Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة من حكم جنسه وبما فيه من حكم نوعه واحكم عليه بحقيقة شخصيته فهو ذو أحكام ثلاثة، فكلما قرب الأمر من الأحدية كثرت الأحكام عليه، الحق واحد وأسماؤه لا تحصى كثرة، فلو كان كثيراً لانقسمت الأسماء الذاتية بينهم الجنس كثير حكمه واحد. ومن ذلك: [البسيط] من قَلَّدَ العَقْلَ في الثَّعْيين والخَبَرَا إنَّ الشَّرِيكَ لَمَوْجُودٌ إذا نَظَرا من النوازل قَلَّ الأمْرُ أو كَثُرَا أتَى به حاكمٌ في كل نازلةٍ الشرك الخفي والجلي [نظم: البسيط] والشّرْكُ منه خَفِيٍّ أنت تَعْلَمُهُ الشّرْكُ منه جَلِيٍّ لا خَفَاءَ به يَبْدُو فيَسْتُرُهُ من كان يَكْتُمُهُ يَخْفَى فيُظْهِرُهُ من كان يَخْكُمُهُ قال: الشرك الجلي عمل الصانع بالآلة، والشرك الخفي الاعتماد على الآلة فيما لا يعمل إلاَّ بالآلة، فما ثم إلا مشرك فإنه ما ثم إلاَّ عالم، وكلٍ شرك يقتضيه العلم ويطلبه الحق فهو حق فليس المقصود إلاَّ العلم، فما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون، فكثر العلماء بالله وأبقي طائفة من المؤمنين هم في الشرك ولا يعلمون أنهم فيه فلذلك لم ينسبهم إلى الشرك لعدم علمهم بما هم فيه من الشرك وهم لا يشعرون، وهذا من المكر الإلهيّ الخفي في العالم وهو قوله: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] وقال: ليس المراد بالشرك هنا أن تجعل مع الله إلهاً آخر ذلك هو الجهل المحض فإنه ما ثم إله آخر بل هو إله واحد عند المشرك وغير المشرك. ومن ذلك الصرف عن الآيات أعظم الآفات: [البسيط] العَجْزُ صَرْفٌ عن الآيات في النَّظَرِ كالمُعْجزات التي في الآي والسُّوَرِ فانْظُرْ إليها عسى تدري حَقِيقَتَهَا فإنما الناسُ في الدنيا على خَطَرٍ قال: كن من الذين صرفوا أنفسهم عن الآيات لا تكن من الذين صرفوا عنها، فإن الذين صرفوا عنها حجبوا بنفوسهم فنسبوا إليها ما ليس لها فعموا عن الآيات فحلّت بهم الآفات فحلت بهم المثلاث، والذي انصرف بنفسه عن الآيات لعلمه بأن الدليل يضاد المدلول وما هرب إلاَّ من الضد والمقابل، فالناظر في الدليل ما زال فيه فهو هارب ممّا هو فيه حاصل، فعول أهل الكشف والوجود ونظروا إلى المدلول لا من كونه مدلولاً إلاَّ من كونه مشهوداً، فنظروا إلى الأشياء وهى تتكوّن عنه بأمره لا بل بذاته بأمره، فالأمر ما قرنه مع الوجود الذاتي إلاَّ لمن لا شهود له كشفاً ولا سلم له نظره من المزج، فجاء بالأمر والأمر كلامه وكلامه ذاته. ومن ذلك من توقى ترقى : [البسيط] نُونُ الوِقَايَةِ تَحْمي فِعْلَها أبداً من الشَّغَيُّرِ والآفات والضَّرَرِ عن صُورةٍ هو فيها آخِرَ العُمُر فلا تُغَيِّرُهُ ولا تُقَلْقِلُهُ قال: لما كانت الوقايات تحول بين من توقى بها وبين ما يتوقى منه أعطته الترقي والنزاهة عن التأثر وعن حكم التأثير فيه، فترقى إلى صفة الغني عن العالمين لا إلى غير ذلك، ٢٢٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة فإن الاشتراك قد وقع بيننا في التأثير في بعض المواطن في قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فإعطاؤه عن سؤال أثر وتأثير، وفي الغنى عن العالمين لا يكون هذا فإن ارتقى هذا الغنيّ المتوقي إلى الغني عن الغنى فلا يكون ذلك إلاَّ حتى يكون الحق عين ما ينسب إليه من الصفات، ومن صفاته الغنى عن كذا فهو غني عن العالمين لا غني عن نفسه، فعلى هذا الحد يكون الترقي. ومن ذلك عظمت فضائحه من شهدت عليه جوارحه: [السريع] فليس شيءٌ عنه يُخْفِيهِ الشَّخْصُ مَقْصُورٌ على نَفْسِهِ عنه وهذا القَدْرُ يَكْفِيهِ يُبْدِيهِ وَقْتاً ثم يُخْفِيه قال: أخسر الأخسرين شاهد يشهد على نفسه، كما أن أسعد السعداء من شهد لنفسه، فهو في الطرفين مقدّم في السعادة والشقاء ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهم الذين أشقوا أنفسهم بشهادتهم، وأما من شهدت عليه جوارحه فما تعظم فضيحته من حيث شهادة جوارحه عليه، وإنما تعظم فضيحته من حيث عجزه وجهله بالذب عن نفسه في حال الشهادة، فإنه ما سمّي ذلك النطق شهادة إلاَّ تجوز، إلاَّ أن الجوارح تشهد بالفعل ما تشهد بالحكم فإنها ما تفرّق بين الطاعة المشروعة والمعصية فإنها مطيعة بالذات لا عن أمر، فبقي الحكم لله تعالى فيأخذه ابتداء من غير نطق الجوارح، وهنا يتميز العالم من غيره. ومن ذلك بلوغ الأمنية في الرحمة الخفية : [البسيط] بُلُوِغُ ما يَتَمَنَّى العَبْدُ لَيْسَ لَهْ وإنَّما هو لله الذي خَلَقَهْ يَزِيدُ قَدْراً على أمثاله طَبَقَهْ ومن يكونُ بهذا الوَصْفِ فهو فَتَّى قال: ألذّ ما يجده الإنسان ما لا يشارك فيه، ولذلك نسب من نسب من الحكماء الابتهاج بالكمال لله لعدم المشارك له في ذلك الكمال، فلا لذة أعظم من عدم المشاركة في الأمر والانفراد به حتى يكون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذه هي الرحمة الخفية، وإنما سميت خفية لعدم المشاركة فإنه ما يعرفها إلاَّ صاحبها والذي يعلم السر وأخفى، وعلم الله بها معك لا يمنعها من الخفاء لأن الخفاء إنما هو عن الأكوان لا عن الله، فإن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فالشيء لا يخفى عنه عينه، وهذا هو العجب أن الإنسان لا يعرف نفسه كيف لا يعرف العارف نفسه وقد عرف أنها لا تعرف. ومن ذلك العالم الذي يخشى هو الليل إذا يغشى: [الرمل] وهُمُ عند الإِلْهِ الحُكَمَا صِفَةُ الخَشْيَةِ نَعْتُ العُلَمَا في الذي قد قلتُه فى العُلَمَا والذي يَجْهَلُ ما جِئْتُ به مع هذا مع هذا في عَمَى لم يَزَلْ إِمَّعَةً لا يَهْتَدي قال: الغشيان نكاح وهو ستر فهو سر، فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً غطاها بذاته وسترته بنفسها فكان لها لباساً وكانت له لباساً: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ ﴾ [البقرة: ١٨٧] فالعالم من انسحب علمه على كل شيء فغشاه فلم يخرج عن علمه شيء من الأمهات فلبسه كل شيء فهو ثوب كل شيء متى يكون ذلك إذا كان قلبه بيت الحق، فإذا لبسه الحق بكونه ٢٢٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة في قلبه ولبسه العبد بكونه جميع قواه والحق هو الجامع وعلمه ليس غير الحق فقد علم كل شيء، وإذا علمه فقد غشيه، وإذا غشيه فقد لبسه، وإذا لبسه انفعل عنه ما ينفعل ويصير ذلك المنفعل أهلاً له أيضاً يغشاه. ومن ذلك الرّة عن الدين شيمة الملحدين: [الرمل] صَاحِبُ الرِّدَّةِ لا تَخسَبُهُ عالماً بالأمْرِ فيما قد عَلِمْ بل هو الجامعُ حَقّاً ولذا كل ما يسمعُ من قَوْلِ حُكِمْ والذي يعقلُ هذا لا جَرَمْ أَنَّهُ يصدقُ فيما قاله قال: الدين الجزاء فلا يميل عن الجزاء إلى العمل على العبودة وتكون عبادته لذات الحق كما هي عبادته في الآخرة، كان عند الناس ملحداً وعند ربه موحداً فإنه سلم من البواعث المعلولة في عبادة ربه، فهذا هو الإلحاد المحمود، وما سمّي إلحاداً إلاَّ لما فيه من الميل عن العمل على الأمر. إلاَّ أنه لا بدّ أن يكون من هذه حالته في عبادته أن يشهد ويسمع أمر الحق بتكوين الأعمال فيه التي شرعت له أن يعملها فيراها تتكوّن فيه عن أمر الله على الموافقة لما شرع الله من الأمر والنهي ويسمع أمر الحق بالتكوين، فإن لم تكن هذه صفته فما هو ذلك الرجل الذي بوّبنا عليه أن الردّة عن الدين شيمة الملحدين، فبهذا يعرف نفسه صاحب هذا المقام فلا يأخذه بالقوّة. ومن ذلك اقتحم العقبة من أفرد نفسه بالمرتبة: [البسيط] ظَنْ تَظُنُّ فإن الحَقَّ يَسَّرَهُ لا تَقْتَحِمْ شِدَّةً فالأمْرُ أَيْسَرُ مِنْ وبعد تخييره في الأمر حَيَّرَهُ إن الوُجُودَ مع الإنسان خَيَّرَهُ وبعد هذا إذا ما شَاءَ أنْشَرَهُ أماتَهُ الله حَتْفاً ثم أقْبَرَهُ قال: من قال إني إله من دونه فما جهل إلاَّ بقوله من دونه ما جهل بقوله إني إله وحده ولكن بالمجموع فإنه أثبت الغير بقوله من دونه، فإن العبد إذا نطق بالحق وكان الحق نطقه فهو القائل إني إله لا العبد، فلا يحتاج أن يقول من دونه في نطقه بالحق فإن العبد لا يكون رباً ولا سيما في مثل هذا الذوق، فلا رائحة فيه جملة واحدة ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمٌ﴾ [المائدة: ١٧] فقولهم ابن مريم ونعتوه بالبنوّة، ولو قالوا ابن الله كان ذلك كله خطأ وكانوا كافرين، فلو قالوا الله والمسيح أياًما تدعو كما قال في الرحمن لم يفردوه بالمرتبة ولا أشركوه إنما الله إله واحد. ومن ذلك من ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه : [البسيط] وهو العَزِيزُ به فيه وإن هَانَا إن الدَّعِيَّ زَنِيمٌ حيثُ ما كانا الله سَوَّاهُ دونَ الخَلْقِ إِنْسَانَا الله جَمَّلَهُ الله عَدَّلَهُ قد أَظْهَرَ الله فيه عِزَّ قُدْرَتِهِ لو لم يكن لم يكن ذاك الذي كانا نَفْسي لهِ لم أكن في الخَلْقِ مِحْسَانًا لو كان لي أمَلٌ في غير ما خُلِقَتْ قال: جاء في الخبر النبوّي: ((مَنِ اذَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله)) أي له البعد وما له سيد إلاَّ الله، ولذلك نهى رسول الله وَل أن يقول أحدنا عبدي وأمتي، وليقل: غلامي وجاريتي، كما نهى أن نقول لمن له سيادة علينا ربنا، فانظر إلى هذه الغيرة ٢٢٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الإلهية وما تعطيه الحقائق، وكذلك من ادعى إلى غير أبيه ملعون أي قد بعده عن الأصل الذي تولد عنه، إلاَّ أنه لا يقال ابن إلاَّ لبنوة الصلب وإن جازت بنوة التبني، ولكن قول الله أولى في قوله: ﴿أَدْعُوهُمْ لَِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] ولا نشك أن الغيرة حكمت أن يقال: ((الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ)) ما لم ينفه صاحب الفراش، فبنوة التبني بالاصطفاء والمرتبة ولفظة الابن هي المنهي عنها، إلاّ أنه وردت رائحة في التبني في قوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَنَهُ﴾ بل أداة إضراب ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ [الزمر: ٤] وهنا في المصطفى إشكال من هو المصطفى؟ فقد يحتمل أن يريد محل الولد ليظهر فيه الولد بالتوجّه الإلهيّ في الصورة البشرية في عين الرائي كجبريل حين تمثل لمريم بشراً سوياً فقالت: ﴿إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَفِيًّا﴾ [مريم: ١٨] وهنا سرّ أيضاً فابحث عليه، فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ جئتك ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] لما أحصنت فرجها نفخ فيها روحاً من أمره فينسب إليه، فقالت النصارى: ﴿اُلْمَسِيحُ أَبْدُ اللَهِّ قَثَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] وقد يريد بالاصطفاء التبني، والله أعلم ما أراد من ذلك هل المجموع أو أحد الأمرين؟ ومن ذلك: [السريع] هو الإمامُ السَّيْدُ الأتْقَى مُسْتَمْسِكٌ بالعُزوَةِ الوُثْقَى بأنه المَسْعُودُ لا يَشْقَى أَخْبَرَ عنه الرُّوحُ فِي وَحْيِهِ لا يشقى من استمسك بالعروة الوثقى قال: العروة دائرة لها قطران بالفرض يفصلهما خط متوهم، فالعروة الوثقى أنت وهو من حيث قطريها، فالوجود منقسم بينك وبينه لأنه مقسوم بين رب وعبد، فالقديم الرب والحادث العبد، والوجود أمر جامع لنا: ((قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُها لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي)) فهذه عروة لها انفصام من وجه، فإنه لا بدّ أن ينحل نظام التكليف فترتفع هذه الصلاة المنشأة على هذه الهيئة، وتبقى صلاة النشأة الذاتية التي ربطتك به تعالى في حال عدمك ووجودك، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها فاستمسك بها فلا تفرده دونك ولا تشفعه بك بل أنت أنت وهو هو. ومن ذلك: [البسيط] مِثْلُ الذِّكَاةِ التي عَزَّتْ وما هَانَتْ إِنّ الزَّكَاةَ نُمُوٌّ حيث ما كانتْ قد زَيَّنَتْ عاطلاً منها وما شَانَتْ في كل حالٍ من الأحوال تُبْصِرُها قال: الزكاة ربو من زكا يزكو إذا ربا، والربا محرم والزكاة ربا، والذكاة فيما يكون عنه بالتناول الربو في المتناول، والميتة حرام لأنها ما ذكيت فهي مع المذكى كالربا مع الزكاة، فالجامع الأقرب بين الزكاة والذكاة التطهير، لأن الزكاة طهارة بعض الأموال، والذكاة طهارة بعض الحيوان، والجامع الأبعد بينهما ما فيهما من الربو والزيادة لمن تناول ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنَهَا﴾ [الشمس: ٩] أي جعلها تربو وتزكو وما تربو حتى يكون الحق قوتها، قال سهل بن عبد الله: القوت الله حين قيل له: ما القوت؟ فلما قيل له سألناك عن قوت الأشباح فقال: ما ٢٢٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة لكم ولها دعوا الديار لبانيها إن شاء عمرها وإن شاء خرّبها، وقد ورد: ((إنَّ الإيمانَ يَرْبُو فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ إذا مُدِحَ وَالمُؤْمِنُ لا يَرْبُو إلاَّ بِالمُؤْمِنِ فَإِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً)) فإن الحائط لا يعظم ويقوم إلاَّ بضم اللبن بعضها إلى بعض في البنيان، كذلك المؤمن يعظم بالمؤمن، والمؤمن من أسمائه تعالى. ومن ذلك: [المجتث] من الوُجُودِ عَمَايَهْ الخَوْضُ في كل أَمْرٍ ذا عِزَّةٍ وعِنَايَهْ إلاَّ إذا كُنْتَ فيه الخوض في آلائه عماية قال: إذا كنت أنت الآية عينها فأنت أقرب شيء إلى من أنت دليل عليه، فإذا خضت في الآية فأنت دال لا دليل فزلت عن كونك آية فبعدت عن المقصود فحجبت فصرت في عماية فلا تخض فيك، وانظر في ذاتك على الكشف حتى ترى بمن هي مرتبطة، فذلك الذي ارتبطت به هو مدلولها وهي آية عليه للأجنبي الخائض فيك ما أنت آية لك وإن كنت آية لك يقول تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَايَلِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] إشارة حسنة ونصيحة شافية حتى يخوضوا في حديث غيره، فأضاف الآيات إليه، فإن خضت فيها تعديت عنك إلى الجانب الآخر، والشأن في أن تكون أنت وهو أنت له وهو لك لا أن يكون هو لهو فلماذا أوجدك؟ ولا أن تكون أنت لأنت فاعلم. ومن ذلك: [السريع] فإنه علامةٌ في الرِّضَا إن الذي يَسْكُنُ تحت القَضَا يُعْرِضُ عنه السِّرُّ لو أغْرَضَا قد وَسِعَ الكُلَّ جمالاً فما قد لا يكون عن الرِّضَى السكونُ تحت القَضَا قال: ما كل من سكن تحت قضاء الله يكون راضياً بما قضي عليه، قد يكون الساكن مجبوراً مقهوراً إما لغفله وإما لأمر من خارج، فإذا رفع عنه القهر زال ما كان يدعيه من الرضى، فأخفى الله كذب الكاذب بالقهر في التشبيه بالصادق، فيرى كل واحد من الشخصين قد رضي، والواحد رضي طوعاً والآخر رضي كرهاً ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ [الرعد: ١٥] ولست أعني بالسماء هذه المشهودة المعلومة فهي إشارة إلى الرفع والأرض إلى الخفض، فأهل السماء يسجدون كرهاً وأهل الأرض يسجدون طوعاً بسب الأهلية، فقد يكون في السماء من هو من أهل الأرض فيسجد طوعاً، وقد يكون في الأرض من هو من أهل السماء فيسجد كرهاً وهو علم ذوق، فالساجد يعرف بأي صفة سجد؟ فهو أهل لما تعطيه تلك الصفة. وقال: العبد مأمور بالرضى بالقضاء لا بكل مقضي به فاعلم ذلك فإنه دقيق. ومن ذلك : [الخفيف] من عَصَى رَبَّهُ من العُلَّمَا لم يَزَلْ فِي ضَلالَةٍ وَعَمَى تَجِدُوهُ قالت به الحُكَمَا فانظروا في الذي أَفُوهُ به الفتوحات المكية ج٨ - ١٥٢ ٢٢٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة لم يزل في تضليل من عصى الله والرسول قال: لم يزل في حيرة من عصى الله والرسول، وما ثم إلاَّ واحد والرسول حجاب، وقد علمت أنه لا ينطق عن الهوى بل هو لسان حق ظاهر في صورة خلق، فإن رفعه ذمّه الله وإن تركه تركه على مضض، فأعطاه الله دواء من بلاء لهذه العلة وهو قوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] ثم زاده في الدواء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فلما أفرد الأمر في عين الجمع بل العليل من دائه ولذلك قال الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨] فإن العبد لا بدّ له من خواطر تقتضيها نشأته وبنيته، فمنها ما يوجب له مرضاً فيحتاج إلى دواء، ومنها ما لا مرض فيه وهو الخاطر السليم. ومن ذلك: [الخفيف] ثَمَرَ القُرْبِ عندما يَجْني لَذَّةُ الوَقْتِ للَّذي يَجْني لو دَرَى العالم الذي أَغْني فإذا قال كيف قلت له ولهذا سَتَرْتُهُ مِنِّي هَامَ وَجْداً به فكيف أنا قال الشاعر: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل لأن الوارد الذي يعطي الأمن الذي يرد على الخائف يكون الخائف أعظم التذاذاً به ممّن استصحبه الأمن وذلك لتجدد الأمن عليه عقيب الخوف، فجاء على النقيض ممّا كان يأمله وينتظره من وقوع الأمر المخوف منه، فوجد الالتذاذ الذي لا يكون ألذّ منه، فلو فتح الله عين بصيرته ورأى تجدّد نشأته في كل نفس مع جواز عدم التجدد واللحوق بالعدم لكان في لذة دائمة، لكن ما كل أحد يعطى هذه الرتبة بل الإنسان كما قال تعالى في: ﴿لَيْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] وهو في مفهوم العموم النشأة الآخرة، فالجاني هو الذي ينتظر العقوبة، فإن كان مؤمناً فإنه ينتظر إما العقوبة من الله على ما جنى أو العفو والمغفرة، فإذا جاءته المغفرة وجد لها من اللذة ما لا يقدر قدرها إلاَّ من ذاتها . ومن ذلك : [البسيط] وظُلْمَةُ الجَهْلِ تُرْدِیهِ وتَسْحَبُهُ من كان في النُّورِ كان النُّورُ يَصْحَبُهُ أقْوَى ومن جاءه في الحِينِ يُذْهِبُهُ فكُنْ به لا تَكُنْ فإنه سَنَدْ ولاية النور حبور وولاية الظلمة تبور قال: بولاية النور يكون الظهور فتبدو له عين الأشياء فتفرق همومه وغمومه، فله في كل منظور إليه تنزه وعلم وفتح لا يكون في الآخر، فتقترن به لذة وسرور على قدر ما كان له من التعطش لطلب ما رآه إن كان معلوماً عنده، قيل ذلك بالقوة أو على قدر رتبة ذلك المنظور في الحسن والطعم، وبولاية الظلمة يهلك في حقه كل ما سترته الظلمة واجتمع عليه همّه فإنه لا يتمكن له أن يكون من نفسه في ظلمة فتقل لذاته، فإن فتح له فيه بسرّ الغيب وعظيم مرتبته على الشهادة كان سرور بالظلمة أتم. ومن ذلك : [البسيط] منه فإن هَلاكَ الأجْرِ في الخَلَفِ إذا مَضَى عنك شيءٌ لا تُرِدْ خَلَفاً إن المقام الذي أرْجُوهُ في الثَّلَفِ وقُلْ له بالذي تَحْوِيهِ من عَجَبٍ ٢٢٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة التلف قد يكون في الخلف قال: من أعطى مؤدياً أمانة فأخلف الله عليه مثل ما أعطى فقد زاد في حجبه فقد زاد في نصبه، فإنه ما يعطيه الله شيئاً إلاَّ ويأمره بحفظه وتقوى الله فيه، ولا سيما في دار التكليف، وإنما قيدناه بهذا القيد لقوله تعالى لسليمان عليه السلام: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنَّ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] مع كونه عن السؤال بقوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [صَ: ٣٥] يريد المجموع لأنه ورد أن أصحاب الجد محبوسون لأنهم خرجوا عن أصولهم فإن أصلهم الفقر فما أثنى عليهم إلاَّ بالذلة والافتقار لأنهم لو لم يفتقروا لما أعطاهم الحق ما حجبهم به وأتعبهم فيه وأمرهم بأداء ما يجب عليهم فيه من حقه وحق من له استحقاق كالزكاة وغيرها، فما وقفوا مع الأصل وهو فقرهم بل قالوا لما فرض الله عليهم الزكاة في أموالهم هذه أخية الجزية وأين ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ (٢٥) فَلَمَّآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَّهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ -٧٦] وقالوا ما ذكرناه ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] فلو ثبتوا على ما أعطاهم الحق ولم يطلبوا الزيادة لم يعطهم سوى ما يبقي عليهم الخلق الذي أعطاهم حين أعطى كل شيء خلقه فيحفظ عليه خلقه دائماً، فإياك والافتقار فما حجب الأغنياء سواء لافتقارهم إلى الزيادة فيما في أيديهم وما اقتنعوا. ومن ذلك: [البسيط] فَلْتَحْمَدِ الله شُكْرًا عندما فَاتَّا المَقْتُ بالوَقْتِ مَقْرُونٌ فإن فَاتَا فُتَّ الذي كان قبل المَقْتِ قد مَاتَّا واعلم بأن له حقاً عليك إذا مقت الوقت قال: إذا عامل صاحب الوقت وقته بما يجب له فأدّى حقه سلم من المقت فيه، فإذا علق همّه في وقته بما خرج عن وقته فهو في وقته صاحب مقت لشغله بالمعدوم عن الموجود، والأدب لا يكون إلاَّ مع الحاضر، حتى أن الغائب إذا تؤدّب معه لا يتأدب معه من حيث هو غائب، وإنما يتأدب مع اسمه إذا ذكر، وإذا ذكر الغائب فقد حضر اسمه في لفظ الذكر له فما وقع الأدب إلاَّ مع حاضر، فإن المذكور جليس الذاكر إياه بالذكر، فلا تشغل نفسك بما خرج عن وقتك فتكون ممن مقته الوقت، ومن مقته الوقت فذلك مقت الله فاحذر . ومن ذلك : [السريع] يَفْرَحُ من يَعْقِلُها هكذا ما فَرْحَةٌ تَعْقُبُهَا تَرْحَةٌ صِدْقاً بما يَغْقُبُها مِنْ أَذَى بها فإن الله أخبَرنَا الفرح ترح قال: إذا علم من فرح خاص من شأن النفوس أن تفرح به إن الله لا يحب الفرح بذلك الفرح، وذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] فعلمنا أنه فرح بأمر معين فعاد فرحه بذلك ترحاً فحزن لفرحه على قدر فرحه، فإن كان عظيماً عظم حزنه، إن كان دون ٢٢٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ذلك كان الحزن والترح بحسبه. ثم إن الله أمر عباده أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بما يجمعه من المال فإنه يتركه بالموت في الدنيا ولا يقدمه فأمرك بالفرح بالفضل والفضل ما زاد على ذلك، لكنه أيضاً من خلق الفضل فأعطى الفضل خلقه ولم يكن له ظهور إلاَّ فيك، فاحمد الله حيث جعلك محلاً لفضله ورحمته، فافرح لأمره إياك بالفرح تجني ثمرة أداء الواجب في الفرح. ومن ذلك: [السريع] يا ليت من أَمْرَضَني مَرِضًا (١) يُمْرِ ضُني الحَقُّ إذا أغْرَضَا يُعْقِبُني إتيانُه من رِضَى وليتَهُ يأتي إليَّ بما أشد الأمراض الإعراض قال: ما يصحّ الإعراض على الإطلاق فإنه ما ثم إلى أين، وإنما يصحّ الإعراض المقيد ومنه المذموم وهو أشد مرض يقوم بالقلوب. وقال: الإعراض عن الآيات التي نصبها الحق دلائل عليه دليل على عدم الإنصاف واتباع الهوى المردى، وهو علة لا يبرأ منها صاحبها بعد استحكامها حتى يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب فعند ذلك يريد استعمال الدواء فلا ينفع كالتوبة عند طلوع الشمس من مغربها، لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، والإيمان عند حلول البأس وعند الاحتضار والتيقن بالمفارقة. وقال: الإعراض عن الله لا يتصوّر، وكذلك الإعراض عن الخلق مطلقاً لا يتصور فما هو الفارق؟ ومن ذلك : [الطويل] لَتَعْقُبُها الأمراضُ إن كان ذا نَفَسٍ إذا قَامَتِ الأغراضُ بالنَّفْسِ إنه تَحُلُّ به الآلام من حَضْرةِ القُدُسِ وكلّ كريمٍ لم يَنَلْهَا فإنَّه إذا هي حَلَّتْ في الملول وفي العَسَسِ وإن لها في عالم الخَلْقِ صَدْمَةً من محمود الأغراض الإعراض. قال: أعرض عن من تولى عن ذكر الله وهو قوله: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] لأن المتولي عن ذكر الله معرض فأظهر له صفته في إعراضك عنه لعله يتنبه فإنه يأنف من إعراضك عنه لما هو عليه في نفسه من العزّة، فإن إعراضك عنه إذلال في حقه وعدم مبالاة به، وما خالفك إلاَّ لتقاومه لا لتعرض عنه، فإن المعرض بالتولي إذا تبعته زاده اتباعك نفوراً وعدم التفات، فإذا أعرضت عنه ووليته ظهرك كما ولأك ظهره لم يحسّ بأقدام خلفه تهدّى في مشيته وأخذ نفسه وارتأى مع نفسه فيما أعرض عنه وإلتفت وما رآك خلفه فصار يحقق النظر فيك وأنت ذو نور فلا بدّ أن يلوح له من نورك ما يؤدّيه ويدعوه إلى التثبت في أمرك وفيما جئت به فلعله أن يكون من المهتدين، فهذا الإعراض صنعة في الدعاء إلى الله. ومن ذلك: [الطويل] إذا كان ذاك الذكرُ منّي على ذِكْرٍ ألا إنّ ذِكْرَ الذِّكْرِ أمْنٌ مِنَ المَكْرِ (١) في البيتين زحافات وعلل لا تجوز (فعلن بدل فاعلن). ٢٢٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ألا إن ذِكْرَ الذِّكْرِ أمْنٌ من المَكْرِ فقُلْ للذي قال الدليلُ بِفَضْلِهِ ذكر الذكر أمن من المكر. قال: ذكر الذكر مثل حمد الحمد، وحمد الحمد أصدق المحامد بلا شك وأوفاها، كذلك ذكر الذكر أنفع الأذكار وأصدقه شهادة للذاكر، فإن الذكر إذا ذكرك فإنه لا يذكرك إلاَّ من مقامه، ومقامه عزيز وأنت في تلك الحالة ذكره فيكون كما هو الحق إذا سميناه ملك الملك، فهذا وراثتك من هذا الاسم الإلهيّ. وقال: إذا تجسدت الصفات وظهرت لها أعيان في الصور كان الذكر أجملها صورة وأعلاها مرتبة فإنه لا شيء أعلى من الذكر، وسبب ذلك أنه ما بأيدينا من الحق إلاَّ الذكر ولذلك قال: ((أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي)) فقد صيّر ذاته ذكره. ومن ذلك: [الطويل] ألا إنّ نَعْتَ الحَقِّ يَظْهَرُ في الخَلْقِ وقد حُزْتُ فيما قُلْتُهُ قَصَبَ السَّبْقِ يَجُودُ بما يَفْنَى عَلَيَّ ولا يُبْقي إذا كان حَالَ العَبْد هذا فإنّه ما تعدى من إذا شهد صفة الحق تصدّى. قال: العارف من ينظر المحال من حيث ظهورها بصفات الحق فيعظم الصفة حيث ما ظهرت إلا إن تخيل المحل أن التعظيم له، فيجب على العالم إذا كان حكيماً أن لا يظهر تعظيم الصفة لما يطرأ على المحل من الأمر الذي يؤدّي إلى هلاكه، فإن فعل ذلك وجب عليه العتب إن لم يحق عليه العذاب، فالإنسان إما أن يلحق المحل بالصفة أو يلحق الصفة بالمحل، فإن ألحق المحل بالصفة عظم المحل بوجه في وقت ومقته بمقت الله في وقت، كالمتكبرين والجبارين الذين ذمّهم الله، وإن ألحق الصفة بالمحل لم يقدر قدرها ولم ينزلها منزلتها فكان من الجاهلين. فإذا كان مشهوده الصفة فلا يبالي ألحق المحل بها أو ألحقها بالمحل فإن التعظيم منه لها مصاحب، وينظر في المحل بحسب الوقت، وحكم الشرع فيه والموطن كأبي دجانة وأمثاله. ومن ذلك: [البسيط] إن الأَدِلَّةَ أسْتَارٌ وقد سُدِلَتْ من غيرة الحَقّ إسبالاً على الحُرَمِ عن الطَّوَافِ ببيت الله في الحَرَمِ فمن يَطُوفُ بها تُغْنِيهِ حالتُه من وقف مع الدليل حرم المدلول. قال: من وقف عند شيء كان له، فقف مع الحق تكن للحق بلا خلق، وإياك أن تقف مع الحق من كونه دليلاً على نفسه، فإنك إن وقفت معه على هذا الحد حرمته لأن الدليل والمدلول لا يجتمعان أبداً، فإن الناظر في الشيء في كونه كذا إنما هو ناظر إلى الحكم لا إلى الشيء من حيث عينه، فيحرم عين ذلك الشيء، ولا تنظر إليه من حيث ما هو مشهود لك فتراه من حيث حكم أنه مشهود فما تراه ولا من حيث أنت تشهده بك أو به، كل ذلك حجاب على عين شهودك إياه في عين شهودك، فقف مع الحق لعينه خاصة فإنك تحوز بذلك أعلى رتبة في العلم به. ومن ذلك من علم أن عمله يرى لم يعبد الورى : [البسيط] وكُنْ على وَجَلِ من ذلك العَمَلِ أَخْلِصْ لرَبِّكَ ما تُبْدِيهِ من عَمَل بما أتَيْتَ به وأَخْذَرْ من الخَجَلِ واعْلَمْ بأنك مسؤولٌ ومُرْتَهَنْ قال: لا بدّ أن يوقفك الحق ويشخص لك أعمالك كلها وهو قد أمرك بالعمل فيرى هل ٢٣٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة عملت بما أمرك به من الأعمال وقد أمرتك نفسك بعمل وأمرك الخلق بعمل فتأتي ولك ثلاثة أنواع من العمل ترفع إليك خزائنها، فما كان لله فهو الله مخلص فيزول إضافته إليك، وكذلك ما كان للناس، ولا يبقى لك إلاَّ ما كان لك فيقال لك: هل خلعت على هذه الأعمال كلها حكم الحق عليها فجريت فيها بحكم الحق حتى تكون مؤمناً أو كنت في وقت عملك تشهد أنك آلة يعمل بها خالقك كل عمل ظهر منك أو ما تعدّيت بالعمل غير ذات العمل لما أمرك به من أمرك كان من كان، فأنت عند ذلك بحسب ما يكون الأمر في نفسه والرسول حاضر معك وكل من أمرك حاضر عند ذلك، فإنه في وقت أمره إياك بالعمل قد تعبدك وأنت لمن تعبدك في كل عمل، فتكون في الزمن الواحد في أحوال مختلفة فتكون الرائي المحجوب المعذب المنعم كما يجمع الحق بين الأضداد. ومن ذلك عمل بعلمه من استغفر في ظلمه: [البسيط] فإنني منهما والله في خَجّلٍ أَسْتَغْفِرُ الله من ظُلْمي ومنِ زَلَلِي من قوله خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ إني عجلتُ إلى رَبِّي لأَرْضِيَهُ قال: الظالم ظالمان ظالم لنفسه وظالم نفسه، فالظالم نفسه طلب منه الاستغفار مع أنه يغفر له وإن لم يستغفر، وإنما أمره الحق بالاستغفار ليقيمه إذا جنى ثمرة ذلك في مقام الإذلال لما له في ذلك من الكسب، فإن الذي يأخذ من جهة الهبة قصير اليد، والذي يأخذ من كسبه طويل اليد فإنه طالب حق ومستحقه، فالرجل من أخذ من كسبه في حال ذلة، ويده قصيرة ما دام في الحياة الدنيا فإنه لا ينفذ في ظلمة الكسب إلى الوهب إلاَّ بنور ساطع قوي من المعرفة الصحيحة التي لا علة فيها ولا تأثير للأكوان، وإن غولط فيتغالط إذا كان أديباً لأنه لا يغالط إلاَّ والمواطن يعطيه فيجري مع الحق فيما أجراه فيه والحق يعلم ما هو فيه. ومن ذلك ما أحاط من شاهد البساط : [الخفيف] ذا ضَلالٍ وحَيْرَةٍ في البِسَاطِ كلّ من يُشَاهِدُ البِسَاطَ تَرَاهُ إنما كان ذلكم في انْبِسَاطي فإذا ما سألْتَهُ قال صدقاً قال: أهل البساط لا يتعدى طرفهم من هم في بساطه، غير أن البسط كثرة بساط عمل وبساط علم وبساط تجلِّ وبساط مراقبة، فإن كنت في العمل فما، وإن كنت في العلم فيمن، وإن كنت في التجلي فمن، وإن كنت في المراقبة فلمن، وهكذا في كل بساط يكون، فيقال لك في العمل ما قصدت، وفي العلم من هو معلومك، وفي التجلي من تراه، وفي المراقبة لمن راقبت، فأنت بحسب جوابك عن هذه الأسئلة، فأنت محصور بالخطاب محصور بالجواب، فما تشاهد سوى الحال الخاص بك ما دمت في البساط، فإن أجبت بما يقتضيه الحال كنت حكيماً حكماً، وإن أجبت بالحق لا بك فكنت على قدر اعتقادك في الحق ما هو، وإن أجبت بنفسك أجبت إجابة عبد والمراتب متفاضلة. ومن ذلك علم الاختصاص بالختم الخاص : [البسيط] من البَهَالِيلِ أهْلِ الجُودِ والرِّفَدِ إنّي من أصل أجْوادٍ خَضَارِمَةٍ ولا يَرَى جُودَهُ يجري إلى أمَدٍ ما منهمُ أحَدٌ يسعى لمَفْسَدَةٍ ٢٣١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة قال: الختم الخاص هو المحمدي ختم الله به ولاية الأولياء المحمديين أي الذين ورثوا محمداً وَلَّ، وعلامته في نفسه أن يعلم قدر ما ورث كل ولي محمدي من محمد واله فيكون هو الجامع علم كل ولي محمدي لله تعالى، وإذا لم يعلم هذا فليس بختم، ألا ترى إلى النبي ◌َّ لما ختم به النبيين أوتي جوامع الكلم واندرجت الشرائع كلها في شرعه اندراج أنوار الكواكب في نور الشمس، فيعلم قطعاً أن الكواكب قد ألقت شعاعاتها على الأرض وتمنع الشمس أن تميز ذلك فتجعل النور للشمس خاصة. ومن ذلك المدى الشاسع مانع : [مجزوء الوافر] رجِالٌ ما لهم مَانِعْ إذا بَلَغَ المدىُ الشَّاسِخْ عبيداً حاله جَـامِعْ تراهم في محاربهم البُعدُ عَنْهُمُ قَاطِعْ لما يَلْقَاهُ من ألم قال: لما خلق الله الإنسان عجولاً وَخلق فيه الطلب ولم يحصل له مطلوبه في أوّل قدم بعد عليه المدى لعجلته فيقف مع طول المدى فيمتنع من حصول الفائدة، فإن الله لا ينال بالطلب، فالعارف يطلب سعادته ما يطلب الله، فإن الحاصل لا يبتغى فإن الله يجل أن يطلب بمسافات الأقدام وبمشاقات الأعمال وبالأفكار، فكما أنه لا يتحيز كذلك لا يتميز، فهو معلوم لنا أنه في كل شيء عين كل شيء، ومجهول التمييز لما نشهده من اختلاف الصور، فما تقول في صورة هو هذا إلاّ وتحجبك عنها صورة هو عينها تقول فيها هو هذا، وتغيب عنك هويته بمغيب الصورة الذاهبة، فلا تدري على ما تعتمد كالمتحير بالنظر الفكري لا يدري ما يعتقد سواء كلما لاح دليل له لاحت له شبهة فيه، فلا يسلم له دليل من شبهة أبداً لأنه أعظم دليل ونحن شبهته. ومن ذلك منازلة الإمام في الأنام: [الوافر] مُنازَلَةُ الإمامِ مع الأنَامِ مُؤَدِيَةٌ إلى قَتْلِ الغُلامِ لقد أغْفَلْتُمُ طَرْحَ اللَّثَامَ فقل للمُنْكِرِينَ صَّحِيحَ قَوْلي قال: المالك مملوك بلا شك فإن ملكه يملكه بما يحتاج إليه، فإن الملك فقير إلى أشياء لا بدّ منها لا تحصل له إلاَّ من مالكه فيقيد به مالكه فيكون مملوكاً له إن أراد أن يكون ملكاً، وإلاَّ فهو معزول تعزله المرتبة، لا يمكن أن يكون أحد من المالكين أعظم من الحق وهو ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأٍْ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقال: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] وما ثم إلا سماء وأرض، فالسماء تمور والأرض تذهب وذلك لما هو مالك، ولو لم يحفظنا ما حفظ ملكه عليه وزال عنه حكم اسم الملك. ومن ذلك الفرق بين المسيح والمسيح: [الكامل] عَجَباً لعيسى كيف ماتَ وطالما قد كان يَنْشُرُنا من الأجْدَاثِ ما ذاك إلاَّ كَوْنُهُ مُتَبَرِّياً ممّا رَمَتْهُ به يَدُ الأحداثِ قال: عيسى عليه السلام هو المسيح، وكل من مسح أرضه بالمشي فيها والسياحة في نواحيها ليرى آثار ربه فما يراه منها وهو قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩] بأقدامهم وأفكارهم والأرض أيضاً نظرهم في عبوديتهم فإنها تقبل المساحة بما فيها من التفصيل، غير ٢٣٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة أنه في كل فصل منها وصل حق فاللَّه في كل فصل عين، والمسيح أيضاً من مسحت عينه التي يرى بها نفسه وبقي عليه عينه الذي يرى بها ربه، فإذا لم ير إلاّ الله يقول أنا الله ويصدق فإن عينه التي يرى بها نفسه ذهبت وهو بالنشأة دجال تكذبه النشأة فهو الدجال الصادق، فجمع بين الصدق والكذب، فصدق من حيث ما شاهد، وكذب من حيث ما فاته، فلو علم أن عينه ممسوحة لعلم ما فاته، وادّعى الحق بالحق ولكن جرى الأمر هكذا، فعيسى أحيى الموتى الذين ماله تعمل في موتهم فهو أتم لأنه لا يُحيي إلاَّ من أمات، فعلم من أين تؤكل الكتف، والدجال أحيى الميت الذي قتله خاصة. ومن ذلك سما من علم أسماء الأسماء: [الطويل] على ما به سمّى الإلُهُ وُجُودَهُ إذا كانت الأسْماءُ مِنَّا تَدُلُّنَا فما عندنا غَيْرُ الأسامي مُحَقَّقٌ حقيقة من سَمَّى بنا نَفْسَهُ لنا وَفَيْنَا له بالعَهْد لما تَحقَّقَتْ وقعتُ على ما كنت منه أخافُهُ فما يُبْدِي(١) منه سوى الخَيْبَةِ التي فما مثله شيء فنّزُهْ كَوْنَهُ ومن ذلك علم الأسرار والأنوار: [الكامل] مَنْ شَاءَ يَلْقَى الرُّوحَ في الأنْوَارِ ولْيَشَّكِلْ فيه على مَعْلُومِهِ فنحن وإِن كُنَّا بوَجْهٍ عَبِيدَهُ فمن يَذْرِ ما قُلْناه حاز شُهُودَهُ نُفُوسٌ لنا ترعى لدينا عُهُودَهُ وقد كنت قبل اليوم أخْشَى شُرُودَهُ ملأت بها كفّي فحَقَّقَ جُودَهُ عن المِثْلِ فاخفَظُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ فَلْيَتَّخِذْ مَرْقَى إلى الأسْرَارِ فحجابُهُ القَيُّومُ بالأبْصارِ قال: الأنوار شهادة والحق نور ولهذا يشهد ويرى، والأسرار غيب فلها الهو فلا يظهر الهو أبداً، فالحق من حيث الهو لا يشهد وهويته حقيقته، ومن حيث تجليه في الصور يشهد ويرى ولا يرى إلاَّ في رتبة الرائي، وهو ما يعطيه استعداده، واستعداده على نوعين: استعداد ذاتي وبه تكون الرؤية العامة، واستعداد عارض وهو ما اكتسبه من العلم بالله وتحلّت به نفسه من نظره العقلي، فيكون التجلي تابعاً لهذا الاستعداد الخاص فيه يقع التفاضل. ومن ذلك دين الأنبياء واحد ما ثم أمر زائد، وإن اختلفت الشرائع فثم أمر جامع: [الكامل] ومَقَامُهُ بين الأنَامِ شَدِيدُ الدِّينُ عند الأنْبياء وَحِيدُ عنهم وقامَ لهم بذاكَ شَهِيدُ فإذا الرجالُ تَفَطَّئُوا لرَحِيلِهِ يوماً بقصدهم إليه يَعُودُ جاؤوا إليه مُهْطِعِينَ لَعَلَّهُ قال: هو إقامة الدين وأن لا يتفرق فيه، ما خلق الله حلالاً أبغض إليه من الطلاق وهو بيد من أخذ بالساق، فلماذا يقصد إلى البغيض مع هذا التعريض؟ نكاح عقد وعرس شهد، وابتنا ببكر صهيا في لجة عميا، نفوس زوّجت بأبدانها ولم يكن ناكحها غير أعيانها، ثم أنه مع التكدر والانتقاص لات حين مناص، ثم مع هذا يدعو ويجاب إن هذا لشيء عجاب، (١) البيت مختل الوزن. ٢٣٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وأعجب من ذلك جبال سيرت فكانت سراباً وسماء فتحت، فكانت أبواباً ذات حبك وبروج وأرواح لها فيها نزول وعروج، وما لها من فروج فأين الولوج وأين الخروج؟ وأين النزول وأين العروج؟ هذا موضع الاعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار، والله إن أمراً نحن فيه لمريج وإن زوجاً زوّجنا به لبهيج، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، ووتد مفروق ووتد مجموع، ظلمة ونور وبيت معمور، وبحر مسجور ومياه تغور، ومراجل تفور، فار التنور واتضحت الأمور، نجوم مشرقة ورجوم محرقة، شهب ثواقب وشهب ذات ذوائب، كلما نجمت ذهبت، يا ليت شعري ما الذي أنارها؟ وما الذي أوجب شرارها؟ وأخواتها ثوابت لا تزول في طلوع وأفول، ليل عسعس فظهرت كواكبه وصباح تنفس فضحه راكبه، جوار خنس في مجاريها وظبا كنس لتحفظ ما فيها، ليل ونهار، إنجاد وأغوار، إبدار وسرار يا أهل الأفكار، أقسم نجيكم قسماً لا لغو فيه ولا ثنيا أن الذي جاء بهذا كله لصادق يؤمن به لا بل يعلمه الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق شخص من الجنس أيّد بروح القدس، قيل له: بلغ فبلغ، وذكر فأبلغ، وقذف بالجو على الباطل فدمغ، فزهق الباطل وتحلّى العاطل، نشأة الآخرة ردّه في الحافرة، كيف يكون التجسد مع التقيد؟ إن كان في نفس الأمر انقلاب العين فقد جهل الكون، وإن كان في النظر فهو من مغالط البصر، فإذا انبهم الأمر وأشكل فما لك إلاَّ أن تتوكل، فأسلم وجهك إلى الله وأنت محسن تكن ممّن استمسك بالعروة الوثقى، فإنه خير لك وأبقى، وكن مع الرعيل الذي خوطب بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] تكن السعيد الذي لا يشقى، فإن نزلت عن هذه الدرجة فانزل إلى الآخرة خير وأبقى، فإنهم وإن كانوا سعداء فإنه لا يستوي المؤمنون الميتون على فرشهم والشهداء، فلكل علم رجال ولكل مقام حال، ولكل بيت أهل ومع كل صعب سهل، وهذا القدر كاف في هذا الباب لمن علم فطاب، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب . انتهى الباب بانتهاء المجلدة الخامسة والثلاثين من هذا الكتاب. والحمد لله وصلَّى الله على محمد رسوله بخط يد منشىء هذا الكتاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ الباب الموفي ستين وخمسمائة في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ومن وقف عليها إن شاء الله تعالى [نظم: البسيط] وَصَّى الإِلْهُ وأوْصَتْ رُسْلُهُ فَلِذَا لولا الوَصِيَّةُ كان الخَلْقُ في عَمَهِ فاعملْ عليها ولا تُهْمِلْ طريقتَها ذكرتُ قَوْماً بما أوْصَى الإلهُ به فلم يكن غير ما قالوه أو شَرَعُوا فهَدْيُ أَحْمَدَ عَيْنُ الدِّينِ أجْمَعه لم تَطْمِسِ العَيْنَ بل أعطته قُوَّتَها وخُذْ بسِرِّكَ عنه من مراكزه إلى الثوابت لا تَنْزلْ بساحتها ومنه للقَدَمِ الكُرْسِيِّ ثم إلى إلى الطبيعة للنفس النزيهة للـ إلى العَمَاءِ الذي ما فوقه نَفَسٌ وانظر إلى الجَبَلِ الراسي على الجَبَلِ لولا العُلُوُّ الذي في السُّفْلِ ما سَفَلَتَ لذلكم شَرَعَ الله السُّجُودَ لنا هذي وصيَّتُنا إن كنت ذا نَظَرٍ ترى بها كل معلوم بصورته حتى ترى المَنْظَرَ الأعلَى وليس له فإن دعاكَ إلى عَيْنِ مَشْرَبِها إنا أناثٌ لما فينا يُوَلِّدُهُ إن الرجالَ الذينِ العُزْفُ عَيْنُهُمُ كان الثَّأَسِّي بهم من أفْضَلِ العَمَلِ وبالوصيةِ دَارَ المُلْكُ في الدُّوَلِ إن الوصيَّةَ حُكْمُ الله في الأزَلِ وليس إحداثُ أمْرٍ في الوصية لي من السُّلُوكِ بهم في أقْوَمِ السُّبُلِ ومِلَّةُ المصطفى من أنْوَرِ المِلَلِ حتى يُقِيمَ الذي فيه من المَيَلِ عُلْواً إلى القمر العالي إلى زُحَل وانْهَضْ إلى الدَّرَجِ العالي من الحَمَلِ العَرْش المحيط إلَى الأشكال والمُثُلِ ـعَقْلِ المُقَيَّدِ بالأعراض والعِلَلِ منه إلى المنزل المنعوت بالأزلِ وقد رآه فلم يَبْرَخِ ولم يَزَلِ وجوهُنا تطلبُ المَرْأَى بالمُقَلِ فنَشْهَدُ الحَقَّ في عُلْوٍ وفي سَفَلٍ فإنها حيلةٌ من أحسن الحِيَلِ على حَقِيقَةِ ما هو لا على البَدَلِ سواك مَجْلَى فلا تَبْرَحْ ولا تَزُلِ فلا تُجِبْهُ وكُنْ منه على وَجَلٍ فَلْنَحْمَدِ الله ما في الكون منِ رَجُلٍ هم الإناثُ وهم نفسي وهم أَمَلِيَ فمن ذلك وصية قال الله تعالى في الوصية العامة: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ اُلِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَضَّيِّنَا بِهِ: إِنْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَنَّ أَنْ أَقِيمُوْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣] فأمر الحق بإقامة الدين وهو شرع الوقت في كل زمان وملة، وأن يجتمع عليه ولا يتفرق فيه، فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب القاصية وهي البعيدة التي شردت وانفردت عمّا هي الجماعة عليه، وحكمة ذلك أن الله لا يعقل إلهاً إلاَّ من حيث أسمائه الحسنى لا من ٢٣٤ ٢٣٥ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... حيث هو معرّى عن هذه الأسماء الحسنى، فلا بدّ من توحيد عينه وكثرة أسمائه وبالمجموع هو الإله فيد الله وهي القوّة مع الجماعة. أوصى حكيم أولاده عند موته وكانوا جماعة فقال لهم: ائتوني بعصيّ فجمعها وقال لهم: اكسروها وهي مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقها فقال لهم: خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها فقال لهم: هكذا أنتم بعدي لن تغلبوا ما اجتمعتم، فإذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فأبادكم، وكذلك القائمون بالدين إذا اجتمعوا على إقامة الدين ولم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدوّ، وكذلك الإنسان في نفسه إذا اجتمع في نفسه على إقامة دين الله لم يغلبه شيطان من الإنس ولا من الجن بما يوسوس به إليه مع مساعدة الإيمان والملك بلمته له. وصية: إذا عصيت الله تعالى بموضع فلا تبرح من ذلك الموضع حتى تعمل فيه طاعة وتقيم فيه عبادة فكما يشهد عليك إن استشهد يشهد لك، وحينئذ تنتزح عنه، وكذلك ثوبك إن عصيت الله فيه فكن كما ذكرته لك اعبد الله فيه، وكذلك ما يفارقك منك من قص شارب وحلق عانة وقص أظفار وتسريح شعر وتنقية وسخ لا يفارقك شيء من ذلك من بدنك إلاَّ وأنت على طهارة وذكر الله عزّ وجلّ فإنه يسأل عنك كيف تركك، وأقل عبادة تقدر عليها عند هذا كله أن تدعو الله في أن يتوب عليك عن أمره تعالى حتى تكون مؤدياً واجباً في امتثالك أمر الله وهو قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فأمرك أن تدعوه، ثم قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ يعني هنا بالعبادة الدعاء أي من يستكبر عن الذلة إليّ والمسكنة، فإن الدعاء سمّاه عبادة والعبادة ذلّة وخضوع ومسكنة ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي أذلاء، فإذا فعلوا ما أمروا به جازاهم الله بدخول الجنة أعزاء. ولقد دخلت يوماً الحمام لغسل طرأ عليّ سحراً فلقيت فيه نجم الدين أبا المعالي ابن اللهيب وكان صاحبي فاستدعى بالحلاق يحلق رأسه فصحت به: يا أبا المعالي فقال لي من فوره قبل أن أتكلم: إني على طهارة قد فهمت عنك فتعجبت من حضوره وسرعة فهمه ومراعاته الموطن وقرائن الأحوال وما يعرفه مني في ذلك، فقلت له: بارك الله فيك والله ما صحّت بك إلاَّ لتكون على طهارة وذكر عند مفارقة شعرك، فدعا لي ثم حلق رأسه، ومثل هذا قد أغفله الناس، بل يقولون: إذا عصيت الله في موضع فتحول عنه لأنهم يخافون عليك أن تذكرك البقعة بالمعصية فتستحليها فتزيد ذنباً إلى ذنب، فما ذكروا ذلك إلاَّ شفقة، ولكن فاتهم علم كبير فأطع الله فيه وحينئذ تتحول عنه فتجمع بين ما قالوه وبين ما وصيتك به، وكلما ذكرت خطيئة أتيتها فتب عنها عقيب ذكرك إياها واستغفر الله منها واذكر الله عندها بحسب ما كانت تلك المعصية، فإن رسول الله وَ﴿ يقول: ((أَتْبع السَّيْئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا)) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ولكن يكونَ لك ميزان في ذلك تعرف به مناسبات السيئات والحسنات التي تزنها وصية حسن الظن بربك على كل حال ولا تسىء الظن به، فإنك لا تدري هل أنت على آخر أنفاسك في كل نفس يخرج منك فتموت فتلقى الله على حسن ظن به لا على سوء ظن، فإنك لا تدري لعل الله يقبضك في ذلك النفس الخارج إليه، ٢٣٦ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... ودع عنك ما قال من قال بسوء الظن في حياتك، وحسن الظن بالله عند موتك، وهذا عند العلماء بالله مجهول فإنهم مع الله بأنفاسهم. وفيه من الفائدة والعلم بالله أنك وفيت في ذلك الحق حقه، فإن من حق الله عليك الإيمان بقوله: ﴿وَتُنِشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فلعل الله ينشئك في النفس الذي تظن أنه يأتيك نشأة الموت والانقلاب إليه وأنت على سوء ظن بربك فتلقاه على ذلك، وقد ثبت عن رسول الله وَّ فيما رواه عن ربه أنه عزّ وجلّ يقول: ((أنا عِنْدَ ظَنْ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْراً)) وما خصّ وقتاً من وقت، واجعل ظنك بالله علماً بأنه يعفو ويغفر ويتجاوز، وليكن داعيك الإلهي إلى هذا الظن قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فنهاك وما نهاك عنه يجب عليك الانتهاء عنه، ثم أخبر وخبره صدق لا يدخله نسخ فإنه لو دخله نسخ لكان كذباً والكذب على الله محال فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾ [الزمر: ٥٣] وما خصّ ذنباً من ذنب وأكّدها بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ثم تمّم فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ فجاء بالضمير الذي يعود عليه ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] من كونه سبقت رحمته غضبه. وكذلك قال: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ [الزمر: ٥٣] ولم يعين إسرافاً من إسراف، وجاء بالاسم الناقص الذي يعمّ كل مسرف ثم إضافة العباد إليه لأنهم عباده كما قال الحق عن العبد الصالح عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فأضافهم إليه تعالى، وكفى شرفاً شرف الإضافة إلى الله تعالى. وصية: عليكم بذكر الله في السرّ والعلن وفي أنفسكم وفي الملأ، فإن الله يقول: ﴿فَذَكُونِيِّ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فجعل جواب الذكر من العبد الذكر من الله، وأي ضراء على العبد أضرّ من الذنب؟ وكان يقول وَّ في حال الضراء: ((الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلٌّ حَالٍ)) وفي حال السراء: ((الحَمْدُ لِلَّهِ المُنْعِم المُفْضِلِ)) فإنك إذا أشعرت قلبك ذكر الله دائماً في كل حال لا بدّ أن يستنير قلبك بنور الذكرَ فيرزقك ذلك النور الكشف فإنه بالنور يقع الكشف للأشياء، وإذا جاء الكشف جاء الحياء يصحبه، دليلك على ذلك استحياؤك من جارك وممّن ترى له حقاً وقدراً، ولا شك أن الإيمان يعطيك تعظيم الحق عندك، وكلامنا إنما هو مع المؤمنين، ووصيتنا إنما هي لكل مسلم مؤمن بالله وبما جاء من عنده والله يقول في الخبر المأثور الصحيح عنه الحديث وفيه: ((وأنا معه)) يعني مع العبد حين يذكرني: ((إنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ ذَكَرْتُهُ في مَلأ خَيْرٍ مِنْهُمْ)). وقال تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وأكبر الذكر ذكر الله على كل حال. وصية: ثابر على إتيان جميع القرب جهد الاستطاعة في كل زمان وحال، بما يخاطبك به الحق بلسان ذلك الزمان ولسان ذلك الحال، فإنك إن كنت مؤمناً فلن تخلص لك معصية أبداً من غير أن تخالطها طاعة فإنك مؤمن بها أنها معصية، فإن أضفت إلى هذا التخليط استغفاراً وتوبة فطاعة على طاعة وقربة إلى قربة، فيقوى جزء الطاعة التي خلط به العمل السيىء، والإيمان من أقوى القرب وأعظمها عند الله فإنه الأساس الذي انبنى عليه جميع ٢٣٧ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... القرب. ومن الإيمان حكمك على الله بما حكم به على نفسه في الخبر الذي صحّ عنه تعالى الذي ذكر فيه : ((وإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِراعاً وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَزْوَلَةً)» وسبب هذا التضعيف من الله والأقل من العبد والأضعف، فإن العبد لا بدّ له أن يتثبت من أجل النية بالقربة إلى الله في الفعل وأنه مأمور بأن يزن أفعاله بميزان الشرع فلا بدّ من التثبط فيه، وإن أسرع ووصف بالسرعة فإنما سرعته في إقامة الميزان في فعله ذلك لا في نفس الفعل، فإن إقامة الميزان به تصحّ المعاملة وقرب الله لا يحتاج إلى ميزان، فإن ميزان الحق الموضوع الذي بيده هو الميزان الذي وزنت أنت به ذلك الفعل الذي تطلب به القربة إلى الله، فلا بدّ من هذا نعته أن يكون في قربه منك أقوى وأكثر من قربك منه، فوصف نفسه بأنه يقرب منك في قربك منه ضعف ما قربت منه مثلاً بمثل لأنك على الصورة خلقت، وأقل خلافة لك خلافتك على ذاتك، فأنت خليفته في أرض بدنك ورعيتك جوارحك وقواك الظاهرة والباطنة فعين قربه منك قربك منه وزيادة، وهي ما قال من الذراع والباع والهرولة والشبر إلى الشبر ذراع والذراع إلى الذراع باع، والمشي إذا ضاعفته هرولة فهو في الأول الذي هو قربك منه، وهو في الآخر الذي هو قربه منك، فهو الأوّل والآخر وهذا هو القرب المناسب، فإن القرب الإلهيّ من جميع الخلق غير هذا وهو قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فما أريد هنا ذلك القرب، وإنما أريد القرب الذي هو جزاء قرب العبد من الله، وليس للعبد قرب من الله إلاَّ بالإيمان بما جاء من عند الله بعد الإيمان بالله وبالمبلغ عن الله . وصية: ألزم نفسك الحديث بعمل الخير وإن لم تفعل، ومهما حدثت نفسك بشرّ فاعزم على ترك ذلك لله إلاَّ أن يغلبك القدر السابق والقضاء اللاحق، فإن الله إذا لم يقض عليك بإتيان ذلك الشيء الذي حدثت به نفسك كتبه لك حسنة، وقد ثبت عن رسول الله وَلّر عن ربه عزّ وجلّ أنه يقول: ((إذا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَّةً ما لَمْ يَعْمَلْهَا)) وكلمة ما هنا ظرفية، فكل زمان يمر عليه في الحديث بعمل هذه الحسنة وإن لم يعملها فإن الله يكتبها له حسنة واحدة في كل زمان يصحبه الحديث بها فيه بلغت تلك الأزمنة من العدد ما بلغت فله بكل زمان حديث حسنة ولهذا قال: ((ما لَمْ يَعْمَلْهَا)) ثم قال تعالى: (فإذا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)) ومن هنا فرض العشر فيما سقت السماء إن علمت، فإن كانت من الحسنات المتعدية التي لها بقاء فإن الأجر يتجدد عليها ما بقيت إلى يوم القيامة كالصدقة الجارية مثل الأوقاف والعلم الذي يبثه في الناس والسنة الحسنة وأمثال ذلك. ثم تمّم نعمه على عباده فقال تعالى: ((وإذا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَّلَ سَيْئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ ما لَمْ يَعْمَلْهَا)) وما هنا ظرفية كما كانت في الحسنة سواء، والحكم كالحكم في الحديث والجزاء بالغاً ما بلغ، ثم قال: ((فَإِذا عَمِلَهَا فَأنا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا)» فجعل العدل في السيئة والفضل في الحسنة وهو قوله: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وهو الفضل وهو ما زاد على المثل، ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنها تقول بحكم الأصل عليها الذي نطقها في حق أبينا آدم بقولها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ٢٣٨ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠] فما ذكرت إلاَّ مساوينا وما تعرضت للحسن من ذلك، فإن الملأ الأعلى تغلب عليه الغيرة على جناب الله أن يهتضم، وعلمت من هذه النشأة العنصرية أنها لا بدّ أن تخالف ربها لما هي عليه من حقيقتها وذلك عندها بالذوق من ذاتها وإنما هي في نشأتنا أظهر. ولولا أن الملائكة في نشأتها على صورة نشأتنا ما ذكر الله عنهم أنهم يختصمون والخصام ما يكون إلاَّ مع الأضداد، وما ذكر الله عن الملائكة في حقنا أنهم يقولون ذاك عبدك يريد أن يعمل حسنة فانظر قوة هذا الأصل ما أحكمه لمن نظر، ومن هنا تعلم فضل الإنسان إذا ذكر خيراً في أحد وسكت عن شرّه أين تكون درجته مع القصد الجميل من الملائكة فيما ذكروه، ولكن نبهتك على ما نبهتك عليه من ذلك لتعرف نشأتهم وما جبلوا عليه فكل يعمل على شاكلته، كما قال تعالى وأخبر أن الملائكة تقول: ذاك عبدك فلان يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنه إنما تركها من جرّائي أي من أجلي، فالملائكة المذكورة هنا هم الذين قال الله لنا فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ ﴿ كِرَامًا كَئِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] فالمرتبة والتولية أعطتهم أن يتكلموا بما تكلموا به، فلهم كتابة الحسن من غير تعريف بما تقدم الله إليهم به في ذلك، ويتكلمون في السيئة لما يعلمونه من فضل الله وتجاوزه، ولولا ما تكلموا في ذلك ما عرفنا ما هو الأمر فيه عند الله مثل ما يقولونه في مجالس الذكر في الشخص الذي يأتيها إلى حاجته لا لأجل الذكر، فأطلق الله للجميع المغفرة وقال: هم القوم لا يشقى جليسهم فلولا سؤالهم وتعريفهم بهم ما عرفنا حكم الله فيهم، فكلامهم عليهم السلام تعليم ورحمة، وإن كان ظاهره كما يسبق إلى الأفهام القاصرة مع الأصل الذي نبهناك عليه وقد قال الله في الحسنة والسيئة: ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَآءَ بِلسَّيْئَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وأغفر بعد الجزاء لقوم وقبل الجزاء لقوم آخرين، فلا بدّ من المغفرة لكل مسرف على نفسه وإن لم يتب، فمن تحقق بهذه الوصية عرف النسبة بين النشأة الإنسانية والملكية، وأن الأصل واحد، كما أن ربنا واحد وله الأسماء المتقابلة فكان الوجود على صورة الأسماء. وصية: ثابر على كلمة الإسلام وهي قولك: لا إله إلا الله فإنها أفضل الأذكار بما تحوي عليه من زيادة علم. وقال وَّ: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِئُونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَّهَ إِلاَّ الله)) فهي كلمة جمعت بين النفي والإثبات والقسمة منحصرة، فلا يعرف ما يحوي عليه هذه الكلمة إلاّ من عرف وزنها وما تزن، كما ورد في الخبر الذي نذكره في الدلالة عليها، فاعلم أنها كلمة توحيد والتوحيد لا يماثله شيء، إذ لو ماثله شيء ما كان واحداً ولكان اثنين فصاعداً فما ثم ما يزنه فإنه ما يزنه إلاَّ المعادل والمماثل، وما ثم مماثل ولا معادل فذلك هو المانع الذي منع لا إله إلاَّ الله أن تدخل الميزان، فإن العامة من العلماء يرون أن الشرك الذي هو يقابل التوحيد لا يصحّ وجود القول به من العبد مع وجود التوحيد، فالإنسان إما مشرك وإما موحد فلا يزن التوحيد إلاَّ الشرك فلا يجتمعان في ميزان، وعندنا إنما لم يدخل في الميزان لما ورد في الخبر لمن فهمه واعتبره وهو خبر صحيح عن الله يقول الله: (لَوْ أَنَّ السَّمْوَاتِ السَّبْعَ ٢٣٩ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالأَرضِينَ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي فِي كَفَّةٍ وَلا إلهَ إلاَّ الله فِي كَفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لا إِلَّهَ إلاَّ الله)) فما ذكر إلاَّ السموات والأرض لأن الميزان ليس له موضع إلاّ ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة من السدرة المنتهى التي ينتهي إليها أعمال العباد، ولهذه الأعمال وضع الميزان فلا تتعدى الميزان الموضع الذي لا يتعدّاه الأعمال. ثم قال: وعامرهنّ غيري وما لها عامر إلاَّ الله، فالخبير تكفيه الإشارة وفي لسان العموم من علماء الرسوم يعني بالغير الشريك الذي أثبته المشرك لو كان له اشتراك في الخلق لكانت لا إله إلاَّ الله تميل به في الميزان، لأن لا إله إلاَّ الله الأقوى على كل حال لكون المشرك يرجح جانب الله تعالى على جانب الذي أشرك به فقال فيهم إنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فإذا رفع ميزان الوجود لا ميزان التوحيد دخلت لا إله إلاَّ الله فيه، وقد تدخل في ميزان توحيد العظمة وهو توحيد المشركين فتزنه لا إله إلاَّ الله وتميل به، فإنه إذا لم يكن العامر غير الله فلا تميل وعينه ما ذكره إنما هو الله قال: أين تميل وما ثم إلاَّ واحد في الكفتين، وأما صاحب السجلات فما مالت الكفة إلاَّ بالبطاقة لأنها هي التي حواها الميزان من كون لا إله إلاَّ الله يلفظ بها قائلها فكتبها الملك فهي لا إله إلاَّ الله المكتوبة المخلوقة في النطق، ولو وضعت لكل أحد ما دخل النار من تلفظ بتوحيد، وإنما أراد الله أن يرى فضلها أهل الموقف في صاحب السجلات ولا يراها ولا توضع إلاّ بعد دخول من شاء الله من الموحدين النار، فإذا لم يبق في الموقف موحد قد قضى الله عليه أن يدخل النار، ثم بعد ذلك يخرج بالشفاعة أو بالعناية الإلهية، عند ذلك يؤتى بصاحب السجلات ولم يبق في الموقف إلاَّ من يدخل الجنة ممّن لاحظ له في النار وهو آخر من يوزن له من الخلق، فإن لا إله إلاَّ الله له البدء والختام، وقد يكون عين بدئها ختامها كصاحب السجلات . ثم اعلم أن الله ما وضع في العموم إلاَّ أفضل الأشياء وأعمّها منفعة وأثقلها وزناً لأنه يماثل بها أضداداً كثيرة، فلا بدّ أن يكون في ذلك الموضوع في العامة من القوّة ما يقابل به كل ضد، وهذا لا يتفطن له كل عارف من أهل الله إلاَّ الأنبياء الذين شرعوا للناس ما شرعوا، ولا شك أنه قال ◌َله: ((أفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إله إلاَّ الله)) وقد قال ما أشارت إلى فضله من ادّعى الخصوص من الذكر بكلمة الله الله وهو هو، ولا شك أنه من جملة الأقوال التي لا إله إلاَّ الله أفضل منها عند العلماء بالله، فعليك يا ولي بالذكر الثابت في العموم فإنه الذكر الأقوى، وله النور الأضوى، والمكانة الزلفى، ولا يشعر بذلك إلاَّ من لزمه وعمل به حتى أحكمه، فإن الله ما وسع رحمته إلاَّ للشمول وبلوغ المأمول، وما من أحد إلاَّ وهو يطلب النجاة وإن جهل طريقها، فمن نفى بلا إله عينه أثبت بإلا الله كونه فتنفى عينك حكماً لا علماً، وتوجب كون الحق حكماً وعلماً، والإله من له جميع الأسماء وليست إلاَّ لعين واحدة وهي مسمّى الله عامر السموات والأرض الذي بيده ميزان الرفع والخض، فعليك بلزوم هذا الذكر الذي قرن الله به وبالعلم به السعادة فعم. وصية: وإياك ومعاداة أهل لا إله إلاَّ الله فإن لها من الله الولاية العامة، فهم أولياء الله ٢٤٠ الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ... وإن أخطؤوا وجاؤوا بقراب الأرض خطايا لا يشركون بالله لقيهم الله بمثلها مغفرة، ومن ثبتت ولايته فقد حرمت محاربته، ومن حارب الله فقد ذكر الله جزاءه في الدنيا والآخرة، وكل من لم يطلعك الله على عداوته لله فلا تتخذه عدوّاً وأقل أحوالك إذا جهلته أن تهمل أمره، فإذا تحققت أنه عدوّ لله وليس إلاَّ المشرك فتبرأ منه كما فعل إبراهيم الخليل عليه السلام في حق أبيه آزر، قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُ، أَثَهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] هذا ميزانك، يقول الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ﴾ كما فعل إبراهيم الخليل ﴿أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] ومتى لا تعلم ذلك فلا تعاد عباد الله بالإمكان ولا بما ظهر على اللسان، والذي ينبغي لك أن تكره فعله لا عينه والعدو الله إنما تكره عينه، ففرق بين من تكره عينه وهو عدوّ الله وبين من تكره فعله وهو المؤمن أو من تجهل خاتمته ممّن ليس بمسلم في الوقت، واحذر قوله تعالى في الصحيح: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ)) فإنه إذا جهل أمره وعاداه فما وفى حق الحق في خلقه فإنه ما يدري علم الله فيه وما بينه الله له حتى يتبرأ منه ويتخذه عدوّاً، وإذا علم حاله الظاهر وإن كان عدوّاً لله في نفس الأمر وأنت لا تعلم فواله لإقامة حق الله ولا تعاده، فإن الاسم الإلهيّ الظاهر يخاصمك عند الله فلا تجعل الله عليك حجة فتهلك ﴿فَلَّهِ الْحُجَّةُ اُلْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فعامل عباد الله بالشفقة والرحمة، كما أن الله يرزقهم على كفرهم وشركهم مع علمه بهم، وما رزقهم إلاَّ لعلمه بأن الذي هم فيه ما هم فيه بهم بل وهم فيه بهم لما قدر ذكرناه بلسان العموم، فإن الله خالق كل شيء وكفرهم وشركهم مخلوق فيهم وبلسان الخصوص، ما ظهر حكم في موجود إلاّ بما هو عليه في حال العدم في ثبوته الذي علمه الله منه ﴿فَلَّهِ الُْقَةُ الْبَلِغَةُ﴾ على كل أحد مهما وقع نزاع ومحاجة فيسلم الأمر إليه. واعلم أنك على ما كنت عليه وعمّ برحمتك وشفقتك جميع الحيوان والمخلوقين، ولا تقل هذا نبات وجماد ما عندهم خبر، نعم عندهم أخبار أنت ما عندك خبر فاترك الوجود على ما هو عليه وارحمه برحمة موجده في وجوده، ولا تنظر فيه من حيث ما يقام فيه في الوقت ﴿حَتَّى يَتَّبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] فيتعين عليك عند ذلك أن تتخذهم أعداء لأمر الله لك بذلك حيث نهاك أن تتخذ عدوّه ولياً تلقي إليه بالمودّة، فإن اضطرك ضعف يقين إلى مداراتهم فدارهم من غير أن تلقي إليهم بمودة ولكن مسالمة لدفع الشرّ عنك، ففوّض الأمر إليه واعتمد في كل حال عليه إلى أن تلقاه. وصية: وعليك بملازمة ما افترضه الله عليك على الوجه الذي أمرك أن تقوم فيه، فإذا أكملت نشأة فرائضك وإكمالها فرض عليك حينئذ تتفرّغ ما بين الفرضين لنوافل الخيرات كانت ما كانت، ولا تحقر شيئاً من عملك فإن الله ما احتقره حين خلقه وأوجده، فإن الله ما كلفك بأمر إلاَّ وله بذلك الأمر اعتناء وعناية حتى كلفك به مع كونك في الرتبة أعظم عنده فإنك محل لوجود ما كلفك به، إذ كان التكليف لا يتعلق إلاَّ بأفعال المكلفين، فيتعلق بالمكلف من حيث فعله لا من حيث عينه. واعلم أنك إذا ثابرت على أداء الفرائض فإنك