Indexed OCR Text
Pages 161-180
والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية ، بل هو الدائم الباقي بلا زوال ، لا إله إلا هو ولا رب سواه . فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكوكب [ لذلك ](١) قيل هو الزُّهَرَة ، ثم ترقّى منها إلى القمر الذي هو أضْوَأْ منها وأبْهَى من حسنها ، ثم ترقّى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهَدة ضياءً وسَنَاء وبهاء، فبَيَّن أنها مسخّرة مسيرة مقدَّرة مَرْبُوبَة ، كما قال تعالى: ﴿ومِن آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمر، لا تَسْجُدُوا للشمس ولا للقمر ، واسجدوا لله الذي خَلَقهن إنْ كنتم إياه تعبدون ﴾(٢) . ولهذا قال: ﴿ فلمَّا رأى الشمسَ بازغةً﴾ أي طالعة ﴿ قال هذا ربِّي هذا أكْبر فلما أفلَتْ قال يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهتُ وجهي للذي فطر . السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين . وحاجَّه قومُه قال أَتُحَاجُّونِّي في الله وقد هَدَانِ ، ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً ﴾ أي لست أبالي هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله ، فإنها لا تنفع شيئاً ولا تسمع ولا تعقل ، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها ، أو مصنوعة منحوتة مَنْجُورة . والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حرَّان ، فإنهم كانوا يعبدونها . وهذا يردّ قولَ من زعم أنه قال هذا حين خرج من السّرّب لما كان صغيراً ، كما ذكره ابن إسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ، ولا سيما إذا خالفت الحق . وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام ، وهم الذين ناظَرهم في عبادتها وكسرها عليهم ، وأهانها وبيَّن بُطلانها، كما قال تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودةَ بَيْنِكم في الحياة الدنيا ، ثم يومَ القيامة يَكْفُر بعضُكم ببعض ويَلْعَنُ بعضكم بعضاً ، ومأواكم النار وما لكم من ناصرين﴾ وقال في سورة الأنبياء: ﴿ولقد آتينا إبراهيمَ رُشْده من قبلُ وكنا به عالمين . إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها (١) ليست في ((أ)) . (٢) سورة فصلت ٣٧ . - ١٦١ - عاكفون . قالوا وجَدْنَا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين . قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين . قال بل رُبُكم ربُّ السموات والأرض الذي فَطَرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين . وتالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُوُلُّوا مُذْبِرِين فجعلهم جُذَاذَاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون . قالوا مَنْ فَعل هذا بآلهتنا إنه لَمن الظالمين . قالوا سمعنا فتىّ يَذْكُرهم يقال له إبراهيم . قالوا فَأَنُوا به على أعينِ الناس لعلهم يَشْهَدون . قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم . قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون . فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون . ثم تُكِسوا على رءوسهم لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون . قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أنّ لكم ولِمَا تعبدون من دون الله ، أفلا تعقلون . قالوا حَرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين . قلنا يا نار كوني بَرْداً وسلاماً على إبراهيم . وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾(١) وقال في سورة الشعراء: ﴿واثْلُ عليهم نَبَأَ إبراهيم . إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون . قالوا نَعْبُدُ أصناماً فنظَلُّ لها عاكفين . قال هل يسمعونكم إذ تدعون . أو ينفعونكم أو يَضُرُّون . قالوا بل وجَدْنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدوٌّ لي إلا ربَّ العالمين . الذي خلقني فهو بهدين . والذين هو يُطعمني ويسقين . وإذا مَرِضْتُ فهو يشفين . والذي يُميتني ثم يُخْيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. ربِّ هبْ لي حكماً وألحقني بالصالحين ﴾ (٢) . وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وإنّ من شِيعته لإِبراهيم. إذ جاء ربَّه بقلب سليم . إذ قال لأبيه وقومِه ماذا تعبدون . أثِفْكاً آلهةً دون الله تريدون . فما ظُّكم بربِّ العالمين . فنظرَ نظرةً في النجوم . فقال إني سقيم . فتولّوا عنه مُدْبرين . فراغَ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون . ما لكم لا تنطقون . فراغَ عليهم ضَرْباً باليمين . فأقبلوا إليه يَزِفُّون . قال أتعبدون ما تَنْحتون ؟ والله خلقكم وما تعملون . قالوا ابنُوا له بُنْيَاناً فَأَلْقُوه في الجحيم . فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين﴾(٣) . (١) سورة الأنبياء ٥١ - ٧٠ . (٢) سورة الشعراء ٦٩ - ٨٣ . (٣) سورة الصافات ٨٣ - ٩٨ . - ١٦٢ - يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام ، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقّرها عندهم وصغَّرها وتنقّصها، فقال: ﴿ ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون ؟ ﴾ أي معتكفون عندها وخاضعون لها ، قالوا: ﴿وجَدْنا آباءنا لها عابدين ﴾. ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد ، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد . قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ كما قال تعالى: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون . أثِفْكاً آلهةً دون الله تريدون . فما ظنكم برب العالمين ٠ قال قتادة : فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ؟ وقال لهم: ﴿ هل يَسْمعونكم إذ تَدْعُون أو ينفعونكم أو يَضُرُّون . قالوا بل وجَدْنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ سلّموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً ، وإنما الحامل لهُم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال . ولهذا قال لهم: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدوٌّ لي إلَّا ربَّ العالمين وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادّعوه من الأصنام ، لأنه تبرأ منها وتنقّص بها ، فلو كانت تضر لضرَّتْه ، أو تؤثر لأثرت فيه . ﴿ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين﴾؟ يقولون(١): هذا الكلام الذي تقوله لنا وتتنقّصُ به آلهتنا ، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله(٢) مُحِقًّا جادًّا فيه أم لاعباً ؟ ﴿ قال بل رُّكم ربُّ السمواتِ والأرضِ الذي فَطَرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ﴾ يعني بل أقول لكم ذلك جادًّا محقًّا، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ، ربكم ورب كل شيء ، فاطر السموات والأرض ، الخالق لهما على غير مثال سبق ، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له ، وأنا على ذلكم من الشاهدين . وقوله: ﴿ وتالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُولّوا مُذْبرين﴾ أقسم ليكيدنَّ (١) المطبوعات : ويقولون . وهو تحريف . (٢) ((أ)): تقوله . - ١٦٣ - هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن يولوا مدبرين إلى عيدهم . قيل : إنه قال هذا خُفْية في نفسه . وقال ابن مسعود : سمعه بعضهم . وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام (١) مرة إلى ظاهر البلد ، فدعاه أبوه ليحضره ، فقال إني سقيم. كما قال تعالى: ﴿فنظَر نظرةً في النجوم . فقال إني سقيم ﴾ عرَّض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق ، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإِهانة . فلما خرجوا إلى عيدهم ، واستقر هو في بلدهم ﴿راغ إلى آلهتهم﴾ أي ذهب إليها مسرعاً مستخفياً ، فوجدها في بهو عظيم ، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها فقال على سبيل التهكم والازدراء ﴿ أَلَّا تأكلون . ما لكم لا تنطقون . فراغ عليهم ضرباً باليمين) لأنها أقوى وأبْطش وأسرع وأقهر ، فكسرها بِقَدُوم في يده كما قال تعالى: ﴿ فجعلهم جُذاذاً ﴾ أي حطاماً، كسرها كلها ( إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون﴾. قيل إنه وضع القَدُومَ في يد الكبير ، إشارة إلى أنه غارَ أن تُعبد معه هذه الصِّغار ! فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حلَّ بمعبودهم ﴿ قالوا مَنْ فَعَل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين . وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون ، وهو ما حلَّ بآلهتهم التي كانوا يعبدونها ، فلو كانت آلهة لدفعت عن نفسها من أرادها بسوء ، لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: ﴿ مَنْ فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتىِّ يَذْكُرهم يقال له إبراهيم﴾ أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها ، فهو المقيم عليها والكاسر لها . وعلى قول ابن مسعود ، أي يذكرهم بقوله: ﴿وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تُوَلُّوا مُدْبرِين ﴾ . (١) ((أ)): عيد . - ١٦٤ - قالوا فأتوا به على أعينٍ الناس لعلهم يشهدون ﴾ أي في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد ، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ، ويعاينون ما يحلّ به من الاقتصاص منه . وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم ، فيقيم على جميع عُبَّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه ، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿مَوْعدكم يومُ الزينة وأن يُحشر الناس ضُحىٍ﴾(١). فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا ﴿ قالوا أأنتَ فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا﴾ قيل معناه : هو الحامل لي على تكسيرهم ، وإنما عرَّض لهم في القول ﴿ فاسألوهم إنْ كانوا ينطقون ﴾. وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق ، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات . ﴿ فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ أي فعادوا على أنفسهم بالملامة ، فقالوا إنكم أنتم الظالمون ، أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها . ◌ْ ثم تُكِسُوا على رءوسهم ﴾ قال السُّدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة ، فعلى هذا يكون قوله : ﴿ إنكم أنتم الظالمون ﴾ أي في عبادتها . وقال قتادة : أدركت القومَ حَيْرةُ سوء، أي فأطرقوا ثم قالوا: ﴿لقد علمتَ ما هؤلاء ينطقون ﴾ أي لقد علمت يا إبراهيم أنّ هذه لا تنطق ، فكيف تأمرنا بسؤالها ؟! فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: ﴿ أَفَتَعْبدون من دُونِ الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرُّكم، أُفٍّ لكم ولِمَا تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ﴾ . (١) سورة طه ٥٩ . - ١٦٥ - كما قال: ﴿فأقبلوا إليه يَزِفُّون﴾ قال مجاهد: يسرعون. قال: ﴿أتعبدون ما تَنْحِثُون﴾ أي كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة ، وتصوِّرونها وتشكِّلونها كما تريدون ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ . وسواء كانت: ((ما )) مصدرية أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون ، وهذه الأصنام مخلوقة ، فكيف يتعبَّد مخلوقٌ لمخلوق مثله ؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل ، فالآخر باطل للتحكم ، إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب (١) إلا للخالق وحده لا شريك له . قالوا ابْنُوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ؟ فأرادوا به كيداً فجعلناهم ﴾ . الأُسْفَلِين عدَلوا عن الجدال والمناظرة لمَّا انقطعوا وغُلبوا، ولم تبق لهم حُجة ولا شبهة ، إلى استعمال قوتهم وسلطانهم ، لينصروا ما هم عليه من سَفههم وطغيانهم ، فكادهم الربُّ جل جلاله ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى: ﴿قالوا حَرِّقوه وانصروا آلهتكم إنْ كنتم فاعلين × قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * وأرادوا به كَيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾ . وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن ، فمكثوا مدةً يجمعون له ، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تَنذِر لئن عوفيت لَتحملنَّ حطباً لحريق إبراهيم ! ثم عمدوا إلى جَوْبة(٢) عظيمة فوضعوا فيها الحطب وأطلقوا فيه النار ، فاضطرمت وتأجَّجت والتهبت وعلا لها شررٌ لم يُر مثله قط . ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة مَنْجَنِيق(٣) صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له ((هيزن) وكان أول من صنع المجانيق ، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . (١) ((أ)): تجب ولا تصلح. (٢) الجوبة : الحفرة . (٣) المنجنيق بفتح الميم وكسرها : آلة ترمى بها الحجارة في الحرب وهي فارسية معربة . - ١٦٦ - ثم أخذوا يقِّيدونه ويكتِّفونه وهو يقول : لا إله إلا أنت سبحانك [ رب العالمين ](١) لك الحمد ولك المُلْكُ، لا شريك لك. فلما وضِع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً ثم ألقوه منه إلى النار قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، وقالها محمد حين قيل له : ﴿ إِنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً ، وقالوا حَسْبُنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يَمْسَسْهُم سوءٍ﴾(٢) الآية . وقال أبو يعلى : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، حدثنا إسحق بن سليمان ، عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم بن أبي النَّجُود ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قالَ عَ له: ((لما أُلقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحدٌ، وأنا في الأرض واحد أعبدك!))(٣). وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: [ يا إبراهيم ](١) ألك حاجة ؟ فقال : أمَّا إليك فلا ! ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جُبير أنه قال : جعل ملك المطر يقول : متى أُومر فأرسل المطرَ ؟ فكان أَمْر الله أسرَع . قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾. قال علي بن أبي طالب : [ أي ](١) لا تضرِّيه . وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: ﴿وسلاماً على إبراهيم ؟ لآذى إبراهيمَ بَرْدُها . وقال كعب الأحبار : لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ، ولم تَحْرق منه سوى وَثَاقِه . (١) ليست في ((أ)). (٢) صحيح البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة آل عمران ٢٨٨/٢ (ط الأميرية). (٣) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٤٧/٢. - ١٦٧ - وقال الضحاك : يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره . وقال السُّدي : كان معه أيضاً مَلَكُ الظل ، وصار إبراهيم عليه السلام في مَيل الجَوْبَة حوله نار وهو في روضة خضراء ، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول ، ولا هو يخرج إليهم . فعن أبي هريرة أنه قال : أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم : إذ قال لما رأى ولدَه على تلك الحال : نِعْم الربُّ ربك يا إبراهيم ! وروى ابن عساكر عن عكرمة ، أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته : يا بني إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حَرّ النار حولك ، فقال : نعم . فأقبلت إليه لا يمسّها شيء من حر النار ، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت(١) . وعن المنهال بن عمرو أنه قال : أُخبرت أن إبراهيم مكث هناك إمّا أربعين وإما خمسين يوماً ، وأنه قال : ما كنت أياماً وليالي أَطْيَبَ عيشاً إذ كنت فيها ، ووددت أن عيشي وحياتي كلها [ مثل ](٢) إذ كنت فيها . صلوات الله وسلامه عليه . فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا ، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضَعوا ، وأرادوا أن يَغلبوا فغُلبوا. قال الله تعالى: ﴿وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾. وفي الآية الأخرى ﴿ الأسفلين﴾ ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً ، ولا يُلَّقَّوْن فيها تحيةً ولا سلاماً ، بل هي كما قال تعالى: ﴿ إِنها ساءت مُستقراً ومُقاماً﴾(٣). قال البخاري : حدثنا عبيد الله (٤) بن موسى ، أو ابن سلام عنه ، أنبأنا ابن جُريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم شَرِيك ، أن (١) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٤٥/٢. (٣) سورة الفرقان ٦٦. (٤) الأصل : عبد الله . والتصويب من صحيح البخاري . (٢) ليست في ((أ)). - ١٦٨ - رسول الله عَ له أمر بقتل الوزَغ(١)، وقال: ((كان ينفخ(٢) على إبراهيم))(٣). ورواه مسلم من حديث ابن جريج(٤)، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة ، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به . وقال أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ابن جُريج ، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية ، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله عَ لِه قال: ((اقتلوا الوزغ فإنه كان يَنفخ النار على إبراهيم)) قال: فكانت (٥) عائشة تقتلهن (٦) . وقال أحمد : حدثنا إسماعيل ، أخبرنا أيوب عن نافع ، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رُمْح منصوب فقالت : ما هذا الرمح ؟ فقالت : نقتل به الأوزاغ ، ثم حدثت عن رسول الله عَ لٍ: (( أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدوابُّ كلها تطفئ عنه إلا الوزغ ، فإنه جعل ينفخها عليه)) (٧). تفرد به أحمد من هذين الوجهين . وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا جرير ، حدثنا نافع ، حدثتني سمامة مولاة الفاكِه بن المغيرة ، قالت : دخلتُ على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً ، فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت : هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به ، فإن (١) الوزغ : حشرة يقال لها سام أبرص . (٢) ((أ)) : نفخ. (٣) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ ١٠٨/٢ (ط الأميرية ) . (٤) صحيح مسلم كتاب قتل الحيات وغيرها باب استحباب قتل الوزغ ٤١/٧ (ط استانبول المصورة). والرواية عند مسلم عن أم شريك ((أن النبي سَ لّم أمرها بقتل الأوزاغ)) وليس فيها : كان ينفخ النار على إبراهيم. ثم روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عَّم قال للوزغ الفويسق . زاد حرملة . قالت : ولم أسمعه أمر بقتله . (٥) المسند : وكانت . (٦) المسند ٢٠٠/٦ . (٧) المسند ٢١٧/٦. - ١٦٩ - رسول الله عَ لله حدثنا: (( أن إبراهيم حين أُلقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله (عَ ◌ّهم بقتله))(١). ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد ، عن جرير بن حازم به(٢) . (١) لا أدري لِمَ لم يورد ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً في مسنده ٢٧١/٢ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عَِّ قال للوزغ الفويسق. قالت: ولم أسمعه أمر بقتله . (٢) سنن ابن ماجة حديث رقم ٣٢٣١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي . - ١٧٠ - ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع الجليل في [ إزار ](١) العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية ، وهو أحد العبيد الضعفاء قال الله تعالى: ﴿ ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاه الله المُلْكَ ، إذ قال إبراهيمُ ربِّيَ الذي يُحيي ويُميت ، قال أنا أُخْبِي وَأُمِيتُ قال إبراهيمُ فإن الله يأتي بالشمس من المَشْرِقِ فَأَتِ بها من المَغْرِبِ ، فُبُهِتَ الذي كَفَرَ ، والله لا يهدي القومَ الظالمين﴾(٢) . يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملِك الجبار المتمرد . الذي ادعى لنفسه الربوبية ، فأبطل الخليلُ عليه دليله ، وبيَّن كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجةَ ، وأوضح له طريق المحجَّة . قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار : وهذا الملك هو ملك بابل ، واسمه النمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح . قاله مجاهد . وقال غيره : تمروذ بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح . قال مجاهد وغيره : وكان أحد ملوك الدنيا ، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة (٣): مؤمنان وكافران . فالمؤمنان : ذو القرنين ، وسليمان . والكافران : النمروذ ، ويختنصر . وذكروا أن نمروذ هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة ، وكان طغى وبغى ، وتجبَّر وعَتَا ، واثر الحياة الدنيا . ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، حمله الجهلُ والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع ، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك ، وادعى (١) سقطت من المطبوعة . (٢) سورة البقرة ٢٥٨ . (٣) ((أ)): أربعة فيما ذكروا . - ١٧١ - لنفسه الربوبية . فلما قال الخليل: ﴿ ربي الذي يُحيي ويميت، قال أنا أُخْيي وأُميت ﴾ . قال قتادة والسُّدي ومحمد بن إسحاق : يعني أنه إذا أُتِيَ بالرجلين قد تحثّم قتلهما ، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر ! وهذا ليس بمعارضة للخليل ، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة ، ليس بِمَنْعٍ ولا بمعارضة ، بل هو تشغيب مَخْض، وهو انقطاع في الحقيقة ، فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها ، على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ، ضرورة عدم قيامها بنفسها . ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة ، من خلقها وتسخيرها ، وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر ، وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ، ثم إماتتها . ولهذا قال إبراهيم: ﴿ رَبِّيَ الذي يحيي ويميت ﴾. فقول هذا الملك الجاهل : ﴿ أنا أحيي وأميت﴾ إنْ عنَى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند . وإن عنى ما ذكره قتادة والسُّدي ومحمد بن إسحق ، فلم يقل شيئاً يتعلق بكلام الخليل ، إذ لم يمنع مقدَّمةً ، ولا عارض الدليلَ . ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ، ذكر دليلاً آخر بيَّن وجود الصانع ، وبطلان ما ادعاه النمروذ وانقطاعه جهرة: ﴿ قال : فإِنَّ الله يأتي بالشمس من المشرقِ فَأْت بها من المغرب﴾ أي هذه الشمس مسخّرة كلَّ يوم ، تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيِّرها وقاهرها ، وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء ، فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحبي وتميت [ فَأْت بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحيي ويميت ](١) هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانَعُ ولا يغالَب ، بل قد قَهر كلَّ شيء ودان له كل شيء ، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا ، فإن لم تفعله [فلست](١) كما زعمتَ، وأنت تعلم وكلُّ أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا ، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها . (١) سقط من ((أ)). - ١٧٢ - فبَيَّن ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه ، وبطلان ما سَلكه وتبجح به(١) عند جهلة قومه ، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به ، بل انقطع وسكت ولهذا قال : فُبُهِتَ الذي كفر والله لا يَهْدِي القومَ الظالمين ﴾ . وقد ذكر السديُّ أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمروذ يوم خرج من النار ، ولم يكن اجتمع به يومئذ ، فكانت بينهما هذه المناظرة . وقد روى عبد الرزاق بن مَعْمر ، عن زيد بن أسلم ، أن النمروذ كان عنده طعام ، وكان الناس يَفِدون إليه للميرة ، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة [ ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ ](٢) فكانت بينهما هذه المناظرة . ولم يعط إبراهيمَ من الطعام كما أعطى الناس ، بل خرج وليس معه شيء من الطعام . فلما قُرُب من أهله عمد إلى كَثِيب من التراب فملأ منه عِدْلَيْه(٣) وقال: أشغلُ أهلي إذا قدمت عليهم ، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكاً فنام ، فقامت امرأته سارة إلى العِذْلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً ، فعملت منه طعاماً ، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي [ قد ](٤) أصلحوه، فقال: أنَّى لكم هذا ؟ قالت : من الذي جئتَ به ، فعرف أنه رزقٌ رَزقهموه الله عز وجل . قال زيد بن أسلم : وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ، ملكاً يأمره بالإِيمان بالله فأبى ، ثم دعَاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال : اجمع جمعك وأجمع جموعي . فجمع النمروذ جيشَه وجنوده وقت طلوع الشمس ، فأرسل الله عليه ذباباً من البعوض بحيث لم يروا عينَ الشمس ، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم ، وتركتهم عظاماً بادية ، ودخلت واحدة منها في مَنْخَر الملك فمكثت في منخره أربعمائة سنة ! عذبه الله تعالى بها . فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها ، حتى أهلكه الله عز وجل بها . (١) ((أ)): ويحتج به. (٢) سقطت من المطبوعة . (٣) العدل بكسر العين : نصف الحمل . (٤) ليست في ((أ)). - ١٧٣ - ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة قال الله: ﴿فَآمَن له لوطٌّ وقال إنِّي مهاجرٌ إلى ربِّي إنه هو العزيز الحكيم * ووهبْنا له إسحقَ ويعقوبَ وجَعلنا في ذريته النبوةَ والكتابَ وآتيناه أَجْرَهُ في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾(١). وقال تعالى: ﴿ ونجَّيناه ولوطاً إلى الأرض التي بارَكْنَا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحقَ ويعقوب نافلةً وَكُلًّا جعَلْنَا صالحين * وجعلناهم أئمة يَهدون بأمرنا ، وأوحينا إليهم فعلَ الخيراتِ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾(٢). لما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم ، وكانت امرأته عاقراً لا يولد لها ، ولم يكن له من الولد أحد ، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر ، وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولادَ الصالحين ، وجعل في ذريته النبوة والكتاب ، فكلُّ نبي بُعث بعده فهو من ذريته ، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده ، فعلى أحَدٍ نَسْله وعَقِبه ، خلعةً من الله وكرامة له ، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه ، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه(٣) عز وجل ودعوة الخلق إليه . والأرض التي قصدها بالهجرة أرضُ الشام ، وهي التي قال الله عز وجل : ﴿ إلى الأرض التي بارَكْنا فيها للعالمين قاله أبّ بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم . وروى العَوفي عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين مكة ، ألم تسمع إلى قوله : ﴿ إِنَّ أولَ بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين﴾ وزعم كعب الأحبار أنها حَرَّان . (١) سورة العنكبوت ٢٦، ٢٧ . (٢) سورة الأنبياء ٧١ - ٧٣". (٣) ((أ)): من عبادة الله. - ١٧٤ - وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب : أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه ((ملكا)) فنزلوا حران ، فمات تارخ أبو إبراهيم بها . وقال السُّدي : انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشام ، فلقي إبراهيمُ سارة - وهي ابنة ملك حران - وقد طَعَنت على قومها في دِينهم ، فتزوجها على أن لا يغيّرها . رواه ابن جرير وهو غريب . والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران . ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط ، كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش ، فقد أَبْعد النُّجْعة وقال بلا عِلم . ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعاً فليس له على ذلك دليل ، ولو فرض أن هذا كان مشروعاً في وقت - كما هو منقول عن الربانيين من اليهود - فإن الأنبياء لا تتعاطاه . والله أعلم . ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجراً من بلاده كما تقدم . والله أعلم . وذكر أهل الكتاب أنه لما قدِمَ الشامَ أوحى الله إليه: ((إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك )) فابتنى إبراهيم مَذْبحاً لله شكراً على هذه النعمة ، وضرب قبته شرقيّ بيت المقدس ثم انطلق مرتحلاً ، إلى التيمن ، وأنه كان جوع ، أي قحط وشدة وغلاء ، فارتحلوا إلى مصر . وذكروا قصة سارة مع مَلِكها ، وأن إبراهيم قال لها : قولي أنا أخته . وذكروا إخدامَ الملك إياها هاجَر . ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن ، يعني أرض بيت المقدس وما والاها ، ومعه دوابٌّ وعبيدٌ وأموال . وقال البخاري : حدثنا محمد بن محبوب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب - ١٧٥ - عن محمد، عن أبي هريرة قال: (( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : اثنتان(١) منهن في ذات الله ، قوله: ﴿ إِني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا ﴾ ، وقال : بَينا هو ذات يوم وسارّة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه وسأله عنها ، فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإنّ هذا سألني فأخبرتُه أنك أختي فلا تكذِّبيني . فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ ، فقال : ادْعِي الله لي ولا أضرّك ، فدعت الله فأُطلق . ثم تناولها الثانية مثلها أو أشدّ ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق. فدعا بعض حَجبته فقال: إنكم لم تأتوني (٢) بإنسان ، وإنما أتيتموني (٣) بشيطان فَأَحْدَمها هاجر . فأتته وهو قائم يصلي فأوماً بيده مَهْيَم (٤) ؟ فقالت: رَدَّ الله كيدَ الكافر أو الفاجر في نَحْره ، وأخْدَم هاجَر . قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء السماء )). تفردَّ به من هذا الوجه موقوفاً (٥) . وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عمرو بن علي الفلَّاس ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة عن النبي عَّ ◌َلِه قال: ((إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ، كل ذلك في ذات الله، قوله : ﴿ إني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وبينما هو يسير (١) صحيح البخاري : ثنتين . (٢) ((أ)): إنك لم تأتني. (٣) ((أ)): أتيتني. (٤) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ٣٩٠/١: مهيم بفتح الميم والياء وسكون الهاء : كلمة يمانية معناها : ما هذا ؟ وقيل : ما شأنك ؟ وجاء في بعض نسخ النسفي وأبي ذر في هذا الحرف في حديث سارة مهيا : مثل محيا . والمعروف الأول . (٥) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ ١٠٧/٢ ( ط الأميرية ) . - ١٧٦ - في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلاً ، فأتى الجبار فقيل له : إنه قد نزل ها هنا رجلٌ معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه فسأله عنها ، فقال : إنها أختي . فلما رجع إليها قال : إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي ، وإنه ليس اليوم مُسلم غيري وغيرك ، وإنك أختي ، فلا تكذِّبيني عنده . فانطلق بها ، فلما ذهب يتناولها أُخذ ، فقال : ادْعِي الله لي ولا أضرّك ، فدعت له فأُرسل ، فذهب يتناولها فُخذ مثلها أو أشدّ منها ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فدعت فأُرسل ، ثلاث مرات ، فدعا أدنى حَشَمه فقال : إنك لم تأتني بإنسان ، ولكنْ أتيتني بشيطان أخْرِجْهَا وأعطِها هاجَر . فجاءت وإبراهيم قائم يصلي . فلما أحس بها انصرفَ ، فقال : مَهْيَم ؟ فقالت : كفى الله كيدَ الظالم ، وأخْدَمني هاجَر)). وأخرجاه من حديث هشام . ثم قال البزار : لا يُعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة إلا هشام . ورواه غيره موقوفاً . وقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن حفص ، عن ورقاء - [ هو أبو عمر ](١) اليشكري - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((لم يَكْذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذْبات: قوله حين دُعيَ إلى آلهتهم فقال: ﴿إِني سَقيم﴾، وقوله: ﴿بَلْ فعله كبيرهم هذا﴾ وقوله لسارة: إنها أختي )). قال : ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة ، فقيل : دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس ، قال : أرسل إليه الملك أو الجبار : من هذه معك ؟ قال : أختي . قال : فأرسِلْ بها . قال: فأرسل بها إليه، وقال لا تُكذبي قولي ، فإني قد أخبرته أنك أختي ، إنّ ما على (٢) الأرض مؤمن غيري وغيرك . فلما دخلت عليه قام إليها ، فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت (١) المطبوعة : ابن عمر وليست في المسند . (٢) المسند : إن على الأرض . - ١٧٧ - تعلم أني آمنت بك وبرسولك (١) وأحصنتُ فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلّط عليّ الكافَرَ . قال : فغط حتى ركض برجليه . قال أبو الزناد : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنها قالت : اللهم إن يمت يقال هي قتلته . قال : فأُرْسِل . [ قال : ثم قام إليها ، فقامت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كُنت تعلم أني آمنتُ بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلّط عليَّ الكافر. قال فغطًّ حتى ركض برجله . قال أبو الزناد : وقال أبو سلمة عن أبي هريرة إنها قالت : اللهم إن يمت يُقَلْ هي قتلته ، قال فأُرْسِل ] (٢). قال : فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إليَّ إلا شيطاناً، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر . قال : فرجعت ، فقالت لإِبراهيم : أشعرتَ أن الله رد كيدَ الكافرين وأخدَم وليدة ! تفرد به أحمد من هذا الوجه (٣) وهو على شرط الصحيح . وقد رواه البخاري عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد ، عن أبي هريرة، عن النبي عَ لّه به مختصراً. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سفيان ، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَ له في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: (( ما منها كلمة إلا ماحَلَ (٤) بها عن دين الله ، فقال : ﴿ إني سقيم﴾، وقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ وقال للملك حين أراد امرأته : هي أختي )) . (١) ((ط)) : وبرسلك . (٢) ما بين القوسين ليس في مسند أحمد وليس في نسخة ((أ)). (٣) مسند أحمد ٤٠٣/٣، ٤٠٤ ( ط الميمنية ). (٤) ما حل : دافع . - ١٧٨ - فقوله في الحديث: ((هي أختي)) أي في دين الله. وقوله لها: (( إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ﴾ يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعيّن حمله على هذا لأن لوطاً كان معهم وهو نبي عليه السلام . وقوله لما رجعت إليه : مَهْيَم ؟ معناه : ما الخبر . فقالت : إن الله رد كيد الكافرين . وفي رواية : الفاجر وهو الملِك ، وأخدَم جارية . وكان إبراهيم عليه السلام من وقتٍ ذُهِبَ بها إلى الملك ، قام يصلي الله عز وجل ، ويسأله أن يدفع عن أهله ، وأن يردَّ بأس هذا الذي أراد أهله بسوء . وهكذا فعلت هي أيضاً . فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمراً قامت إلى وضوئها وصلاتها ، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم . ولهذا قال تعالى: ﴿ واستعينوا بالصَّبْر والصلاة﴾(٢) فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام . وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارّة ، وأم موسى ، ومريم عليهن السلام . والذي عليه الجمهور أنهن صِدِّيقات رضي الله عنهن وأرضاهن. ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها ، فلم يَزَلْ يراها منذ خرجت من عِنده إلى أن رجعت إليه . وكان مشاهداً لها وهي عند الملك ، وكيف عصمَها الله منه، ليكون ذلك أَطيَبَ لقلبه وأقرّ لعينه وأشد لطمأنينته ، فإنه كان يحبها حباً شديداً ، لدینها وقرابتها منه وحسنها الباهر ، فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها ، أحسن منها ، رضي الله عنها . ولله الحمد والمنة . وذكر بعض أهل التواريخ(١) أن فرعون مصر هذا كان أخاً للضحاك الملك المشهور بالظلم ، وكان عاملاً لأخيه على مصر . ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح . وذكر ابن هشام في التِّيجان : (١) سورة البقرة ٤٥ . (٢) | ((أ)): التاريخ . - ١٧٩ - أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سباً ، وكان على مصر . نقله السُّهيلي . والله أعلم . ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن ، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها ، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل ، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية . ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بما له من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك ، إلى أرض الغَوْر، المعروف بِغَوْر زُغَر ، فنزل بمدينة سَدُوم(١) وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان . وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً . وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل ، فأمره أن يمد بصره وينظر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر ، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض . وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة ، بل ما كمُلت ولا كانت أعظَم منها في هذه الأمة المحمدية . ويؤيد ذلك قول رسول الله عَ له: ((إن الله زوَى(٢) لي الأرضَ فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسَيَبْلغ مُلك أمتي ما زوى لي منها)). قالوا : ثم إن طائفة من الجبارين تسلَّطوا على لوط عليه السلام فأسَروه ، وأخذوا [ أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ الخبرُ إبراهيمَ الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً فاستنقذ لوطاً عليه السلام واسترجع ](٣) أموالَه، وقَتل من أعداء (١) قال في القاموس : وسدوم لقرية قوم لوط غلط فيه الجوهري ، والصواب سذوم بالذال المعجمة . وذكر شارح القاموس أن المشهور فيه إهمال الدال . (٢) زوى : جمع . والحديث في صحيح مسلم كتاب الفتن حديث رقم ١٩ . (٣) سقط من المطبوعة ! - ١٨٠ -