، والمعنوية الدينية .
--
واذكروا إذ كنتم قليلاً فكفَّركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ﴾
ذكّرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذَّرهم نقمة الله بهم إن (٤)
خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه . كما قال لهم في القصة الأخرى : ﴿ولا تَنْقصوا
المكيال والميزان إني أراكم بخير ، وإني أخاف عليكم عذابَ يوم محيط ﴾ أي لا تركبوا ما أنتم
عليه وتستمروا فيه(٥) فيمحق الله [ بركة ](٦) ما في أيديكم (٧)، ويُفْقركم ويذهب ما
به یغنیکم .
وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ، ومن جمع له هذا وهذا ، فقد باء بالصفقة
الخاسرة !
(١) سقطت من ((أ)).
حسـ
(٢) يعشرونهم : بضم الياء وكسر الشين المشددة ، وبفتح الباء وكسر الشين مخففة : يأخذون العشر من
(٥) ((أ)) : به .
أموالهم .
(٣) ((أ)): فنهاهم.
(٦) سقطت من (( أ)).
(٤) ((أ)) : وإن .
(٧) ((أ)): ما بأيديكم.
- ٢٤٣ -

فنهاهم أولاً عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف ، وحذّرهم سَلْب نعمة الله عليهم
في دنياهم ، وعذابه الأليم في أخراهم، وعَنَّفهم أشدَّ تعنيف .
ثم قال لهم آمراً بعد ما كان عن ضده زاجراً: ﴿ويا قومٍ أوفوا المكيالَ والميزان
بالِقِسْط ولا تَبْخسوا الناس أشياءهم ولا تَعْثوا في الأرض مفسدين . بَقِيَّةُ الله خيرٌ لكم
إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ .
قال ابن عباس والحسن البصري: ﴿ بقية الله خير لكم﴾ أي رزق الله خير
لكم من أُخِذِ أموال الناس . وقال ابن جرير : ما يَفْضُل(١) لكم من الربح بعد وفاء
الكيل والميزان ، خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف . قال : وقد روي هذا
عن ابن عباس .
وهذا الذي قاله وحكاه حسنٌ ، وهو شبيه بقوله تعالى : ﴿ قل لا يستوي
الخبيثُ والطيِّب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾(٢) يعني أن القليل من الحلال خير
لكم من الكثير من الحرام ، فإن الحلال مبارَك وإن قَلّ ، والحرام ممحوق وإن كَثّر .
كما قال تعالى: ﴿ يَمْحِقُ الله الربا ويُرْبِي الصدقات﴾(٣).
وقال رسول الله عَ لِ: ((إن الربا وإن كَثر فإن مصيره إلى قُلّ)).
رواه أحمد (٤) . أي إلى قلة .
وقال رسول الله عَ له: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صَدقا وبيَّنا بورك
لهما في بَيْعهما ، وإن كَتما وكذبَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعهما))(٥) .
والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قَلَّ، والحرام لا يُجْدي وإن كثر .
(١) ((ط)) : ما فضل .
(٢) سورة المائدة ١٠٠ .
(٣) سورة البقرة ٢٧٦ .
(٤) رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود من طريقين ونصه في الأول: ((فإن عاقبته تصير إلى
قل)) وفي الثاني: ((فإن عاقبته إلى قل)). المسند ٣٩٥/١، ٤٢٤.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب البيوع من صحيحه باب البيعان بالخيار من سبعة طرق عن حكيم بن حزام
وعبد الله بن عمر. ومسلم في صحيحه كتاب البيوع أحاديث رقم ٤٣ ، ٤٦، ٤٧ .
- ٢٤٤ -

ولهذا قال نبي الله شُعَيب: ﴿ بقيةُ الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ .
:
وقوله : ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله
ورجاء ثوابه ، لا لأُراكم أنا وغيري .
قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في
أموالنا ما نشاء، إنك لأنت الحليمُ الرشيد ﴾ يقولون هذا على سبيل الاستهزاء
والتنقص والتهكم : أصلاتك هذه التي تصليها ، هي الآمرة لك بأن تَحْجر علينا فلا
نعبد إلا إلهك؟ ونترك(١) ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون؟ أو أن(٢) لا نتعامل
إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ، ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن
نرضاها ؟!
﴿ إنك لأنت الحليمُ الرشيد﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جُرَيج
وزيد بن أسلم وابن جرير : يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء .
قال يا قوم أرأيتم إن كنتُ على بيِّنة من ربِّي ورزقني منه رزقاً حسناً وما
أريدُ أن أُخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي
إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أنيب ﴾ .
هذا تلطف (٣) معهم في العبارة ، ودعوة لهم إلى الحق بأَبْيَن إشارة .
يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون: ﴿إن كنت على بينة من ربي ﴾ أي على
أمر بيِّن من الله تعالى أنه أرسلني إليكم ، ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ يعني النبوة
والرسالة ، يعني وعمَّى عليكم معرفتها ، فأي حيلة لي فيكم (٤)؟
وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سَواء .
وقوله: ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ أي لست (٥) آمركم بالأمر
(١) ((أ)) : ونذر .
(٢) ((أ)): أو أنا .
(٣) ((أ)): تلاطف.
(٤) ((أ)) : بكم .
(٥) ((أ)) : ليس.
- ٢٤٥ -

إلا وأنا أول فاعل له ، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه .
وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة ، وضدها هي المردودة الذميمة ، كما تلبّس
بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم ، وخطباؤهم الجاهلون . قال الله تعالى :
أتأمرون الناسَ بالبِرِّ وَتَنْسَون أنفسكم وأنتم تتلون الكتابَ أفلا تعقلون؟﴾(١)
وذكرنا (٢) عندها في الصحيح عن رسول الله عَ لهم أنه قال: ﴿يؤتي بالرجل فُيُلقى
في النار فتندلق أقْتاب بطنه ـ أي تخرج أمعاؤه من بطنه ـ فيدور [ بها](٣) كما
يدور الحمار برحَاه ، فيجتمع أهل النار فيقولون : يا فلان ما لك ؟ ألم تكن تأمر
بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى. كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن
المنكر وآتيه)) (٤).
وهذه(٥) صفة مخالفي الأنبياء من الفجار [ و](٦) الأشقياء ، فأما السادة
من النجباء ، والألبّاء من العلماء ، الذين يخشون ربهم بالغيب ، فحالهم كما قال نبي
الله شعيب: ﴿وما أريدُ أن أخالفَكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاحَ ما
استطعتُ﴾ أي ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفَعَال والمقَال بجهدي
وطاقتي .
وما توفيقي﴾ أي في جميع أحوالي ﴿ إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ﴾
أي عليه أتوكل في سائر الأمور ، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري . وهذا مقام
ترغيب .
ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: ﴿ويا قومٍ لا يَجْرِمِنَّكُمْ شِقَاقي أن
(١) سورة البقرة ٤٤ .
(٢) ((ط)): وذكر عندها.
(٣) سقطت من ((أ)).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد في كتاب بدء الخلق باب صفة النار ٩٥/٢ (ط
الأميرية ) وكتاب الفتن .
(٥) ((أ)) : فهذه .
(٦) من ((أ)).
- ٢٤٦ -

يُصيبكم مثلُ ما أصاب قومَ نوح أو قومَ هود أو قوم صالح ، وما قومُ لوطٍ منكم
ببعيد ﴾ .
أي لا يحملنَّكم مخالفتي وبُعْضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم
وجهلكم ومخالفتكم، فُيُحِلُّ الله بكم من العذاب والنَّكال، نظير ما أحله بنظرائكم
وأشباهكم ، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين .
وقوله : ﴿ وما قومُ لوطٍ منكم ببعيد﴾، قيل معناه : في الزمان ، أي ما
بالعهد من قِدَم ، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتّهم . وقيل معناه : وما
هم منكم ببعيد في المحَلَّة والمكان . وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات ، من
قطع الطريق ، وأخذ أموال الناس جَهْرَة وخفية بأنواع الحيل والشبهات .
والجمع بين هذه الأقوال ممكن: فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم(١) لا زماناً ولا
مكاناً ولا صفات .
ثم مزَج الترهيب بالترغيب: ﴿ واستغفروا رَبَّكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم
ودود ﴾ أي أقلعوا عما أنتم فيه ، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود ، فإنه من تاب إليه
تاب عليه ، فإنه رحيم بعباده ، أرحم بهم من الوالدة بولدها، ﴿ ودود ﴾ وهو
الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ، ولو من الموبقات العِظَام !
قالوا يا شُعَيب ما نَفْقَهُ كثيراً مما تقول وإنا لنَراك فينا ضعيفاً ﴾.
روي عن ابن عباس وسعيد بن جُبير والثَّوريّ أنهم قالوا : كانَ ضرير البصر .
وقد روي في حديث مرفوع: أنه بكى من حب الله حتى عَمِيَ ، فردَّ الله عليه
بصره، وقال: (( يا شعيب أتبكي خوفاً(٢) من النار؟ أو [ من ](٣) شوقك إلى
الجنة ؟ فقال : بل من محبتك (٤) ، فإذا نظرتُ إليك فلا أبالي ماذا يُصنع بي .
فأوحى [ الله ](٥) إليه: هنيئاً لك يا شعيب لقائي، فلذلك أَخْدَمْتُكَ موسى بن
(١) ((أ)): فإنهم غير بعيدين.
(٢) ((أ)): من خوفك من النار.
(٣) ليست في ((أ)) .
(٤) ((أ)) : فقال لمحبتك.
(٥) ليست في ((أ)) .
- ٢٤٧ -

عمران كَلِيمي )).
رواه الواحديّ عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي ، عن علي بن الحسن
ابن ◌ِنْدَار ، عن عبد الله محمد بن إسحق الرملي عَن هشام بن عمار ، عن إسماعيل
ابن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شَدَّاد بن أوس (١) عن النبي عَ ◌ّم بنحوه.
وهو غريب جداً ، وقد ضعَّفه الخطيب البغدادي .
وقولهم: ﴿ ولولا رَهْطك لرجَمْنَاك وما أنت علينا بعزيز ﴾ هذا من كفرهم
البليغ ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: ﴿ ما نَفْقَه كثيراً مما تقول ﴾ أي ما نفهمه
ولا نعقله ، لأنه لا نحبه ولا نريده ، وليس لنا همة إليه ، ولا إقبال عليه.
وهو كما قال كفار قريش لرسول الله عَ ليه: ﴿وقالوا قلوبنا في أُكِنَّة مما تدعونا
إليه وفي آذاننا وَقْر ، ومن بيننا وبينك حِجَاب، فاعمل إننا عاملون﴾(٢).
وقولهم : ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً﴾ أي مضطهداً مهجوراً ﴿ولولا
رهطك ﴾ أي قبيلتك وعشيرتك فينا ﴿ لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾.
﴿ قال يا قوم أرَهْطِي أعزُّ عليكم من الله ﴾ أي تخافون قبيلتي وعشيرتي
وَتَرْعَوْنَنِي بسببهم ، ولا تخافون عذاب الله ؟ ولا تراعونني لأني رسول الله ؟ فصار
رهطي أعز عليكم من الله ﴿واتخذتموه وراءكم ظِهِريًّا﴾ [ أي جانب الله وراء
ظهوركم ] (٢) ﴿إِنَّ رِّي بما تعملون محيط﴾ أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه ،
محيط بذلك كله ، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه .
ويا قوم اعملوا على مَكانتكم إني عاملٌ فسوف تعلمون . من يأتيه عذابٌ
يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ﴾ .
هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد ، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم
(١) المطبوعة : ابن أمین . وهو تحريف .
(٣) سقطت من ((أ)).
(٢) سورة فصلت ٥ .
- ٢٤٨ -

وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له جنة الله (١) ومن يحل عليه الهلاك والبوار
﴿ من يأتيه عذابٌ يُخْزيه﴾ أي في هذه الحياة الدنيا ﴿ويحلّ عليه عذاب مقيم﴾
أي في الأخرى(٢) ﴿ ومَنْ هو كاذبٌ﴾ أي مني ومنكم فيما أخبر وبشَّر وحذَّر.
وارتقبوا إني معكم رقيب﴾ هذا كقوله: ﴿وإنْ كان طائفة منكم آمنوا
بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ، فاصبروا حتى يَحْكُم الله بيننا وهو خير
الحاكمين ﴾
قال الملأ الذين استكبروا من قومه لَنخرجنَّك يا شُعيبُ والذين آمنوا معك
من قريتنا أو لَتعودُنَّ في مِلّتنا قال أولو كما كارهين . قد افترينا على الله كذباً إن عُدْنا
في ملتكم بعد إذ نجَّانا الله منها، وما يكونُ لنا أن نعودَ فيها إلا أن يشاء اللهُ رُنَا، وَسِعَ
ربُّنا كلَّ شيء عِلْماً، على الله توكلنا ربنا افتحْ بيننا وبين قَوْمنا بالحق وأنت خير
الفاتحین
طلبوا بزعمهم أن يردُّوا من آمن منهم إلى ملتهم ، فانتصب شعيب
للمحاجّة(٣) عن قومه فقال: ﴿ أولو كنا كارهين؟﴾ [ أي ](٤) هؤلاء لا يعودون
إليكم اختياراً ، وإنما يعودون إليكم إن عادوا ، اضطراراً مكرهين ، وذلك لأن الإِيمان
إذا خالطت بشاشته القلوبَ لا يَسْخطه أحد ، ولا يرتدّ أحد عنه ، ولا مَحيد لأحد
منه .
ولهذا قال: ﴿ قد افتريَّنَا على الله كَذِباً إن عُدْنا في مِلتكم بعد إذ نجَّانا اللهُ
منها ، وما يكون لنا أن نعودَ فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كلَّ شيء علماً،
على الله توكلنا ﴾ أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجأنا في جميع أمرنا .
(١) هكذا بالأصل . وقد كنت جعلتها في طبعتي السابقتين : عاقبة الدار رعاية للفاصلة التي يحرص عليها
ابن کثیر .
(٢) ((أ)): في الآخرة.
(٣) ((ط)): للمحاربة.
(٤) ليست في ((أ)) .
- ٢٤٩ -

ثم استفتح على قومه ، واستنصر ربَّه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم
فقال: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بيننا وبين قَومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ أي الحاكمين.
فدعا عليهم ، والله لا يَرد دعاءَ رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ،
ورسولَه خالفوه .
ومع هذا صمُّوا على ما هم عليه مشتملون ، وبه متلبسون: ﴿ وقال الملأ
الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شُعيباً إنكم إذاً لخاسرون﴾.
قال الله تعالى: ﴿ فأخذتهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جائمين﴾ ذكر في
سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة ، أي رجفت بهم أرضهم ، وزلزلت زلزالاً شديداً
أزهقت أرواحهم من أجسادها ، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها ، وأصبحت
جثثهم جائيةً ، لا أرواح فيها ولا حركات بها ، ولا حواس لها .
وقد جمع الله عليهم أنواعاً من العقوبات ، وصنوفاً من المَثْلات(١)، وأشكالاً
من البَلِيَّات ، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات ، سلَّط الله عليهم رجفة شديدة
أسكنت الحركات ، وصيحةً عظيمة أخمدت الأصوات ، وظُلَّة أرسل عليهم منها
شَرر النار من سائر أرجائها والجهات .
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طِبَاقها ، في
سياق قصة الأعراف أرجفوا نبيَّ الله وأصحابه ، وتوعدهم بالإِخراج من قريتهم ، أو
ليعودن في ملتهم راجعين . فقال تعالى: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم
جائمين ﴾ فقابل الإِرجافَ بالرجفة ، والإِخافة بالخيفة ، وهذا مناسب لهذا السياق
ومتعلق بما تقدمه من السِّبَاق .
وأما في سورة هود : فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين
وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: ﴿أصلاتك تأمرك
أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ؟
فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزَّجْر عن تعاطي هذا الكلام القبيح ، الذي
(١) المثلات : جمع مثلة وهي العقوبة .
- ٢٥٠ -

واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح ، فجاءتهم صيحة (١) أسكتتهم [ مع
رجفة أسكنتهم ](٢) .
وأما في سورة الشعراء : فذكر أنه أخذهم عذاب [ يوم ](٢) الظُّلة، وكان
ذلك إجابة لما طلبوا ، وتقريباً إلى ما إليه رَغِبوا ، فإنهم قالوا: ﴿إنما أنت من
المسحَّرين * وما أنت إلا بشرٌ مثلنا وإنا نظنك لَمن الكاذبين « فَأَسْقط علينا كِسَفاً
من السماء إن كنت من الصادقين . قال ربِّي أعلمُ بما تعملون ﴾.
قال الله تعالى وهو السميع العليم : ﴿ فكذَّبوه فأخذهم عذابٌ يوم الظُّلة إنه
كان عذابَ يوم عظيم ﴾ .
ومن زعم من المفسرين [ كقتادة ](٢) وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى
غير أهل مَدْين ، فقوله ضعيف .
وإنما عُمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: ﴿ كذَّب أصحاب الأيكة المرسلين
* إذ قال لهم شُعَيب﴾ ولم يقل أخوهم كما قال: ﴿وإلى مَدْين أخاهم شعيباً﴾.
والثاني : أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة ، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة .
والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿ كذَّب أصحاب الأيكة
المرسلين ﴾ لأنه وصفهم بعبادة الأَيْكة، فلا يناسب ذكر الأخوة ها هنا، ولمَّا
نسبهم إلى القبيلة ساغ(٣) ذكر شعيب بأنه أخوهم.
وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة .
وأما احتجاجهم بيوم الظلة ، فإنْ كان دليلاً بمجرده على أن هؤلاء أمة
أخرى ، فليكن تَعْدَاد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أمتان أخريان ،
وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئاً من هذا الشأن .
(١) ((أ)): فجاءهم في صيحة.
(٢) سقطت من ((أ)).
(٣) المطبوعة : فشاع. وهو تحريف .
- ٢٥١ -

[ فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه
السلام ، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن أبيه ، عن معاوية بن هشام ،
عن هشام بن سعد ، عن شَقِيق بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سيف ، عن عبد الله
ابن عمرو مرفوعاً: ((إن قوم مَدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً
النبي عليه السلام )) .
فإنه حديث غريب . وفي رجاله من تُكِلَّم فيه . والأشبه أنه من كلام عبد
الله بن عمرو ، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل . والله
أعلم ](٢) .
ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذَمة ما ذكره عن أهل مدين من
التطفيف في المكيال والميزان ، فدل على أنهم أمة واحدة ، أهلكوا بأنواع من
العذاب . وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب .
وقوله : ﴿ فأخذهم عذابٌ يوم الظُّلة إنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ ذكروا أنهم
أصابهم حر شديد ، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام ، فكان لا ينفعهم مع
ذلك ماء ولا ظل ، ولا دخولهم في الأسراب ، فهربوا من محلتهم إلى البِرِّية ، فأظلتهم
سحابة ، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها ، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشَرر
وشُهب، ورجّفت بهم الأرض ، وجاءتهم صيحة من السماء ، فأزهقت الأرواح ،
وخربت الأشباح .
فأصبحوا في دارهم جائمين » الذين كذبوا شعيباً كأن لم يَغْنَوا فيها الذين
كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ ونجى الله شُعيباً ومن معه من المؤمنين ، كما قال
تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ ولما جاء أمْرُنا نجَّيْنا شُعيباً والذين آمنوا معه برحمةِ
منا ، وأخذت الذين ظلموا الصيحةُ فأصبحوا في ديارهم جائمين » كأن لم يَعْنَوا فيها
ألا بُعْداً لمدينَ كما بَعِدَتْ ثمود ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً
(١) سقط من ((أ)).
- ٢٥٢ -

لخاسرون ، فأخذتهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جائمين » الذين كذَّبوا شعيباً كأن لم
يَغْنوا فيها ، الذين كَذِّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لئن
اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون﴾ .
ثم ذكر تعالى عن نبيهم : أنه نعاهم إلى أنفسهم مونخاً ومؤنباً ومقرِّعاً ، فقال
تعالى : ﴿ فتولَّی عنهم وقال یا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحتُ لكم فكيف
آسَى على قوم كافرين ﴾ .
أي أعرض عنهم مولِّياً عن محلتهم بعد هلكتهم قائلاً: ﴿ يا قوم لقد أبلغتكم
رسالاتِ ربي ونصحتُ لكم ﴾. أي قد أديت ما كان واجباً عليَّ من البلاغ التام
والنصح الكامل ، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه ، فلم
ينفعكم ذلك ، لأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ، فلست
[ أتأسف ](١) بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ، ولا تخافون يوم
الفضيحة .
ولهذا قال: ﴿ فكيف آسى﴾ [أي أحزن](١) ﴿ على قوم كافرين ﴾ أي لا
يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه(٢) فحلّ بهم من بأس الله الذي لا يُرَدّ
ما لا يدفع ولا يمانَع، ولا مَحِيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص منه(٣).
[ وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس : أن شعيباً عليه
السلام كان بعد يوسف عليه السلام . وعن وهب بن منّه : أن شعيباً عليه السلام
مات بمكة ومن معه من المؤمنين ، وقبورهم غربيّ الكعبة بين دار الندوة ودار بني
سهم ] (٤) .
(١) سقطت من ((أ)).
(٢) ((أ)): عليه .
(٣) ((أ)) : عنه.
(٤) ليست في ((أ)).
- ٢٥٣ -

باب ذكر ذريَّة إبراهيم
عليه الصلاة والتسليم
قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم ، وما آل إليه أمره عليه الصلاة
والسلام والتحية والإكرام .
وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط ، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم
شعيب عليه السلام ، لأنها قرينتها في كتاب الله عز وجل في مواضع متعددة ، فذكر
تعالى بعد قصة قوم لوط ، قصةً مدين ، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح كما
قدمنا(١) ، فذكرناها تبعاً لها اقتداء بالقرآن العظيم .
ثم نشرع الآن في الكلام على تفضيل ذرية إبراهيم عليه السلام ، لأن الله جعل
في ذريته النبوة والكتاب ، فكل نبي أرسل بعده فمن ولده .
(١) ((أ)) : قدمناها .
- ٢٥٤ -

ذكر إسماعيل عليه السلام
وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ، ولكن أشهرهم الأخوان التَّبيان العظيمان
الرسولان ، أسَتُّهما وأجلُّهما : الذي هو الذبيح على الصحيح - إسماعيل بكر
إبراهيم الخليل من(١) هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل .
ومن قال : إن الذبيح هو إسحاق ، فإنما تلقاه من نَّقَلة بني إسرائيل الذين
بدَّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا التوراة والإنجيل ، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل ، فإن
إبراهيم أُمِرٍ بذبح ولدة البكر ، وفي رواية : الوحيد .
وأيَّامًا(٢) كان فهو إسماعيل بنص الدليل ، ففي نص كتابهم : أن إسماعيل ولد
ولإِبراهيم من العمر ست وثمانون سنة وإنما ولد إسحق بعد مضي مائة سنة من عمر
.
الخليل ، فإسماعيل هو البكر لا محالة ، وهو الوحيد صورةً ومعنى على كل حالة .
أما في الصورة ، فلأنه كان ولدَه أزْيَد من ثلاثة عشر سنة ، وأما أنه وحيد في
المعنى ، فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر ، وكان صغيراً رضيعاً - فيما
قيل - فوضعهما في وِهاد جبال فاران ، وهي الجبال التي حول مكة نِعْم المَقِيل ،
وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل ، وذلك ثقة بالله وتوكلاً عليه .
فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته ، فنعم الحسيب والكافي والوكيل الكفيل .
فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى . ولكن أين من يتفطَّن لهذا السر ؟
وأين من يَحُلّ بهذا المحل ؟ والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل !
وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم(٣) والصبر وصدق الوعد ، والمحافظة
على الصلاة ، والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب ، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب
(١) ((أ) : ابن هاجر.
(٢) ((أ)): وأيما كان.
(٣) ((أ)): بالعلم .
- ٢٥٥ -

الأرباب، قال الله تعالى: ﴿ فبشَّرناه بغلامٍ حَليم . فلما بلغ معه السَّعي قال يا بنيّ
إني أُرى في المنام أني أَذْبَحُكَ فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تُؤْمَر ، ستجدني
إن شاء الله من الصابرين ﴾(١) فطاوع أباه على ما إليه دعاه ، ووعده بأن سيصبر ،
فوفى بذلك وصبر على ذلك .
وقال تعالى: ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيلَ إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً
نبيًّا * وكان يأمرُ أهلَه بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيًّا﴾(٢) وقال تعالى:
واذكر عبادنا إبراهيمَ وإسحق ويعقوبَ أولي الأيدي والأبصار « إنا أحْلَصْنَاهم
بخالصةٍ ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المُصْطَفَيْنَ الأخيار * واذكر إسماعيل واليسعَ
وذا الكِفْلِ وكلٌّ من الأخيار﴾(٣) وقال تعالى: ﴿وإسماعيلَ وإدريسَ وذا الكِفْلِ كلّ
من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾(٤) وقال تعالى: ﴿إنا
أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط ﴾ (٥) الآية .
[ وقال تعالى: ﴿ قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ (٦) الآية. ونظيرتها من السورة الأخرى ](٧) وقال
تعالى: ﴿أَمْ تقولون إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً
أو نصارى ، قل أأنتم أعلم أم الله .. ﴾(٨) الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة ، وجعله نبيه ورسوله ، وبرأه من كل ما نسب
إليه الجاهلون ، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون .
وذكر علماء النَّسب وأيام الناس : أنه أوَّل من ركب الخيل ، وكانت قبل
ذلك وحوشاً فآنسها (٩) وركبها . وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه : حدثنا
شيخ من قريش ، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن عمر ، أن
(١) سورة الصافات ١٠١، ١٠٢.
(٥) سورة النساء ١٦٣ .
(٢) سورة مريم ٥٤، ٥٥ .
(٦) سورة البقرة ١٣٦ .
(٣) سورة ص ٤٥ - ٤٨.
(٧) ليست في ((أ)).
(٤) سورة الأنبياء ٨٥، ٨٦.
(٨) سورة البقرة ١٤٠.
(٩) آنسها : جعلها تأنس الناس ولا تستوحش منهم .
- ٢٥٦ -

رسول الله عَّ له قال: ((اتخذوا الخيل واعتَقِبُوها(١) فإنها ميراث أبيكم إسماعيل)).
وكانت هذه العِرَاب وحوشاً(٢) فدعا لها بدعوته التي كان أُعطي فأجابته .
وأنه أول من تكلم بالعربية الفصحى البليغة ، وكان قد تعلّمها من العرب العاربة
الذين نزلوا عندهم بمكة من جُرْهم والعَماليق وأهل اليمن ، من الأمم المتقدمين من
العرب قبل الخليل .
قال الأموي : حدثني علي بن المغيرة ، حدثنا أبو عبيدة ، مِسْمَع بن مالك ،
عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي عَ له أنه قال: (( أول من فتَق
لسانه بالعربية البيّنة إسماعيلُ، وهو ابن أربع عشرة سنة)) ، فقال له يونس: صدقت
يا أبا سيار ، هكذا أبو جريّ حدثني (٣) .
وقد قدمنا أنه تزوج لما شبَّ [ امرأة ](٤) من العماليق ، وأن أباه أمره بفراقها
ففارقها . قال الأموي : [ هي ](٤) عمارة بنت سعد بن [ أسامة](٤) بن أكيل
العماليقي (٥). ثم نكح غيرها فأمره أن يستمرّ بها ، فاستمر بها ، وهي السيدة بنت
مُضَاض بن عمرو الجرهمي ، وقيل هذه ثالثة : فولدت له اثني عشر ولداً ذكراً، وقد
سماهم محمد بن إسحق رحمه الله [ وهم ](٦) نابت)، وقيذر ((٨) وإزيل ، وميشي،
ومسمع ، وماش ، ودوصا ، وأرر ، ويطور ، ونبش ، وطيما ، وقيذما . وهكذا
ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم ، وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيماً المبشَّر بهم ،
المتقدم ذكرهم . وكذبوا(٩) في تأويلهم ذلك .
تـ
(٢) (( أ)) : وحشا.
(١) اعتقبوها: توارثوها . وفي المطبوعة: اعتنقوها . محرفة .
(٣) قال الصالحي في سبل الهدى والرشاد ٣٥٧/١: إسناده حسن .
(٤) ليست في ((أ)).
(٥) ((أ)): العملاقي.
(٦) قال ابن دريد في الاشتقاق ص ٣٢: وانتسب النبي عَّل إلى عدنان وقال: ((كذب النسابون )» فما
بعد عدنان فهي أسماء سريانية لا يوضحها الاشتقاق . ولكن الصالحي في سبل الهدى والرشاد
٣٠٤/١ حاول أن يجعل لها اشتقاقاً.
(٧) كذا وهو عند النسابين قيذار. ومعناه كما قال السهيلي صاحب الإبل. سبل الهدى ٣٥٥/١.
(٨) أن تأويلهم .
- ٢٥٧ -

وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى أهل تلك الناحية وما والاها ، من قبائل
جُرهم والعَماليق وأهل اليمن ، صلوات الله وسلامه عليه . ولما حضرته الوفاة أوصى إلى
أخيه إسحاق، وزوج ابنته ((نسمة)) من ابن أخيه ((العيص)) (١) بن إسحاق ،
فولدت له الروم ، ويقال لهم بنو الأصفر ، الصفرة كانت في العيص . وولدت له
اليونان في أحد الأقوال . ومن ولد العيص الأشبان قيل منهما أيضاً . وتوقف ابن
جریر رحمه الله .
ودفن نبي الله إسماعيل بالحجر مع أمه هاجر ، وكان عمره يوم مات مائة
أوسبعاً وثلاثين سنة .
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : شكا إسماعيل عليه السلام إلى ربه
عز وجل حرَّ مكة ، فأوحى الله إليه : إني سأفتح لك باباً إلى الجنة إلى الموضع الذي
تدفن فيه ، يجري عليك رَوْحها إلى يوم القيامة .
وعربُ الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه : نابت وقيذار .
(١) ((أ)): من هو العيص بن إسحق ابن أخيه.
- ٢٥٨ -

ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم
عليهما الصلاة والتسليم
● قد قدمنا أنه ولد ولأبيه مائة سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة وكان
عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة .
قال الله تعالى: ﴿وبشَّرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين * وبارَكْنا عليه وعلى
إسحاق ومن ذريتهما مُحْسن وظالمٌ لِنَفْسِهِ مبين ﴾ .
وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غيرما آية من كتابه العزيز .
وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله عَ له: ((إن الكريم ابن الكريم
ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) .
وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج ((رفقا)) بنت توابيل(١) في حياة
أبيه ، كان عمره. أربعين سنة ، وأنها كانت عاقراً فدعا الله لها فحملت ، فولدت
توأمين: أولهما اسمه(٢) ((عيصو)) وهو الذي تسميه العرب ((العيص)) وهو والد
الروم . والثاني خرج وهو آخد بِعَقِب أخيه فسموه ((يعقوب )) وهو إسرائيل الذي
ينتسب إليه بنو إسرائيل .
قالوا : وكان إسحاق يحب عيصو أكثر من يعقوب ، لأنه بِكْره . وكانت
أمهما ((رفقا)) تحب يعقوب أكثر ، لأنه الأصغر .
قالوا : فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاماً ، وأمره
أن يذهب فيصطاد له صيداً ويطبخه له ، ليبارك عليه ويدعو له . وكان العيص
صاحب صيد، فذهب يبتغي ذلك ، فأمرت ((رفقا)) ابنها يعقوب أن يذبح
(١) ((أ)) : ثوايل.
(٢) ((ط)) : سموه.
- ٢٥٩ -

جَذْيَيْن من خيار غنمه ، ويصنع منهما طعاماً كما اشتهاه أبوه ، ويأتي إليه به قبل أخيه
ليدعو له ، فقامت فألبستْه ثيابَ أخيه ، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد
الجديين ، لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك . فلما جاء به وقربه
إليه قال : من أنت ؟ قال : ولدك. فضمه إليه وجَسَّه وجعل يقول: أمّا الصوت
فصوت يعقوب . وأما الجس والثياب فالعِيص ! فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون
أكبر إخوته قَدْراً ، وكلمته عليهم وعلى الشُّعوب بَعْده ، وأن يَكْثر رزقه وولده .
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه ، فقال له :
ما هذا يا بني ؟ قال: [ هذا ](١) الطعام الذي اشتهيته ، فقال: أما جئتَني به قَبْلَ
الساعة وأكلتُ منه ودعوتُ لك ؟ فقال : لا والله. وعرف أن أخاه قد سبقه إلى
ذلك ، فوجد في نفسه عليه وَجْداً كثيراً. وذكروا أنه توعده بالقتل إذا مات أبوهما،
وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى ، وأن يجعل لذريته غليظَ الأرض ، وأن يكثر أرزاقهم
وثمارهم .
فلما سمعت أمهما ما يتوعد به العيصُ أخاه يعقوبَ ، أمرت ابنها يعقوب أن
يذهب إلى أخيها ((لابان)) الذي بأرض حَرَّان ، وأن يكون عنده إلى حين يسكن
غضب أخيه ، وأن يتزوج من بناته . وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك
ویوصیه ويدعو له ، ففعل .
فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم ، فأدركه المساء
في موضع فنام فيه ، وأخذ حجراً فوضعه تحت رأسه ونام ، فرأى في نومه ذلك
معراجاً منصوباً من السماء إلى الأرض ، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون ، والرب
تبارك وتعالى يخاطبه ، ويقول له : إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك ، وأجعل لك هذه
الأرض ولِعَقِبِك مِنْ بعدك .
فلما هبَّ من نومه فرح بما رأى ، ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالماً لَيْنين في
(١) ليست في ((أ)).
(٢) الأصل والمطبوعة: تواعده. وهو تحريف. قال في القاموس: ((وتواعدوا واتعدوا. الأولى في الخير
والثانية في الشر)).
- ٢٦٠ -