Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الباب قد فتح والواهب قد منح، والأمر قد شرح، فظهرت خفايا الأمور في شرح الصدور، انشرحت معانيها وهي ما حصل الحق فيها، فلاحت المخبآت عند رفع الكلل، وهي ما ظهر في العالم من النحل في الاعتقادات والملل فانظر واستر. ومن ذلك من نحا صحا من الباب ٢٥٤: لا يزهد في فكرته إلاَّ من صحا من سكرته، ما كل شراب مسكر ولا كل قول منكر، وما كل مزاج يشكر ولا كل سامع ينكر، الإنكار من ضيق العطن فكن اللبيب الفطن، وسع كل شيء علماً وضع لكل نازلة حكماً، فإن الله كذا شرع فاتبع فقد أصاب من اتبع، من تأسّى بالحق أصاب على أنه مصاب، حيث رآه غيراً واعتقد شراً وخيراً، فتلى فرقاناً لا قرآناً، فمن قرأ استبرأ، ومن تلا الفرقان فهو صاحب نظر في برهان، فلا بدّ من الحيرة لأنه أثبت غيره، ومن هنا اتصف من اتصف بالغيرة ﴿إِن تَنَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] يخاطب مؤمناً وإيماناً، ما أيه إلاَّ بالمؤمن والناس والمؤتين ما أيه بأصحاب العين. انتهى السفر الرابع والثلاثون يتلوه الخامس والثلاثون. [السفر الخامس والثلاثون] ومن ذلك من جاء من فوق فهو صاحب ذوق من الباب ٢٥٥: هو القاهر فوق عباده حكم عرشه في مهاده، فلا يعرف علم الفوق إلاَّ بالذوق، وهو لمن أقام الكتب وميّز الرتب، وأما من أقامها وما ميّز أعلامها أكل من تحت رجله ممّا تيقن أنه من رجله وهذا حال الورعين المطيعين، يأكلون من كسب أيديهم، ولهذا لا يكتسبون من العلم إلاَّ ما سمعوه في ناديهم، فيعمل بعضهم بعضاً، ويقرضون الله قرضاً، وهؤلاء أتباع الرسل وأصحاب السبل. وأما الرسل فهم أصحاب الأطواق ولهم الأذواق، فهم على بصيرة ومن اتبعهم مثلهم في دعواهم فهم على أحسن سيرة، فهم في جنات ونهر، أي في ستر وسعة لما عندهم من الدعة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في حضرة منيعة لا يصل إليها أهل الاكتساب بل هي مختصة بالأحباب . ومن ذلك من شرب طرب من الباب ٢٥٦: لا يطرب الشارب إلاَّ إذا شرب خمراً، وإذا شرب خمراً فقد جاء شيئاً إمراً، لأنه يخامر العقول فيحول بينها وبين الأفكار فيجعل العواقب في الأخبار، فيبدي الأسرار برفع الأستار، فحرمت في الدنيا لعظم شأنها وقوّة سلطانها، وهي لذّة للشاربين حيث كانت، ولهذا عزت وما هانت، في الدنيا محرمة وفي الآخرة مكرمة، هي ألذ أنهار الجنان ولها مقام الإحسان، عطاؤها أجزل العطا، ولهذا يقول من أصابه حكمها وما أخطا: [مجزوء الكامل] فإذا سَكِرْتُ فإنّني وهو صادق، وإذا فارقه حكمها وعفا عنه رسمها يقول أيضاً ويصدق وقال الحق: [مجزوء الكامل] رَبُّ الْخَوَرْنَقِ والسَّرِير رَبُّ الشَّوَيْهَةِ والبَعِير وإذا صَحَوْتُ فإنني ١٤٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وهذا المقام أعلى لأنه رب الحيوان فتفطن لهذا الميزان. ومن ذلك من ارتوى غوى من الباب ٢٥٧ : من ارتوى غوى ومن غوی هوی، ألا تراه أهبط وفي يديه سقط؟ فاستدرك الغلط حين هبط، فتلقى من ربه ما تلقاه من الكلمات فتاب ففاز بحسن المآب، لأنه ما يقصد انتهاك الحرمة ولا الخروج من النور إلى الظلمة، مخالفة العارف تحفة ولو ساقت إليه حتفه، فصاحب التحف من الآمنين في الغرف، فإن من شرف العلم أن يعطى العالم كل مرتبة ما لها من الحكم، ومن علم السرّ أن لا يقطع العالم به على ربه عزّ وجل بأمر، فإن قطع وحكم فقد جهل وظلم، مع أنه ما عصي إلاَّ بعلمه ولا خولف إلاَّ بحكمه لا يقول ذلك العاصي وإن اعتقده، وكان ممّن اطلع عليه وشهده، وكذلك حكم من أطاعه إلى قيام الساعة فالعلماء هم الحكام والحكماء، لا يتعدون بالسلعة قيمتها ولا بكل نشأة شيمتها لولا ذلك الارتواء ما كانت الأنبياء، ولا فرق في الأحكام بين الأعداء والأولياء، ولا عرفت المراتب ولا شرعت المذاهب، ولا كانت التكاليف ولا حكمت التصاريف، ولا كان أجل مسمّى ولا تميز البصير من الأعمى. ومن ذلك من لم يرتو من مائه لم يكن من أنبيائه من الباب ٢٥٨: من شرب من الماء حيي حياة العلماء، ومن شرب اللبن تميز في رجال اليمن، ومن شرب العسل المصفّى كان في وحيه ممّن وفّى ومن شرب الخمر لم يكتم الأمر، الخمر للسماح، واللبن للإفصاح، والماء لحياة الأرواح، والعسل علم أصحاب الجناح، فهو العلم الصراح، قد علم كل أناس مشربهم وحققوا مذهبهم، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، وواضع في المعارج سبلا فلها النقص والمشا، لو شرب الخمر لضلّت الأمة وغوت بإظهار ما عليه حوت، والدنيا دار حجاب فلا بدّ من غلق الباب، ولا بدّ من الحجاب وهم الرسل أولو الألباب، فبعثة الرسل لتعيين السبل، وإقامة الخلفاء في الأرض من القرض، ليشوقوا النفوس المحجوبة بما وصفوه وما شرعوه من الأمور المطلوبة . ومن ذلك من محي رسمه زال اسمه من الباب ٢٥٩ : صنعت الترياقات لرفع ضرر السموم وسكنت الأهوا لبقاء السموم، وعيّنت الأحكام لبقاء الرسوم، فهي عصمة للأرواح إلى أن توفّى تدبير هذه الأشباح، فإذا فرغ قبولها وحصل لها من رسولها سؤلها، وانقضى زمان التدبير وانكسر وعاء الإكسير، ووقع الاشتياق إلى لقاء الغياب ومشاهدة الأحباب، جاء الموت بما فيه من تلافيه، فأخلى البلد وفرّق بين الروح والجسد، وردّ كل شيء إلى أصله وجمع بينه وبين أقاربه وأهله، فألحق الجسم مع أترابه بترابه، وعرج بالروح المشبه في الإضاءة بيوح فألحقه بالروح المضاف إليه ونزل به عليه، وتلك حضرة قدسه ومجلس أنسه، فقبله وقبله وبادر إليه عند قدومه واستقبله، فالسعيد أعطاه أمله والشقيّ تركه وخذله. ومن ذلك من أعطي الثبات أمن البيات من الباب ٢٦٠: من لم يخف البيات أصبح في الأموات، يا أيها الأصفياء ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١] لا تلقوا إليهم بالمودّة وأعطوا لكل ذي عهد منهم عهده، اثبت على دينك واحذر منهم أن يؤثروا في يقينك، من دان ١٤٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة بالصليب لحق بأهل القليب، لا تشرك بالله أحداً واتخذ التوحيد سنداً، ما للحريد فديد لعدم السامع من الوجود، كيف له بالصوت وقد اتصف بالموت، ينسب إلى الميت الكلام كنسبته إلى النيام، يقول ويقال له، وما يسمع اليقظان إلى جنبه زجله، وتحصل الفوائد، ويمشي حكمه في الغائب والشاهد بهذا جرت العوائد، ولا صوت يسمع ولا حروف تؤلف وتجمع، وقد أصم المنادي أذان أهل الندى في النادي، فالثابت الجنان من آمن بما يكذبه العيان. ومن ذلك الستر في الوتر من الباب ٢٦١: العقل معقول بمن عقله فهو ستر، لأنه لا يقدر على السراح قيد فتر، هو رابط مربوط بالكون والهوى، في السراح يشاهد العين الهوى، يضلّ من اتبعه عن سبيل الله لا عن الله، لأنه من جملة الملكوت فهو بيد الله، ولو لم يكن الأمر هكذا للحق به الأذى، لولا طلبه السيد بالستر ما تقيد بالوتر، وهو في الوجود عين كل موجود، ألا ترى إلى صاحب الشرع كيف تعدّى بوتره من الواحد إلى الجمع؟ ألا ترى إلى الحق يشفع الأوتار ويوتر الأشفاع بالإجماع؟ للهوى السراح والسماح وله لكل باب مفتاح، وهو الذي يتولى فتحه فتسمّى بالفتاح، سلطانه في الدنيا والآخرة ولكن ظهوره في الحافرة، فما هي لأهل السعادة كرة خاسرة ولا تجارة بايرة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وليست الشهوة سوى الهوى، ومن هوى فقد هوى، لهذا قيل في العاشق ما عليه من سبيل وإن ضلّ عن السبيل. ومن ذلك المقام الأجلى في المجلى من الباب ٢٦٢: في المجلى تذهب العقول والألباب وهو للأولياء العارفين والأحباب: [الطويل] ولولا الهَوَى في القَلْب ما عُبِدَ الهَوَى وحَقِّ الهَوَى إنّ الهَوَى سَبَبُ الهَوَى وما ثم غيره فالأمر أمره، العقل محتاج إليه وخديم بين يديه، له التصريف والاستقامة والتحريف، عمّ حكمه لما عظم علمه، فضل عليه العقل بالنظر الفكري والنقل ما حجبه عن القلوب إلاَّ اسمه وما ثم إلاَّ قضاؤه وحكمه: [البسيط] ولا الهَوَى بالهَوَى إِلاَّ من اللَّدَدِ ما سُمِّيَ العَقْل إلاَّ من تَعَقُّلِهِ إن الهَوَى صِفَةٌ والحَقُّ يعلمُها هو الإرادة لا أكُنِي فتجهله والعقل ينزلُ عن هذا المقام فما له النُّفُوذُ ولا يدري به أحَدٌ هو الذي خافَتِ الألبابُ سَطْوَتَهُ يَضلُّ عن منهج التشريع في حِيَدِ لولاه ما رُمِيَ الشَّيْطَانِ بِالحَسَدِ له به قَدَمٌ فانْظُرْهُ يَا سَنَدي له الثَّحَكُّمُ في الأرواحِ والجَسَدِ هو الأمينُ الذي قد خُصَّ بالبَلَدِ ومن ذلك من محق هلاله صحّ نواله من الباب ٢٦٣ : ليس لأهل الجنان عقل يعرف إنما هو هوى وشهوة يتصرف، العقل في أهل النار مقيله، وبه يكثر حزن الساكن بها وعويله لما ساء سبيله، العقل من صفات الخلق ولهذا لم يتصف به الحق، ولولا ما حصر الشرع في الدنيا تصرف الشهوة ما كان للعقل جلوة، فما عرف حقيقة العقل غير سهل فعين ماله من الأهل، قيّد المكلف بالتكليف عن التصريف، فإذا ارتفع التحجير بقي البشير وزال النذير، ١٤٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة وتأخّر العقل لتأخّر النقل، إذا محق الهلال فأنت الظلال، وفي محاقه عين كماله في حضرة إقباله، كما كان كماله في إبداره لادباره، فالأمر بين الحق والخلق مناصفه، والوثيقة التي بيننا وبينه وثيقه مواصفة، فما له فليس لنا وما ليس له فهو لنا. ومن ذلك من بدر فقد أبدر من الباب ٢٦٤ : الأبدار ثلاث ليال ولهذا كفر من قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍّ﴾ [المائدة: ٧٣] من الضلال، فإنه ما ثم على الأحدية زائد وكذلك الأبدار واحد، واحتجب بالاثنين في رأي العين كما حجبنا الله عن معرفته باليدين، وما أشبه ذلك ممّا وردت به الشرائع من غير ريب ولا مين، فبدار بدار إلى ليلة الأبدار وهي ليلة السرار، ذلك هو الإبدار النافع والنور الساطع، حيث لم تغيره الأركان بما تعطيه من البخار والدخان، فإن حالة البدر في ليلة أربع عشرة من الشهر، معرض للآفات ولهذا هو زمان الكسوفات، فهو المؤوف بالكسوف، وقد يحجب في سراره من اناره ومنحه أنواره، خدمة تتقدم بين يديه حتى لا تصل عين إليه، تقديساً له وتنزيهاً وتشريفاً للخادم الذي أهله لهذه الرتبة وتنويهاً. ومن ذلك المسامرة محاضرة من الباب ٢٦٥ : رعى النجوم مسامرة الحيّ القيوم بما يعطيه من العلوم، ما أحسن السمر في ليالي القمر، على الكثبان العفر، مع كل ذي رداء غمر، ليس بنكس ولا غمر، ولا يبيت لأحد على غمر، كانت المسامرة في المشاورة بما يظهر في النهار من الآثار لاستعداد الكون وما هي عليه من العطاء العين، ألا ترى إلى الحق نزوله سرى إلى السماء التي تلي الورى؟ فيسامرهم بالسؤال والنوال، ويسامرونه بالأذكار والاستغفار وسني الأعمال، فيقول ويقولون، ويسمع ويسمعون، فيجيب ويجيبون، فلا يزال على هذا الأمر إلى أن ينصدع الفجر فينقضي السمر، ويظهر عند الصباح ما قرّر من الخبر بالأثر. ومن ذلك من برق لمع وسطع من الباب ٢٦٦ : البارقة الدموع في النزوع من نزل إليه سطعت أنواره عليه، الصحيح من المذهب أن برقه خلب، ولهذا قال عبد الله: لا يعرف الله إلاَّ الله، علمنا به أنه لا يعلم فالزم الأدب وافهم، إياك والنظر وغلطات الفكر، لا تتعد بالعقل حدّه وقف عنده، تفز بالعلم الذي لا يحصل في القلب منه شيء وبالظل الذي ما له فيء، إذا حمي الجوّ كثرت البروق وتوالى الخفوق، ولا رعد يسبح بحمده ولا غيث ينزل من بعده، إنما هي لوامع تسطع تنزل ثم ترفع، لحكمة جلاها من تولاها ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ لما أنارها وما بما ابتلاها وَالنَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا ﴾ فى مجلاها ﴿ وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا﴾ فأسرها محاها﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا نَلَهَا وما أفشاها ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ بما عناها ﴿ وَاُلْأَرْضِ وَمَا ◌َهَا﴾ لما أدار رحاها ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ بما من ﴿ فَأَمَهَا ◌ُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ١ - ٨] وبهذه النسبة إليها قواها. ومن ذلك ما هجم من عصم من الباب ٢٦٧ : الهجوم أقدام ولا يكون من علام، المخدوم له الهجوم والخادم محكوم عليه وحاكم، فجآت الحق لا تطيقها الخلق، فلماذا وردت من العليم الحكيم؟ وقد سميت بالبواده والهجوم، فلولا ما ثم حامل لها ما سواها الحق ولا عدلها، إذا جاءته بغتة يتخيل أنها فلته فيعطيها منه لفته، ثم يعرض عنها بعدما أخذ ١٤٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ما جاءته به منها ما هو أعرض بل هي عبرت حين خطرت، ما كان ذهابها حتى أمطر سحابها فامتلأت الإضاء، وزالت السحب وانجلت البيضاء، فحدثت الأرض أخبارها ورفعت أستارها وباحت بأسرارها وزهت أزهارها بأنوارها، فلولا ما كان الزهر في الزهر والنوّار في الأنوار ما ظهر شيء ممّا وقعت عليه الأبصار. ومن ذلك من قرب أشرب من الباب ٢٦٨: العاشق المحب من أشرب في قلبه الحبّ، عشق العشق هو الحبّ الصدق، يقول العاشق المجنون لمعشوقه على التعيين: إليك عني وتباعدي مني فإن حبك شغلني عنك وأنت مني وأنا منك، فوقف مع الألطف وزهد في الأكثف لأنه عرف ما كثف فوقف وما انحرف، من شهد ملك الملك عرف من حصل في الملك، من طلبت منه الثبات فقد قيدته لا بل قد تعبدته، إلاَّ أن يكون الثبات على التلوين فذلك التمكين، ووافقت ما أنزله في سورة الرحمن ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] والشؤون ألوان، أقرب ما اتصف به الحق في العبيد كونه أقرب من حبل الوريد، فهو أقرب إليك من نفسك مع أنه ليس من جنسك، وإن كان في جنسك فقد قید نفسه وضيق حبسه. ومن ذلك ما كل من بعد بعد من الباب ٢٦٩: البعد بالحدود علم الشهود وهو أسنى العلوم وأعظم إحاطة بالمعلوم، فلا تتخيل أن كل بعد هلاك كما تخيله بعض النساك ليس الهلاك إلاَّ في القرب ولهذا يفنيك، وانظر ما قلته لك في تجليك، التحلية حجاب وهي أعظم القرب، عند الأحباب تخلى ولا تتحلى : [مخلع البسيط] فكان قَابَ قَوْسَيْنِ أو أذنَى لماذَنّا إليه تَدَلَّى للعُزْفِ إذْ تَضَمَّنَ مَعْنَى والشَّفْع فيه ما جاء إلاَّ لذاك قلته فتأنَّى ألا تراه قال أو أذنى فالأمْرُ كلّه ليس مِنَّا لذاك أخبر الحَقُّ عَنَّا يقوله إذا يغنَّى من غَشَّنَا فما هو مِنَّا فنحن ليس نحن وكنّا ربّ السماع من يَتَغَنَّى من جاءه الذي يَتَّمَنَّى ذاك السماع يصغي إليه ومن ذلك سدّ الذريعة من أحكام الشريعة من الباب ٢٧٠: من قال بسدّ الذرائع في الشرائع ترك الأعلى ورأى ذلك الترك أولى، فما هو للشارع منازع، ولكن لما فهم المراد جنح إلى الاقتصاد فإنه علم أن الله بالمرصاد، والمخلوق ضعيف ولولا المصالح ما شرعٍ التكليف، فخذ منه ما استطعت ولا يلزمك العمل بكل ما جمعت، فإن الله ما كلف نفساً إلاَّ ما أتاها، وجعل بها بعد عسر يسراً حين تولاها، وشرع في أحكامه المباح وجعله سبباً للنفوس في السراح والاسترواح إلى الانفساح، ما قال في الدين برفع الحرج إلاَّ رحمة بالأعرج، وعلى منهج الرسول وَّر درج دين الله يسر فما يمازجه عسر، بعث بالحنيفة السمحا والسنة الفيحا، فمن ضيق على هذه الأمّة حشر يوم القيامة مع أهل الظلمة . ومن ذلك الحقيقة في كل طريقة من الباب الأحد والسبعين ومائتين ٢٧١ : في الكلام الفتوحات المكية ج٨ - ١٠٢ ١٤٦ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة القديم والقرآن الحكيم: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] جاء به الرؤوف الرحيم، الخبير بما هناك العليم، فمع الحق مشى من مشى، وما تشاؤون إلاَّ أن يشا، فالسعادة كاملة والرحمة شاملة، فإن أهل الاستقامة في الاستقامة هم أهل السلامة في القيامة، وأما الماشي في الاستقامه بغير استقامه فهو المنحاز عن دار الكرامة، والكل في دار المقامة إليه يرجع الأمر كله، وكيف يرجع إليه وهو فعله؟ ما العجب إلاَّ كيف قيل يرجع إليه من هو لديه، ولم يزل في يديه ستور مسدله وأبوب مقفله، وأمور مبهمه وعبارات مبهمه، هي شبهات من أكثر الجهات . ومن ذلك ما كل سحاب خطر أمطر من الباب ٢٧٢: ما قصر الجهام حين أثر فالتحق بأهل المآثر، ما جاد إلاَّ على رحمه بما أعطاه من كرمه، بخارها عاد عليها وتحلّل شوقاً فنزل إليها الأمطار دموع العشاق من شدّة الأشواق لألم الفراق، فلما تلاقى أضحك بأزهاره جزاء بكاء وابل مدراره، فأمات وأحيا من أضحك وأبكى نفعت الشكوى ومقاساة البلوى، ثم إنه أظهر من الثمر ما هو أنفع من الزهر، فحسن الهيئة وأقام النشأة، وكان التغذي وزال التأذي وبدا كل أمر مريج، ووقع النكاح بين كل زوج بهيج، فتوّج الآكام وآزر الأهضام، فالشكر لله على هذا الإنعام. ومن ذلك من ورد تعبد من الباب ٢٧٣ : من جاء إليك فقد أوجب القيام بحقّه عليك، فإنه ضيف نازل فإما قاطن وإما راحل، وعلى كل حال فلا بد من النظر في حقه وأمره على حدّ ميزانه في الوجود وقدره ولا شكّ أن المؤمن قد جعله الله له سكناً واتخذ قلبه وطناً، فوفد عليه ونزل إليه فوسعه، وما حين ضاق عنه الأرض والسماء وجعله سميه واتخذه وليه ونعته بالإيمان وهو صفة الرحمن، وأنبأه بما يكون وما كان، فتعين على المؤمن القيام بفرضه لما حلّ بأرضه، فاجعله ممّن تلقى كريماً خبيراً بقدره عليماً؛ وأنبهك بشيمة أهل الفضائل، أن الكرامة على قدر المنزل عليه لا على قدر النازل، وفي العموم على قدر النازل لا على قدر المنزل عليه، فإنه لا يعرف ما عند النازل ويعرف ما لديه، ولا يحجبنك قول من قال: ((أَنْزِلُوا الناسَ مَنَازِلَهُم)) لما كنت بهم ولهم، فلو عاملنا الحق بهذه المعاملة لم يصحّ بيننا وبينه مواصلة . ومن ذلك الوارد شاهد من الباب ٢٧٤ : إنما شهد الوارد لشهود ما لديك حين ورد عليك، فيما شهد شهد وهو مسموع القول فقابله بالفضل وكثرة البذل وجزيل النيل والطول، فإنه لسان صدق في الأوّلين والآخرين، وهو عند السامعين من أصدق القائلين، فيقلد حين يشهد، فإن شهد عنده الحق فما يتمكن له أن يشهد إلاَّ بحق وأقعد ﴿فِى مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] لأنه يعلم منه أنه يعلم فلا يتمكن له أن يحيد في شهادته عن علمه، أو يكتم إن كان عامر قلبك علمك بربك، فهو يتلقاه ويبادر إليه حين يلقاه ومنه ورد وعليه وفد، فما عليك لوم في ذلك اليوم، الصدقة تقع في يد الرحمن والسائل الإنسان. ومن ذلك من تنفس استراح كالصباح من الباب ٢٧٥ : النفس وإن كانت لها المنزلة ١٤٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الرفيعة فهي مقيدة بين الروح الكل والطبيعة، ولذا كان المزاج ذا أمشاج فما لها سراح ولا انفساح، فإذا نسب إليها الانفساح والمجال فما هو إلاَّ حصولها في حضرة الخيال، فتنقلب في الصور كما يدركها البصر فيما يعطيه النظر، مثل ما تتنوّع الخواطر عليه في هذه الدار مع كونه تحت إحاطة هذه الأسوار، فأنى للنفوس بالسراح ومنتهى أعمالها إلى الصراح، فلا تتعدى في الانتها سدرة المنتهى، فهي بحيث عملها لا بحيث أملها إلى يوم البعث، عند ذلك تعلم ما حصل لها في الروع من النفث علم شهود ووجود، فإن الأمر هناك مشهود، فما وقع به هنا الإيمان حصله هناك عن العيان، ويجد الفرق بين الأمرين، فإن الصباح لا يخفى على ذي عينين فإنه يميز البين من البين: [الوافر] ولكن للعَيَانِ لَطِيفُ مَغْنِى لذا سأَلَ المُعَايَنَةَ الكَلِيمُ ومن ذلك إشراق يوح هو الروح من الباب ٢٧٦ : في الشكل المثلث يعرف من ثلث وبما يحدث من رمي الشمس شعاعها على الجسم الصقيل يقع التمثيل، فلا شيء أشبه بالروح ممّا أعطته يوح، هذا أثر خلق في خلق فما ظنك بأثر الحق، ما حصل الإنسان الكامل الإمامة حتى كان علامة، وأعطى العلامة وكان الحق أمامه، ولا يكون مثله حتى يكون وجهاً كله، فكله أمام فهو الأمام، لا خلف يحدّه فقد انعدم ضدّه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] صفة الحليم الأواه، ما سمّي بالخليل إلاَّ بسلوكه سواء السبيل، ولا قال في تمثيله: المرء على دین خليله، إلاَّ لصورته وقيامه في سورته . ومن ذلك مراتب اليقين تبين في التلقين من الباب ٢٧٧: لليقين مراتب في جميع المذاهب، فمن أقيم في علمه كان تحت سلطان حكمه، ومن أقيم في عينه أتى عليه من بينه، ومن أقيم في حقّه فقد تميز في خلقه، ولكل حق حقيقة أعطته الطريقة، فحقيقة الحق الشهود فالحق هو الإيمان في الوجود، فما كان غيباً صار عيناً، وما فرض مقدراً عاد كوناً، والحق حق فلا بدّ له من حقيقة، والخلق حق فلا بدّ له من دقيقة، فحقيقة حق الحق أنت، ودقيقة حق الخلق من عنه بنت، فالعالم بين تنزيه وتشبيه والحق بين تشبيه وتنزيه، والبراءة في سورة براءة والتنزيه في سورة الشورى، ولهذا شرع للإمام أن يجعل ما يريد إنفاذه في ملكه بين أصحابه شورى، خلافة عثمان كانت عن المشورة فلذا وقعت تلك الصورة، فلو كانت عن تولية الماضي ما وقع التقاضي، ولا حكمت فيه الأغراض بما قام بها من الأمراض. ومن ذلك خطاب الأئمة والأقطاب من الباب ٢٧٨: لا بدّ للسالك حيث كان من المسالك، من الرب الإله المالك، إذا تميز في الممالك، فإن أبق بالشرود وتخيل أنه غاية الوجود، فما هو الوالي لهذا التعالي، فانحط من أحسن تقويم ونزل عن المقام الكريم، إلى أسفل سافلين مع النازلين، فعندما نظر إلى عليين عرف رتبة العالين، فندم على ما فرط وترجّى له العودة ما لم يقنط، فإن قنط عند الأسف فقد هلك وتلف، الهبوط والسعود للمتردّدين بين النزول والصعود، وما نتنزل إلى قلبك إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسياً وقد رفعك مكاناً علياً، فاسكن فإنك صاحب كن. ١٤٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك من عظيم السرى تنفح العيس في البرى من الباب ٢٧٩ : من درى ما في السرى من جزيل المنح تمنّى أنه لم يصح سؤال إلهيّ امتناني، من عليّ رفيع الدجات إلى المتقلبين في الدركات، فإن الجنة حفّت بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات، فكل واحدة حفّت بالأخرى، جاءت بذلك الرسل تترى، فانبهم الأمر وخفي السر، رأى بعد أهل الحديثه، وقد أوصل إلى نجم الدين بن شاي الموصلي حديثه، أن معروف الكرخي في وسط النار، وما علم أنه يتنعم فيها نعيم الأبرار، فهاله ذلك وتخيل فيه أنه هالك، مع ما عنده من تعظيمه بين القوم وتنزيهه عمّا يستحق من اللوم، فكان معروف عين الجنة والنار التي رآها المكاشف عليه كالجنة، وهي المجاهدات التي كان عليها في حياته، فإن المكاره من نعوت العارف وصفاته، فهو الخاشع في الأولى والمحروم هو الخاشع في الأخرى، فتستعار الصفات وتنقلب الآفات، فربما رأى أو سمع، وسرى عنه بما به وعليه اطلع. ومن ذلك التنزيه تمويه من الباب ٢٨٠ : [البسيط] فلا إله لنا في الكَوْنِ إلاَّ هُو إن الوُجُودَ لأَكْوَانْ وأَشْبَاهُ فلم يَقُلْ عارفٌ بربِهِ ما هُو يَبْغُون وصلتهم بذاته تّاهُوا في كل حال فعَيْنُ القَوْمِ عَيْنَاهُ وما له والدُ ما ثَمَّ إلاَّ هُوْ جلّ الإلهُ فما يَخْظَى بِهِ أحَدٌ الله قوم إذا حَفُّوا بحَضْرَته قد مَوَّهَ القومُ بالتنزيه وهو هُمُ والله ما ولد الرحمُنُ من ولَدٍ وكل ما في الوجود الكَوْن من وَلَدٍ دليلُنا ما رَمَى بالرَّمْلِ حین رَمَى فالحمد لله لا أبغي به بَدَلاً ووالد هو في تحقيقنا ما هو مُحَمَّدٌ وهو قولي ما هو إلاَّ هو لأنه ليس في الأكوان إلاَّ هو ومن ذلك الهوى أهوى من الباب الأحد والثمانين ومائتين: لولا الهوى ما هوى من هوى به كان الابتلا، فإما إلى نزول وإما إلى اعتلا، وإما إلى نجاة وإما إلى شقاء. ليس العجب ممّن عرف وإنما العجب ممّن وقف، أو ناداه الحق فتوقف، ما أيه بأحد إلاَّ ورد، ولا ورد إلاَّ منح، ولا منح إلاَّ ليبتلى فيفضح، وذلك أنه ادّعى المكلف ما ليس له، وفصل ما كان له أن يوصله، كلفه الحق ما كلفه وعرفه ما عرفه، ولا يغنيه بعد تقرير البلوى تبرؤه من الدعوى، ما قويت أمراسه وبقيت عليه أنفاسه، فإذا جاء الأجل المسمّى وفك العمى وأبصر الأعمى، جاء التعريف وزال التكليف وبقي التصريف، وانتقل في صورة مثاليه إلى حضرة خياليه، أبصر فيها ما قدم، فإما أن يفرح أو يهتم، وكان ما كان فلا بدّ أن يندم، وكيف لا يندم والجدار قد تهدم، وقتل الغلام صاحب السكينة والرتبة المكينة، لما خرق السفينة، ندم الواحد كيف لم يبذل الاستطاعة، وندم الآخر على تفريطه ومفارقة الجماعة، فأهواه في الهاوية ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا هِيَةِ (﴿إ ◌ِنَارُ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠ -١١] يقول: ﴿يَتَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَهْ وَلَوْ (٣٦) يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٧َ مَآ أَغْنَى عَنِّى مَالِيَّةٌ ﴿٣٨ ◌َلَكَ عَنِّى سُلْطَنِيَّة (9)﴾ [الحاقة] أَدْرِ مَا حِسَابِيَة وأما الذي لم يبذل الاستطاعة ولكنه مع الجماعة فيقول: ﴿هَاؤُمُ أُقْرَءُواْ كِنَبِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩] إني ١٤٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة (٢١) فِي جَنَّةٍ ظننت أنى ملاق حسابيه، قال الرقيب وهو القول العجيب: ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّضِيَةٍ (٣)﴾ [الحاقة] فإذا النداء من سميع الدعاء ﴿كُواْ وَأَثْرَبُواْ هَنِيَأْ بِمَا أَسْلَفْتُمْ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. عَالِيَةٍ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] يعني أيام الصوم وهو مذهب القوم. ومن ذلك فك المعمى والأجل المسمّى من الباب ٢٨٢: من فرّق بين الفاتح والناصر والظهير فقد عرف حقائق مراتب الأمور، الناصر بما قذفه من رعبه في قلبه وبالدبور، والصبا على من تمرد وأبى، والظهير معين والفاتح يبين، فإذا استعين أعان فهو المستعان، وإذا فتح أوضح وأعطى جزيل المنح، الفاتح صاحب الرحمة ومسبغ النعمة، والناصر قاذف في قلب العارف ما شاء من العوارف في المعارف، والظهير خبير بمن هو له نصير، فإذا شاهد الوفود، وتعمّر الوجود، وتحقق العابد والمعبود، وتبين المسود، والمسود طلب الستر بالتنزيه فأسدل الحجب بالتشبيه، فعنه كان الصدور بما قرر في الصدور، وإليه كان الورود في طلب المزيد. ومن ذلك عبادة الوثن قمن من الباب ٢٨٣: جقيق على الخلق أن لا يعبدوا إلاَّ ما اعتقدوه من الحق، فما عبد إلاَّ مخلوق، ولهذا توجهت عليه الحقوق ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ ◌ِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فالكل من عندكم، والدليل الله أكبر إلى تحوله في الصور، فلولا تحقق العلامة في يوم القيامة، ما عرف أحد علامة، فيوم النشور هو المعروف المنكور، كل معتقد مخالف من خالفه وموافق من وافقه، فما ثم إلاَّ عابد وثن وهو الحافظ له والمؤتمن، فانظر ما أعجب هذا الأمر، وما أوضح هذا السرّ، كيف عاد المحفوظ حافظاً وأضحى لمعتقد غيره لافظاً، وهو هو لا غيره وقد جهل أمره، فوقع التبري، وحصل التعرّي، وتجرّد اللابس، وعتب السايس، فهو الفقير البائس. ومن ذلك حوض مورود ومقام محمود من الباب ٢٨٤: العلوم محصورة في الإجمال غير متناهية التفصيل عند الرجال، وما عند الله مجمل فالكل مفصل، وما ثم كل فعلى التفصيل التوكل، الشاربون يقسمون المشروب، فيتعدد وهو واحد، فما هو من العدد الأواني معاني المعاني، فالحروف ظروف وهو المعروف، حرف جاء لمعنى فثبت أنه معنى، قاله صاحب العربية الخائض في المسائل النحوية، وفصل بينها وبين حروف الهجا، وجعلها أدوات لما هي عليه من الالتجاء، فتجمع بين الأحداث والأعيان الظاهرة في الأكوان. ومن ذلك قهر الأيتام أخلاق اللّئام من الباب ٢٨٥: الجدار مائل فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل، فإنه إن وقع الجدار ظهر كنز الأيتام الصغار، فتحكمت فيه يد الأغيار وبقي الأيتام الصغار، من الفقر في ذلة وصغار، لا تباح الأسرار إلاَّ للأمناء الكبار، القادرين على الاكتساب والرافعين للحجاب، أهل الاستقلال بجمع الأموال، وعلى الأعراف رجال اتسع لهم المجال، فإذا جمع فأوعى، وأعطى فما وعى، ودعى وما أجاب الداعي، وإن سمع الدعاء فكر في نفسه أنه ما ألحق المال حين اكتنزه برمسه، وما بكى في يومه، لما فاته في أمسه، إلاَّ لفقر حكم عليه مع الكثر الذي في يديه، فعلم أن الغنى ما هو كثرة العرض، وإنما هو في النفس لمن فهم الغرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والنشأة هي عينها، ١٥٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ولهذا قيل في الحافرة وهو قولهم بأخبار الحق المبين، وقول الله: ﴿وَنُنِشِئَكُمْ فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكْرُونَ﴾ [الواقعة: ٦١، ٦٢]. ومن ذلك التألف من التصرّف من الباب ٢٨٦ : [مجزوء الخفيف] ـهِ هي الأُلْفَةُ الَّتي أُلْفَةُ العَبْدِ بالإلــ وبها كَوْنُ قُوَّتي مالها غير وجهَتِي حكمةَ الحَقّ حِكْمَتي فانظروا فِيَّ تُبْصِرُوا فتكذبك نـشـأتـي لا تَقُلْ باتّحادنا فهو بالشّزْعِ قِبْلَتي أنا إن كنتُ بَيْتَهُ التألف وصال، ولا يكون إلاَّ بالتناسب، في جميع المذاهب، وقد أحضرنا لديه، وجمعنا في الصلاة عليه، فأكلمه به وبي، فيردّ عليّ بي، فأقول ليس هذا مذهبي، فيقول ما ثم إلاَّ ما سمعت، فلا يغرّنك كونك جمعت، ثم قال ارحل، ولا تكن ممّن أقام وحلّ، فإنه ما ثم إقامه لا هنا ولا في القيامة . ومن ذلك الاعتبار لأولي الأبصار من الباب ٢٨٧ : الجنف والحيف في الكم والكيف، لا يكون إلاَّ لمن سكن الخيف، من سكن خيف منى بلغ المنى، لا تسكن إلاّ السهل إن أردت أن تكون من الأهل، لا تدخل بين الله وبين عباده، ولا تسع عنده في خراب بلاده، هم على كل حال عباده، وقلوبهم بلاده، ما وسعه سواها، وما حوته ولا حواها، ولكن نكت تسمع، وعلوم مفترقة تجمع، قل كما قال العبد الصالح، صاحب العقل الراجح ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ فَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] انظر في هذا الأدب النبويّ، أين هو ممّا نسب إليه من النعت البنويّ، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، حتى أكون من الكاذبین، هو عین روح الله و کلمته، ونفخ روحه وابن أمته، ما بينه وبين ربه سوی النسب العام، الموجود لأهل الخصوص من الأنام، وهو التقوى لا أمر زائد في غير واحد. ومن ذلك ما لي وللوالي من الباب ٢٨٨: لا تقل ما لي وللوالي، إذا دعيت إليه لا تبالي، هو الحكم الفاصل المنصف العادل، فإن خفت من الإنصاف فعليك بالاعتراف وطلب العفو من الخصم، في مجلس الحكم، فإنه ألدّ الخصام فاستغن بالعاصم بإعصام، فيكون الحاكم بينكما واسطة خير وواقية ضير، فقد ورد عن الرسول مالك الإمامة، أن الله يصلح بين عباده يوم القيامة، ولهذا قلنا ما شرع الله الشرائع إلاَّ للمصالح والمنافع، من سعى في الصلح بين الكفر والإيمان فهو ساع بين العصاة والرحمن، لا سيما إن وقع النزاع في العقائد وانتهوا في ذلك إلى إثبات الزائد، المسمّى شريكاً والمتخذ مليكاً، فإن أريت أن الشريك ما هو ثم وأن أمره عدم، وفرقت بين ما يستحقه الحدوث والقدم كنت من أهل الكرم والهمم. ومن ذلك الضيق في التحقيق من الباب ٢٨٩: أعظم الاتصال دخول الظلال في الظلال، إذا كثرت الأنوار وتعددت، طلب كل نور ظلاً فتمددت، وهذا من خفي الأسرار أعني امتداد الظلال عن كثرة الأنوار، لهذا اختلفت الأسماء، وكان لكل اسم مسمّى مع أحدية ١٥١ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة العين والكون، وهو الذي دعا من دعا إلى القول بالشريك في التمليك: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وهو المقام الأسنى، فقد أتى بالاسمين، وأتى بلا تتخذوا إلهين اثنين، مع اختلاف المعنى في الأسماء الحسنى، فأثبت ونفى وأمرض وشفى، فمنا من سلم ومنا من هو على شفا، فمن لزم الحق فقد لزم الصبر، ولا يكون هذا إلاَّ لمن عرف الأمر، الكل في عين التلف، من جهل ومن عرف، وما نجا إلاَّ من وقف، فالناجي من سمع ولم يتكلم وأجاب إلى ما دعي إليه فذلك الذي لا يندم. ومن ذلك من زار الصامت زاره من الباب ٢٩٠: وعظنا الصامت فما أصغينا إليه، وتحبب إلينا الصامت فاعتكفنا عليه، فملك أزمة القلوب وأعمانا عن إدراك الغيوب، ووعظنا الناطق بما نطق به من الحقائق، فآمنا به وعرجنا عن مذهبه، فسمعنا وعصينا وأمرنا ونهينا، كأنا ولاة الأمر وأرباب الردّ الغمر، ونسينا أمره إيانا ونهيه وأرشد السامع وغيه، فحجبنا بحب التقدّم والرياسة عن تمشية ما تقتضيها السياسه، فإذا جاء الموت وتيقنا بالفوت، طلبنا حسن المآب بالمتاب، فلم تقبل توبه ولا غفرت حوبه، ومتنا على ما كنا عليه، وحشرنا على ما عليه متنا، كما نصبح على ما عليه بتنا، تركت فيكم واعظين: صامت وناطق، فالصامت الموت والناطق القرآن، هكذا قال صاحب الحق الترجمان . ومن ذلك النقص والرجحان في الميزان من الباب ٢٩١ : اغتنم حياة لست فيها بهالك، وداراً أنت فيها مالك، ميزانك فيها موضوع، وكلامك مسموع، وأذنك واعيه، ومواعظك داعيه، وأنفاسك باقيه، وأعمالك الخيرات واقيه، فنور بيتك المظلم وأوضح سرك المبهم، ما دامت أركان بيتك غير واهية، قبل أن تحصل في الهاوية، إن تفرّقت همومك أعرض عنك قيومك، وإن وهنت قواك أمدك به وقواك، وأعلمك أنه ما جنى عليك سواك، فلا تغفل عن نفسك فقد اطلع لك بارقة من شمسك، وقد جعل النهار معاشاً والأعمال رياشاً، فعليك بالاشتغال والتزيّن بأحسن الأعمال، واحذر من زينة الدنيا والشيطان، وعليك بزينة الله المنصوص عليها في القرآن . ومن ذلك أطلق الغارة من أثاره من الباب ٢٩٢: ظهر في الإنسان الضدّان ففيه الأولياء كما فيه الأعداء، فلا تزال السياسات تسنّ والغارات تشنّ، فهم بين قتيل وأسير وحسن مآب وبئس مصير، كشفت الحرب فيه عن ساقها وظهرت الفتن في جميع آفاقها، فآفات ترد ورزایا تعد، تصرّفاته محدوده وأنفاسه عليه معدودة، عليه رقيب عتيد وسائق وشهيد، لم يزل مذ خلقه الله في التوكيل، وشرع له أن يقول حسبنا الله ونعم الوكيل، لينقلب بنعمة من الله ورضوان إلى دار الحيوان، لم يمسسه سوء ولا بوس، ويلقاه عند وروده عليه السبوح القدّوس، ويتلقاه عمله بوجه طلق غير عبوس، فأتم تنزيهه وتطهيره وأعاد عليه تعزيره وتوقيره، فهو يجني ثمرة عمله في رياض أهله. ومن ذلك الدليل في حركة الثقيل من الباب ٢٩٣: الأمر جليل من أجل حركة الثقيل، لا يتحرّك إلاَّ عن أمر مهم وخطب ملم، كزلزلة الساعة المذهلة عن الرضاعة مع الحب ١٥٢ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة / في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة المفرط في الولد، ولا يلوي أحد على أحد، وقد ذهب بعض الأوائل أن العالم أبداً نازل يطلب بنزوله من أوجده حين وحده، والحق لا ينتهي إليه، فمن أوّل حركة كان ينبغي أن يعتكف عليه، لأنه جلّ أن تسطع إليه المسافات المحققة فكيف المتوهمة؟ رسوم معلمة، وأسرار مكتمة، بيوت مظلمة وألسنة غير مفهمة، لأن الخيال يخيل العلم به والمقال، فأين تذهبون أو ماذا تطلبون؟ يقول العارف لأبي يزيد: الذي تطلبه تركته ببسطام فدله على المقام، فإن العبد يسار به في حال إقامته إما إلى دار إهانته وإما إلى دار كرامته . ومن ذلك عدم الكون في ظهور العين من الباب ٢٩٤ : شقت الكاف غزالة السماء وذلك بعد صلاة العشاء، وأنا في حال فناء، وما نقص جرمها، والكاف ماربا جسمها، فقلت صدق من سقط على الخبير في إيراد الكبير على الصغير، من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع، وهذا المقام الذي هو للأضداد جامع نص عليه ذو النون فوافقته، وإن لم أكن قبل هذا عقلته، فشكرت الله على شهوده وما منحه العبد من العلم بوجوده فهو العين الطالعة في كاف الكون، لذلك قلنا في أعيان الممكنات إنها مظاهر الأسماء الإلهيات، ولثبوت الكاف في حال الطلوع قلنا بثبوت أعيان المحدثات، فلولا التوجهات ما ظهرت الكائنات، ما ألذها من مسألة عند من شهدها ووجدها. ومن ذلك ما شاهد قدر المنزلة إلاَّ من أرسله من الباب ٢٩٥ : العبد محل التحلي، والليل زمان التجلي، وما ثم إلاَّ هيكلك فهو ليله المظلم، فنوره يجليه وصيره الرداء المعلم تحليه، ولما نزل إلى فرشه والملائكة حافون من حول عرشه، سجد له القلب إلى الأبد وما رفع رأسه بعدما سجد، لذلك جعل السجود قربه، وخصّ به من أحبه، والمتكبر ساجد وإن تكبر كما هو واحد، وإن تكثر فإن رتبته تعطيه، فلا تحجب بما تراه من تعاطيه، تلك أغاليط النفوس والحجاب المحسوس، فلما انفجر عمود صبح الروح وهو رسول يوح، أزال التهم ونفر الظلم، وتجلّى الكيف والكم، وكم تجلى له من مثل هذا وهو لا يعلم لما جبنت السريرة وأعمى الله البصيرة، وجهلت الصورة وضرب الحق سوره على السورة، فلما وقع الالتباس تفاضل الناس. ومن ذلك الحكم في اللوح والقلم من الباب ٢٩٦: طلب اللوح من علته من يشفيه، فشفاه القلم بما أودعه فيه فهو ميدان العلوم ومحل الرسوم، العلوم فيه مفصلة وقد كانت في القلم مجملة، وما فصلها القلم ولا كان ممّن علم، وإنما اليمين حركته لتفصيل المجمل وفتح الباب المقفل، فليس من نعوت الكمال أن يكون في علم الله إجمال، والإجمال في المعاني محال، ومحل الإجمال الألفاظ والأقوال، فإذا جعل قول عبده قوله اتصف عند ذلك بالإجمال وكان من نعوت الكمال، فلكل مقام مقال، ولكل علم رجال، فكمال العارف علمه بتفصيل المعارف، ومن أجمل فما هو من الكمل، إلاَّ أن يقصد ذلك لقرينة حال فله في ذلك مجال، فهو مفصل عنده في حال إجماله وهو عين كماله. ومن ذلك علم النبيّ الأميّ من الباب ٢٩٧: رسول الوارث النبيّ ورسول النبيّ الروح ١٥٣ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الملكي، ولأهل الاختصاص الوحي الإلهيّ من الوجه الخاص وهو في العموم لكن لا تبلغه الفهوم، فما من شخص إلاَّ والحق يخاطبه به منه، ويحدث به عنه فيقول: خطر لي كذا ولا يدري من أين لجهله بالعين، وما فاز أهل الله إلاَّ بشهوده لا بوجوده، العلم كله واحد، وإن اختلفت المآخذ وتنوّعت المقاصد، علم الحق من شاء من عباده من لدنه علماً وآتاه رحمة من عنده فأعطته الرحمة حكماً، فتوسط الثبج وتحكم في المهج، فأنكر عليه التابع فحل ما ربط وأزال ما اشترط، فجهل منصبه ولم يعرف نسبه، نعم علم ما به حيي لكن نسي فنسي، فمنازل الأفراد في خرق المعتاد، فأمورهم خارجة عن أحكام الرسل وحائدة عمّا شرعوه من السبل، وهم في السبل كالخضر وموسى الكليم، وقول هود عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. ومن ذلك غلق الصدور في الصدور من الباب ٢٩٨: لولا الصدور ما عميت القلوب التي في الصدور، ويحق لها أن تعمى لأنها مأمورة بفك المعمى وقيدت بالأجل المسمّى، كانت في حضرة سارحة والأمور عندها واضحة، أعطاها ذلك الورود على الوجود، فقال لها الحق: بضاعتك ردّت إليك، وما نزل إلاَّ بك عليك، هذه منحك التي أعطيتنيها وعلومك التي خولتنيها، فما أعماك سواك وأنا المنزه عن هذا وذاك، أنا الغني عن عينك وأنت الفقير إليّ في كونك، فلما صدرت عني بكونك ولم تشهدني في عينك، عميت في صدورك عمّن أوجدك ولو أشهدك، فإن شهود الحق لا ينضبط مع أنه مع العالم مرتبط، وهذه المسألة من أغمض المسائل على السائل، لا بظهوره في كوني ولا بغناه عن عيني فعلى ما تعول فيه. ومن ذلك يبدي الأسرار صدر النهار من الباب ٢٩٩ : صدور المجالس حيث كان الرؤساء، والرئيس الكبير من تحكم بأحوالها عليه الجلساء، فهو وإن كان معدن النفوس الرئيس المرؤوس، ألا ترى إلى الحق ما له تصرّف إلاَّ في شؤون الخلق، فيؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، فيتخيل أن المشيئة هنا ضميرها الرحمن وما ضميرها إلاَّ من وهو عين الأكوان، لأنا قد قرّرنا فيما مضى أن الذي كانوا عليه في ثبوتهم هو عين القضاء، فالكون أعطاه العزل والولاية والعزّ والذلّ والرشد والغواية، فحكم عليه بما أعطاه فما قسط ولا جار فإنه نعم الحاكم والجار، للحاكم التقاضي والحكم للماضي، في الخصم للخصم لا للقاضي، فالخصم في التحيّق عين القاضي فافهم. ومن ذلك النيل لأهل الليل من الباب ٣٠٠: ما ظهرت قدرة الحيّ القيوم إلاَّ في إنشاء الجسوم، وما ثم إلاَّ رسم فما ثم إلاَّ جسم، لكن الأجسام مختلفة النظام، فمنها الأرواح اللطائف ومنها الأشباح الكثائف، وما عدا الحق الذي هو المنهاج فهو امتزاج وأمشاج، والصفات والأعراض توابع لهذا الجسم الجامع، فإنه مركب والمركب مركب، ومن أراد العلم بصورة الحال فليحقق علم الخيال، فيه ظهرت القدرة وهو الذي أنار بدره، فلا ينقلب إلاَّ في الصور ولا يظهر إلاَّ في مقام البشر، ولست أعني بالبشر الأناسي فإني كنت أشهد على نفسي بإفلاسي، وأنا عالم زماني لعلمي بالأواني، فما ثم إلاَّ وعاء وآنية ملآ فتدبر تتبصر . ١٥٤ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ومن ذلك الهمس في مراعاة الشمس من الباب ٣٠١: خشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلاَّ همساً لما ﴿ذُكَّتِ اَلْأَرْضُ ذَكَا﴾ [الفجر: ٢١] و﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَشًا﴾ [الواقعة: ٥] ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ﴾ المبين ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فإنه ما جاء بالكلام إلا للإفهام، فإذا خالج السامع القارىء في قراءته فقد شهد من الفهم ببراءته، وأساء الأدب فأسخط الله فغضب، ومن غضب الله عليه فقد عطب، يقول وَّه: ((أَيُّكُمْ خَالَجَنِيهَا)) و(مَا لِي أُنَازَعُ القُرْآنَ)) وأي برهان أعظم من هذا البرهان؟ الرسول حاز الآداب، وجاء بالكتاب، وخاطب أولي الألباب، وما خصّ أعداء من أحباب، بل عمّ الخطاب، فمنا من أصاب، ومنا المصاب، كل من علم ما لم يعلم فهو ملهم، فالوحي شامل ينزل على الناقص والكامل، أيسره اللّمة وما هم به ممّا أهمه . ومن ذلك الجنين في كبد إلى أن يولد من الباب ٣٠٢: الجنين في ظلمة غمّه ما دام في بطن أمّه، يتحكم فيه من طعن في أبيه خدمة وأقامه حرمة، ليجبر بذلك صدع ما وقع منه فيعفو من بغى عليه عنه، ومع أنه في المقام الأوسع فما أودع فيه سوى أربع، لأنه مركب من أربع، فأودعه الرزق والأجل والرتبة والعمل، كل قسم لواحد من أخلاطه أقامه لفسطاطه، فلما علم الجنين أنه محل كل زوج بهيج وأنه في أمر مريج، أراد الخروج بطلب الصعود والعروج، فأخرجه على الفطرة التي كان عليها أوّل مرّة، من قبل أن يقذف في الرحم لما عصم ورحم، فجعل له عينين ولساناً وشفتين وهداه النجدين، وعرف لما خلق وانتهض تابعاً من تقدّم فلحق، فإما شاكراً فله منزل السرور، وإما كفوراً فله سوء المصير والثبور. ومن ذلك القسم بالأمم من الباب ٣٠٣: لولا أن الشرف عمّ وإليه ترجع الأمم، ما أقسم الحق بالوجود والعدم، فأقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، إظهاراً لعلوّ مرتبة المقسم به ولكن لا تشعرون، فالأشقياء سعداء وإن كانوا بعداء، فهو البعيد القريب والجنيب الحبيب، فالشقيّ شقيّ في بطن أمه لما هو عليه من غمّه، والسعيد سعيد في بطن أمه لما خصّه به من علمه، فلقد رأيت من شمت أمه وهو في بطنها حين عطست وحمدت، فعندما سمعت ذلك التشميت من جوفها سرت فسجدت، فهذا واحد ممّن خصّه الله بعلمه في بطن أمه، فمن احتجّ بقوله: ﴿أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فذلك مثل من ردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، وما يلزم العالم حضوره دائماً مع علمه، فهكذا حال الجنين إذا خرج من بطن أمه . ومن ذلك استعارة الصفات وأين هي آفات من الباب ٣٠٤: لا يقتحم المكاره إلا الشجاع الفاره، ولا يعرف منزلتها إلاَّ من جنى ثمرتها، ما عند العارف ما يكره فلا تموّه الحق لا يرضى لعباده الكفر، وهذا عين الغفر في إسبال الستور الجهل بالأمور، الأبصار تخرق الأستار، ولهذا شرع الاعتبار ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٤] والستر مسدل والباب مقفل والعطاء مسبل، فما نفع حجاب ولا منع باب، بصر الاعتبار لا يقف له شيء من ١٥٥ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الأستار، تظن أنك في حجاب عن أعين الأحباب، فما ترى من الأستار والحجاب، وأنت منظور إليك محاط بما في يديك، فالزم شأنك واحفظ عليك لسانك. ومن ذلك تنزيه الأسماء من غير تعرّض للمسمّى من الباب ٣٠٥: تجلى العظيم في الركوع لأنه برزخ الجميع، وتجلى العلي في السجود لما يعطيه من التمييز والحدود، ما هو العلى وإنما هو الأعلى، والأمر مفاضلة والمفاضلة أولى، أعطت ذلك الصورة الحاكمة والنشأة القائمة، بالأسماء تعدّدت النعم لأنها حضرة الكرم، إذا كان الحق يصلى فمن المتجلى، قسمت الصلاة بيني وبين عبدي لعهده وعهدي، فما يقول إلاَّ قلت ولا يسأل إلاَّ أجبت، العبد قبلة الحق والحق في قبلة العبد، الصلاة حكم واحد في الغائب والشاهد، الصوم له والصلاة مقسومة، والحج أذكاره المعلومة، يأخذ الصدقة فيربيها رحمة بمن ولدها لقيامه فيها، فإن قلب كل إنسان حيث جعل ماله، فإذا نظر إليه فلا يقل ما له، فمن نظر إلى صدقته نظر إلى ربّه بحقيقته، فهو للعارف العابد شهادة في كل عبادة. ومن ذلك الآتي ليلاً يبتغي نيلاً من الباب ٣٠٦: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته من عباده اختصّهم بكلامه لمناجاته، حتى لا ينطقون إلاَّ بما نطق فلا يتكلمون إلاَّ بحق قديم ظهر بصورة محدث لما حدث، فلا يأتيهم تعالى إلاَّ في الثلث الباقي من الليل ليمنحهم جزيل العطايا فيما يخصهم به من النيل، وقد نهى أن يأتي المسافر أهله ليلاً وأن يجر للكرم إن فعله على ذلك ذيلاً، فطلبنا في ذلك على الحكمة الغريبة، فعرض بامتشاط الشعثة واستحداد المغيبة، وأعرض عمّا سبق إليه الأوهام الحديثة من الأفعال الخبيثة، ومن فهم ذلك من النفوس الأفاضل المنزهين عن الرذائل، قال ابتغاء الستر وإبقاء لجميل الذكر، ولذلك نطق رسول الله وَالر فأمر: (مَنْ بُليَ منكم بهذه القاذورة فليستتر)). ومن ذلك الوجود في الشاهد والمشهود من الباب ٣٠٧: لا يعرف الوجود إلاَّ أهل الشهود، العين تثبت العين، العجب كل العجب عند أهل العلم والأدب، رؤية الحق في القدم أعياناً أحوالهم العدم، يميزهم بأعيانهم في تلك الحال لا تفصيل حدود بل تفصيل رؤية الموجود، فإذا أبرزهم إلى وجودهم تميزوا في الأعيان بحدودهم، انظر وحقق ما أنبهك عليه واستر أوجد الله في عالم الدنيا الكشف والرؤيا، فيرى الأمور التي لا وجود لها في عينها قبل كونها، ويرى الساعة في مجلاها، ويرى الحق يحكم فيها بين عباده حين جلاها، وما ثم ساعة وجدت ولا حالة ممّا رآها شهدت، فتوجد بعد ذلك في مرآها كما رآها، فإن تفطنت فقد رميت بك على الطريق وهذا منهج التحقيق، فاسلك عليه وكن مطرقاً بين يديه . ومن ذلك الخروج عن الطباق بالأطباق من الباب ٣٠٨: الأحوال التي عليها الخلق هي عين شؤون الحق، ومن أحوالهم أعيانهم فمن شؤونهم أكوانهم، فما لك لا تؤمن بما ترى وتعلم أن الله يرى، يراك في حال عدمك، وثبوت قدمك، أنت لنفسك وهو لنفسه، ما أنت معه كبدره مع شمسه، وأنت معه كذلك نبّه عليه بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ﴾ ففكر فيما قال لك تعرف من هلك، هل هلك من البدر إلا نوره لا عينه وبقيت ذاته وكونه، وموقع ١٥٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الشبهة في قوله: ﴿إِلَّا وَجْهَمٌ﴾ [القصص: ٨٨] فقد كان ذا نور فأظلم واستترت الأشياء حين أعتم، فقال مع علمه بالخبر خسف القمر، وعين القمر هو الظاهر في الكسوفين والمتجلي في الوجودين فالعيد الظاهر وهو المظاهر. ومن ذلك علم الرتب بالكتب من الباب ٣٠٩: لكل ملك حجاب ولكل منزل باب، ولكل أجل كتاب، وما ثم إلاَّ من له أجل، فنسأل الله أن يعرفك بالأمر ولا تعجل، فإن الله يجيبك ما لم تقل لم يجب، فاعمل كما يجب إذا دعاك فأجب، وإذا سقاك فطب، فإنه ما يدعوك إلاَّ ليشقيك، ولا يفنيك إلاَّ ليبقيك، ما الأمر الهائل الذي لا يتحقق إلا بقاء الخلق عند رؤية الحق، على الخبير سقطت وعند ابن بجدتها خططت، لهذا أخبرنا أنه كان سمعنا وبصرنا وما عرفنا ذلك إلاَّ بعد قربنا فتحببنا إليه بما شرع فأحبنا، فما رآه سواه فلذلك لا تفنى عين تراه، بالكتب عرفت الرتب، كتاب في الحبس وكتاب في حظيرة القدس، لحكم الديوان أوان ولله قوم لا یذکرون. ومن ذلك علم الإنشاء ومساواة الأجزاء من الباب ٣١٠: قال لي بعض الفقراء وما أنصفني: إن بعض الرجال قيل له في المعرفة فقال أما أنا فعرفته، وما بقي إلاَّ أن يعرفني، وعسر هذا الكلام على أكثر أهل الأفهام من السادات الأعلام، وأراد مني الجواب وفتح هذه الأبواب، فلم أفتح له لذلك باباً ولا رفعت له حجاباً، وما علم أن لكل معتقد رباً في قلبه أوجده فاعتقده، وهم أصحاب العلامة يوم القيامة، فما اعتقدوا إلاَّ ما نحتوا، ولذلك لما تجلّى لهم في غير تلك الصورة بهتوا، فهم عرفوا ما اعتقدوه، والذي اعتقدوه ما عرفهم لأنهم أوجدوه، والأمر الجامع أن المصنوع لا يعرف الصانع، الدار لا تعرف من بناها ولا من عدلها وسواها، فاعلم ذلك . ومن ذلك السبل بأيدي الرسل من الباب ٣١١: السبل المشروعة الحكم فيها مجموعة، فمن احترمها وأقامها أعطته ما فيها وأتحفته بمعانيها، فكان علامة الزمان، مجهولاً في الأكوان، معلوماً للواحد الرحمن، على أن الرسل لما طرقت السبل وسهلت حزنها وذلك صعبها وأزالت غمّها وحزنها، أخبرت أن دين الله يسر فلا تجعلوه في عسر، فما كلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها، وما شرع لها إلاَّ ما واتاها، فإنه العالم بالمصالح والمنافع والدوا الناجع، فمن استعمل ما شرع اندفع عنه الضر وانتفع، فذهب الله بالشرائع كل مذهب لمن عرف كيف يذهب، فما من قالة إلاَّ وللشرع فيها مقالة إما بتقرير أو إزالة، فما فرّط في الكتاب من شيء حين أنزله، ولا كتم رسول ما به الحق عزّ وجلّ أرسله. ومن ذلك من بادر من الخلق إلى تعظيم صفة الحق من الباب ٣١٢: صفات الحق في الخلق منتشرة ولا يعرفها إلاَّ الرسل والورثة البررة، ولما عرفتها اجتمعت وبمعرفتها انتفع بنا وانتفعت، فأرى من الشخص ما لا يراه من نفسه، وإن كنت من جنسه فما أنا من جنسه، ما يعلم الإنسان ما أخفى له فيه من قرّة أعين وهو أوضح ما يراه وأبين، ولكن لجهله بما هو لا يعلم أنه هو، فينكره إذا رآه ويحمله محملاً ما هو له حين يراه، وللحق مكر في خلقه خفي إلاَّ ١٥٧ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة لمن هو به حفي، فمن علم الخبير تأديب الصغير بالكبير، فأدب الأمة بتأديب رسولها، لتبلغ باستعمال ذلك الأدب إلى تحصيل سؤلها، فيخاطب الرسول والمراد من أرسل إليه فابحث عليه . ومن ذلك من سعد بالجزاء السوائي ما بعد من الباب ٣١٣: يوم الدين يوم الدنيا والآخرة، فلا اختصاص له بيوم عند القوم أقام لهم الحق في ذلك دليلاً، لما جهلوا ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا، فأخبر أنه جزاء ما هو ابتداء، فما ابتليت البرية وهي برية، وهذه مسألة صعبة المرتقى لا تنال إلاَّ بالإلقاء، اختلفت فيه طائفتان كبيرتان فمنعت واحدة ما أجازته أخرى، والرسل بما اختلفت فيه تترى، ولا تحقق واحد ما جاء به الرسول ولا يسلك فيه سواء السبيل، بل ينصر ما قام في غرضه وهو عين مرضه، إلاَّ الطبقة العليا فإنهم علموا الأمور في الدنيا فلم يتعدّوا بالأمر رتبته وأنزلوه منزلته، فما رأوا في الدنيا أمراً مؤلماً إلاّ كان جزاء ما كان ابتداء. ومن ذلك نزاع الملأ الأعلى في الأولى من الباب ٣١٤: تختلف المقاصد والمقصود واحد، فالطبيب يقصد نفع المريض بما يؤلمه، فيرتب له الأمر المؤلم ويحكمه، فإذا تألم طبيب برى عند نفسه من غير شيء جناه، فيسأل الحق عن ذلك فيقول جزاء بما قدمت يداه، فيقول ما قصدت إلاَّ نفعه بما أمرته به من استعمال الأدوية المؤلمة، يقال له وكذلك ما قصدنا بالجزاء المؤلم إلاَّ نفعك بما لك من الأجر في ذلك، فالأمور عند الله محكمة ألست قد ألمته؟ فخذ جزاء ما فعلته، والقصد القصد فلا سبيل إلى الردّ، لما نبهت الشريعة باختصام الملأ الأعلى علمنا أنه من عالم الطبيعة، فإن أردت أن ترفعه عنها وتنزله منزلتها منها فقل لاختلاف الأسماء وهذا أوضح ما يكون من الإيماء. ومن ذلك تتابع الرسل وإنشاء المثل من الباب ٣١٥: الآجال المحدودة جعلت الرسل تترى بالتكاليف والبشرى، فلولا انتهاء الأجل لاكتفي بواحد في الشاهد، وما اختلفت السبل من الرسل إلاَّ لاختلاف الدول، ولهذا ظهر في الوجود النحل والملل، فمنها ما هي عن روح ملكي، ومنها ما هي عن دور فلكي، حكم به الطالع فظهر به المبتدع الشارع، ولا يقصد المصالح إلاَّ ذو عقل راجح، فاعتبرها الحق فأكرم من رعاها وألحقها بالشريعة التي استرعاها، فساوتها في الجزاء لمن قام بها دلالة على مساواتها في مذهبها، فقال وَّ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرِهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)) فلما سنّت الرسل أن تسنّ فما سنّ إلاّ مؤتمن، فما نسخ الشرع إلاَّ الشرع فاسمع . ومن ذلك إهمال الإنسان دون الحيوان من الباب ٣١٦: ما أهمل من أهمل من الأناسي إلاَّ لجهله بمنزلته وتصرّفه في غير مرتبته، فلو أعطى نفسه حقّها كما أعطاها ربها خلقها لكان إمام العالمين، ولذلك لما قال: ﴿وَ مِنْ ذُرِيٌَِّ﴾ قال له: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فالمعاني إذا كانت مبهمة كالطرق المظلمة، لا يعرف الماشي فيها في أي مهواة يهوي ومع هذا يسير ولا يلوي، فإذا سقط عند ذلك يعلم أنه فرط، والسيد الإمام العارف العلام يقول الأمام ١٥٨ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة الأمام، وفي يده سراجه وفي رأسه تاجه، يشهد له الحق بالخلافة والأمن من كل عاهة وآفة، والله المعافي وهو الشافي. ومن ذلك اطلاع الرسول على ما أتى به جبريل من الباب ٣١٧: الاطلاع على الغيوب من شأن أصحاب الأحوال والقلوب، وأما صاحب اللب والمقام فهو الأمر الذي لا يرام، والشخص الذي لا يضام، فله الثبوت فلا يتحوّل والصور التي لا تتبدّل، فصاحب المقام أديب بأدب ربه، متفرج في تنوّعات خواطره في قلبه، فإن ضاق محله عن حمله وأرادت النفس أن تعرف أنها من أهله، وهي الشديدة المحال ظهرت في صورة الحال، وقد يكون ذلك عن أمر إلهي لسر كياني، يريد الحق إمضاه في وجوده ليتحقق بعض رجال الله بشهوده، وأعظم تحف الملك الاطلاع على ما يأتي به الملك، هكذا هو عند الجماعة، وبضاعتنا غير هذه البضاعة، والكشف الأتم ما يشهده من وراء هذا الجسم المظلم، فإن الملك يكون صورته رسالته ما لم يتجسد، فإن تجسد انبهم الأمر على من يشهد. ومن ذلك من هاله الحصول في الهالة من الباب ٣١٨: في الهالة حصر النيرين الذي عينين، وعنهما حدثت وبأشعتهما وجدت، فما حصرهما غيرهما كدودة القز وصاحب دولة العزّ، هو من عزّه في حمى فاستوى في إدراكه البصير والأعمى، لأنه لا يتجلى فيرى، ولو تجلّى لمنع من الوصول إليه المقام الأحمى ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فعمرت الأشعة الرفع والخفض، فحدثت الهالة في انتهاء الخلا، وفي داخل الهالة كان وجود الملأ، فهو من حيث الهالة المحيط وهو معنا أينما كنا في مركب وبسيط، فما خرجنا عنه، وكل ما في السموات وما في الأرض خلقه جميعاً منه، فانظر ما أحكم هذه الأمور ورد الإعجاز على الصدور، واتل قوله تعالى: ﴿أَلَاّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. ومن ذلك من بلي بالأشد في تحري الأسد من الباب ٣١٩: أصدق القول ما جاء في الكتب المنزلة والصحف المطهرة المرسلة، ومع تنزيهها الذي لا يبلغه تنزيه، نزلت إلى التشبيه الذي لا يماثله تشبيه، فنزلت آياته بلسان رسوله، وبلغ رسوله بلسان قومه، وما ذكر صورة ما جاء به الملك وهل هو أمر ثالث ليس مثلهما أو هو مشترك؟ وعلى كل حال فالمسألة فيها إشكال، لأن العبارات لحننا والكلام لله ليس لنا، فما هو المنزل والمعاني لا تنزل إن كانت العبارات فما هو القول الإلهيّ وإن كان القول فما هو اللفظ الكياني وهو اللفظ بلا ريب، فأين الشهادة والغيب، إن كان دليلاً فكيف هو أقوم قيلاً، وما ثم قيل إلاَّ هذا القيل، وهو معلوم عند علماء الرسوم فتحقق ولا تنطق . ومن ذلك العصمة في الإلقاء باللقاء من الباب ٣٢٠: هو الحافظ بالحرس فهو الملحوظ في العسس، لأن الحليم الأوّاه لا يعلم حافظاً سواه، لكن يعطيه الأدب أن لا يظهر من النسب، سوى نسب التقوى وفيه رائحة الحراسة والحفظ الأقوى، فقد صرّح وإن لم يتكلم، وقد أبهم فيما أعلم وما أوهم، ولما أقام العصمة مقام الحرس لم يجنح إلى العسس، وطالما كان يقول من يحرسنا الليلة مع علمه بأن المقدور كائن والحارس ليس بمانع ما قدّر ١٥٩ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة ولا صائن، لكن طلب المعبود بذل المجهود، وهو يفعل ما يشاء وهذا من الأمور التي شاء، وما يشاء إلا ما علم وما علم إلاَّ ما أعطاه الذي هو ثم. ومن ذلك كيف للخلق برد دعوة الحق من الباب ٣٢١: صورته ردّت عليه، وبضاعته ردّت إليه، وما أشبه ذلك بالصدى، إذا ظهر بدا، فتخيل الصيت أنه غيره وما هو إلاَّ عينه وأمره، وما هو الصدى في كل مكان، كذلك ما هذا الإدراك لكل إنسان، بل ذلك عن استعداد خاص غيره منه في مناص، وإن كان من أهل المباص، الحق وإن كان واحداً فالاعتقادات تنوّعه وتفرّقه وتجمعه وتصوره وتصنعه، وهو في نفسه لا يتبدل وفي عينه لا يتحوّل، ولكن هكذا يبصره بالعضو الباصر في هذه المناظر فيحصره الأين ويحدّه الإنقلاب من عين إلى عين، فلا يحار فيه إلاَّ النبيه، ولا يتفطن إلى هذا التنبيه إلاَّ من جمع بين التنزيه والتشبيه، وأما من نزّه فقط أو من شبّه فقط فهو صاحب غلط، وهو كصورة خيال بين العقل والحسّ، وما للخيال محل إلاَّ النفس، فإنها البرزخ الجامع للفجور والتقوى المانع. ومن ذلك الذاهب في جميع المذاهب من الباب ٣٢٢: من ذهب في كل مذهب لم يبال في أي طريق ينهب، من شرد عن كناسه فقد تعرّى عن لباسه، ومن فارق خيسه فقد عرّض بنفسه النفيسة أن تتحكم فيها النفوس الخسيسة، الأسد لا يبرح من أجمته لعلوّ همّته، قد تعشق بمقام تقديسه بتعريسه في خيسه، تتردّد إليه أوباش السباع، وهم أهل الدفاع والنزاع، ألا ترى إلى المتناظرين في مجلس الملك يتنازعون في الكلام، ومقدم الجماعة الذي هو الإمام ساكت في مقامه، وهم يتفقهون بنزاعهم في عين كلامه، فإن تكلم بكلمة فهي الفصل لأنه الأصل، فإن نازعه الحديث أحد القوم أساء الأدب فاستوجب الأدب. ومن ذلك تواتر النقلة وتضاعف الحملة من الباب ٣٢٣: إذا اجتمع أهل النحل والملل وجاء الحق في الظلل للقضاء الفصل، وليس إلاَّ ردّ الفرع إلى الأصل، هنالك تظهر العلل، وما يحمد وما يذمّ من الجدل، وأرباب الدولة مصطفون والوزعة حافون: [البسيط] كأنما الطَّيْرُ منهم فوق أرؤُسِهِمْ لا خَوْفَ ظُلْمِ ولكن خَوْفَ إجْلالٍ هم أهل الهيبة لا الغيبة، وأصحاب الوجود لا الخيبة، وتطاير الكتب فتتميز الرتب، فمنهم الآخذ بيمينه لقوّة يقينه ومنهم الآخذ بشماله لإهماله، ومنهم الآخذ من وراء ظهره لجهله بأمره، لأنهم حين أتاهم به الرسول نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً في الدنيا فبئس ما يشترون في الأخرى، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، باعوا العالي بالدون، وابتاعوا الحقير بالعظيم فهم المغبونون. ومن ذلك علم ما كتب وكيف رتب من الباب ٣٢٤: الكتابة للعليم والترتيب للحكيم، ما رتبت الحكمة حتى حققت علمه، فلما علمت علمه في خلقه رتبته على وفقه، ومن وقف مع هذا النظر الأوّل حار في افعل ولا تفعل، وإن كان الأمر والنهي من جملة ما أعطته الحكمة فعلم فلا يرى له أثر فيما سبق من الحكم الذي حكم، وهذا هو السرّ المبهم الذي لا يعلم، ولو قدرنا أنه علم كتم، أين الاضطرار من الاختيار؟ وأين الاقتصار من الاقتدار؟ وأين ١٦٠ الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة التدبير من نفوذ الأقدار؟ ماء ونار ما التقيا إلاَّ لأمر كبار، علم في رأسه نار يعرفه المقربون ويجهله الأبرار، لو انجلى الغبار لعرف الإنسان هل تحته فرس أو حمار. ومن ذلك ملك الملك في الملك من الباب ٣٢٥: خادم القوم سيدهم فهم الملوك، فلولا الأسماء ما كان السيد المملوك، وإذا كانت الأسماء لها الحكم فقد ارتفع الظلم المسمّى بحكم اسمه فانتبه فإنه يجيب إذا دعي به، فانظر ما أعجب مرتبة الاسم، وما أعطى من الأثر في الرسم، لا يجيب الحق إلاَّ من دعاه ولا يدعى إلاَّ بأسمائه وهي علم أوليائه وأنبيائه، السيد يستخدم العبد بمقاله، والعبد يستخدم السيد بحاله، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، لأن الأحكام التي تتضمنها الأقوال إنما تعرف بقرائن الأحوال، فإن الاصطلاح قد لا يكون له في كل باب مفتاح، ولا سيما النصوص وبهذا العلم يتميز العموم من الخصوص، فللَّه رجال كالعرائس على الكراسي يأكلون من حيث لا يعلمون. ومن ذلك مقاومة الخلق الحق من الباب ٣٢٦: المقاومة تكون بالمحمود فيحمدون، وتكون بالمذموم فيذمون، فقوم يقاومونه بالصبر وإن قالوا مسّنا الضرّ، وقوم يقاومونه بالرضى والتسليم لما به قضى، والسعيد من العبيد من كان مع الله كما يريد، فإن أراد منه النزاع نازع، وإن أراد منه المدافعة دافع، فهو بحيث يراد منه لا بحيث ما يصدر عنه، أجرأتهم عليه الأحوال وما جاءت به في رسالاتها الأرسال، لولا الفرح الإلهي ما تاه التائب، ولولا التبشيش الرباني لزم المسجد وما كان يتصف بالآتي والذاهب، الفاعل منفعل ولكن للمنفعل. ومن ذلك الإطلاق تقييد في السيد والمسود من الباب ٣٢٧ : ما دام الروح في الجسد فهو ميت في قبره رقد، فمنهم النائم نومة العروس ومنهم النائم نوم المحبوس، وكل واحد من هذين مقيد مع أن أحدهما مخذول والآخر مؤيد، فإذا جيء به في موته إلى حشره وبعثر ما في قبره، عاد إلى أصله ووصل ما كان من فصله، ولذلك قال: من تعينت كرامته وثبتت رسالته عندما دلّت عليه علامته من مات فقد قامت قيامته، وهذه قيامة صغرى وسأحدث لك من القيامة الكبرى ذكراً، وذلك إذا زوّجت النفوس بأبدانها لكونها ما زال عنها بالموت حكم إمكانها، وكان الطلاق رجعياً والحكم حكماً شرعياً، فتلك القيامة الكبرى الآخرة فهي كالرد في الحافرة، وما هي في الحكم كالحافرة، ومن توهم ذلك قال: ﴿تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ﴾ ([النازعات: ١٢] إنما أشبهتها في عدم المثل ولكن ما زالت عن الشكل. ومن ذلك فتنة المال والولد في كل أحد من الباب ٣٢٨: لولا إمالة المال ما تميز الرجال، ولولا أن الولد قطعة من الكبد ما علم أنه من سكان البلد، ما خلقه الله في كبد إلاّ ليشفق عليه كل أحد، فمن أشفق فقد وافق ما ندب إليه الحق، ومن لم يقلٍ بالوفاق عدم الإشفاق، وما يلزم من ثبوت العلة ظهور سلطانها في كل ملة، فإنه ما خلقنا إلاَّ لعبادته، ومنا من خذله الله فلم يقل بسيادته، ومنا من لم يفرده بالسيادة ولا أخلص له العبادة، مع ثبوت العله وما أثبتتها كل نحله، فليست المحن بعين زائدة على الفتن هي عينها وكونها، فالاستكثار