Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
فالْتَحَقَ الأوّلُ بالآخِرِ
فأمْرُنا دائرةٌ كـلـه
وإنّه جَلَّى لنا ذاتَهُ
في صورة الباطن والظَّاهـرِ
يدعى صاحبها عبد الآخر وحده من الثاني الذي يلي الأوّل إلى ما تحته فهو المسمى
بالآخر، لأن له حكم التأخر عن الأوّلية بلا شك، وإن استحق الأوّلية هذا المتأخر فما تأخر
عن الأوّل إلا لأمر أيسره وأبينه الزمان، لأن وجود الأهلية فيه من جميع الوجوه فيعلم أن
الحكم في تأخيره وتقدم غيره للزمان كخلافة أبي بكر وعمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عن
جميعهم، فما منهم واحد إلا وهو مترشح للتقدم والخلافة مؤهل لها، فلم يبق حكم لتقدم
بعضهم على بعض فيها عند الله لفضل يعلم تطلبه الخلافة فما كان إلا الزمان، فلما كان في
علم الله أن أبا بكر يموت قبل عمر وعمر يموت قبل عثمان وعثمان يموت قبل علي رضي الله
عن جميعهم والكل له حرمة عند الله فجعل خلافة الجماعة كما وقع، فقدم من علم أن أجله
يسبق أجل غيره من هؤلاء الأربعة، فما قدم من قدم منهم لكونه أكثر أهلية من المتأخر منهم
في نظري والله أعلم. فالظاهر أنه من كون الآجال، فإنه لو بويع خليفتان قتل الآخر منهما
للنص الوارد، فلو بايع الناس أحد الثلاثة دون أبي بكر ولا بد في علم الله أن يكون أبو بكر
خليفة وخليفتان فلا يكون، فإن خلع أحد الثلاثة وولي أبو بكر كان عدم احترام في حق
المخلوع ونسب الساعي في خلعه إلى أنه خلع من يستحقها ونسب إلى الهوى والظلم
والتعدي في حقه، ولو لم يخلع لمات أبو بكر في أيامه دون أن يكون خليفة ولا بد له من
الخلافة أن يليها في علم الله فلا بد من تقدمه لتقدم أجله قبل صاحبه، وكذلك تقدم عمر بن
الخطاب وعثمان وعلي والحسن، فما تقدم من تقدم لكونه أحق بها من هؤلاء الباقين ولا
تأخر من تأخر منهم عنها لعدم الأهلية، وما علم الناس ذلك إلا بعد أن بين الله ذلك بآجالهم
وموتهم واحداً بعد آخر في خلافته أن التقدم إنما وقع بالآجال عندنا وفي نظرنا الظاهر أو بأمر
آخر في علم الله لم نقف عليه، وحفظ الله المرتبة عليهم رضي الله عن جميعهم، فهذا من
حكم التأخر والتقدم، ولله الأولية لأنه موجد كل شيء، ولله الآخرية فإنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ
الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] وقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤] وقال: ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ
اُلْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] فهو الآخر كما هو الأول، وما بين الأول والآخر تظهر مراتب الأسماء
الإلهية كلها، فلا حكم للآخر إلا بالرجوع إليه في كل أمر فإذا كان الله الأول فالإنسان الكامل
هو الآخر لأنه في الرتبة الثانية وهو الخليفة، وهو أيضاً الآخر بخلقه الطبيعي فإنه آخر
المولدات لأن الله لما أراد به الخلافة والإمامة بدأ بإيجاد العالم وهيأه وسواه وعدله ورتبه
مملكة قائمة، فلما استعد لقبول أن يكون مأموماً أنشأ الله جسم الإنسان الطبيعي ونفخ فيه من
الروح الإلهي فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف فظهر بجسمه فكان المسمى آدم فجعله
في الأرض خليفة، وكان من أمره وحاله مع الملائكة ما ذكر الله في كتابه لنا، وجعل الإمامة
في بنيه إلى يوم القيامة، فهو الآخر بالنسبة إلى الصورة الإلهية، والآخر أيضاً بالنسبة إلى
الصورة الكونية الطبيعية، فهو آخر نفساً وجسماً، وهو الآخر برجوع أمر العالم إليه فهو
٢٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
المقصود به عمرت الدنيا وقامت وإذا رحل عنها زالت الدنيا ومارت السماء وانتثرت النجوم
وكورت الشمس وسيرت الجبال وعطلت العشار وسجرت البحار وذهبت الدار الدنيا بأسرها،
وانتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان فعمرت الجنة والنار، وما بعد الدنيا من دار
إلا الجنة والنار، فالاسم الأول للأولى وهي الدار الدنيا، والاسم الآخر للأخرى وهي
الآخرة، وإنما قال الله تعالى لمحمد وَليهِ: ﴿وَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤] لأن الآخر
ما وراءه مرمى فهو الغاية، فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل، فله الثبوت والبقاء والدوام،
والأول ليس كذلك فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي إلى الآخر وهو الغاية فيقف عنده فلهذا
قال له: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى ﴿أَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٤، ٥] فأعطاه
صفة البقاء والدوام والنعيم الدائم الذي لا انتقال عنه ولا زوال، فهذا ما أعطاه حكم هذه
الحضرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الظاهر * حضرة الظهور
[نظم: البسيط]
وليس يُظْهِرُهُ إلا الذي غَلَبَا
إنّ الظُّهُورَ له شَرْطٌ يُؤَيِّدُهُ
تُقْني الذُّمُوعَ وتُذْكي قَلْبَنَا لَهَبَا
إن الفتاة التي في طَرْفِهَا حَوَرْ
فإن أفْضَلَ نِصْفَيْها الذي ذَهَبَا
فإن أَتَوْكَ وقالوا إنها نَصَفْ
فمانَعَتْ فلهذا صُغْتُهُ ذَهَبَا
أعْمَى سناها لهذا عينها اخْتَجَبَا
أُنْقَدْتُها وَرِقاً حتى أُفُوزَ بها
لو أنها ظهرتْ لكل ذي بَصَرٍ
يدعى صاحبها عبد الظاهر، ويلقب بالظاهر بأمر الله هذه الحضرة له تعالى لأنه الظاهر
لنفسه لا لخلقه فلا يدركه سواه، أصلاً، والذي تعطينا هذه الحضرة ظهور أحكام أسمائه
الحسنى وظهور أحكام أعياننا في وجود الحق وهو من وراء ما ظهر، فلا أعياننا تدرك رؤية،
ولا عين الحق تدرك رؤية، ولا أعيان أسمائه تدرك رؤية، ونحن لا نشك أنا قد أدركنا أمراً ما
رؤية وهو الذي تشهده الأبصار منا، فما ذلك إلا الأحكام التي لأعياننا ظهرت لنا في وجود
الحق فكان مظهراً لها، فظهرت أعياننا ظهور الصور في المرائي ما هي عين الرائي لما فيها من
حكم المجلى، ولا هي عين المجلى لما فيها مما يخالف حكم المجلى، وما ثم أمر ثالث من
خارج يقع عليه الإدراك وقد وقع، فما هو هذا المدرك؟ ومن هو هذا المدرك؟ فمن العالم
ومن الحق ومن الظاهر ومن المظهر ومن المظهر، فإن كانت النسب فالنسب أمور عدمية إلا
أن علة الرؤية استعداد المرئي لقبول الإدراك، فيرى المعدوم سلمنا أن المعدوم يرى فمن
الرائي فإن كان نسبة أيضاً فكما هو مستعد أن يرى يكون مستعداً أن يرى وإن لم يكن نسبة
وكان أمراً وجودياً، فكما هو الرائي هو المرئي لأن الذي نراه يرانا، فإذا قلنا إنه نسبة من حيث
إنه مرئي لنا فنقول: إنه أمر وجودي من حيث إنه يرانا كما قلنا فينا من حيث إنا ندركه فالأمر
واحد، فقد حرنا فينا، وفيه، فمن نحن ومن هو؟ وقد قال له بعضنا: ﴿أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ
٢٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
تَرَِّ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال عن نفسه: ﴿أَّ يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وخبره صدق. وقد أعلم
أن بعض العالم يعلم أن الله يرى، ثم قال بآلة الاستدراك فعطف: ﴿وَلَكِنِ آَتُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ
اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِ﴾ ثم تجلى للجبل فاندك الجبل ولا أدري عن رؤية أو عن مقدمة
رؤية لا بل عن مقدمة رؤية، وصعق موسى عن تلك المقدمة ﴿فَلَمَّآ أَفَقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُّبْتُ﴾ أي
رجعت إلى الحالة التي لم أكن سألتك فيها الرؤية ﴿وَأَنْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي
المصدقين بقولك: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ فإنه ما نزل هذا القول ابتداء إلا عليّ فأنا أول المؤمنين به، ثم
يتبعني في الإيمان به من سمعه إلى يوم القيامة، فما ظهر لطالب الرؤية ولا للجبل لأنه لو رآه
الجبل أو موسى لثبت ولم يندك ولا صعق فإنه تعالى الوجود فلا يعطي إلا الوجود لأن الخير
كله بيديه والوجود هو الخير كله، فلما لم يكن مرئياً أثر الصعق والاندكاك وهي أحوال فناء
والفناء شبيه بالعدم والحق لا يعدم عدم العين ولكن يكون عنه العدم الإضافي وهو الذهاب
والانتقال فينقلك أو يذهبك من حال إلى حال مع وجود عينك في الحالين من مكان إلى مكان
مع وجود عينك في كل واحد منهما وبينهما وهو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ
◌ِشَاخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] فالإتيان بصفة القدرة والذهاب بالإرادة من حيث ما هو ذهاب خاصة،
وهذه التفاصيل في غير مفصل لا يكون وليس من شأن المفصل الوجود فإنا نفصل المعدوم
إلى محال وإلى ممكن مع كونه معدوماً.
وبقي الكلام فيمن يفصله والكلام عليه مثل الكلام في الرائي والمرئيّ وقد تقدم، فماذا
نقول أو ما نعول عليه؟ فرأينا أن نترك الأمر على حاله كان ما كان، إذ الأغراض حاصلة
والإدراكات واقعة واللذات حاكمة والشهود دائم والنعيم به قائم، ودع يكون ما يكون من عدم
أو وجود أو حق أو خلق بعد أنه لا ينقصنا شيء مما نحتاج إليه لا نبالي، ولو وقع الإخبار
الإلهي لكان الكلام فيه والنظر على ما هو عليه الآن لا يزيد الأمر ولا ينقص، فإنه إذا ورد فلا
بد من سمع يتعلق به ذلك الخطاب وفهم ومدلول ومتكلم وسامع وهذا عين ما كنا فيه فترك
ذلك أولى، ونقول ما يقول كل قائل فإن الأمر كله عين واحدة في الحيرة في ذلك فكله صدق
ما هو باطل فإنه واقع في الذهن وفي العين وفي جميع الإدراكات، فالجنوح إلى السلم أولى
بالإنسان ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلَّمِ﴾ [الأنفال: ٦١] يعني في الاعتبار والإشارات هذه الخواطر التي
أدتك إلى النظر فيما أنت مستغن عنه فأنزلهم الحق هنا منزلة الأعداء لأهل الإشارات ﴿وَإِن
جَنَحُواْ لِلسَّلَّمِ﴾ وهو الصلح بأن يترك الأمر على ما هو عليه ولا يخاض فيه فإنك إنما تخوض
فيه لكونه آية من الله عليه وقد قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى
حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وليس إلا الاشتغال بما نأكل ونشرب وننكح ونتصرف فيه من
الأعمال المشروعة التي تؤدي إلى السعادة الأخروية وما هذه الأمور؟ قلنا: لا ندري إنما
نعمل كما أمرنا لنصل إلى ما قيل لنا فإنا ما كذبنا بل رأينا ما مضى كله حق لم يختل شيء منه
كذلك ما بقي وقد جنحوا للسلم فأمرنا الله فقال لنبيه وَ ◌ّ ﴿فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:
٦١] فالعاقل يقول بالسمع والطاعة لأمر الله وهذه حالة معجلة وراحة: [المتقارب]
٢٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
وليس البُطُونُ سوى ما اسْتَسَرْ
فليس الظُّهُورُ سِوَى مَا ظَهَرْ
فأين الذهابُ وأين الإيابُ
فمِنَّا إليه ومنه إلينا
وأين القرارُ وأين المَفَرْ
وكُلِّ بحكم القَضَا والقَدَزْ
فمافات شيءٌ وما سَاءَ سَرْ
فلا تَبْكِيَن على فائتٍ
فما ثَمَّ إلا مُضافٌ وما
وقل ما تشاءُ على من تشاءُ
يُضَافُ إليه فجُزْ واعْتَبِزْ
فإن الوُجُودَ بهذا ظَهَرْ
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباطن * حضرة البطون
[نظم: البسيط]
والجَهْرُ يُظْهِرُهُ لكل ذي بَصَرٍ
ما فَضَّلَ الله مخلوقاً على البَشَرِ
من النَّقائِص والأوْهَامِ والغِيَرِ
لناله أهْلُ جُودِ الله بالفِكَرِ
لم يَدْرِ خَلْقٌ من الأملاك ما خَبَري
لما حَوَيْنا من الأرواح والصُوَرِ
في نَفْع أن كان ذاك الأمْرُ أو ضَرَرٍ
السِّرُّ ما بَطَنَتْ فيه حَقِيقَتُهُ
لولا البُطُونُ ولولا سِرُّ حِكْمَتِهِ
وما يفضله إلا سلامتُهُ
لو نالَهُ أَحَدٌ من حيث نَشْأَتُهُ
لولا مباشرةُ الخَلاَّقِ صُورَتَهُ
عَنَتْ لنا أوْجُهُ الأملاك ساجدة
لذا تُقَلِّبُنا أحوالُهُ أَبَداً
يدعى صاحبها عبد الباطن، قال تعالى: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنٌ﴾ [الحديد: ٣]
فالبطون يختص بنا كما يختص به الظهور، وإن كان له البطون فليس هو باطن لنفسه ولا عن
نفسه، كما أنه ليس ظاهراً لنا، فالبطون الذي وصف نفسه به إنما هو في حقنا، فلا يزال باطناً
عن إدراكنا إياه حساً ومعنى فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولا ندرك إلا الأمثال
التي نهينا أن نضربها لله لجهلنا بالنسب التي بها هي أمثال. ولما كانت البطون محال التكوين
والولادة وعنها ظهرت أعيان المولدات اتصف الحق بالباطن يقول إنه من كونه باطناً ظهر
العالم عنه فنحن كنا مبطونين فيه، فخذ ذلك عقلاً لا وهماً، فإنك إن أخذته عقلاً قبله العلم
الصحيح، وإن أخذته خيالاً ووهماً ردّ عليك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ولا ينبغي
للعاقل أن يشرع في أمر يمكن أن يردّ عليه مثل هذا، وإذا أخذته عقلاً دون تخيل وقعت على
عين الأمر فإنه لا بدّ لنا من مستند نستند إليه في وجودنا لما أعطاه إمكاننا من وجود المرجح
الذي رجح وجودنا على عدمنا، إلاَّ أنه باطن عنا لعدم المناسبة بيننا، إذ نحن بعيننا وجملتنا
وتفصيلنا محكوم علينا بالإمكان، فلو ناسبنا في أمر ما وذلك الأمر محكوم عليه بالإمكان
لكان الحق محكوماً عليه بالإمكان وهو واجب لنفسه من حيث نفسه فارتفعت المناسبة، وإذا
لم يناسبنا لم نناسبه فلنا الاستناد إليه لعدم المناسبة ومن وجه للمناسبة وله تعالى الغني عن
العالم لأن محبته أن يعرف هي أنه لا يعرف فهذا حد معرفتنا به، إذ لو عرف لم يبطن وهو
٢٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
الباطن الذي لا يظهر، كما أنه أيضاً في المأخذ الثاني أنه الباطن حيث هو في قلب عبده
المؤمن الذي وسعه فهو باطن في العبد والعبد لا يشاهد باطنه فلا يشاهد ما هو مبطون فيه،
فمن الوجهين ما نراه. ثم إنه إذا كان كما قال قوى العبد وسمعه وبصره والعبد يرى ببصره
فيرى بربه ما يرى بصره ولا يرى شيئاً من قواه والحق جميع قواه فما يرى ربه وبهذا يفرق بين
العلم والرؤية، فإنا نعلم بالإيمان ونوره في قلوبنا أنه قوانا ولا نشهد ذلك بصراً فنحن ندركه
لا ندركه والأبصار لا تدركه، فإذا كان بصرنا فإنه في هذه الحالة لا يدرك نفسه لأنه في حجابنا
إذ كان بصرنا، وإذا كان الأمر على هذا فبعيد أن ندركه، وأما قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرّ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإن البصر إنما جاء ليدرك به لا أنه يدرك، ثم إنه في قوله:
﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ بضمير الغائب فالغيب غير مدرك بالبصر والشهود وهو الباطن، فإنه لو أدرك
لم يكن غيباً ولا بطن ولكن يدرك الأبصار فإنه لا يلزم الغيبة من الطرفين ما يلزم من هو غائب
عنك أن تكون غائباً عنه قد يكون ذلك وقد لا يكون، وفي مدلول هذه الآية أمر آخر وهو أنه
يدرك تعالى نفسه بنفسه لأنه إذا كان بهويته بصر العبد ولا يقع الإدراك البصري إلاَّ بالبصر وهو
عين البصر المضاف إلى العباد وقال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارِ﴾ وهو عين الأبصار فقد أدرك نفسه
ولهذا قلنا إنه يظهر أو هو ظاهر لنفسه ولا يبطن عن نفسه ثم تمّم الآية وقال: ﴿وَهُوَ
اُللَّطِيفُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] من حيث إنه لا تدركه الأبصار، واللطيف المعنى من حيث إنه يدرك
الأبصار أي دركه الأبصار دركه لنفسه لأنه عينها، وهذا غاية اللطف والرقة الخبير يشير إلى
علم الذوق أي لا يعرف هذا إلاَّ بالذوق لا ينفع فيه إقامة الدليل عليه إلاَّ أن يكون الدليل عليه
في نفس الدال وليس سوى ذوقه، فيرى هذا العبد الذي بصره الحق نفسه بالحق، ويرى الحق
ببصره لأنه عين بصره فأدرك الأمرين: [مجزوء الرجز ]
فإنه فيه قَطَنْ
فكُلُّ من فيه بَطَنْ
إلاَّ شهيدٌ أو فَطِنْ
وليس يدري قَوْلَنَا
بِقَلْبه رُؤْيَةَ ظَنْ
يرى الذي رأيتُهُ
يراك من عَيْنِ الجُنَنْ
فإنه هو الذي
إلاَّ إذا لم تَكُنْ
وأنت لا تُبْصِرُهُ
وهي الإشارة بقوله {وَّ في الحديث الصحيح من كتاب مسلم: ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ
يَرَاكَ)): [المضارع]
وإن كُنْتَ لم تَرَهُ
فإن لم تَكُنْ تَرَهُ
كما قلت أبْصَرَهُ
ومن كان حُكْمُهُ
وإن شِئْتَ مَنْظَرُهُ
فذاتي له وِطَاءٌ
فقد صَحَّ أَقْبَرَهُ
إذا كان في وُجُودي
فقد جاء أَنْشَرَهُ
وإن صَاحَبَ الوُجُودَ
فقلوب العارفين مدافن الحق كما ظواهرهم مجاليه، وإنه في نفس قلوب عباده من
٢٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
حيث إن قلوبهم محل العلم به، ثم إنهم لا يراعون حرمته ولا يقفون عند حدوده، فهو فيهم
كالميت في قبره لا حكم له فيه بل الحكم للقبر فيه بكونه أكنه وستره عن أعين الناظرين،
كذلك حكم الطبع إذا ظهر بخلاف الشرع، فإن الشرع ميت في حقّه في ذلك الزمان، وهكذا
يظهر الحق في الرؤيا، ولقد رأيت رسول الله وَّل في النوم ميتاً في موضع عاينته بالمسجد
الجامع بإشبيلية فسألت عن ذلك الموضع فوجدته مغصوباً، فكان ذلك موت الشرع فيه حيث
لم يتملك بوجه مشروع، فاستناد الموت والدفن إلى الحق في قلوب الغافلين فهو فيها كأنه لا
فيها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
التواب * حضرة التوبة وهي الرجوع من المخالفة إلى الموافقة
[نظم: الوافر]
فتُبْ تَرْجِعْ لتَّوْبَتِكَ الشُّؤُونُ
ألا إنَّ المَتَابَ هو الرُّجُوعُ
فأنت لما تُتَابِعُهُ تَكُونُ
إذا تابَعْتَ شخصاً في فلاةٍ
فمن وَجْهِ يكونُ له الكُمُونُ
وإن كان الظّهور له بوَجْهٍ
ولي منه الإقامةُ والسُّكُونُ
له منا التحرُّكُ في جهاتٍ
إذا شاء المُؤيّدُ والمُعِينُ
وليس له سواي من مُعِينٍ
يدعى صاحبها عبد التواب، من هذه الحضرة تاب التائبون فله الرجعة الأولى، ثم تاب
عليهم ليتوبوا فما رجع إليهم إلاَّ ليرجعوا، وكل معلل عله الحق فإنه واقع، كما أنه كل ترج
من الله واقع، فالرجعة الأولى من الله على العبد هي التي يعطيه الحق فيها الإنابة إليه، فإذا
رجع العبد إليه بالتوبة رجع الحق إليه غير الرجوع الأوّل وهو الرجوع بالقبول، فإن الله لا يقبل
معاصي عباده ويقبل التوبة والطاعات، وهذا من رحمته بعباده، فإنه لو قبل المعاصي لكانت
عنده في حضرة المشاهدة كما هي الطاعات، فلا يشهد الحق من عباده إلاَّ ما قبله ولا يقبل إلاَّ
الطاعات، فلا يرى من عباده إلاّ ما هو حسن محبوب عنده، ويعرض عن السيئات فلا يقبلها،
فإن صاحب السيئة ما عملها على طريق القربة، ولو عملها على طريق القربة لكان جهلاً
وافتراء على الله وكفراً صراحاً، فلا يقبلها حتى لا تكون عنده في موضع الشهود فيقع حساب
العبد على ما أساء في الديوان الإلهي على أيدي الملائكة إذا أمر الحق بمحاسبته، وأمر
الملائكة أصحاب الديوان أن يتجاوزوا عن المتجاوز، وأن الله طيب لا يقبل إلاَّ طيباً، ولا بدّ
لكل إنسان من أمر طيب يكون عليه، لأنه لا بدّ أن يكون على مكارم خلق بأي وجه كان،
ومكارم الأخلاق كلها عند الله، فلا بدّ أن يكون لكل عبد عند الله شفيع، فإذا استوفى أهل
ديوان المحاسبة ما بأيديهم في حق عبد من العباد وفعلوا فيه ما اقتضاه أمره معهم وفرغ من
ذلك ورفع الأمر إلى الله راجعاً كما قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] لا يجد العبد
عند ربه إلاَّ ما قبله منه، فشكره الله على ما عنده فأكرمه ونعّمه فيقول العبد: ربي أكرمني وما
عنده علم بما قبل الله منه من طيب خلق كان عليه، وسواء كان في أي دار كان فإن له فيها
٢٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
نعيماً مقيماً ما دام ذلك الطيب عند الله وهو لا يزال عند الله فلا يزال هذا العبد في نعيم في
نفسه، وإن ظهر عند غيره أنه في عذاب فهو في نفسه في نعيم وهو المراد المعتبر في هذا
الأمر، فإذا اتفق أن يؤخذ التائب فما يأخذه إلاَّ الحكيم لا غيره من الأسماء، فإذا لم يؤاخذ
فإنما يكون الحكم فيه الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّبُ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] بطائفة ﴿تَوََّبُّ حَكِيمٌ﴾
[النور: ١٠] بطائفة، والكل نواب الحق تعالى: [مجزوء الخفيف]
تَجْعَلُ العَبْدَ تائِبَا
تَوْبَةُ الله أوّلاً
جعل الحقّ تائبا
فإذا تاب عَبْدُهُ
صفة الحَقّ نائبا
فيكون العُبَيْدُ عن
تَابَ للعَفْو طَالَبَا
لم يزل حَالُ كُلِ مَنْ
ـكونَ عن الثَّوْب راغبا
أعْظَمُ الثَّوْبِ أن يـ
كُنْ عن الفعل جانبا
فإذا كنت تائبـا
تَبْتَغي منه وَاهِبَا
تَجِدِ الحَقَّ في الذي
فالعبد الصحيح التوبة أن يتوب الله عليه لا ليتوب بل يجرم، وأنت تعفو تكرّماً، حتى لا
يكون رجوعك بالمغفرة، على المذنب جزاء، فيكون هو الذي عاد على نفسه بالمغفرة منك،
فأين المنة في الرجعة الثانية التي هي رجعة المغفرة إن لم تغفر من غير توبة من المذنب؟
فرجوع الله ينبغي أن يكون رجوع امتنان كالرجعة الأولى في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:
١١٧] ليتوبوا فهذه الأولى توبة امتنان، فإذا تاب عليهم بالمغفرة بعد توبتهم كانت هذه التوبة
الإلهية جزاء لا يتخلص الامتنان الإلهي فيها إلاَّ على بعد، وهو أن يرجع العبد في توبته إلى
التوبة الأولى الإلهية التي جعلته أن يتوب، وتوبة الامتنان أيسر من توبة الجزاء وهي توبة
الجواد الواهب المحسان الذي يعطي لينعم، لا لعلة موجبة عقلاً ولا شرعاً، وهذه إشارة كافية
لمن أراد التخلق بأخلاق الكرم، فمن كرمه كتب على نفسه الرحمة، فالكريم المطلق من
جازى على السيئة إحساناً فإن المحسن هو الذي أخذ الإحسان بإحسانه فلا يتبين فضل
المحسن فإنه ما على المحسنين من سبيل، فافهم وتحقق عسى تلحق، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
العفو * حضرة العفو
[نظم: الطويل]
عَفَوْتَ عن الجاني وما زال عَفْوُنا
فلما أَنَخْنَا قال من ذا فقلتُ مَنْ
فإن عَجِزَ المِسْكينُ عن حَقّ جاره
ولىو أنه من كان فالحِفْظُ قائمٌ
فأَنَّى له كالبَدْرِ عند امتلائه
يَسِيرُ بنا حتى أَنَخْنَا بِدَارِهِ
حَقِيقٌ على جارٍ يقوم بجَّارِهِ
فلم يبق إلاَّ أن يكون بدَارِهِ
عليه به منه لبُعْدِ مَزَارِهِ
بنُور معاليه وعند سِرَارِهِ
٢٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
يدعى صاحبها عبد العفوّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورُ﴾ [الحج: ٦٠] هذه
الحضرة تشبه حضرة الجلال لأنها تجمع الضدين وهذه تجمع بالدلالة بين القليل والكثير،
هكذا هي في أصل وضع اللسان كالجليل يجمع بين العظيم والحقير، فالعفو الإلهي في جناب
الحق كالقناعة وهي الاكتفاء بالموجود من غير مزيد، والكثير ما زاد على ما تدعو إليه
الحاجة، فاتصاف الحضرة بالعفو أنها تعطي ما تقتضيه الحاجة لا بدّ من ذلك من كونه سخياً
وحكيماً، ثم يزيد في العطاء من كونه منعماً مفضلاً غير محجور عليه، ولا تقضي عليه
الحاجات بالاقتصار على ما يكون به الاكتفاء، فالعطاء للإنعام هو العطاء الحق عطاء الجود
والمنة لا تحكم عليه العلل ولا يدخله ملل، فإنه قد ورد في الصحيح: ((إنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى
تَمَلُوا فَإِذَا تَرَكْتُمْ تَرَكَ)) فمن أعطي بعد سؤاله وبذل ماء وجهه فإنما أعطي جزاء، ومن أعطي
ليشكر فقد أعطي لعلة يعود خيرها عليه، ومن أعطي بعد الشكر فقد أعطي جزاء وفاقاً، وهذه
التقييدات كلها تعطيها حضرة العفو والإطلاق فيها من غير تقييد تعطيه أيضاً حضرة العفو
فلذلك يطلق على القليل والكثير، ومنه إعفاء اللحية فاختلف الناس في إعفائها ما أراد الشرع
بهذه اللفظة هل أراد تكثيرها بأن لا يقص منها كما يقص من الشارب؟ وإذا لم يقص منها
كثرت، وقد يريد أن يأخذ منها قليلاً بكونه قال ذلك عند قوله: ((احفُوا الشَّارِبَ وَأعْفُوا اللَّخَى))
وإحفاء الشوارب استئصالها بالقص، فيحتمل إعفاء اللحية أن لا يستأصلها ويأخذ منها القليل،
فمن فهم من هذا الحكم طلب الزينة الإلهية في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]
نظر في لحيته فإن كانت الزينة في توفيرها وأن لا يأخذ منها شيئاً تركها، وإن كانت الزينة أظهر
في أن يأخذ منها قليلاً حتى تكون معتدلة تليق بالوجه وتزينه أخذ منها على هذا الحد، وقد
ورد: ((أن النبي ◌َ ﴿ كان يأخذ من طول اللحية لا من عرضها)) فتوجه معنى العفو بالقلة والكثرة
على اللحية. وأما في المؤاخذة على الذنوب فقال: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]
فيأخذ على القليل فيدل هذا العفو على أنه لا بدّ من المؤاخذة ولكن في قلة والقلة قد تكون
بالزمان الصغير المدة، ثم يغفر الله ويجود بالإنعام ورفع الألم عن المذنب المسلم، وقد
يكون بالحال فيقل عليه الآلام بالنظر إلى آلام هي أشد منها، أين قرصة البرغوث من لدغ
الحية؟ ليس بين ألميهما نسبة وكل واحد منهما مؤلم لكن ثم ألم قليل وألم كثير، فأهل
الاستحقاق وهم المجرمون المأمورون بأن يمتازوا وليس إلاَّ أهل النار الذين هم أهلها وهم
المشركون لا عن نظر، فيكون أخذهم بالعفو في الزمان لأن زمان العقاب محصور، فإذا ارتفع
بقي عليهم حكم الزمان الذي لا نهاية لأبده، فزمان عذابهم قليل بالإضافة إلى حكم الزمان
الذي يؤول إليه أمرهم فهو عفوّ عزّ وجلّ بما يعطي من قليل العذاب، وهو عفوّ بما يعطي من
كثير المغفرة والتجاوز، فإنه عزّ وجلّ قد أمرنا بالعفو والتجاوز والصفح عمن أساء إلينا وهو
أولى بهذه الصفة منا، ولذلك كان أجر العافين على الله لكونه عفوّاً غفوراً، وما قرن مغفرته
حين أطلقها بتوبة ولا عمل صالح بل قال: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن
زَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فبالغ وما خصّ إسرافاً من
٢٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
إسراف ولا داراً من دار، فلا بدّ من شمول الرحمة والمغفرة على من أسرف على نفسه، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرؤوف * حضرة الرأفة
[نظم: الطويل]
عُبَيْداً أتاه راجياً مُتَلَهْفَا
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ لا يكون مُؤاخِذاً
ولو كانت الأخرى أتى مُتَكَلْفَا
مِنَ اجْلِ ذُنُوبٍ قد أتاها بغَفْلَةٍ
أتى مُسْتجيراً سائلاً مُتَكَفّفًا
فإن شئت عفواً لا تؤاخذْه إنه
لذاك يراه سائلاً مُتَلَطْفَا
وما جاء إلا من غنى سؤاله
فنَثْرَى له من كونه مُتَعَفِّفَا
فيَقْنَعُ منا باليسير لفَقْرنا
هي لعبد الرؤوف، وصف الحق عبده محمداً وَّ بأنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨] فقيده بالإيمان ولم يقيد الإيمان فهذا تقييد في إطلاق، فإنه قال في الإيمان إنه
مؤمن صاحبه بالحق والباطل وهو قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ،﴾ [النساء: ١٣٦]
وذكر ما ذكر فسمّاهم مؤمنين وما كانوا مؤمنين إلاَّ بالباطل، فأمرهم أن يؤمنوا بالله وهو الحق
ورسوله والكتاب الذي أنزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، فدلّ على أنه ما خاطب
أهل الكتاب فقط فإنه أمرهم بالإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل ولا شك أنهم به مؤمنون
أعني علماء أهل الكتاب، ثم قيّد الكفر هنا ولم يقيد الإيمان فقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء:
١٣٦] فقيد في الذكر ما أمر به عبده أن يؤمن به وما تعرض في الذكر للكفر المطلق كما أطلق
الإيمان ونعتهم به في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وما كانوا مؤمنين إلاَّ بالباطل، فإن
المؤمن بالله لا يقال له آمن بالله فإنه به مؤمن وإن احتمل أن يؤمن به لقول هذا الرسول الخاص
على طريق القربة، ولكن التحقيق في ذلك ما ذهبنا إليه ولا سيما والحق قد أطلق اسم الإيمان
على من آمن بالباطل واسم الكفر على من كفر بالطاغوت.
واعلم أن الرأفة من القلوب مثل جبذ وجذب كذلك رأف ورفأ وهو من الإصلاح
والالتئام، فالرأفة التئام الرحمة بالعباد ولذلك نهى عنها في إقامة الحدود لا كل الحدود، وإنما
ذلك في حد الزاني والزانية إذا كانا بكرين إلاَّ عند من يرى الجمع بين الحدين على الثيب،
وأكثر العلماء على خلاف هذا القول، وليس المقصود إلاَّ قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُرُ﴾ يعني ولاة الأمر
﴿بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ ودين الله جزاؤه ثم قال: ﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فخص لأنه ثم من يؤمن
بالباطل ﴿وَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ [النور: ٢] يقول: إقامة الله حدوده في اليوم الآخر كأنه يقول لولاة
الأمر: طهّروا عبادي في الدنيا قبل أن يفضحوا على رؤوس الأشهاد، ولذلك قال في هؤلاء:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ينبّه أن أخذهم في الآخرة على رؤوس الأشهاد
فتعظم الفضيحة، فإقامة الحدود في الدنيا أستر، فأمر الوالي بإقامة الحد نكالاً من الزاني كما
هو نكال في حق السارق وبين ذلك فطهارته كما قال: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ وَالْعَلَكِفِينَ﴾
٣٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
[البقرة: ١٢٥] كذلك إقامة الحد إذا لم يكن نكالاً فإنه طهارة وإن كان نكالاً فلا بدّ فيه من معقول
الطهارة لأنه يسقط عنه في الآخرة بقدر ما أخذ به في الدنيا، فسقط عن الزاني النكال وما
سقط عن السارق، فإن السارق قطعت يده وبقي مقيداً بما سرق لأنه مال الغير فقطع يده زجر
وردع لما يستقبل، وبقي حق الغير عليه فلذلك جعله نكالاً، والنكل القيد فما زال من القيد
مع قطع يده، وما تعرض في حد الزاني إلى شيء من ذلك، وقد ورد في الخبر: ((أنَّ مَا
سُكِتَ عَنِ الحُكْمِ فِيهِ بِمَنْطُوقٍ فَهُوَ عَافِيَةٌ)) أي دارس لا أثر له ولا مؤاخذة فيه، فإن الله قد بيّن
للناس ما نزل إليهم من الأحكام في كتابه وعلى لسان رسوله وَله.
الوالي * حضرة الإمامة
[نظم: البسيط]
فإنني عالِمٌ بما بَدَا مِنِّي
إن الإمام هو الوالي فلا تَكْنِي
في كل حال أكونُ فيه لا أُكْنِي
هذا الذي قُلْتُهُ لكم أقولُ به
يدعى صاحبها عبد الوالي، وعبد الولي، وعبد الوالي هو الذي يلي الأمور بنفسه، فإن
وليها غيره بأمره فليس بوال ولا إمام، وإنما الوالي والإمام هو المنصوب للولاية، وإنما سمّي
والياً لأنه يوالي الأمر من غير إهمال لأمر ما ممّا له عليه ولاية، وإن لم يفعل فليس بوال وإنما
هو حاكم هوى وقد قيل له: ﴿وَلَا تَقَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] فأنفاس الوالي
وحركاته وتصرّفاته عليه معدودة، والوالي لا يكون أبداً إلاَّ في الخير لا بدّ من ذلك فإنه موجد
على الدوام، فلا تراه أبداً إلاَّ في فضل وإنعام وإقامة حد لتطهير والتطهير خير، فإن الوالي
على الحقيقة هو الله، فإن المنصوب للولاية بحكم الله يحكم وبما أراه الله وهو الحق، وقد
أخبر الرسول ◌َ﴾ في دعائه معلماً إيانا فقال: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ)) فلا يوالي إلاَّ الخير ولا
يأمر إلاَّ بالخير، ولا يكون عنه في العقوبة والمثوبة إلاَّ الخير. ثم قال: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ))
فالوالي لا يوالي الشرّ بل لا يفعله أصلاً لأنه ليس إليه، فالوالي إذا كان من نصب الحق فالشرّ
ليس إليه إلاّ إذا ترك ولاية الحق وحكم بالهوى فضل عن سبيل الله فله عذاب شديد بما نسي
يوم الحساب، فيكون ديوان الحكم الإلهي يأخذه إذا حاسبه، فالشقيّ من تأخّر تطهيره إلى
ذلك المقام الأخراوي، والسعيد من تقدم تطهيره في الدنيا إما بتوبة يتوبها وإما بإنصاف وأخذ
منه في الدنيا حتى ينقلب إلى الآخرة وليس عليه حق، وربما يكون ممّن يمشي في الدار الدنيا
وما عليه خطيئة لكثرة ما يبتليه الله به مما يقع له به الكفارة: [مجزوء الوافر]
جَمِيعَ الخَيْر في نَسَقِ
فَوَالي الحَقِّ من وَالَى
بغير الحُكْمِ فِي طَبَقِ
فما يَنْفَكُ عن طَبَقٍ
كنُورِ البَدْر في الغَسَقِ
له نُورٌّ إذا يُفْضي
أتى في الحكم كالفَلَقِ
إذا غَسَقَتْ مسائلُهُ
فَجَلَّى عنك ظُلْمَتَها
وما تَلْقَى من الحَرَقِ
٣١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
وأيضاً: [السريع]
من شَرّ دَيْجُورٍ إذا ما غَسَقْ
تَعَوَّذُوا بالله رَبِّ الفَلَقْ
آلى لمن قد جاءنا بالشّفَقْ
فإنه آَلَى علينا كما
والقَمَر العالي إذا ما اتَّسَقْ
ولَيْلُهُ المظلمُ مهما وَسَقْ
عند شهودي طَبَقاً عن طَبَقْ
لتَرْكَبُنَّ اليوم في ذاتكم
وأَخْلَقَ الخَلْقَ الذي قد خَلَقْ
فالحمد لله على ما خَلَقْ
مكنونةٍ في مُضْغة من عَلَقْ
أَوْجَدَنَا ماءً إلى نُطْفَةٍ
أَوْدَعَ فيها ولديها بنا
جميع ما اختصّ بنا من عَلَقْ
وقد نصحتك أيها الوالي المتعالي، فلا تغل في الدين، ولا تقل على الله إلاَّ الحق ولا
على الخلق إلاّ الحق فإنك المطلوب بما أنت وال عليه وعنه: [مجزوء الرمل ]
فَلْتَقُمْ فِيه بِحَقٌ
فإذا وُلْيتَ أمْراً
هو في مَفْعَد صِدْقٍ
إنما الوالي بحَقٌّ
حاكماً وبين خَلْقِ
فتراه بين حَقّ
كُلِّ ذي عَقْل ونُطْقِ
رُتْبَة يَسْمُو إليها
وهو للبقاء مُبْقِ
هو للفناء مُقْنِ
فإذا أفْنَى فناءً
جاء حكم الضّدْ يُبْقي
قال الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ابتداء منه من غير
طلب من إبراهيم عليه السلام ليكون معنا مسدداً وعلمنا أنه ليس بظالم قطعاً لأن الإمامة عهد
من الله، وقال إبراهيم لربه تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيٌَّ﴾ فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
فأمرنا الحق أن نتبع ملة إبراهيم لأن العصمة مقرونة بها، فإن رسول الله وَ ل﴿ه قد نبّه على أنه من
طلب الإمارة وكل إليها، ومن أعطيها من غير مسألة أعين عليها وبعث الله ملكاً يسدده،
والملك معصوم من الخطأ في الأحكام المشروعة في عالم التكليف، فكان الخليل حنيفاً أي
مائلاً إلى الحق مسلماً منقاداً إليه في كل أمر، فكان يوالي الخير حيثما كان، قالوا لي: الكامل
من والى بين الأسماء الإلهية فيحكم بينها بالحق كما يحكم الوالي الكامل الولاية من البشر بين
الملأ الأعلى إذ يختصمون، ولهذا أمروا بالسجود لآدم عليه السلام، فإن الاعتراض خصام
في المعنى والخصم قوي، فلما أعطي الإمامة والخلافة وسجدت له الملائكة وعوقب من
أساء الأدب عليه وتكبّر عليه بنشأته وأبان عن رتبة نفسه بأنها عين نشأته فجهل نفسه أوّلاً فكان
بغيره أجهل، ولا شك أن هذا المقام يعطي الزهو والافتخار لعلوّ المرتبة، والزهو والفخر داء
معضل وإن كان بالله تعالى، فأنزل الله لهذا الداء دواء شافياً، فأمر الإمام بالسجود للكعبة،
فلما شرب هذا الدواء برىء من علة الزهو، وعلم أن الله يفعل ما يريد، وما تقدم على من
تقدم عليه من الملائكة بالصفة التي أعطاه الله لعلوّ رتبته على الملائكة، وإنما كان ذلك تأديباً
من الله لملائكته في اعتراضهم وهو على ما هو عليه من البشرية، كما أنه قد علم أنه ما سجد
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
للكعبة لكون هذا البيت أشرف منه وإنما كان دواء لعلة هذه الرتبة، فكان الله حفظ على آدم
صحته قبل قيام العلة به فإنه من الطب حفظ الصحة وهو أن يحفظ المحل أن يقوم به مرض
لأنه في منصب الاستعداد لقبول المرض، وقد علم أنه وإن سجد للبيت فإنه أتم من البيت في
رتبته، فعلم أن الملائكة ما سجدت له لفضله عليهم وإنما سجدت لأمر الله، وما أمرها الله إلاّ
عناية بها لما وقع منهم ممّا يوجب وهنهم، ولكن لما لم يقصدوا بذلك إلاَّ الخير اعتنى الله
بهم في سرعة تركيب الدواء لهم بما علمهم آدم من الأسماء وبما أمروا به من السجود له وكل
له مقام معلوم، أمرت الملائكة بالسجود فامتثلت وبادرت فأثنى الله عليهم بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ
اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ونهى آدم فعصى فلما غوى أي خاف قال الشاعر:
[الطويل]
ثم اجْتَبَاهُ ربه فتابَ عليه وهَدَى (١)
ومَنْ يَغْوَ لا يقدم على الغَيِّ لائماً
الجامع * حضرة الجمع
[نظم: مجزوء الرجز]
ليس في الجَمْع افْتِرَاقُ
إنما الجَمْعُ وُجُودٌ
فيه له بنا اتّفاقُ
إنما الغَزقُ الذي
من وجودنا اشْتِقَاقُ
فله في الحُكْم فينا
قَيْدُهُ فيه انْطِلاقُ
ولنا عليه حُكْمْ
يدعى صاحبها عبد الجامع، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيَةٍ﴾
[آل عمران: ٩] فهو في نفسه جامع علمه العالم علمه بنفسه فخرج العالم على صورته فلذلك قلنا
إن الحق عين الوجود. من هذه الحضرة جمع العالم كله على تسبيحه بحمده وعلى السجود له
إلاَّ كثير من الناس ممّن حق عليه العذاب، فسجد لله في صورة غير مشروعة فأخذ بذلك مع
أنه ما سجد إلاَّ لله في المعنى فافهم. ومن هذه الحضرة ظهر جنس الأجناس وهو المعلوم ثم
المذكور ثم الشيء، فجنس الأجناس هو الجنس الأعمّ الذي لم يخرج عنه معلوم أصلاً لا
خلق ولا حق ولا ممكن ولا واجب ولا محال، ثم انقسم الجنس الأعمّ إلى أنواع تلك
الأنواع نوع لما فوقها وجنس لما تحتها من الأنواع إلى أن تنتهي إلى النوع الأخير الذي لا نوع
بعده إلاّ بالصفات، وهنا تظهر أعيان الأشخاص، وكل ذلك جمع دون جمع من هذه
الحضرة، وأقل الجموع اثنان فصاعداً ولم يكن الأمر جمعاً ما ظهر حكم كثرة الأسماء
والصفات والنسب والإضافات والعدد، وإن كانت الأحدية تصحب كل جمع فلا بدّ من
الجمع في الأحد، ولا بدّ من الأحد في الجمع فكل واحد بصاحبه. وقال تعالى من هذه
الحضرة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] والمعية صحبة والصحبة جمع، وقال: ﴿مَا
(١) الشطر الثاني مختلّ والوزن الشطر الأول من الطويل.
٣٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
يَكُونُ مِن ◌َّجْوَ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ وهو الواحد
﴿وَلَّ أَكْثَرَ﴾ إلى ما لا يتناهى ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فإن كان واحداً فهو الثاني له لأنه
معه فظهر الجمع به فهو الجامع، ثم ما زاد على واحد فهو مع ذلك المجموع من غير لفظه،
أي لا يقال هو ثالث ثلاثة وإنما يقال ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة لأنه ليس من جنس
ما أضيف إليه بوجه من الوجوه لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولما كانت هذه الحضرة لها الدوام في الجمعية ولا تعقل إلاَّ جامعة وما لها أثر إلاَّ
الجمع وما تفرق إلاَّ لتجمع وقد علمت أن الدليل يضادّ المدلول وأن الدال وهو الناظر في
الدليل إذا كان فيه ومعه مجتمعاً لا يكون مع المدلول، ودليلك على الحق نفسك والعالم كما
قال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا﴾ أي الدلالة علينا ﴿فِى الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وقال: ((مَنْ
عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) جعلك دليلاً عليه فجمعك بك وفرقك عنه في حال جمعك بك، ثم
قال لأبي يزيد: اترك نفسك وتعال ففرقك عنك لتجتمع به ولا تجتمع به حتى تنظر في الدليل
به لا بك فتعلم أنك ما زلت مجتمعاً به في حال نظرك في الدليل فإنه سمعك وبصرك، فأنت
وهو مجتمعان في حال طلبك إياه، فمن تطلب أو من يطلب فما برحت في عين الجمع به
وهو الجامع لنفسه بك لمحبته فيك، وهذا من أعجب الأحوال الطلب في عين التحصيل :
[مجزوء الخفيف]
ولنا فيه مَذْهَبُ
إنما الحَالُ مَلْعَبُ
فيه فَلْهُو ونَلْعَبُ
هو مَيْدَانُنا الذي
رَى وَنَسْقي ونَشْرَبُ
وبه نّنْكِحُ العَذَا
وأعْجَبُوا منه واعْجَبُوا
فانْظُروا في صَنِيعه
وله فيّ مَطْلَبُ
ما لنا فيه مَطْلَبُ
لما كان الدوام لمعية الحق مع العالم لم يزل حكم الجمع في الوجود وفي العدم فإنه
مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده فأينما كنا فالله معنا، فالتوحيد معقول
غير موجود، والجمع موجود ومعقول، وللرجال عليهن درجة وليست إلاَّ درجة الوجود لو
أراد التوحيد ما أوجد العالم وهو يعلم أنه إذا أوجده أشرك به ثم أمره بتوحيده فما عاد عليه إلاَّ
فعله، فقد كان ولا شيء معه يتصف بالوجود، فهو أوّل من سنّ الشرك لأنه أشرك معه العالم
في الوجود، فما فتح العالم عينه ولا أبصر نفسه إلاَّ شريكاً في الوجود، فليس له في التوحيد
ذوق فمن أين يعرفه؟ فلما قيل له وحد خالقك لم يفهم هذا الخطاب فكرر عليه وأكد وقيل له
عن الواحد صدرت فقال: ما أدري ما تقول لا أعقل إلاَّ الاشتراك فإن صدوري عن ذات
واحدة لا نسبة بيني وبينها لا يصحّ، فلا بدّ أن يكون مع نسبة علمية أو نسبة قادرية لا بدّ من
ذلك، ثم إنه وإن كان قادراً فلا بدّ من الاشتراك الثاني وهو أن يكون لي من ذاتي القبول
لاقتداره وتأثيره في وجودي، فما صدرت عن واحد وإنما صدرت عن ذات قادرة في شيء
الفتوحات المكية ج٨ - ٣٣
٣٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
قابل لأثر اقتداره أو في مذهب أصحاب العلل عن حكم علة وقبول معلول فلم أدر للوحدة
طعماً في الوجود: [الطويل]
فكان قَبُولي مانعاً ما أَرُومُه
فقد رُمْتُ أن أخْلُو بتَوْحيد خالقي
ويا ليت شعري هل أرى من يُقِيمُه
فيا ليت شعري هل يقام بمَشْهَدٍ
ويمنعُ عن تحصيل ذاك رُسُومُه
لقد رُمْتُ أمْراً لا سبيل لنَيْلِهِ
ألا تراه كيف نبّه على أن الأمر جمع وأنه جامع بقوله: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَنَا زَوْجَيْنِ﴾
[الذاريات: ٤٩] وعلم أن نفسه شيء فخلق آدم على صورته فكان آدم زوجين، ثم خلق منه حواء
لا من غيره ليعلمه بأصل خلقه ومن زوّجه ومن زوجه فما زاد بخلقه حواء منه على زوجيته
بالصورة التي خلق عليها، وتلك الصورة الزوجية أظهرت حواء، فكانت أول مولد عن هذه
الزوجية كما خلق آدم بيديه فكان عن زوجية يد الاقتدار ويد القبول وبهما ظهر آدم: [مخلع
البسيط]
ماجَ به في المَخَاض مَوْجًا
وكان فَرْداً فصار زَوْجَا
فصار بالنّفْخ فيه أَوْجَا
كان حَضِيضاً بِقَاعِ طَبْعِ
وُفُودُهُ لي فوجاً فِفَوْجَا
أقامني سَيِّداً فجاءتٌ
فيا أيها الموحد أين تذهب وأنت توحد توحيدك يشهد بأنك أشركت، إذ لا يثبت توحيد
إلاَّ من موحد وموحد، فالجمع لا بدّ منه فالاشتراك لا بدّ منه، فما استند المشرك إلاَّ لركن
قوي، ولهذا كان مآله إلى الرحمة في دار تقتضي بذاتها الغضب حتى يظهر سلطان الرحمة
الأقوى لأن دار النعيم معين قال الشاعر: أحلى من الأمن عند الخائف الوجل. فلا يعرف
طعم الأمان ذوقاً من هو فيه مصاحب له، وإنما يعرف قدره من ورد عليه وهو في حال خوف
فيجد طعمه لوروده، ولهذا نعيم الجنة يتجدد مع الأنفاس كما هو نعيم الدنيا إلاَّ أنه في الآخرة
يحسّ به من يتجدد عليه ويشاهد خلق الأمثال فيه وفي الدنيا لا يشاهد خلق الأمثال فيه ولا
يحسّ به ﴿بَّ هُمْ فِ لَبْسٍ مِنْ خَلَقِ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] فلذة أصحاب الجحيم عظيمة لمشاهدة الدار،
وحكم الأمان من حكمها فيه ليس العجب من ورد في بستان وإنما العجب من ورد في قعر
النيران إبراهيم الخليل عليه السلام في وسط النار يتنعم ويلتذ، ولو لم يكن عليه السلام إلاَّ في
حمايتها إياه من الوصول إليه فالأعداء يرونها في أعينهم ناراً تأجج وهو يجدها بأمر الله إياها
برداً وسلاماً عليه، فأعداؤه ينظرون إليه ولا يقدرون على الهجوم عليه، انظر إلى الجنة
محفوفة بالمكاره وهل جعل الله ذلك إلاَّ ليتضاعف النعيم على أهلها فإن نعيم النجاة والفوز
من أعظم النعم: [الطويل]
وما أُشْهِدَ الإنسانُ إلَّ ليَعْلَمَا
فما خُلِقَ الإنسانُ إلاَّ ليَنْعَمَا
وهل كان هذا الوجودُ إلا تَكَرُّمَا
ولولا شُهُودُ الضّدِّ ما كان مُسلما
بأن وُجُودَ الحَقّ في الخَلْقِ مُودَعٌ
فيَنْعَمُ بالتعذيب فيها جماعةٌ
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
٣٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
الغني * حضرة الغنى والإغناء
[نظم: الطويل]
وما كان فيه من جَمِيلِ صِفَاتِهِ
ألا إنّما المُغْني الغَنِيُّ لذاتِهِ
لجلت معاليه لِكُثْرِ هِبَاتِهِ
فللَّه ما يُبْديه من كَلِمَاتِهِ
لقد رُمْتُ أن أَحْظَى بسِرٌ مناتِهِ
فأَجْزيه بالإحسان قبل وَفَاتِهِ
فلو أن عين العَبْدِ كان بكَوْنه
ولكنَّ عَيْنَ الحَقّ أفْئَتْ وجُوُدَها
أقول وقولي صادقٌ غَيْرُ كاذب
فيعبُدُني من كان بالحق عارفاً
يدعى صاحبها عبد الغني وعبد المغني. قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾
[آل عمران: ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَغْنَى وَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨] وقال رسول الله وَّر من هذه
الحضرة: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةَ العَرَضِ لَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)) ترى التاجر عنده من المال ما
يفي بعمره وعمر ألزامه لو عاش إلى انقضاء الدنيا وما عنده في نفسه من الغنى شيء بل هو من
الفقر إلى غاية الحاجة، بحيث أن يرد بماله موارد الهلاك في طلب سدّ الخلة التي في نفسه
عسى يستغني فما يستغني بل لا يزال في طلب الغنى الذي هو غنى النفس ولا يشعر. فاعلم
أن أوّل درجة الغنى القناعة والاكتفاء بالموجود، فلا غنى إلا غنى النفس، ولا غنيّ إلاَّ من
أعطاه الله غنى النفس، فليس الغنى ما تراه من كثرة المال مع وجود طلب الزيادة من رب
المال فالفقر حاكم عليه، فالإنسان فقير بالذات لأنه ممكن وهو غنيّ بالعرض لأنه غنيّ
بالصورة وذلك أمر عرض له بالنسبة إليه وإن كان مقصوداً للحق، فللإنسان وجهان إذا كان
كاملاً: وجه افتقار إلى الله ووجه غنى إلى العالم، فيستقبل العالم بالغنى عنه ويستقبل ربّه
بالافتقار إليه، ولهذين الوجهين قيل إنه لا يكون عند الله وجيهاً لأنه لا يكون عند الله أبداً إلاَّ
فقيراً ذليلاً، ويكون عند العالم وجيهاً أي غنياً عزيزاً. وأما الإنسان الحيوان الذي لا معرفة له
بربه فهو فقير إلى العالم أبداً، وإن كانت الغيرة الإلهية قد أزالت الافتقار إلى العالم من العالم
بقولها: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: ١٥] فمن ذاق طعم
الغنى عن العالم وهو يراه عالماً لا بدّ من هذا الشرط فقد حصل على نصيب وافر من الغنى
الإلهي إلاَّ أنه محجوب عن المقام الأرفع في حقه لأن العالم مشهود له ولهذا اتصف بالغنى
عنه، فلو كان الحق مشهوده وهو ناظر إلى العالم لاتصف بالفقر إلى الله وحاز المقام الأعلى
في حقه وهو ملازمة الفقر إلى الله لأن في ذلك ملازمة ربه عزّ وجلّ. وأما الاستغناء فإنه يؤذن
بالقرب المفرط وهو حجاب كالبعد المفرط، ومن وقف على سرّ وجود العالم من حيث إيجاد
الله إياه عرف ما أشرنا إليه، فإذا كان العارف على قدر معلوم بين القرب والبعد حصل
المطلوب وكان في ذلك الشرف التام للإنسان إذ كان الشرف لا يحصل إلاَّ لأهل البرازخ
الجامعين الطرفين قد علمنا إيماناً أن الله أقرب إلينا من حبل الوريد ولكن لا نبصره لهذا القرب
المفرط، وقد علمنا إيماناً أنه على العرش استوى فلا نبصره لهذا البعد المفرط عادة أيضاً،
فمن شاهد الحق ورآه فإنما يشاهده في معينه من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤]
٣٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
هذا حدّ رؤيته هنا، ولا يشاهد متى شوهد إلاَّ من هذا المقام وبهذه الصفة لا بدّ من ذلك، فإذا
أغناك فقد أبعدك فى غاية القرب، وإذا أفقرك فقد قرّبك في غاية البعد: [مجزوء الوافر]
ويا من بُعدُهُ قُرْبُ
فيا مَنْ قُرْبُهُ بُعْدٌ
أَقِلْني من هَوَى نَفْسي
فإني الوَالِهُ الصَّبُ
قد اسْتَعْبَدَني الحُبُّ
وإني هائمّ فيه
ـذي يَرْضَى به الحِبُّ
ولا مَطْلب لي إلاَّ الـ
له النَّخْوةُ والعُجْبُ
إذا أحبَبْتَ مَخْبُوباً
فقلبي للهوى قَلْبُ
فلا تَعْجَبْ فلا تُحْجَبْ
ومن هذه الحضرة ظهر الغنى في العالم الذي يحوي على الفقر والخوف مع ما فيه من
الزهو والفخر، أما ما فيه من الفقر فلطلب الزيادة، وأما ما فيه من الخوف فهو الفزع من تلف
ما بيده والحوطة عليه، وأما ما فيه من الزهو والفخر فهو ما يشاهده من الطالبين رفده وسعي
الناس في تحصيل مثل ما عنده، فمن هو بين غنى وفقر كيف يفتخر، فالفقر لا يتركه يفرح
والغنى لا يتركه يحزن فقد تعرّى بهذين الحكمين من هاتين الصفتين، فأغنى الأغنياء من
استغنى بالله عن الأغنياء بالله ولو لم يكن عنده قوت يومه مع أنه يحزن من جهة من كلفه الله
النظر في تحصيل ما يقوم بهم ويقوّتهم من أهله، وما يهتم بذلك إلى متشرّع أديب عانقٍ
الأدب وعرف قدر ما شرع له من ذلك، فإن طريق الأدباء طريق خفية لا يشعر بها إلاَّ
الراسخون في العلم المحققون بحقائق الفهم عن الله، فكما أن الله ليس بغافل عمّا يحتاج إليه
عباده كذلك أهل الله لا يغفلون عمّا قال لهم الحق احضروا معه ولا تغفلوا عنه، فترى الكامل
حريصاً على طلب مؤنة أهله، فيتخيل المحجوب أن ذلك الحرص منه لضعف يقينه وكذلك
في ادخاره وليس ذلك منه إلاَّ ليوفي الأدب حقّه مع الله فيما حدّ له من الوقوف عنده، فالعالم
من لا يطفىء نور علمه نور ورعه ولا يحول بينه وبين أدبه، فمن تعدّى حدود الله فقد ظلم
نفسه، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ألا ترى إلى ما في هذه الحضرة من العجب أن
المشاهد غنى الحق الذي هو صفته في غنى العالم، فلا يشهد إلاَّ حقاً ولا يكون القبول
والإقبال إلاَّ على صفة حق، كيف يعتب على ذلك من هو بهذه المثابة؟ فقيل له: أما من
استغنى فأنت له تصدّى، وقد علم تعالى لما تصدّى ولمن تصدى فإن الله بكل شيء عليم:
[مخلع البسيط]
ولا تَصَدَّى إلاَّ لحَقٌ
فما تَصَدَّى إلا بحَقٌّ
لكونه ظاهراً بخَلْقِ
وما أتاه لعتاب لا
حاز بمجلاء كلَّ أُفْقِ
فمن تَجَلَّى بكل مُجْلَى
فاحذر هذه الحضرة فإن فيها مكراً خفياً واستدراجاً لطيفاً، فإن الغني معظم في العموم
حيث ظهر وفيمن ظهر، والخصوص ما لهم نظر إلاَّ في الفقر فإنه شرفهم، فلا يبرحون في
شهود دائم مع الله ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] وما راعى الحق في عتبه
٣٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
لرسوله و # إلاّ جهل من جهل من الحاضرين أو من يبلغه ذلك من الناس بمن تصدّى له
رسول الله مَله، فلو عرفوا الأمر الذي تصدّى له رسول الله وَ له ما عاتبه ولا كان يصدر منهم
ما صدر من الأنفة من مجالسته وَ ل# الأعبد، فهل هذا إلاَّ من ذهولهم عن عبوديتهم للذي
اتخذوه إلهاً، وما تلهى رسول الله وَ﴿ عن الأعمى إلاَّ لحبه في الفأل وما جاء الله تعالى
بالأعمى إلاَّ لبيان حال مخبر رسول الله صل# بعمى هؤلاء الرؤساء وعلم بذلك رسول الله عليه
ولكن وقف مع حرصه على إيمانهم والوفاء بالتبليغ الذي أمره الله به، ولأن صفة الفقر صفة
نفس المخلوق، وقد علم ◌ّر أنه الدليل فإن الدليل لا يجتمع هو والمدلول وهو دليل على
غنى الحق وقد تجلّى في صورة هؤلاء الرؤساء، فلا بدّ من وقوع الإعراض عن الأعمى
والإقبال على أولئك الأغنياء، ومع هذا كله وقع العتاب جبراً للأعمى وتعريفاً بجهل أولئك
الأغنياء، فجبر الله قلب الأعمى، وأنزل الأغنياء عما كان في نفوسهم من طلب العلو في
الأرض فانكسروا لذلك ونزلوا عن كبريائهم بقدر ما حصل في نفوسهم من ذلك العتاب
الإلهي وهذا القدر كاف.
المعطي المانع * حضرة العطاء والمنع
[نظم: مجزوء الخفيف]
حَضْرَةٌ ما لها غَطَا
حَضْرَةُ المَنْعِ والعَطَا
تَجِدْهُ عَيْنَ العَطَا
فانْظُرِ المَنْعَ يا أخي
كنت في الحُكْم مُقْسِطًا
فإذا كنتَ هكذا
كنت في حُكْم مَنْ سَطًا
وإذا لم تَكُن كذا
في هواه وفَرَّطَا
لا تكن كـالـي مَـضَى
فمن علم أن الله هو المعطي لم يشكر غيره إلاَّ بأمره، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِيِ
وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: [مجزوء الوافر]
فقد أُعْطِيتَ لم تُغْطَ
إذا ما قُلْتَ لم تُغْطَ
فإنك لم تَزَلْ تُعْطَّى
فلا تَكْذِبْ ولا تَجْحَدْ
لمن أعطى الذي أغطّى
فلا تكفُرْ وقُمْ واشْكُرْ
عُبَيْدُ الله قد أَخْطَا
متى ما لم يقُلْ هذا
يقال لصاحبها عبد المعطي، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ﴾
[فاطر: ٢]: [مجزوء الوافر ]
وإنْ يَمْنَعْ فلا مُعْطي
إذا أعطَّى فلا مَانِع
مهما جئته خُطِّي
فيا نفسي بجودِ الله
كَ للإتيان لا تُبْـطِـي
وأَسْرعْ عندما يَدْعُو
أتى بالغَتُ والغَطّ
ولا تَفْزَعْ إلى أمْرِ
٣٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
فإن الجدَّ في الحَطِّ
فَتَفْرَقَ منه لا تفعلْ
وكن بالحَقُ مربوطاً
ولا تَضْبُطْ على أمْر
وكن للشَزط مطلوباً
وكن خَطَّا ولا تَبْرَخ
ولا تَرْكَنْ إلى سطح
تكن بالحَقِّ موصوفاً
ولا تعرفه في قَبْضِ
وإن عايَنْتَهُ بَخرّاً
وقُلْ يا منتهى سرّي
إذا أنزلتَ أزواجاً
عسى يأتيك ما تَهْوَى
فإن الخير في الرَّبْطِ
فإن البُخْلَ في الضَّبْطِ
فلا تَقْعُذْ عنِ الشَّرْطِ
مع الرحمن في الخَطِّ
ولا تَنْظُرْهُ في النَّقْطِ
بلا قُزْبٍ ولا شَخْطِ
ولا تجهله في البَسْطِ
فلا تَبْرَخ من الشَّطُّ
لقد وَقَّيْتَنِي قِسْطي
بدخ العُود بالقَطُّ
من الأخبار في القِسْطِ
يدعى صاحبها أيضاً بوجه عبد المانع. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ
بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] اعلم أن حضرة المنع أنت، فإن الجود الإلهي مطلق، فالمنع عدم القبول
لأنه لا يلائم المزاج، فلا يقبله الطبع ولا تخلو عن قبول، فقد قبلت من العطاء ما أعطاه
استعدادك، فإن تألمت بما حصل لك فما كان إلاَّ قبولك، وإن تنعمت فما كان إلاَّ قبولك،
ومن قبل المفيض المعطي لا ألم ولا نعيم بل وجود جود صرف خالص محض، فإن
قلت: قد وصف نفسه بالإمساك وهو المنع لا غير قلنا: لما وصف نفسه بالإمساك في تلك
الحال هل بقيت بلا أعطية؟ فإنه يقول: لا بل كنت على أعطية من الله فإن الجود الإلهي
يأبى ذلك فلهذا لم تقبل لما في المحل ممّا قبلت. فإن قلت: فقد منع ما تعلّق به غرضي
حين إمساكه عني كما يمسك المطر. قلنا: ما أمسك شيئاً عن إرساله إلا وإمساكه عطاء من
وجه لا يعرفه صاحب ذلك الغرض، فقد أعطاه الغرض وأمسك عنه الغيث ليستسقيه فيقام
في عبادة ذاتية من افتقار فأعطاه ما هو الأولى به وهذا عطاء الكرم، فلا تنظر إلى جهلك
وراقب علمه بالمصالح فيك، فتعرف أن إمساكه عطاء، فمن مسكه عطاء كيف تنظره مانعاً
ولا تنظره معطياً، وما تسمى بالمانع إلاَّ لكونك جعلته مانعاً حيث لم تنل منه غرضك فما
منع إلا لمصلحة. فإن قلت: فالجاهل به قد منعه العلم به قلنا: هنا غلط كبير فإن العلم
بالله محال فلم يبق العلم به إلاَّ الجهل به، وهذا علم العلماء بالله، وما عدا هؤلاء من
أصحاب النظر فكل واحد منهم يزعم أنه قد علم ربه وما هو إلاَّ علم ربه، فما منهم من
يقول إن الله منعني العلم به بل هو فارح مسرور بعقيدته وأنه عند نفسه عالم بربه وكذلك
هو، فذلك حظه من علمه بربه، فما في الوجود من هو ممنوع العلم بالله لا الجاهل به ولا
العالم ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَهُ﴾ [النور: ٤١] يعلم لمن يصلي ومن يسبح، فما ثم من
يقول: إن الله ما وهبني العلم به إلاَّ أنه يطلب الزيادة ولا يكون ذلك منعاً فإن الحال لا
٣٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
يعطي إلاَّ المزيد لكون استحالة ما لا يتناهى أن يدخل في الوجود، ومريد العلم بالله لا
يتناهى، فهو في كل نفس يهب من العلم به ما يشعر به، وما لا يشعر به يقول: إن الله أبقى
عليّ ذلك العلم به الذي كان عندي، فلا يزال التكوين دائماً لا ينقطع، فهو لكل ما لم
يحصل في الوجود مانع عند هذا الشخص حيث يرى الإمكان في تحصيله في الزمان الذي
لم يحصل له وما ذاك إلاَّ لجهله بالأمر، فإن الأمور لا تنظر من حيث إمكانها فقط بل تنظر
من حيث إمكانها ومن حيث اقتضاء علم المرجح فيها من التقدم والتأخر وما في الوجود
فراغ، إذ لو كان ثم فراغ لصحّ المنع حقيقة فما ثم إلا عطاء في عين منع ومنع في عين
عطاء ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَيِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]: [مجزوء الرجز]
مَنْ مَتْعُهُ عَطَّـ
فإنَّه المُرَاذ
فذلك الجَوَاذ
ـا
وكَشْفُهُ غَطًا
وليس بالمِهَاذ
وذَاتُهُ وِطَا
نَـعَمْ ولا يُرَاد
فـلا يريد شيئاً
يجري على السَّدَادْ
والأمْرُ مُسْتَمِزْ
يَهْدي إلى الرَّشَاذْ
صِرَاطُهُ قَوِيـمْ
فحضرة المنع تعطي المنع بعطاء العين فالمنع تبع، فإن المحل إذا كان في اللون أبيض
فقد أعطاه البياض، وعين إعطاء البياض منع ما يضاده من الألوان، لكن ليس متعلق الإرادة
إلاَّ إيجاد عين البياض فامتنع ضده بحكم التبع، وهكذا كل ضد في العين: [مخلع البسيط]
وذلك المَنْعُ إِنْ عَقَلْتَا
فالنَّفْيُ أصْلٌّ في كل كَوْنٍ
فما حُرِمْتَ وما مُنِعْتًا
وماله في الوجود حَظّ
من غير عَيْنٍ إذا نُسِبْتًا
أحكام سَلْبٍ قامت بعَيْنِ
فإنك الحَبْرُ إن عَلِمْتَا
مثل العزيز الغَنِيِّ فاعلمْ
الضار * حضرة الضرر
[نظم: الطويل]
فلا زال ضَرِّي مؤنسي ومُصَاحبي
إذا كان إضْراري وضَرِّي بمؤنسي
فللَّه من خِلُّ وَفِيٍّ وصَاحِبٍ
لقد أَنِسَتْ نفسي به حين جاءني
لذلك قد هانت عليَّ مطالبي
أسيرُ به تِيهاً وعُجْباً ونَخْوَةً
يطالبُني في كل وقت بدَيْنِهِ
ولما وَسِعْتُ الكل ضاقتْ برَخْبِها
فِفِزْتُ به إذ كان حِبِّي مُطَالبي
عَليَّ نواحي الأرض من كل جانبٍ
يدعى صاحبها عبد الضار، فهو والإنسان الكامل ضرتان لأنه ما نازعه أحد في سورته
إلاَّ من أوجده على صورته، فأوّل ضار كان هو حيث ضرّ نفسه، ولهذا لم يدع أحد الألوهة
ممّن ادعيت فيه إلاّ الإنسان، وهذا ضرر معنوي بين الصورتين ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فضره ﴿إِذْ
٤٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] فتضرر، فإن نفى أضرّ بصاحبه، وإن أثبت أضرّ بنفسه، ولا بدّ من نفي
وإثبات فلا بدّ من الضرر، فهو الضار للصورتين لأحدية الصورة، فإنه إذا نزل فيها أحدهما
ارتحلِ الآخر حكماً، فإن ظلم نفسه أضرّ بها، وإن ظلم لنفسه أضرّ بمثله و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] إلاَّ هو، وهذه حضرة سرّها دقيق لأنها بين الحق والإنسان الكامل،
فكل ضرر في الكون فليس إلاَّ منع الغرض أن يكون وهو عرض بالنظر إلى هذا الأصل وهو
محقق في هذه العين قد نبّه الشارع على أن الأولى والآخرة ضرتان إن أسخطت الواحدة
أرضيت الأخرى، والذات الأولى معلومة، والذات الأخرى أيضاً معلومة ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ﴾
فإنها عين كونك ﴿مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤] لأنها تفنيك بظهورها وتردّك إلى حكم العدم
والآخرة لا تفني الأولى ولكن تندرج الأولى فيها إذا كان الظهور للآخرة، فالأولى لا تمييز
فيها فتجمع بين الضدين والآخرة ليست كذلك فبهذا تميزت عن الأولى ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ
فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فيلتذ المعذب بالعذاب القائم به في الدنيا لأنه على صورة الأولى في
الجمع بين الضدين وفي الآخرة ما له هذا الحكم ﴿فَرِيِّقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾، ﴿وَأَمْتَزُواْ
الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فأنت الآخرة فعينك خير لك فإنك لا التذاذ لك إلاَّ بوجودك فما
يلتذ شيء بشيء إلاَّ بما يقوم به، وكذلك لا يتألم إلاَّ بما يقوم به: [المنسرح]
فحَضْرَةُ النَّفْعِ حَضْرَةُ الضَّرَرِ
في كل عَيْنِ عَيْنٍ من البَشَرِ
ولا بَدَى الاشْتِراكُ في الصُّوَرِ
لورُفِعَ الضّرُّ لم يكن بَشَرٌ
فالبعل هو الذي يعطي كل ضرّة حقها من نفسه، وإن أضرّ ذلك الحق بالأخرى فلعدم
إنصافها في ذلك، وليس البعل هنا بين الصورتين إلاَّ ما قرّرناه من حقيقة الحقائق المعقولة
التي لها الحدوث في الحادث والقدم في القديم، ويظهر ذلك بالاشتراك في الأسماء، فسمّاك
بما سمّى به نفسه وما سمّاك، ولكن الحقيقة الكلية جمعت بين الحق والخلق، فأنت العالم
وهو العالم لكن أنت حادث فنسبة العلم إليك حادثة، وهو قديم فنسبة العلم إليه قديم،
والعلم واحد في عينه، وقد اتصف بصفة من كان نعتاً له فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
النافع * حضرة النفع
[نظم: البسيط]
فَقْراً إليّ به والنّافعُ اللَّهُ
إنّي انْتَفَعْتُ بمن تأتي مَنَائِحُهُ
ما قلتُ في كل شيء جاءني ما هُو
لولا وُجُودي ولولا سِرُّ حِكْمَتِهِ
وفي مساحته برَبِّهِم تَاهُوا
لله قوم إذا حَلّوا بساحته
أغْنَاهُمُ عن وجودي المالُ والجَاهُ
أَفْنَاهُمُ عنهم كَوْني وطالبُهُمْ
ما كنت أرْقُبُهُ لولاء لولاهُ
والله لولا وجودُ الحقّ في خَلَدي
يدعى صاحبها عبد النافع، هذه الحضرة قد يكون نفعها عين إزالة الضرر خاصة، وقد