Indexed OCR Text

Pages 181-200

الله ورسوله خلقاً كثيراً وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالي (١) دمشق
وعسكر بظاهرها عند برزَة ، وأظن مقامَ إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش
الخليل . والله أعلم .
ثم رجع مؤيداً منصوراً إلى بلاده ، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له
مكَرِّمين خاضعين ، واستقر ببلاده . صلوات الله وسلامه عليه .
(١) المطبوعة : شرقي دمشق .
- ١٨١ -

ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر
قال أهل الكتاب : إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيّبة ، وإن الله
بشَّره بذلك . وإنه لما كان لإِبراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة
لإبراهيم عليه السلام : إن الرب قد حرمني الولد ، فادخل على أمَتِي هذه لعل الله
يرزقني منها ولداً .
فلما وهبتْها له دخل بها إبراهيم عليه السلام ، فحين دخل بها حملت منه .
قالوا : فلما حملت ارتفعت نفسُها وتعاظمتْ على سيدتها ، فغارت منها [ سارة ](١)
فشكتْ ذلك إلى إبراهيم ، فقال لها : افعلي بها ما شئت . فخافت هاجر فهربت
فنزلت عند عين هناك . فقال لها ملك من الملائكة : [ لا تخافي فإن الله جاعلٌ من
هذا الغلام الذي حملتِ خيراً ](١) وأمرَها بالرجوع وبشَّرها أنها ستلِد ابناً وتسميه
إسماعيل ، ويكون وحشَ الناس ، يده على الكل ، ويد الكل به ، ويملك جميع بلاد
إخوته .
فشكرت الله عز وجل [ على ذلك ](١) .
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه ، فإنه
الذي به(٢) سادت العرب، وملكت جميع البلاد غرباً وشرقاً، وآتاها الله من العلم
النافع والعمل الصالح ما لم تؤتَ أمة من الأمم قبلهم ، وما ذاك إلا بشرف رسولها على
سائر الرسل ، وبركة رسالته ويُمْن سَفَارته(٣) وكاله فيما جاء به ، وعموم بعثته لجميع
أهل الأرض .
ولما رجعت هاجَر وضعت إسماعيلَ عليه السلام .
(١) ليست في ((أ)) .
(٢) ((ط )) : سادت به .
(٣) ((ط)): بشارته . والسفارة بفتح السين وكسرها: الإصلاح.
- ١٨٢ -

قالوا : وولدته ولإِبراهيم من العمر ست وثمانون سنة ، قبل مولد إسحاق
بثلاث عشرة سنة .
ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة ، فخر لله
ساجداً ، وقال له : قد استجبتُ لك في إسماعيل وباركت عليه وكثّته ونمَّيته(١) جداً
كثيراً(٢) ، ويولد له اثنا عشر عظيماً ، وأجعله رئيساً لشعب عظيم .
وهذه أيضاً بشارة بهذه الأمة العظيمة ، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء
[ الراشدون ](٣) الاثنا عشر، المبشَّر بهم في حديث عبد الملك بن عُمَير ، عن
جابر بن سمرة، عن النبي عَ ◌ّم قال: ((يكون اثنا عشر أميراً)). ثم قال كلمة لم
أفهمها ، فسألت أبي ما قال. قال: (( كلهم من قريش)).
أخرجاه في الصحيحين (٤) ..
وفي رواية: (( لا يزال هذا الأمر قائماً، وفي رواية عزيزا ، حتي يكون اثنا
عشر خليفة كلهم من قريش )) .
فهؤلاء منهم [ الأئمة ](٥) الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، ومنهم عمر
ابن عبد العزيز أيضاً ، ومنهم بعض بني العباس . وليس المراد أنهم يكونون(٦) اثني
عشر نسقاً بل لا بد من وجودهم .
وليس المراد الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد (٧) فيهم الرافضة ، الذين أولهم
علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامُرًّا - [ وهو محمد بن الحسن
العسكري فيما يزعمون ](٨) فإن أولئك لم يكن فيهم أنفعَ من عليٍّ وابنه الحسن بن
علي ، حين ترك القتال وسلَّم الأمر لمعاوية ، وأحمد نار الفتنة وسكن رحى الحرب (٩)
بين المسلمين ، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حُكم على الأمة في أمر من
(١) ((أ)): ويمنته .
(٣) ليست في ((أ)).
(٢) (أ)): كبيراً.
(٤) صحيح البخاري كتاب الأحكام ٢٤٨/٤ ( بحاشية السندي ) .
(٥) ليست في ((أ)).
(٦) المطبوعة : يكونوا . محرفة . وبهذا التحريف نقلها الذين ادعوا تحقيق هذا الكتاب !
(٧) ((أ)) : يعتقدون.
(٩) ((ط)) : الحروب.
(٨)| ليست في ((أ)) .
- ١٨٣ -

الأمور . وأما ما يعتقدونه بسرداب سامُرًّا ، فذلك هَوَس في الرءوس، وهذَيَان في
النفوس ، لا حقيقة له ولا عينَ ولا أثر !
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل، اشتدت غيرة سارَة
منها ، وطلبت من الخليل أن يغيِّبَ وجهها عنها ، فذهب بها وبولدها ، فسار بهما
حتى وضعهما حيثُ مكة اليومَ .
ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعاً .
فلما تركهما وولَّى ظَهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه ، وقالت : یا
إبراهيم أين تذهب وتدَعنا ها هنا وليس معنا ما يكفينا ؟ فلم يجبها فلما ألحّت عليه
وهو لا يجيبها قالت له: الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : فإذاً لا يضيعنا !
وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر : أن سارة
غضبت(١) على هاجر فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها الخليل أن تثقب
أذنيها ، وأن تَخْفِضَها فتبَرَّ قسمهَا .
قال السهيليّ : فكانت أول من اختتن من النساء ، وأول من ثقبت أذنها
منهن ، وأولت من طوَّلت ذيلها .
(١) ((أ)): تغضبت.
- ١٨٤ -

ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إساعيل وأمه هاجر إلى
جبال فاران وهي أرض مكة ، وبنائه البيت العتيق
قال البخاري : قال عبد الله بن محمد ــ وهو أبو بكر بن أبي شيبة - حدثنا
عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمر ، عن أيوب السَّخْتِياني وكثير بن كثير بن المطلب بن
أبي ودَاعة ، يزيد أحدهما على الآخر ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أول
ما اتخذ النساء المِنْطَق من قِبَلِ أمِّ إسماعيل ، اتخذت منطقاً لتعفِّي أثرها على سارة ،
ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند
دَوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء . فوضعهما
هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر ، وسقاء فيه ماء .
ثم فَّى (١) إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم أين تذهب
وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس(٢) ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا
يلتفت إليها ، فقالت له : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم
رجعت .
فانطلق إبراهيم ، حتى إذا كان عند الثَّنَّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه
البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنا إني أسكنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي
بوادٍ غيرِ ذِي زَرْعِ عندَ بيتك المحرَّم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةٌ من الناس
تَهْوِي إليهم ، وارزقهم من الثمراتِ لعلهم يَشْكُرُون﴾(٣).
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما
في السِّقاء عطشت وعطش اينها ، وجعلت تنظر إليه يتلوَّى (٤) - أو قال
يتلبط (٥) - فانطلقت كراهية أن تَنْظر إليه، فوجدت الصَّفا أقربَ جبل في الأرض
(١) ((أ)) : بقي .
(٢) ((أ)) : أنس .
(٣) سورة إبراهيم ٣٧.
(٤) ((ط)) : يلتوي .
(٥) ((أ)): يلبط .
- ١٨٥ -

يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً .
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت [ بطن ](١) الوادي رفعت طرف دِرْعها ، ثم
سعت سعيَ الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ،
ونظرت هلى ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً ، فعلت(٢) ذلك سبع مرات .
قال ابن عباس: قال النبي عَّ ◌َلّه: ((فلذلك سعَى الناسُ بينهما)).
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقال: صه ، تريد نَفْسَها . ثم تسمَّعت
فسمعت أيضاً ، فقالت : قد أسْمَعت إن كان عندك غُوَاث . فإذا هي بالملَكِ عند
موضع زمزم ، فبحث بِعقَبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء ، فجعلت
تحوِّضه وتقول بيدها هكذا . وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما
تغرف .
قال ابن عباس: قال النبي عَّ له: ((يرحم الله أمَّ إسماعيل! لو تركت
زمزم، أو قال لو لم تغرف من الماء ، لكانت زمزم عيناً مَعِيناً[ قال ](٣): فشربت
وأرضعت ولدها . فقال لها الملَكُ: لا تخافي الضَّعة فإن ها هنا بيتاً لله (٤) يبنيه هذا
الغلام وأبوه ، وإنّ الله لا يضيع أهله .
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية ، تأتيه السيولُ فتأخذ عن يمينه وعن
شماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم ، أو أهل بيت من جرهم ،
مقبلين من طريق كُدَاء ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً ، فقالوا : إنّ هذا
الطائر لَيَدور على ماء ، لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا(٢) أو جَرِيْن
فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا .
قال : وأُّ إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت :
نعم . ولكن لا حق لكم في الماء [عندنا ](٣) قالوا : نعم .
(١) ليست في (( أ)) .
(٢) ((ط)) : ففعلت .
(٣) ليست في ((أ)) .
(٤) ((أ)) : بيت الله بينى.
(٥) الجري : الرسول .
(٦) ليست في ((أ)) .
- ١٨٦ -

قال عبد الله بن عباس: قال النبي عَ ◌ّهِ: فَألْفَى ذلك أمّ إسماعيل وهي تحبّ
الأنس ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم .
وشبَّ الغلام وتعلَّم العربيةَ منهم ، وأَنَّفَسَهم(١) وأعجَبهم حين شَبَّ. فلما
أدركَ زوَّجوه امرأة منهم .
وماتت إم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد
إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا . ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم
فقالت: نحن بِشَرّ، [ نحن ](٢) في ضيق وشدة، وشكت(٣) إليه . قال : فإذا جاء
زوجك فاقرئي علیه السلام وقولي له یغیر عتبة بابه !
فلما جاء إسماعيل كأنه آنسَ شيئاً فقال : هل جاءكم من أحد ؟ فقالت :
نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنكَ فأخبرته ، وسألنى كيف عيشنا ؟ فأخبرتُه
أنَّا في جَهد وشدة . قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت: نعم ، أمرني أن أقرأ عليك
السلام ، ويقول لك غيِّر عتبة بابك . قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك فالحقي
بأهلك . وطلقها وتزوج منهم أخرى ، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله . ثم أتاهم بعدُ
فلم يجده ، فدخل على امرأته فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف
أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقال : نحن بخير وسَعَة ، وأثنت على الله عز
وجل . فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم . قال: فما شرابكم ؟ قالت : الماء .
قال: ((اللهم بارك لهم في اللحم والماء)).
قال النبي عَّةٍ: ((ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم [ حب ](٢)
لدعا لهم فيه)) [قال](٢) فهما لا يخلو (٤) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه .
قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، ومُريه يثبِّت عتبة بابه .
فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن
الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا
(١) أنفسهم : أعجبهم .
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) ((أ)): فشكت .
(٤) يخلو : يقتصر . والمراد : اللحم والماء .
- ١٨٧ -

بخير . قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن
تثبت عتبة بابك . قال : ذاك أبي وأنت العتبة ، أمرني أن أُمْسِكَك !
ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلاً له تحت
دَوْحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليها فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد(١)
ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر . قال : فاصنع ما أمرك به رُبُّك، قال:
وتُعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً. وأشار إلى
أكمَة مرتفعة على ما حولها .
قال : فعند ذلك رَفعا القواعدَ من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة
وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو
يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميع
العليم ﴾ .
قال : فجعلا(٢) يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل منا
إنك أنتَ السميعُ العليم ﴾(٣) .
ثم قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ،
حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن كثير بن كثير ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس
قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان ، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ، ومعهم
شَنَّة (٤) فيها ماء ، وذكر تمامه بنحوما تقدم(٥) .
وهذا الحديث من كلام ابن عباس ومؤشَّح برفع بعضه ، وفي بعضه غرابة ،
وكأنه مما تلقَّاه ابن عباس من الإسرائيليات ، وفيه أن إسماعيل كان رضيعاً إذ ذاك .
(١) ((أ)) .: بالولد الوالد وبالوالد الولد . وما هنا موافق لرواية البخاري.
(٢) ((أ)) : وجعلا.
(٣) صحيح البخاري ١٠٨/٢ (ط الأميرية) كتاب بدء الخلق باب ((يزفون النسلان في المشي)).
(٤) الشنة : القربة الخلق .
(٥) صحيح البخاري ١١٠/٢ ( ط الأميرية) .
- ١٨٨ -

وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله أن يختن ولدَه إسماعيل وكلُّ مَنْ عنده من
العبيد وغيرهم فختنهم ، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره ، فيكون عمر
إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة ، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في أهله ، فيدل على
أنه فَعله على وجه الوجوب . ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على
الرجال ، كما هو مقرر في موضعه .
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا
مغيرة بن عبد الرحمن القرشي ، عن أبي الزِّناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال
النبي عَّ له: اختتن إبراهيمُ النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُوم))(١).
تابعه عبد الرحمن بن إسحق عن أبي الزِّناد، وتابعه عَجْلان ، عن أبي
هريرة ، ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة(٢).
وهكذا رواه مسلم عن قتيبة(٣) .
وفي بعض الألفاظ: (( اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن
بالقَدُوم )» والقَدُوم هو الآلة ، وقيل موضع .
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين . والله أعلم ، لما سيأتي من الحديث
عند ذكر وفاته ، عن أبي هريرة عن رسول الله عَّ له أنه قال: ((اختتن إبراهيم وهو
ابن مائة وعشرين سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة )).
رواه ابن حبان في صحيحه .
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وأنه إسماعيل ، ولم يذكر في قَدمات
إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات: أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت
هاجر ، وكيف تركهم من حين صغر الولد - على ما ذكر - إلى حين تزويجه لا
ينظر في حالهم ، وقد ذُكر أن الأرض كانت تُطْوى له ، وقيل إنه كان يركب البراق
(١) بالقدوم : مخففة . قال التوريشتي : ومن المحدثين من يشدد وهو خطأ.
(٢) صحيح البخاري ١٠٦/٢ .
(٣) صحيح مسلم ٩٧/٧ ( ط استانبول ) كتاب الفضائل.
- ١٨٩ -

إذا سار إليهم ، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة
والحاجة الأكيدة ؟!
وكأن بعض هذا السياق متلقَّى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من
المرفوعات ، ولم يُذكر فيه قصة الذبيح ، وقد دلِّلنا على أن الذبيح هو إسماعيل على
الصحيح في سورة الصافات .
قصة الذبيح
قال الله تعالى: ﴿ وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سَيَهْدِين * ربِّ هَبْ لي من
الصالحين * فبشَّرناه بغلام حَلِيم " فلما بلغ معه السَّعْيَ قال يا بنيّ إني أرى في المنام
أني أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال : يا أبتِ افعل ما تُؤمر ستجدني إن شاء الله من
الصابرين * فلما أسْلَما وتله للجبين × وناديناه أن يا إبراهيمُ قد صَدَّقْتَ الرؤيا إنا
كذلك نَجْزِي المُحْسِنِين * إنَّ هذا لهو البلاءُ المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا
عليه في الآخرين = سلامٌ على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين
* وبشَّرناه بإسحق نبيًّا من الصالحين « وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن
١)
وظالم لنفسه مبین
يذكر تعالى [ عن ](٢) خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه ، سأل ربه أن
يَهب له ولداً صالحاً ، فبشره الله بغلام حليم ، وهو إسماعيل(٣) عليه السلام، لأنه
أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل . وهذا ما لا خلاف فيه
بين أهل الملل ، لأنه أول ولده وبِكْره .
وقوله: ﴿ فلما بلغ معه السعي﴾ أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه
كأبيه . قال مجاهد: ﴿ فلما بلغ معه السعي﴾ أي شبَّ وارتحل وأطاق ما يفعله
(١) سورة الصافات ٩٩ - ١١٣ .
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) ((أ)): اسحق . وهو تحريف.
- ١٩٠ -

أبوه من السعي والعمل .
فلما كان هذا ، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا ،
وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعاً: ((رؤيا الأنبياء وحي)) قاله عبيد بن عُمَير
أيضاً(١) .
وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه
على كِبَر، وقد طعن في السن ، بعد ما أُمِر بأن يُسْكنه هو وأمه في بلاد قَفْر (١)،
ووادٍ ليس به حَسِيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضَرْع. فامتثل أمرَ الله في ذلك،
وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلاً عليه ، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً ، ورزقهما من حيث
لا يحتسبان .
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه ، وهو
بكره ووحيده الذي ليس له غيره ، أجاب ربَّ وامتثل أمره وسارعَ إلى طاعته .
ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيبَ لقلبه وأهونَ عليه من أن يأخذه قسراً
ويذبحه قهراً: ﴿ قال يا بنيَّ إني أرى في المَنَام أني أذبحك فانظر ماذا ترى
فبادر الغلام الحليم ، سِرّ والده الخليل إبراهيم، فقال: ﴿ يا أبتِ افعل ما
تُؤمر سَتَجِدُني إن شاء الله من الصابرين ﴾. وهذا الجواب في غاية السَّداد والطاعة
للوالد ولرب العالمين .
قال الله تعالى: ﴿ فلما أَسْلما وتلَّه للجبين﴾ قيل: أسلما : أي استسلما
لأمر الله وعزما على ذلك . وقيل: وهذا من المقدَّم والمؤخر ، والمعنى: ﴿تله
للجبين ﴾ أي ألقاه على وجهه. قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال
ذبحه ، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير وقتَادة والضحاك . وقيل : بل
أضجعه كما تُضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض . ﴿وأسلمَا ﴾ أي
سمَّى إبراهيم وكَبَّر ، وتشهَّد الولد للموت . قال السُّديّ وغيره : أمرَّ السكين على
(٤) صحيح البخاري كتاب الوضوء باب التخفيف في الوضوء ٢٧/١ (ط الأميرية ).
(٥) كذا . ولعلها : في بلد قفر .
- ١٩١ -

حلقه فلم تقطع شيئاً . ويقال : جعل بينها وبين حَلْقه صفيحة من نحاس . والله
أعلم .
فعند ذلك نودي من الله عز وجل : ﴿أَنْ يا إبراهيمُ قد صَدَّقت الرؤيا ﴾ أي
قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ، ومبادرتك إلى أمر ربك ، وبَذْلك ولدَك
للقُرْبان ، كما سمحتَ ببدنك للنيران ، وكما مالك مبذولٌ للضِّيفان! ولهذا قال تعالى :
: إنّ هذا لهو البلاء المبين ﴾ أي الاختبار الظاهر البيّن .
وقوله: ﴿ وفدَيْنَاه بِذبْحٍ عظيم﴾ أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسَّره الله تعالى.
له من العوض عنه .
والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعْينَ أَقْرَنَ(١)، رآه مربوطاً بِسَمُرة في
ثَبِير . قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن
عباس ، قال : كبش قد رعَى في الجنة أربعين خريفاً . وقال سعيد بن جُبير : كان
يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثَبِير ، وكان عليه عِهْن(٢) أحمر . وعن ابن عباس:
هبط عليه من ثَبِير كبش أَعيَن أَقْرن له ثُغاء فذبحه ، وهو الكبش الذي قَرَّه ابن آدم
فتقبل منه .
رواه ابن أبي حاتم .
قال مجاهد : فذبحه بمنى ، وقال عُبَيد بن عُمير : ذبحه بالمقام .
فأما ما روي عن ابن عباس أنه كان وَعْلاً، وهن الحسن أنه كان تيساً من
الأَروى واسمه جرير ، فلا يكاد يصح عنهما .
ثم غالب ما ها هنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات . وفي القرآن كفاية
عما جرى من الأمر العظيم والاختبار (٣) الباهر، وأنه فُدِي بذبح عظيم ، وقد ورد في
الحديث أنه كان كبشاً .
(١) الأعين : العظيم سواد العين . والأقرن الكبير القرنين .
(٢) العهن : الصوف .
(٣) ((أ): والإخبار.
- ١٩٢ -

قال الإِمام أحمد : حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله مُسَافع(١)،
عن صفية بنت شيبة قالت : أخبرتني امرأة من بني سليم ولَّدَتْ عامة أهل دارنا
قالت: أرسل رسول الله عَّه إلى عثمان بن طلحة، وقالت مرة: إنها سألت
عثمان: لَمَ دعاك رسول الله عَّ له؟ قال: [قال لي رسول الله](٢): ((إني كنت
رأيت قَرْنَي الكبش حين دخلتُ(٣) البيتَ، فنسيت أن آمرك أن تخمِّرهما (٤)
فخمِّرْهما ، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلِي )).
قال سفيان : لم يَزَلْ قرنا الكبش [معلَّقين ](٥) في البيت حتى احترق البيت
فاحترقا (٦) .
وكذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقاً عند ميزاب الكعبة قد
يبس .
وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل ، لأنه كان هو المقيم بمكة وإسحق
لا نعلم أنه قَدِمها في حال صِغره . والله أعلم .
وهذا هو الظاهر من القرآن ، بل كأنه نصٌّ على أن الذبيح هو إسماعيل ،
لأنه ذكر قصة الذبيح(٧) ثم قال بعده: ﴿وبشَّرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين﴾.
ومَن جعله حالاً فقد تكلف ، ومستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات . وكتابهم فيه
تحريف ، ولا سيما ها هنا قطعاً لا محيد عنه ، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن
يذبح ابنه وحيدَه(1) وفي نسخة من المعرَّبة بِكْره إسحق ، فلفظة إسحق ها هنا
مُقْحَمة مكذوبة مفتراة ، لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر [إنما ](4) ذاك إسماعيل .
(١) الأصل والمطبوعة: عن خاله نافع وهو تحريف نقله كل الذين ادعوا تحقيق هذا الكتاب ! وما أثبته من
مسند أحمد ٣٨٠/٥ .
(٢) ما بين القوسين ليس في المسند ولا في نسخة ((أ)).
(٣) المسند : حيث دخلت .
(٤) تخمرهما : تغطيهما .
(٧) ((أ)): الذبح.
(٥) ليست في المسند ولا في ((أ)).
(٨) ((ط)) : ووحيده .
(٦) المسند ٣٨٠/٥.
(٩) من ((أ)).
- ١٩٣ -

وإنما حَمَلهم على هذا حسد العرب ، فإن إسماعيل والعرب الذين يسكنون
الحجاز الذين منهم رسول الله عَ ليه، وإسحق والد يعقوب - وهو إسرائيل -
الذي ينتسبون إليه ، فأرادوا أن يجُّوا هذا الشرف إليهم ، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه
وهم قومٌ بهت ولم يقرّوا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .
وقد قال بأنه إسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم ، وإنما أخذوه ــ والله
أعلم - من كعب الأحبار ، أو من صحف (١) أهل الكتاب .
وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب
العزيز ولا يفهم هذا من القرآن ، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه
إسماعيل .
وما أحسن ما استدل به ابن كعب القُرَظِيّ على أنه إسماعيل وليس بإسحق
من قوله: ﴿ فبشَّرناه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب﴾ [ قال ](٢) فكيف تقع
البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ، ثم يؤمر بذبح إسحق وهو صغير قبل أن
يولد له ؟
هذا لا يكون ، لأنه يناقض البشارة المتقدمة . والله أعلم .
وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله : ﴿ فبشرناها
بإسحق ﴾ جملة تامة ، وقوله: ﴿ومن وراء إسحق يعقوب﴾ جملة أخرى ليست
في حيز البشارة . قال : لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضاً إلا أن يعاد
معه حرف الجر ، فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو ، حتى يقال ومن
بعده بعمرو . وقال : فقوله: ﴿ومن وراء إسحق يعقوب ﴾ منصوب بفعل مضمر
تقديره : ووهبنا لإِسحق يعقوب .
وفي هذا الذي قاله نظر .
(١) ((أ)) : أو مصحف أهل الكتاب.
. (٢) (ليست في ((أ)).
- ١٩٤ -

ورجح أنه إسحق ، واحتج بقوله : ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال :
وإسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغيره هو وأمه بجبال مكة فكيف يبلغ معه
السعي ؟
وهذا أيضاً فيه نظر ، لأنه قد روي أن الخليل كان يذهب في كثير من
الأوقات راكباً البراق إلى مكة ، يَطَّلع على ولده وابنه ثم يرجع . والله تعالى أعلم .
فممن حكى القول عنه بأنه إسحق : كعب الأحبار . وروى عن عمر
والعباس وعلي وابن مسعود ، ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ، وعطاء
والشَّعبي ومقاتل وعُبَيْد بن عُمِير ، وأبي ميسرة وزيد بن أسْلم وعبد الله بن شَقِيق ،
والزهري والقاسم وابن أبي بُرْدة ومكحول ، وعثمان بن حاضر والسُّديّ والحسن
وقتادة ، وأبي الهُذَيل وابن سابط . وهو اختيار ابن جرير ، وهذا عجب منه وهو
إحدى الروايتين عن ابن عباس .
ولكن الصحيح عنه - وعن أكثر هؤلاء - أنه إسماعيل عليه السلام قال
مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس : هو
إسماعيل عليه السلام .
وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن قيس ،
عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال : المَفْدِيُّ إسماعيل ، وزعمت اليهود
أنه إسحاق وكذبت اليهود .
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد عن أبيه : هو إسماعيل . وقال ابن أبي حاتم :
سألت أبي عن الذبيح فقال : الصحيح أنه إسماعيل عليه السلام .
قال ابن أبي حاتم : وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة ، وأبي الطفيل
وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ، ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب ،
وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا : الذبيح هو إسماعيل عليه السلام .
وحكاه البغوي أيضاً عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء .
قلت: وروي عن معاوية، وجاء عنه: أن رجلاً قال لرسول الله عَ طي: يابن
- ١٩٥ -

الذبيحين . فضحك رسول الله عبد اللهٍ(١).
وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وكان الحسن
البصري يقول : لا شك في هذا .
وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي ، عن محمد
ابن كعب : أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذا كان معه
بالشام - يعني استدلاله بقوله بعد القصة(٢): ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء
إسحاق يعقوب﴾ - فقال له عمر : إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه ، وإني لأراه
كما قلت .
ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام ، كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه ،
وكان يرى أنه من علمائهم . قال: فسأله عمر بن عبد العزيز: أيُّ ابْنَي إبراهيم أُمِرَ
بذبحه ؟ فقال : إسماعيل والله يا أمير المؤمنين ، وإن اليهود لتعلم ذلك ، ولكنهم
يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي
ذكره الله منه لصبره لما أمر به ، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق ، لأن
إسحاق أبوهم .
وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في كتابنا التفسير ، ولله
الحمد والمنة .
L
(١) المستدرك للحاكم ٥٥١/٢ (ط حيدر آباد).
(٢) بالأصول : بعد العصمة . وهو تحريف .
- ١٩٦ -

ذكر مولد إسحاق عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿وبشَّرْناه بإسحق نبيًّا من الصالحين * وبارَكْنَا عليه وعلى
إسحق ومن ذريتهما مُحْسِنٌ وظالمٌ لنفسه مبين ﴾ .
وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارَّة لمّا مروا بهما مجتازين
ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ، ليدمِّروا عليهم لكفرهم وفجورهم ، كما سيأتي بيانه في
موضعه إن شاء الله تعالى .
قال الله تعالى: ﴿ ولقد جاءت رُسُلُنَا إبراهيمَ بِالْبُشْرِى ، قالوا سلاماً، قال
سلام فما لبث أن جاء بِعِجْلٍ حَنِيذ « فلما رأى أيديهم لا تَصِلُ إليه نَكِرهم
وَأَوْجَسَ منهم خِيفةً ، قالوا لا تَخَفْ إنا أُرْسِلْنَا إلى قوم لوط * وامرأته قائمةٌ
فضحكت فبشَّرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوبُ » قالت يا ويلتي أَّلِدُ وأنا
عجوزٌ وهدا بَعْلِي شيخاً إن هذا لشَيءٍ عجيب » قالوا أتعجَبين من أمر الله رحمةُ الله
وبركاتُه عليكم أهلَ البيتِ إنه حميدٌ مجيد﴾(١).
وقال تعالى: ﴿ونَبِّئُهم عن ضَيْف إبراهيمَ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً ، قال إنا
منكم وَجِلون " قالوا لا تَوْجَلْ إنا نبشّرُك بغلامٍ عليم * قال أَبَشَّرْتموني على أن مَسَّني
الكِبَرِ فبمَ تُبَشِّرُون ؟ قالوا بشَّرناك بالحق فلا تكن من القانطين » قال ومن يَقْنَطُ من
(٢
رحمة ربه إلا الضالون
(
وقال تعالى: ﴿وهل أتاكَ حديثُ ضَيْفِ إبراهيمَ المُكْرَمين * إذ دخلوا عليه
فقالوا سلاماً ، قال سلامٌ قوم مُنْكَرون « فراغَ إلى أهله فجاء بعجْلٍ سَمِين * فقرَّبه
إليهم قال ألا تأكلون * فَأَوْجَسَ منهم خيفة ، قالوا لا تخَفْ وبشّرُوه بغلامٍ عليم .
فأقبلت امرأَتُه في صَرّة فصكَّتْ وجهها وقالت عجوزٌ عقيم » قالوا كذلِكِ قال ربك
(١) سورة هود : ٦٩ - ٧٣ .
(٢) سورة الحجر ٥١ - ٥٦ .
- ١٩٧ -
٠

إنه هو الحكيم العليم ﴾(١)
يذكر تعالى: أن الملائكة - قالوا : وكانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل
وإسرافيل - لما وردوا على الخليل حسبهم [ أولاً ](٢) أضيافاً، فعاملهم معاملَة
الضيوف ، وشَوَى لهم عجلاً سميناً من خيار بقَره ، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم
ير لهم همةً إلى الأكل بالكلّية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام
﴿فَكِرِهم﴾ إبراهيم ﴿ وأوجس منهم خيفةً، قالوا لا تخَفْ إنا أُرسلنا إلى قوم
لوط﴾ أي لندمِّر عليهم . فاستبشرت عند ذلك سارةُ غضباً لله عليهم ، وكانت
قائمة على رءوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم ، فلما
ضَحِكت استبشاراً بذلك ، قال الله تعالى: ﴿ فبشَّرناها بإسحق ومن وراء إسحاق
يعقوب﴾ أي بشَّرتها الملائكة بذلك ﴿فأقبلت امرأته في صَرَّة﴾ أي في صرخة
فصكَّت وجهها﴾ أي كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: ﴿يا وَيْلَتَى أَلِدُ وأنا
عجوزٌ وهذا بَعْلِي شيخاً ﴾ أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضاً ، وهذا بعلي ،
أي زوجي ، شيخاً ؟ تعجَّت من وجود ولدٍ والحالةُ هذه . ولهذا قالت: ﴿ إن هذا
لشَيءٌ عجيب « قالوا : أتعجبين من أمر الله رحمةُ الله وبركاته عليكم أهلَ البيت إنه
حميد مجيد ﴾ .
وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشاراً بهذه البشارة وتثبيتاً لها وفرحاً
بها ، ﴿ قال أبشَّرتموني على أن مسّني الكِبَر فيم تبشرون » قالوا : بشَّرناك بالحق فلا
تكن من القانطين ﴾ أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه، فبشروهما ﴿بغلام
عليم﴾، وهو إسحق أخو إسماعيل ، غلام عليم مناسب لمقامه وصبره ، وهكذا
وصفه ربه بصدق الوعد والصبر، وقال في الآية الأخرى: ﴿فبشَّرناها بإسحق ومن
وراء إسحق يعقوب ﴾ .
وهذا مما استدل به محمد بن كعب القُرَظي وغيره على أن الذبيح هو
إسماعيل ، وأن إسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود
(١) سورة الذاريات ٢٤ - ٣٩.
(٢) من ((أ)).
٠
- ١٩٨ -

ولده يعقوب المشتق من العَقِب من بعده .
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ ، وهو المشوي ، رغيفاً من
مكة فيه ثلاثة أكيال وسمن ولبن ، وعندهم أنهم أكلوا ، وهذا غلط محض ، وقيل :
كانوا يُرون أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء .
وعندهم أن الله تعالى قال لإِبراهيم : أما سارا امرأتك فلا يُدْعى اسمها سارا
ولكن اسمها سارة ، وأبارك عليها وأعطيك منها ابناً ، وأباركه ويكون الشعوب وملوك
الشعوب منه . فخرَّ إبراهيم على وجهه - يعني ساجداً - وضحك قائلاً في
نفسه : أبعدَ مائة سنة يولد لي غلام ؟ أوَسارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة ؟!
وقال إبراهيم الله تعالى : ليت إسماعيل يعيش قدامك . فقال الله لإبراهيم :
بحق إن امرأتك سارة تلد لك غلاماً وتدعو اسمه إسحق إلى مثل هذا الحين من
قابل، وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولِخَلفه من بعده ، وقد استجبت لك في إسماعيل
وباركت عليه وكثّته ونمَّيته جداً كثيراً ، ويولد له اثنا عشر عظيماً وأجعله رئيساً
لشعب عظيم .
وقد تكلمنا على هذا بما تقدم . والله أعلم .
فقوله تعالى: ﴿ فبشَّرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ﴾ دليل على أنها
تستمتع بوجود ولدها إسحق ، ثم من بعده بولد ولده يعقوب . أي يولد في حياتهما
لتقر أعينهما به كما قرت بولده . ولم لم يُرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص
التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحق فائدة ، ولما عيِّن بالذكر دل على أنهما
يتمتعان به ويُسَرَّان بولده كما سُرَّ بمولد أبيه من قبله. وقال تعالى: ﴿ ووهبنا له
إسحق ويعقوب كُلَّا هدَيْنَا﴾ وقال تعالى: ﴿ فلمَّا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله
وهَبْنَا له إسحقَ ويعقوب﴾(١).
وهذا إن شاء الله ظاهر قوي ، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث
سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه ، عن أبي ذر ،
قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ [ قال: ((المسجد الحرام)).
(١) سورة مريم ٤٩.
- ١٩٩ -

قلت: ثم أيّ؟](١) قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما ؟ قال :
(أربعون سنة)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((ثم حيث أدركت الصلاة فصلّ فكلُّها
مسجد))(٢) .
وعند أهل الكتاب : أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد
الأقصى ، وهو مسجد إيلياء بيت المقدس شرفه الله .
وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث ، فعلى هذا يكون بناء يعقوب
عليه السلام وهو - إسرائيل - بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين
سنة سواء ، وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق ، لأن إبراهيم عليه السلام لما
دعا ، قال في دعائه كما قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيمُ ربِّ اجعل هذا البلد آمناً،
واْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نعبد الأصنام ، ربِّ إنهن أضْللن كثيراً من الناس فمن تَبعني فإنه
منِّي ، ومن عصاني فإنك غفور رحيم " ربنا إني أسكنتُ من ذريتي بوادٍ غیر ذِي
زرع عند بيتك المحرَّم ، ربنا لِيقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تَهْوى إليهم ،
وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ، ربنا إنك تعلم ما نُخْفي وما نُعْلن ، وما يخفى
على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهبَ لي على الكِبر
إسماعيلَ وإسحق إن ربي السميعُ الدعاء : ربِّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذُريتي ، ربنا
وتقبَّل دُعاء: ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾(٣) .
وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام ، لما بني بيت
المقدس سأل الله خلالاً ثلاثاً كما ذكرناه عند قوله: ﴿رب اغفر لي وهَبْ لي مُلكاً
لا ينبغي لأحدٍ من بعدي﴾، وكما سنورده في قصته. فالمراد من ذلك - والله
أعلم - أنه جدّد بناءه - كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة - ولم يقل أحد إن بين
سليمان وإبراهيم أربعين سنة سِوى ابن حبَّان في تقاسيمه وأنواعه . وهذا القول لم
يوافق عليه ولا سبق إليه .
(١) سقطت من مطبوعة البداية والنهاية .
(٣) سورة إبراهيم ٣٥ - ٤١ .
(٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١١١/٢ ( ط الأميرية ) وصحيح مسلم كتاب المساجد حديث
رقم ١، ٢ .
- ٢٠٠ -