Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة واعلم أن هذه الحضرة ما لها في الكون سلطان إلا في الأخبار الإلهية، وهي على قسمين عند من دخل إلى هذه الحضرة وتحقق بها القسم الواحد الخبر الإلهيّ الآتي من عند الله المسمى صحفاً أو توراة أو إنجيلاً أو قرآناً أو زبوراً، وكل خبر أخبر به عن الله ملك أو رسول بشري أو كلم الله به بشراً وحياً أو من وراء حجاب، هذا الذي عليه أهل الإيمان وأهل الله. والقسم الآخر يقول به طائفة من أهل الله أكابر في كل خبر في الكون من كل قائل، وأصحاب هذا القسم يحتاجون إلى حضور دائم وعلم بمواقع الأخبار، وأعني بالعلم العلم بمواقع الأخبار وهو أنهم يعرفون الخطاب الوارد على لسان قائل ما ممن له نطق في الوجود أين موقعه من العالم أو من الحق فيبرزون له آذاناً منهم واعية لا يسمعونه إلا بتلك الآذان، فيتلقونه ويطلبون به متعلقه حتى ينزلوه عليه ولا يتعدوه به، وهذا لا يقدر عليه إلا من حصر أعيان الموجودات أعني أعيان المراتب لا أعيان الأشخاص فيلحقون ذلك الخبر بمرتبته فهم في تعب ومشقة، فإن المتكلم مستريح في كلامه وهذا متعوب في سماعه ذلك الكلام فإنه لا يأخذه إلا من الله فينظر من يراد به فيوصله إلى محله فيكون ممن أدّى الأمانة إلى أهلها، ولهذا كان بعضهم يسد أذنيه بالقطن حتى لا يسمع كلام العالم، ولله رجال هان عليهم مثل هذا، فبنفس ما يسمعون الخطاب من الله تقوم معهم مرتبة هذا الخطاب فينزلوه فيها من غير مشقة، والحمد لله الذي رزقنا الراحة في هذا المقام فإنه كشف لطيف، وذلك أن الخطاب الإلهي العام في السنة القائلين من جميع الموجودات مرتبة، ذلك القول معه يصحبه فإنه قول إلهي في نفس الأمر وإن كان لا يعلمه إلا القليل، فعندما يسمعه الكامل من رجال الله تعالى يشهد مع سماعه مرتبته فيجمع بين السماع وشهود الرتبة فيلحقه بها عن كشف من غير مشقة، ولقد رأينا جماعة من أهل الله يتعبون في هذا المقام بطلب المناسبات بين الأخبار وبين المراتب حتى يعثروا عليها، وحينئذٍ يلحقوا ذلك الخبر بأهله فتفوتهم أخبار إلهية كثيرة. وأما إعطاء هذه الحضرة الأمان فليس ذلك إلا للمتحققين بالخوف، فلا تزال المراتب تنظر إلى الأخبار التي ترد على ألسنة القائلين وتعلم أنها لها، وتعلم أن الآخذين بها هم السامعون، وأن السامعين قد يأخذونها على غير المعنى الذي قصد بها فيلحقونها بغير مراتبها، فتلك المرتبة التي ألحقوها بها تنكرها ولا تقبلها، ومرتبتها تعرفها وقد حيل بينها وبينها بسوء فهم السامع، فإذا علموا من السامع أنه على صحة السمع والصدق فيه وأنه لا يتعدى بالخطاب مرتبته كانت المرتبة في أمان من جهة هذا السامع فيما هو لها فتعلم أن حقها يصل إليها فهي معه مستريحة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل سامع بهذه المثابة، فلهذا السامع أجر الأمان وهو أجر عظيم في الإلهيات، فيهزأ الإنسان في كلامه ويسخر ويكفر ويقصد به ما لم يوضع له، وهذا السامع الكامل يأخذه من حيث عينه لا من حيث قصد المتكلم به، فإنه ما كل متكلم من المخلوقين عالم بما تكلم به من حيث هو خطاب حق فيتكلم به من حيث قصده، ويأخذه السامع الكامل من حيث رتبته في الوجود، فقد أعطى هذا السامع الأمان للجانبين: الجانب الواحد إلحاقه برتبته، والجانب الآخر ما حصل لمن قصد به المتكلم به من الأمان من ٣٠٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة حصوله عنده من جهة هذا السامع الكامل، فإنه في الزمن الواحد يكون له سامعان مثلاً: الواحد هذا الذي ذكرناه، والآخر على النقيض منه ما يفهم منه إلا ما قصده المتكلم المخلوق فيلحقه بهذه الرتبة في الوقت الذي يأخذه عنها السامع الكامل فهي تحت وجل من هذا السامع الناقص التابع للمتكلم، وفي أمان من هذا السامع الكامل، فلا والله ما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر ما قلناه أولو الألباب الغواصون على درر الكلام. حضرة الشهادة وهي للاسم المهيمن [نظم: الكامل] فينا وفيه ويَسْتُرُ الأنْوار! إِنّ المُهَيْمِنَ يَشْهَدُ الأسْرارا يُغمي البصائرَ فيه والأبصارا عَنَا وعنه بنا إذا ما نُورُهُ والجُنْدَ والأعوانَ والأنْصَارا ولذاك ما اتَّخَذَ الحِجَابَ لنَفْسِهِ ليُحَيِّرَ الألْبَابَ والأفكارا جاءت به الأرسالُ من عَرْشِ العَمَا ويفوز أهْلُ الذِّكْرٍ من مَلَكُوتِهِ بالذِّكْرِ حين يشاهدوا الأخبارا صاحبها عبد المهيمن، المهيمن هو الشاهد على الشيء بما هو له وعليه، ولله حقوق على العباد وللعباد حقوق على الله تعالى ذاتية ووضعية، ومن هذه الحضرة يقول الله تعالى : ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فلا بد لصاحب هذه الحضرة من العلم بما الله عليه من الحقوق وبما له عليه من الحقوق لا بد من ذلك، وافترق أهل هذا المقام بعد تحصيل هذا في الحقوق التي لهم عند الله، فمن قائل بها على أنها حقوق، ومن قائل بها لا على أنها حقوق، فيأخذونها منه على جهة الامتنان، وهم القائلون بأن الله لا يجب عليه شيء لكونهم حدوا الواجب بما لا يليق أن يدخل في ذلك جناب الحق، ومن لم يحده بذلك الحد أدخل الحق في الوجوب كما أدخل الحق نفسه فيه فقال: كتب ربكم على نفسه الرحمة. وقال: حرّمت الظلم على نفسي، وقال: وأكره مساءته ولا يرضى لعباده الكفر. وقال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩] وقال: وما تفعلوا من خير فلن تكفروه(١)، فأدخل نفسه بكل ما ذكرناه تحت حكم الأحكام التي شرعها لعباده من وجوب وحظر وندب وكراهة وإباحة، والحق متى أقام نفسه في خطابه إيانا في صورة ما من الصور فإنا نحمل عليه أحكام تلك الصورة لأنه لذلك تجلى فيها، فنشهد له على أنفسنا ونشهد عليه لأنفسنا، وهذه الشهادة له وعليه لا تكون إلا في يوم الفصل والقضاء أي وقت كان، فإنه ما يختص به يوم القيامة فقط بل قد يقام فيه العبد هنا في حال من الأحوال، بل كل حكم يكون في الدنيا في مجلس الشرع هو من يوم الفصل والقضاء ويدخل في حكم هذه الحضرة، وفي غير فصل ولا قضاء لا يكون لهذه الحضرة حكم وإنما ذلك في حضرة المراقبة، وسترد إن شاء الله تعالى في هذا الباب. واعلم أنه في هذه الحضرة نزل هذا الكتاب المسمى قرآناً خاصة دون سائر الكتب (١) هذا ليس نص آية كما قد يتبادر إلى الذهن. ٣٠٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة والصحف المنزلة، وما خلق الله من أمة من أمم نبي ورسول من هذه الحضرة إلا هذه الأمة المحمدية وهي ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولهذا أنزل الله في القرآن في حق هذه الأمة ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] فنأتي يوم القيامة يقدمنا القرآن ونحن نقدم سائر أهل الموقف، ويقدم القراء منا من ليس له من القرآن مثله، فأكثرنا قرآناً أسبقنا في التقدم والرقي في المعراج المظهر للفضل بين الناس يوم القيامة، فإن للقراء منابر لكل منبر درج على عدد آي القرآن يصعد الناس فيه بقدر ما حفظوا منه في صدورهم، ولهم منابر أخر لها درج على عدد آي القرآن يرقى فيها العاملون بما حققوه من القران، فمن عمل بمقتضى كل آية بقدر ما تعطيه في أي شيء نزلت رقي إليها عملاً، وما من آية إلا ولها عمل في كل شخص لمن تدبر القرآن، وفي القيامة منابر على عدد كلمات القرآن، ومنابر على عدد حروفه يرقون فيها العلماء بالله العاملون بما أعطاهم الله من العلم بذلك، فيظهرون على معارج حروف القرآن وكلماته بسور تلك الحروف والكلمات والآيات والسور والحروف الصغار منه، وبه يتميزون على أهل الموقف في هذه الأمة لأن أناجيلهم في صدورهم، فيا فرحة القرآن بهؤلاء فإنهم محل تجليه وظهوره، فإذا تلا الحق على أهل السعادة من الخلق سورة طه تلاها عليهم كلاماً وتجلى لهم فيها عند تلاوته صورة فيشهدون ويسمعون، فكل شخص حفظها من الأمة يتحلى بها هنالك كما تحلى بها في الدنيا بالحاء المهملة، فإذا ظهروا بها في وقت تجلي الحق بها وتلاوته إياها تشابهت الصور فلم يعرف المتلو عليهم الحق من الخلق إلا بالتلاوة فإنهم صامتون منصتون لتلاوته، ولا يكون في الصف الأوّل بين يدي الحق في مجلس التلاوة إلا هؤلاء الذين أشبهوه في الصورة القرآنية الطاهية، ولا يتميزون عنه إلا بالإنصات خاصة، فلا يمرّ على أهل النظر ساعة أعظم في اللذة منها، فمن استظهر القرآن هنا بجميع رواياته حفظاً وعلماً وعملاً فقد فاز بما أنزل الله له القرآن وصحت له الإمامة وكان على الصورة الإلهية الجامعة، فمن استعمله القرآن هنا استعمل القرآن هناك، ومن تركه هنا تركه هناك، وكذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وورد في الخبر فيمن حفظ آية ثم نسيها عذبه الله يوم القيامة عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. وما أحسن ما نبه النبي وَل ﴿ على منزلة القرآن بقوله: ((لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا بَلْ نُسِّيتُهَا)) فلم يجعل لتارك القرآن أثراً في النسيان احتراماً لمقام القرآن، وقالت عائشة في خلق النبي وَجّ: ((كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)» وليس إلا ما ذكرناه من الاتصاف به والتحلي على حد ما ذكرناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة العزة وهي الاسم العزيز [نظم: الوافر] له سَتْرُ الوَرَى فهو الرَّفيعُ ألا إنَّ العَزِيزَ هو المَنِيعُ ولولا الخلقُ ما ظهر البَديعُ يعزُّ وجوده فيعزّ ذاتاً حِمَى الرَّحمْنِ ذلكُمُ المَنِیعُ فقل للمُنْكِرِينَ صَحِيحَ قَوْلي ٣٠٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الداخل فيها يدعى في الملأ الأعلى عبد العزيز لم أذق في كل ما دخلته من الحضرات ذوقاً ألذ منه ولا أوقع في القلب لهذه الحضرة المنع، فلها الحدود لا بل لها من الحدود ما يقع به التمييز فيقف كل محدود لا بل كل شيء على عزته، فيكون كل شيء عزيزاً وعبوديته فيه فهو عبد نفسه، فمن هنا ظهر كل من غلبت عليه نفسه واتبع هواها، ولولا الشرع ما ذمّه بالنسبة إلى طريق خاص لما ذمه أهل الله فإن الحقائق لا تعطي إلا هذا، فمن اتبع الحق فما اتبعه إلا بهوى نفسه وأعني بالهوى هنا الإرادة، فلولا حكمها عليه في ذلك ما اتبع الحق، وهذا حكم من اتبع غير الحق، وأعني بالحق هنا ما أمر الشارع باتباعه، وغير الحق ما نهى الشرع عن اتباعه، وإن كان في نفس الأمر كل حق لكن الشارع أمر ونهى، كما أنا لا نشك أن الغيبة حق ولكن نهانا الشرع عنها؛ ولنا: [الطويل] وحَقِّ الهَوَى إنّ الھَوَى سَبَبُ الھوی ولولا الهَوَى في القَلْبِ ما عُبِدَ الهَوَى فبالهوى يجتنب الهوى، وبالهوى يعبد الهوى، ولكن الشارع جعل اسم الهوى خاصاً بما ذمّ وقوعه من العبد، والوقوف عند الشرع أولى، ولهذا بينا قصدنا بالهوى الإرادة لا غير، فالأمر يقضي أن لا حاكم على الشيء إلا نفسه فيما يكون منه لا فيما يحكم عليه به من خارج، لكن ذلك الحكم من خارج لا يحكم عليه إلا بما تعطيه نفسه من إمضاء الحكم فيه، فكل ما في العالم من حركة وسكون فحركات نفسية وسكون نفسي، فإذا حصل العبد بالذوق في هذه الحضرة فعلامته أن لا يؤثر فيه غيره بما لا يريده ولا يشتهيه، فيمنع ذاته من أثر الغير فيها بما لا يريده، وإنما قلنا بما لا يريده لأنه ما في الوجود نفس إلا وتقبل تأثير نفس أخرى فيها، يقول الحق تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولا أعز من نفس الحق، وقد قال عن نفسه أنه أجاب الداعي عندما دعاه، ولكن هو تعالى شرع لعبده أن يدعوه فقال: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فما أجابه إلا بإرادته لذلك. ولقد نادى بعض الرعايا سلطاناً كبيراً بمرسية فلم يجبه السلطان فقال الداعي: كلمني فإن الله تعالى كلم موسى، فقال له السلطان: حتى تكون أنت موسى، فقال له الداعي: حتى تكون أنت الله، فمسك السلطان له فرسه حتى ذكر له حاجته فقضاها، كان هذا السلطان صاحب شرق الأندلس يقال له محمد بن سعد بن مرذنيش الذي ولدت أنا في زمانه وفي دولته بمرسية، وإن كانت الحقائق تعطيه فإن حمل الأسماء على ذات الحق إنما أعطى ذلك الحمل حقائق المحدثات، فلو زالت لزالت الأسماء كلها حتى الغنى عن العالم إذ لو لم يتوهم العالم لم يصح الغنى عنه، واسم الغنيّ لمن اتصف بالغنى عنه فما نفاه حتى أثبته، فما ثم عزة مطلقة واقعة في الوجود ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فأوقع الاشتراك فيها، ولكن المنافقين لا يعلمون أن العزة للرسول وللمؤمنين وإن كان يعلم العزة ولكن تخيل أن حكمها له ولأمثاله هذا القائل، فعزة الحق لذاته إذ لا إله إلا هو، وعزة رسوله بالله وعزة المؤمنين بالله وبرسوله، ولهذا شرع له الشهادتين، ولكن أولو الألباب لما سمعوا هذا الخطاب تنبهوا لما ذكر المؤمنين، فللَّه العزة في المؤمنين فإنه المؤمن، وللرسول العزة في المؤمنين فإنه منهم، فعمت عزة المؤمنين عزة الله ورسوله فدخل ٣٠٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الحق في ضمنهم، وما دخلوا في ضمنه لأحديته وجمعهم، وأحدية الرسول وجمعهم، فلهم الحضرة الجامعة، ولكن نسبة العزة لله غير نسبتها له تعالى من حيث دخوله بالاسم المؤمن في المؤمنين، فإن الحق إذا كان سمع العبد وبصره كانت العزة لله بما كان للعبد به في هذا المقام عزيزاً، ألا تراه في هذا المقام لا يمتنع عليه رؤية كل مبصر ولا مسموع ولا شيء مما تطلبه قوّة من قوى هذا العبد لأن قواه هوية الحق ولله العزة، ويمتنع أن يدركه من ليست له هذه القوة من المخلوقين ولهذا ما ذكر الله العزة إلا للمؤمنين. ثم إن عزة الرسول بالمؤمنين إذ كانوا هم الذين يذبون عن حوزته فلا عزة إلا عزة المؤمن فبالعزة يغلب وبالعزة يمتنع، فهي الحصن المنيع وهي حمى الله وحرمه، ولا يعرف حمى الله ويحترمه إلا المؤمن خاصة وليس المنع إلا في الباطن . وهنالك يظهر حكم العزة. وأما في الظاهر فليس يسري حكمها عاماً في المنع ولا في الغلبة، فالمؤمن بالعزة يمتنع أن يؤثر فيه المخالف الذي يدعوه إلى الكفر بما هو به مؤمن، والكافر بالعزة يمتنع أن يؤثر فيه الداعي الذي يدعوه إلى الإيمان، ولما كان الإيمان يعمّ والكفر يعمّ تطرّق إليهما الذمّ والحمد فإن الله قد ذكر الذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله فسماهم مؤمنين فهذا من حكم العزة، وبقي الحكم لله في المؤآخذة بحسب ما جاء به الخبر الحق من عند الله، فالحكيم إذا عرف الحقائق، وأن حكم العزة وإن عمّ فلا يعمّ من كل وجه تعرض عند ذلك الوجود الأثر فيه عن إرادة منه بتأثير تكون فيه سعادته ﴿ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] لأنها علمت أنها إن لم تجب مختارة جبرت على الإتيان فجيء بها كما جيء بجهنم، وما وصفها الحق بالمجيء من ذاتها وإنما قال: ﴿وَسِأْىّهَ يَوْمَيْلِمٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] يعني يوم القيامة، وإنما امتنعت من الإتيان حتى جيء بها لما علمت بما هي عليه وما فيها من أسباب الانتقام بالعصاة من المؤمنين، وما وقعت عينها إلا على مسبح لله بحمده وفيها رحمة الله لكونها دخلت في الأشياء، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فمنعتها الرحمة القائمة بها من الإتيان وأشهدتها تسبيح الخلائق وطاعتهم لله فجيء بها ليعلم من لا يدخلها ما أنعم الله عليه به بعصمته منها، ويعلم من يدخلها أنه بالاستحقاق يدخلها فتجذبه بالخاصية إليها جذب المغناطيس الحديد وهو قوله وَ له: ((إنَّهُ آخِذٌ بِحُجَزِ طَائِفَةٍ مِنَ النَّارِ وَهُمْ يَتَقَحَّمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَرَاش))، فاعلم ذلك، والضابط لهذه الحضرة الحد المقوّم لذات كل شيء محدود، وما ثم إلا محدود لكنه من المحدود ما يعلم حده ومنه ما لا يعلم حده، فكل شيء لا يكون عين الشيء الآخر كان ما كان، فذلك المانع أن يكون عينه هو المسمى عزاً وعزة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الجبروت وهي للاسم الجبار [نظم: البيسط] الجَبْرُ أَصْلٌ يَعُمُّ الكَوْنَ أجْمَعَهُ العِلْمُ يَجْبُرُ من كنا نُعَظْمُهُ فما ترى غير مَجْبُورٍ لمَجْبُورٍ وهذه نفئةٌ من صدر مَصْدُورِ الفتوحات المکیة ج٧ - م٢٠ ٣٠٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة أكوانُنا بين مَطْوِيٍّ ومَنْشُورٍ لولاه ما وُجدَتْ أعيانُنا وبَدَتْ والمتخلق بهذا الاسم يسمى عبد الجبار هذه الحضرة لها الإجبار في الأعزاء ولا أثر لها إلا فيهم، فحضرتها عظيمة في الفعل، ولكن لا أثر لها في الأعزاء من جهة المعنى الذي وقعت للأشياء به العزه لا أثر لها في ذلك، ولكن أثرها في الأعزاء لقبولهم لما لا عزة لهم فيه، ومن هنالك يقبلون التأثير فاعلم ذلك. اعلم أن العزيز إذا نظر إلى ما هو به عزيز وأنه من المحال قبوله للتأثير فيه من ذلك الوجه ولا يعلم عند شهوده ذلك أن فيه ما يقبل التأثير من غير هذا الوجه فيدعي المنع وأنه في حمى لا ينتهك فهنا يظهر حكم الجبروت في الملكوت، فإذا أحس العزيز بالجبر نظر عند ذلك من أين أتى عليه، فما ظهر له إلا من جهله بذاته، وأنه مركب من حقائق تقبل التأثير وحقائق لا تقبل التأثير، فإن كان عاقلاً بادر ليحصل له الثناء في تلك المبادرة، ويبقى الامتناع في باب الاحتمال عند الأجنبي عن مشاهدة هذه الحقائق، وإن تعاظم حكم الجبر عليه فيتصرف فيه في اختياره وهو أعظم الحجب وأكثفها، فمن شاهد الجبر في الاختيار علم أن المختار مجبور في اختياره، فليس للجبروت حكم أعظم من هذا الحكم، ومن دخل هذه الحضرة وكانت حاله عظم إحسانه في العالم حتى ينفعل له جميع العالم بل ينفعل له الوجود كله اختياراً من المنفعل وهو عن جبر لا يشعر به كل أحد فهو جبر الإحسان والتواضع، فإنه يدعوه إلى الانقياد إليه أحد أمرين في المخلوقين بل في الموجودات وهو الطمع أو الحياء، فالطامع إذا رأى الإحسان ابتداء من غير استحقاق أطمعه في الزيادة منه، إذا جاء إليه بما يمكن أن يكون معه الإحسان، وإنما تفعل النفس ذلك حتى يكون الإحسان جزاء وفاقاً لأنها تكره المنة عليها لما خلقت وجبلت عليه النفوس من حب النفاسة، وصاحب الحياء يمنعه الحياء بما غمره من الإحسان أن يعتاص على المحسن فيما يدعوه إليه، فهو مجبور بالإحسان في إتيانه وقبوله لما يريده منه هذا المحسن حياء ووفاء، وليجعل ذلك أيضاً جزاء الإحسانه الأوّل حتى يزول عن حكم المنة وهذا من دسائس النفوس، فلا جبر أعظم من جبر الإحسان لمن سلك سبيله وقليل ما هم. وأما الجبر بطريق القهر والمغالبة فهو وإن قبل في الظاهر ولم يقدر على الامتناع والمقاومة المجبور لضعفه فإنه لا يقبل الجبر بباطنه، فلا أثر له إلا في الظاهر، بخلاف جبر المحسن فإن له الأثر الحاكم في الظاهر والباطن بحكم الطمع أو الحياء أو الجزاء كما قررنا. وأما الجبر الذاتيّ فهو عن التجلي في العظمة الحاكمة على كل نفس فتذهل عن ذاتها وعزتها وتعلم عند ذلك أنها مجبورة بالذات فلا تجهل نفسها، فالعارف هنا ينظر من الحاكم عليه فلا يجد إلا قيام العظمة به فيعلم أنه ما حكم عليه إلا ما قام به، وما قام به إلا محدث فيعظم عنده الجبر فيعلم عند ذلك جبروت الحق. وأما جبروت العبد بمثل هذه الصفة فممقوت عند الله لأنه ليس له ذلك ولا يستحقه، وإنما جبر المخلوق في المخلوق بالإحسان خاصة وذلك هو الجبر المحمود شرعاً وعقلاً، وكل عبد أظهر القهر في العالم بغير صفة الحق وأمره فهو جاهل غاية الجهل، ولهذه الحضرة الجبروتیة حکمان أو وجهان کیف شئت ٣٠٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة قل الوجه الواحد العظمة وهو قول أبي طالب المكيّ وغيره ممن يقول بقوله، والوجه الآخر البرزخية فلهذا المقام الجمع بين الطرفين بما هو برزخ فيعلم نفسه ويعلم بطرفيه ما هو به برزخ بين شيئين فيكون جامعاً من هذا الوجه عالي المقام وبين فضله على الطرفين، فإن كل طرف لا يعلم منه إلا الوجه الذي يليه فهو عالم أعني الجبروت إن شاء تجلى في صورة برزخية وإن شاء تجلى في صورة إحدى طرفيها كيف شاء تجلى فيكون شبهه بالحق أتم، ونسبة هذا الجبروت إلى الحق نسبة لطيفة لا يشعر بها كثير من الناس، وهو أن الحق بين الخلق وبين ذاته الموصوفة بالغنى عن العالمين، فالألوهة في الجبروت البرزخي فتقابل الخلق بذاتها وتقابل الذات بذاتها، ولهذا لها التجلي في الصور الكثيرة والتحوّل فيها والتبدل فلها إلى الخلق وجه به يتجلى في صور الخلق، ولها إلى الذات وجه به تظهر للذات، فلا يعلم المخلوق الذات إلا من وراء هذا البرزخ وهو الألوهة، ولا تحكم الذات في المخلوق بالخلق إلا بهذا البرزخ وهو الألوهة، وتحققناها فما وجدناها سوى ما ندعوه به من الأسماء الحسنى، فليس للذات جبر في العالم إلا بهذه الأسماء الإلهية، ولا يعرف العالم من الحق غير هذه الأسماء الإلهية الحسنى وهي أعيان هذه الحضرات التي في هذا الباب، فهذا قد أنبأناك بالجبروت الإلهي ما هو على الاقتصار والاختصار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة كسب الكبرياء وهو للاسم المتكبر [نظم: الكامل] كِبْرٌ فكُنْ عبداً به مُتَكَبِّرًا إنّ التَّكَبُّرَ من يقومُ بنفسه متجرداً عن كِبْرِهِ متبّصِّرا يَزْهُو ويَخْطُرُ في العداء بنفسه يمشي به بين العِدَا مُتَبَخْتِرَا كأبي دُجّانَة حين أشْهَرَ سَيْفَهُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد المتكبر وهو اسم غريب غير متعارف وإنما يعرف الناس عبد الكبير، وقال الله عز وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَّبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] لم يقل كبير فإن التكبر لا يكتسبه الكبير وإنما يكتسبه الأدنى في الرتبة، فيكسب العبد الكبرياء بما هو الحق صفته، فالكبرياء لله لا للعبد فهو محمود مشكور في كبريائه وتكبره ويكسب الحق هذا الاسم، فإنه تعالى ذكر عن نفسه أنه متكبر وذلك لنزوله تعالى إلى عباده في خلقه آدم بيديه وغرسه شجرة طوبى بيده وكونه يمينه الحجر الأسود وفي يد المبايع بالإمامة من الرسل في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ونزوله في قوله: ((جِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي)) وما وصف الحق به نفسه مما هو عندنا من صفات المحدثات، فلما تحقق بهذا النزول عندنا حتى ظن أكثر المؤمنين أن هذا له صفة استحقاق وتأوّلها آخرون من المؤمنين، فمن اعتقد أن اتصاف الحق بهذا أن المفهوم منه ما هو المفهوم من اتصاف الخلق به أعلم الحق هذه الطائفة خاصة أنه يتكبر عن هذا أي عن المفهوم الذي فهمه القاصرون من كون نسبته إليه تعالى على حد نسبته إلى ٣٠٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة المخلوق، وبه يقول أهل الظاهر أهل الجمود منهم القاصرة أفهامهم عن استحقاق كل مستحق حقه، فقال عن نفسه تعالى إنه الجبار المتكبر عن هذا المفهوم وإن اتصف بما اتصف به فله تعالى الكبرياء من ذاته، وله التكبر عن هذا المفهوم لا عن الاتصاف، لأنه لو تكبر عما وصف به نفسه مما ذكرنا لكان كذباً والكذب في خبره محال، فالاتصاف بما وصف به نفسه حق يعلمه أولو الألباب. ومن هذه الحضرة يكون لبعض العباد ما يجدونه في قلوبهم من كبرياء الحق مما يفقده بعضهم من ذلك من العصاة ومن له اجتراء على الله، ومن الناس الذين يتوبون عن بعض المخالفات فيتميز عنهم من غلب على قلبه كبرياء الحق فإنه تكبر في نفس هذا العبد اكتسبه بعد أن لم يكن موصوفاً بهذه الصفة فعبيد المتكبر قليل، وأما الذين أجرأهم على المخالفة ما وصف الحق به نفسه من العفو والمغفرة ونهاهم عن القنوط من رحمة الله فما عندهم رائحة من نعت التكبر الإلهيّ الذي هو به متكبر في قلوب عباده، إذ لو كبر عندهم ما اجترؤوا على شيء من ذلك، ولا حكمت عليهم هذه الأسماء التي أطمعتهم، فإن كبرياء الحق إذا استقر في قلب العبد وهو التكبر من المحال أن تقع منه مخالفة لأمر الحق بوجه من الوجوه فإن الحكم لصاحب المحلّ في وقته، فدل وقوع المخالفة على عدم هذا الحاكم، فالحق المتكبر إنما هو في نفس هذا الموافق الطائع عبد الله على الحقيقة، وهذا أعلى الوجوه لهذه الحضرة في تكسب الكبرياء، حتى أن العبد المقدر عليه وقوع المحظور إذا اتفق أن يقع منه بحكم القدر المحتوم وسلب العقل عنه وظهور سلطان الغفلة وانتزاح الإيمان منه حتى يصير عليه كالظلة يأتي هذا الأمر وقلبه وجل مع هذا كله لإيمانه أنه إلى ربه راجع يعني هذا الفعل إذا نسبه من كونه فعلاً أنه راجع إلى الحق، والحكم فيه أنه معصية أو مخالفة إنما هو للعبد فيبقى العبد المقدّر عليه في وجل إن نسبه إلى الحق، فيرى الحكم بالذم الإلهي يتبعه فيدركه الوجل كيف ينسب إلى الله ما يناط به الذم وإن نسبه إلى نفسه من كونه محكوماً عليه بالذم، فإن كونه عملاً ينسب إلى الله حقيقة وأنه في التكوين لمن قال له ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] فلا حكم للعبد في وجود هذا العمل فيدركه الوجل إن نسبه مع هذا العلم في التكوين إلى نفسه فيكون ممن أشرك بالله، وقد نهى أن يشرك بالله شيئاً، وسبب هذا كله كبرياء الحق الذي اكتسبه بالنظر العقلي في نفسه، فما كبر الله من عصاه ولا عرف الله من لم يعصه، فإنه إذا عرف الله عرف أنه ما عصى إلا صيغة الأمر لا الأمر الإلهيّ فإنه جاءه على لسان واحد من أبناء الجنس، ورأى خطابه إياه بما خاطبه به ينقسم إلى ما تعضده الأدلة النظرية التى قد أمره الحق بها، وحكم العقل باتباعها وإلى ما ترده الأدلة النظرية وإن حكمت مع الشرع باتباع ما ترده إيماناً بذلك وتصديقاً، وقد حكم النظر العقليّ بدليله بصدق هذا المخبر وأنه لا ينطق إلا عن الله، وأن الله هو القائل على لسانه لهذا السامع ما خاطبه به، فإن عصاه فمن حيث هو مثل له والمثلان متقابلان فلا بد من حكم التقابل والتضاد، فلا بد من المخالفة وإن أطاع ووافق، فمن حيث إن المخاطب عين الحق ما هو المثل فيعظم في نفس السامع ويقبل ٣٠٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الخطاب، وذلك هو عين كون الحق متكبراً أي في نفس هذا العبد حين عصاه من حيث نظره إلى المثل في الخطاب. وأما الواقفون مع الصورة الإلهية في الخلق فإن الله إذا تسمى لهم بالمتكبر فإنه تنزيه لما هم عليه من الصورة ودواء لما يحصل لهم في نفوسهم من عظمتهم على المخلوقين، وما له دواء في نفس الخطاب إلا قوله: إن الله خلق آدم على صورته، فيعلم أنه حاز الصورة فهو مخلوق فقد تميز فلا يتمكن له أن يتكبر في نفسه، ولكن بهذا يكبر الحق عنده في قلبه بعد أن لم يكن لهذا العبد هذا النعت، فإذا أضافه إلى ما تقدم ظهر حكم اسم المتكبر والمجال واسع، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الخلق والأمر وهي للاسم الخالق [نظم: الطويل] لأَخظَى به والشاهدون حُضُورُ إلى خالق الأرواح أَعْمَلْتُ هِمَّتِي ألا إنني ظِلٌّ لديه ونُورُ فيا من يراني عاملاً متخلّقاً عُبَيْدٌ له بالعالمين خَبِيرُ فإني وَربِّ الراقصات كَفُورُ وإنْ لم يكن هذا مقالي فإنني وإنْ لم يكنْ قولي وقلتُ نيابةً وإن كان قولي فالوجودُ مُحَقّقٌ وإني عليم بالمقال بَصِيرُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الخالق، والخلق خلقان: خلق تقدير وهو الذي يتقدم الأمر الإلهي كما قدمه الحق وأخر الأمر عنه فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] والخلق الآخر بمعنى الإيجاد وهو الذي يساوق الأمر الإلهي، وإن تقدمه الأمر الإلهي بالرتبة فالأمر الإلهيّ بالتكوين بين خلقين: خلق تقدير وخلق إيجاد، فمتعلق الأمر خلق الإيجاد وستأتي حضرته وهي حضرة الباري، ومتعلق خلق التقدير تعيين الوقت لإظهار عين الممكن فيتوقف الأمر عليه وقد ورد: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى العَجْزُ وَالكَيْسُ)) والوقت أمر عدمي لأنه نسبة، والنسب لا أعيان لها في الوجود، وإنما الأعيان الممكنات الثابتة في حال العدم مرتبة كما وقعت وتقع في الوجود ترتيباً زمانياً، وكل عين تقبل تغييرات الأحوال والكيفيات والأعراض وأمثال ذلك عليها، فإن الأمر الذي تتغير إليه إلى جانبها متلبسة به. فلهذه العين القابلة لهذا الاختلاف في الثبوت أعيان متعددة لكل أمر تتغير إليه عين ثبوتية فهي تتميز في أحوالها وتتعدد بتعدد أحوالها، سواء تناهى الأمر أو لا يتناهى، وهكذا تعلق بها علم الباري أزلاً، فلا يوجدها إلا بصورة ما علمه في ثبوتها في حال عدمها حالاً بعد حال، وحالاً في أحوال في الأحوال التي لا تتقابل، فإن نسبتها إلى حال ما من الأحوال المتقابلة غير نسبتها إلى الحال التي تقابلها، فلا بد أن تثبت لها عين في كل حال، وإذا لم تتقابل الأحوال يكون لها عين واحدة في أحوال مختلفة، وكذا توجد، فالأمر الإلهي يساوق الخلق الإيجادي في الوجود، فعين قول ﴿كُنْ﴾ عين قبول الكائن للتكوين ﴿فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالفاء في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ جواب أمره ﴿كُنْ﴾ وهي فاء التعقيب، وليس الجواب والتعقيب إلا في الرتبة، كما ٣١٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يتوهم في الحق أنه لا يقول للشيء ﴿كُنْ﴾ إلا إذا أراده، ورأيت الموجودات يتأخر وجود بعضها عن بعض، وكل موجود منها لابد أن يكون مراداً بالوجود، ولا يتكوّن إلا بالقول الإلهيّ على جهة الأمر، فيتوهم الإنسان أو ذو القوّة الوهمية أوامر كثيرة لكل شيء كائن أمر إلهيّ لم يقله الحق إلا عند إرادته تكوين ذلك الشيء، فبهذا الوهم عينه يتقدم الأمر الإيجاد أي الوجود، لأن الخطاب الإلهي على لسان الرسول اقتضى ذلك فلا بد من تصوّره، وإن كان الدليل العقلي لا يتصوّره ولا يقول به، ولكن الوهم يحضرة ويصوّره كما يصوّر المحال ويتوهمه صورة وجودية وإن كانت لا تقع في الوجود الحسيّ أبداً، ولكن لها وقوع في الوهم، وكذا هي مفصلة في الثبوت الإمكاني، فإنّ قوّة الخيال ما عندها محال أصلاً ولا تعرفه، فلها إطلاق التصرف في الواجب الوجود والمحال، وكل هذا عندها قابل بالذات إمكان التصوّر، وهذه القوّة وإن كان لها هذا الحكم فيمن خلقها فهي مخلوقة، وهذا الحكم لها وصف ذاتي نفسي لا يكون لها وجود عين فيمن خلقت فيه إلا ولها هذا الحكم فإنه عين نفسها، وما حازها إلا هذا النشئ الإنساني، وبها يرتب الإنسان الأعيان الثبوتية في حال عدمها كأنها موجودة وكذلك هي، لأن لها وجوداً متخيلاً في الخيال، ولذلك الوجود الخيالي يقول الحق له: ﴿كُنْ﴾ في الوجود العينيّ ﴿فَيَكُونُ﴾ السامع هذا الأمر الإلهي وجوداً عينياً يدركه الحس أي يتعلق به في الوجود المحسوس الحس كما تعلق به الخيال في الوجود الخيالي. وهنا حارت الألباب هل الموصوف بالوجود المدرك بهذه الإدراكات العين الثابتة انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود؟ أو حكمها تعلق تعلقاً ظهورياً بعين الوجود؟ الحق تعلق صورة المرئيّ في المرآة وهي في حال عدمها كما هي ثابتة منعوتة بتلك الصفة، فتدرك أعيان الممكنات بعضها بعضاً في عين مرآة وجود الحق، والأعيان الثابتة على ترتيبها الواقع عندنا في الإدراك هي على ما هي عليه من العدم، أو يكون الحق الوجودي ظاهراً في تلك الأعيان وهي له مظاهر، فيدرك بعضها بعضاً عند ظهور الحق فيها فيقال: قد استفادت الوجود وليس إلا ظهور الحق وهو أقرب إلى ما هو الأمر عليه من وجه، والآخر أقرب من وجه آخر وهو أن يكون الحق محل ظهور أحكام الممكنات، غير أنها في الحكمين معدومة العين ثابتة في حضرة الثبوت، ويكشف المكاشف هذين الوجهين وهو الكشف الكامل، وبعضهم لا يكشف من ذلك إلا الوجه الواحد كان ما كان، فنطق صاحب كل كشف بحسب ما كشف، وليس هذا الحكم إلا لأهل هذا الطريق، وأما غيرهم فإنهم على قسمين: طائفة تقول لا عين لممكن في حال العدم وإنما يكون له عين إذا أوجده الحق وهم الأشاعرة ومن قال بقولهم، وطائفة تقول: إن لها أعياناً ثبوتية هي التي توجد بعد أن لم تكن، وما لا يمكن وجوده كالمحال فلا عين له ثابتة وهم المعتزلة والمحققون من أهل الله يثبتون بثبوت الأشياء أعياناً ثابتة، ولها أحكام ثبوتية أيضاً بها يظهر كل واحد منها في الوجود على حد ما قلناه من أن تكون مظهراً أو يكون له الحكم في عين الوجود الحق فهذا يعطيه حضرة الخلق والأمر ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَآَلَمْرٌ﴾ [الأعراف: ٥٤] كما له ﴿اَلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٣١١ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الحضرة البارنية وهي للاسم البارىء [نظم: الرمل] فلذا كان على صُورَتِهِ بَرَا الله عليه خَلْقَهُ بالذي يُعْلَمُ من سِيرَتِهِ فهو يمشي في وجودي دائماً يدعى صاحبها عبد البارىء، فمن أصحابنا من قصرها على كل مخلوق من الأرض العنصري خاصة ما لها سوى ذلك من الخلق، وما عدا هذا الخلق المنسوب إلى أرض العنصر فخلق آخر ما هو عين هذا، ومن أصحابنا من عمم الأمر في كل مخلوق من أرض الطبيعة، فدخل فيه كل صورة طبيعية من جوهر الهيولى إلى كل صورة تظهر فيه، فلم يدخل اللوح والقلم والملائكة المهيمة في هذا الخلق وجعل أولئك خلقاً آخر، والكل خلق في العماء الذي هو نفس الرحمن القابل لصور كل ما سوى الله، وقد ورد ذلك في خلق الحق نفسه، فردتّه العقول كلها لعدم فهمها من ذلك، وما شعرت بأن كل صاحب مقالة في الله أنه يتصوّر في نفسه أمراً ما يقول فيه هو الله فيعبده وهو الله لا غيره، وما خلقه في ذلك المحل إلا الله، فهذا معنى ذلك الخبر . واختلفت المقالات باختلاف نظر النظار فيه، فكل صاحب نظر ما عبد ولا اعتقد إلا ما أوجده في محله وما وجد في محله وقلبه إلا مخلوق وليس هو الإله الحق، وفي تلك الصورة أعني المقالة تتجلى له، وإن كانت العين من حيث ما هي واحدة ولكن هكذا تدركه، وهذا معنى قول عليم الأسود حين ضرب بيده الأسطوانة فصارت ذهباً في عين الرائي فلما بهت الرائي عند ذلك قال له عليم: يا هذا إن الأعيان لا تنقلب ولكن هكذا تراها لحقيقتك بربك، يشير إلى ظهور الحق في صورة كل اعتقاد لكل معتقد، وهذا هو الحق المخلوق به في نفس كل ذي عقد من ملك وجان وإنسان مقلد أو صاحب نظر، فجاءت الأنبياء في الحق على مقالة واحدة لا تتبدل ولا تتغير بل عين ما أثبته الأول أثبته كل رسول بعده، ونبيّ إلى آخر من يخبر عن الله، واذّعوا أن ذلك مما أوحى به إليهم، ولولا ذلك لاختلفوا فيه كما اختلف أهل النظر فهم أقرب إلى الحق، بل ما جاؤوا إلا بالحق في ذلك ليصدق الآخر الأول والأول الآخر، وهذه مقالة لا يقتضيها النظر الفكري أصلاً لكن الكشف يعطيها. وعلى كل حال فأنجى الطوائف من اعتقد في الله ما أخبر الحق به عن نفسه على ألسنة رسله فإنا نعلم أن الحق صادق القول، فلولا أن هذا الحكم عليه صحيح بوجه ما وجه به إرساله إلى الكافة من عباده، ولولا أن له وجهاً في كل معتقد ما وصف نفسه على ألسنة رسله بالتحوّل في صور الاعتقادات، فقد يُرى في نفس كل معتقد صورة حق يقول من يجدها هذا هو الحق الذي نستند إليه في وجودنا فلم ير المخلوق إلا مخلوقاً فإنه لا يرى إلا معتقده، والحق وراء ذلك كله من حيث عينه القابلة في عين الرائي، والعاقل لهذه الصور لا في نفسها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] بالعالمين، كما نقول في صاحب المال أنه غنيّ بالمال عن المال، فهو الموجب له صفة الغنى عنده، وهي مسألة دقيقة لطيفة الكشف فإن الشيء لا يفتقر إلى نفسه فهو غنيّ بنفسه عن ٣١٢ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة نفسه لكونه عند نفسه ﴿﴿ يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ عنكم ﴿الْحَمِيدُ﴾ [فاطر : ١٥] الذي يرجع إليه عواقب الثناء، وما يثنى عليه إلا بنا من حيث وجودنا. وأما تنزيهه عما يجوز علينا فما وقع الثناء عليه إلا بنا فهو غنيّ عنا بنا لأن كونه غنياً إنما هو غناه عنا، فلا بد منا لثبوت هذا الغنى له نعتاً، ومن أراد أن يقرب عليه تصوّر هذا الأمر فلينظر إلى ما سمى به نفسه من كل اسم يطلبنا فلا بد منا فلذا لم يكن الغنى عنا إلا بنا، إذ حكم الألوهية بالمألوه والربوبية بالمربوب والقادر بالمقدور، فللربوبية سر لو ظهر لبطلت الربوبية، كما أنّ للربوبية أيضاً سرّاً لو ظهر لبطلت النبوّة، وهو ما يقتضيه النظر العقليّ بأدلته في الإله إذا تجلى الحق فيه بطلت النبوّة فيما أخبرت به عن الله مما لا تقبله العقول من حيث أدلتها وقد دلت على صدق المخبر فلها الردّ والقبول، فتقبل الخبر الوارد وتردّ الفهم فيه الذي يقع به المشاركة بين الله وبين خلقه، وإذا رددت المفهوم الأوّل فقد بطلت النبوّة في حقها التي ثبتت عند السوداء وأمثالها والنبوّة لا تتبعض، فإذا رد شيء منها ردت كلها كما قال الله تعالى في حق من قال: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًاْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] فرجح جانب الكفر في الحكم على جانب الإيمان وإنما رجح حكم الكفر لأحدية المخبر وصدقه عنده فيما أخبر به مطلقاً من غير تقييد لاستحالة الكذب عليه، فلا بد له من وجه صحيح فيما جاء به مما يردّه العقل، ولذلك المؤمن يتأوّل إذا كان صاحب نظر، وإذا عجز علم أن له تأويلاً يعجز عنه لا يعلمه إلا الله فيسلمه لله ولكن عن تأويل مجهول ما هو على مفهوم لفظه الظاهر، وعند أهل الله كل الوجوه الداخلة تحت حيطة تلك الكلمة صحيحة صادقة فهم المؤمنون حقاً، وقد أعد الله للمؤمنين ﴿مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. حضرة التصوير وهي للاسم المصوّر [نظم: الطويل] عليه فما في العَيْنِ إلا مُمَاثِلُ إذا كان من تَذري مصوّر ذاتنا وصَحَّ بِه حُكْمِي فصَحَّ الثَّمَاثُلُ وإن كان هذا مِثْلَ ما قُلْتُهُ لكم فإن صَحَّ هذا القولُ أين التفاضلُ فما عنده إلا الذي هو عندنا ولو أنني كُفْؤْ لَبَانَ الشَّقَابُلُ بلى إنه عيني وما أنا عَيْنَهُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد المصور، والمصوّر من الناس من يذهب يخلق خلقاً كخلق الله وليس بخالق وهو خالق لأنه قال: ﴿تَّخْلُقُ مِنَ الْعِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] فسماه خالقاً وما له سوى هيئة الطائر، والهيئة صورته، وكل صورة لها قبول ظهور الحياة الحسية، فإنّ الله قد ذمّ وتوعد المصوّر لها لأنه لم يكمل نشأتها، إذ من كمال نشأتها، ظهور الحياة فيها للحس ولا قدرة له على ذلك، بخلاف تصويره لما ليس له ظهور حياة حسية من نبات ومعدن وصورة فلك وأشكال مختلفة، وليست الصورة سوى عين الشكل، وليس التصوير سوى عين التشكيل في الذهن. ٣١٣ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة واعلم أن الله لما خلق آدم على صورته علمنا أن الصورة هنا في الضمير العائد على الله أنها صورة الاعتقاد في الله الذي يخلقه الإنسان في نفسه من نظره أو توهمه وتخيله فيقول: هذا ربي فيعبده، إذ جعل الله له قوّة التصوير ولذلك خلقه جامعاً حقائق العالم كله، ففي أي صورة اعتقد ربه فعبده، فما خرج عن صورته التي هو عليها من حيث هو جامع حقائق العالم فلا بد أن يتصور فيه أعني في الحق إنسانيته على الكمال أو من إنسانيته، ولو نزه ما عسى أن ينزه فإن غاية المنزه التحديد، ومن حد خالقه فقد أقامه كنفسه في الحد، ولذلك أطلق الله له على لسان رسوله وَ الر: ((اعْبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فأدخل على الرؤية كاف التشبيه والتمثيل وقال له: ((إن الله في قِبْلَةِ المُصَلِّ))، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ووجه الشيء ذاته وحقيقته، ففي أي صورة أقام الله عبده فهي موضع توليه ففيها وجه الله، إن عقلت فقد أثبت الحق لك ما ينفيه عقلك بدليله، والحق أحق أن يتبع، فالإنسان ينشئ في نفسه صورة يعبدها فهو المصوّر وهو مخلوق منشأ أنشأه الله عبداً يعبد ما ينشئه: [البسيط] وليس يُنْشِئُهُ إلا الذي خَلَقَهْ فليس ينشئ عَبْدٌ غير خالقه في مُضْغَةٍ كان ذاك النَّشْءُ أو عَلَقَهْ فهو الذي أنشأ الأكْوَانَ أجْمَعَها له الغِنَى ولهذا فَقْرُهُ طَبَقَهْ فزاد في خَلْقِهِ بكون خالقه بمثل هذا الذي قلناه قد سَبَقَهْ مع الغِنَى فله النَّعْتَان قد جُمِعَا فللعبد المؤمن إقامة نَشْء صور الأعمال التي كلفه الحق أن يقيم نشأتها على أتم الوجوه، وأعطاه القوّة على نفخ الروح في كل صورة ينشئها من عمله وهو الحضور والإخلاص فيها، وما ذم الله عبداً يصوّر صورة لها روح منه ينفخه فيها بإذن ربه فتقوم عنه حية ناطقة مسبحة بحمد ربه، وإنما ذم الله من يخلق صورة لها استعداد الحياة، فلا يحييها إذا كان خالقها، ولكن بما هي عليه من الاستعداد يحييها الحق دون هذا الذي أنشأها، فبمثل هذا المصوّر تعلق الذمّ الإلهيّ، ثم إن الحق ردّ كل صورة في العالم تظهر عن الأسباب المنشئة لها إلى نفسه في الخلق تعالى فقال في كل عامل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فهو خالقك وخالق ما أضاف عمله إليك، فأنت العامل لا العامل كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ فنفى عين ما أثبت لك وأثبته لنفسه فقال: ﴿ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَبَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] وما رمى إلا العبد، فأعطاه اسمه وسماه به، وبقي الكلام في أنه هل حلاه به كما سماه به أم لا، فإنا لا نشك أن العبد رمى، ولا نشك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ وقد نفى الرمي عنه أوّلاً فنفى عنه اسم العبودة وسماه باسمه إذ لا بد من مسمى، وليس إلا وجود عين العبد لا من حيث هو عبد لكن من حيث هو عين، فإن العبد لا يقبل اسم السيادة والعين كما تقبل العبودية تقبل السيادة، فانتقل عنها الاسم الذي خلقت له وخلع عليها الاسم الذي يكون عنه التكوين وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَنَّ﴾ والحق لا يباهت خلقه، فما يقول إلا ما هو الأمر عليه في نفسه، فنفى ما يستحق النفي لعينه، وأثبت ما يستحق الثبوت أيضاً لنفسه، فظهرت الحقائق في أماكنها على منازلها ما اختل شيء منها في نفس الأمر، وإن ظهر ٣١٤ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة الاختلال بالنظر إلى قوم فذلك الاختلال لو لم يكن لكان في الوجود نقص لعدم حكم ذلك الاختلال فلا بد من كونه لأنه لا بد من كمال الوجود وهو قولنا في النقص: إنه من كمال الوجود أن يكون فيه نقص وإن كان عيناً سلبية ولكن حكمها واضح لمن عقل الأمور على ما هي عليه، فحضرة التصوير هي آخر حضرة الخلق، وليس وراءها حضرة للخلق جملة واحدة فهي المنتهى والعلم أولها، والهوية هي المنعوتة بهذا كله أعني الهوية، فابتدأ بقوله هو لأن الهوية لا بد منها، ثم ختم بها في السلب والثبوت وهو قوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ﴾ [الحشر: ٢٢] وابتدأ من الصفات بالعلم بالغيب والشهادة، وختم بالمصور ولم يعين بعد ذلك اسماً بعينه بل قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]. ثم ذكر أن له ﴿ يُسَيِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ٢٤] ولم يقل وما في الأرض لأن كثيراً من الناس في الأرض لا يسبحون الله، وممن يسبح الله منهم ما يسبحه في كل حال، والأرض تسبحه في كل حالٍ والسموات وما فيها وهم الملائكة والأرواح المفارقة وهي تسبحه كما قال: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] فراعى هنا من يدوم تسبيحه وهو الأرض، كما راعى في مواطن آخر من القرآن تسبيح من في الأرض وإن كان البعض من العالم فقال عز من قائل: ﴿نُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، بجمع من يعقل، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بَِدِهِ﴾ وزاد في التأكيد بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فأتى بلفظة من ولم يأت بما وأتى في الحشر بما ولم يأت بمن، فإن سيبويه يقول: إن اسم ما يقع على كل شيء إلا أنه لم يعم الموجودات، فوجلت قلوب من بقي منها ولم يقع له ذكر في التسبيح، فجبر الله كسرها وأزال وجلها بقوله عقيب هذا القول: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِحَدِهِ﴾ وزاد في الثناء عليهم بجهل الناس تسبيحهم بقوله: ﴿وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فكان هذا الجبر في مقابلة ذلك الانكسار الذي نالهم، فتضاعف الطرب عندهم بذلك والفرح وما هو تضاعف على الحقيقة وإنما هو تعمير الموضع الذي ظهر الكسر، فإنه أخبر أن كل شيء يسبح بحمده كما هو الأمر عليه في نفسه، وسدّ خلل الانكسار بقوله: ﴿لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ بحرف الاستدراك وهو قوله: ((ولكن)) طمعاً في أن ينفردوا دون من سواهم بهذا التسبيح الخاص، فإن الناس إذا عرفوه سبحوا الله أيضاً به، فالمسبحون أبداً في إنشاء صور فهم المصوّرون الذين ينفخون في صورهم أرواحاً، وإنشاء الصور لا يتناهى دنيا ولا آخرة، فالإنشاء متصل دائم وإن تناهت الدنيا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة إسبال الستور وهي للاسم الغفار والغافر والغفور [نظم: الطويل] فإنّ وجودَ الحَقّ للرأس مِغْفَرُ إذا كان دِرْعي من وُجُودِي لِبَاسَهُ فإن شئتُ أُبْديه وإن شئتُ أَسْتُرُ فَحَقّقْ مقالي إنه فيه بَيِّنْ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الغفار وهي حضرة الغيرة والوقاية والحفظ والعصمة ٣١٥ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة والصون. فاعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الأمور كلها ستور بعضها على بعض، وأعلاها ستر الاسم الظاهر الإلهيّ فإنه ستر على الاسم الباطن الإلهيّ، وما ثم وراء الله مرمى فهو ستر عليه، فإذا كنت مع الاسم الباطن الإلهيّ في حال شهود ورؤية كان هذا الاسم الإلهيّ الباطن الذي أنت به في الوقت متحداً وله مشاهد ستراً على الاسم الإلهيّ الظاهر، ولا تقل انتقل حكم الظهور للاسم الإلهيّ الباطن وصار البطون للاسم الظاهر بل الظاهر على ما هو عليه من الحكم يعطي الصور في العالم كله، والباطن وإن كان مشهوداً فهو على حاله باطن يعطي المعاني التي تسترها الصور الظاهرة، فهذا أعلى الستور وأخفاها، وأعلى مستور وأخفاه، ودون هذا الستر كون القلب وسع الحق فهو ستر عليه، فإن القلب محل الصور الإلهية التي أنشأتها الاعتقادات بنظرها وأدلتها، فهي ستور عليها لذلك تبصر الشخص ولا تبصر ما اعتقده إلا أن يرفع لك الستر بستر آخر وهو العبارة عن معتقده في ربه. فالعبارة وإن دلتك عليه فهي ستر بالنظر إلى عين ما تدل عليه، فإن الذي تدل عليه ما ظهر لعينك وإنما حصل في قلبك مثل ما يعتقده صاحب تلك العبارة، فأخبر عن مستور وهو عندك مستور أيضاً فما كشفته ولكن نقلت مثاله إليك لا عينه، فكل حرف جاء لمعنى فهو ستر عليه وإن جاء ليدل عليه فهو الستر من أعظم الستور، وإن كان دون الستر الأوّل الذي هو ستر الأسماء الإلهية، وإن دلت على ذات المسمى فهي أعيان الستور عليها، فإن الناظر يحار فيها لا ختلاف أحكامها في هذه الذات المسماة، فكل اسم له حكم فيها فهي وإن عزت وعظمت لها الحكم الذاتيّ في الوجود بالإيجاد محكوم عليها بأحكام هذه الأسماء الحسنى، بل أسماء الموجودات كلها أسماؤها لمن فهم عن الله. ثم المرتبة الثالثة في النزول في علم الستور ستور أعيان الأسماء اللفظية الكائنة في ألسنة الناطقين، والأسماء الرقمية في أقلام الكاتبين، فإنها ستور على الأسماء الإلهية من حيث إن الحق متكلم لنفسه بأسمائه، فتكون هذه الأسماء اللفظية والمرقومة التي عندنا أسماء تلك الأسماء وستوراً عليها، فإنا لا ندرك لتلك الأسماء كيفية، ولو أدركنا كيفيتها شهوداً لارتفعت الستور وهي لا ترتفع، وما لنا في أنفسنا أمثلة لها جملة واحدة، بل أعظم ما عندنا تخيلها في نفوسنا، والتخيل أمر تحدثه في النفوس المحسوسات فتصوّرها بالقوّة المصوّرة في خيال الشخص، وليس بعد هذه الستور إلا ستور الخلق بعضه على بعض، فالستور وإن كانت دلائل إجمالية، فالعالم بل الوجود كله ستر ومستور وساتر، فنحن في عيبه مستورون وهو ستر علينا فهو مشهود لنا إذ الستر لا بد أن يكون مشهوداً لمستوره، فإن الستر برزخ أبداً بين المستور والمستور عنه فهو مشهود لهما . ولما جاءت الأحكام المشروعة إلى المكلفين وتعلقت بأفعالهم وفرق الحكم في أفعال المكلفين إلى طاعة ومعصية ولا طاعة ولا معصية، وإلى مرغب فيه وإلى حكم غير مرغب فيه، فالطاعة والمعصية حظر ووجوب فعلاً أو تركاً، والمرغب فيه وغير المرغب فيه ندب وكراهة فعلاً أو تركاً، ولا طاعة ولا معصية ولا مرغب فيه ولا غير مرغب فيه إباحة وهو حكم مرتبة النفس بما هي لذاتها وعينها، وباقي الأحكام ليست لعينها وإنما تقبله بالداعي من خارج من لمة ٣١٦ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة ملك ولمة شيطان فهي لمن حكمت عليه لمته منهما لا لذاتها، فالسعيد من النفوس المكلفة على نوعين في السعادة: النوع الواحد مستور عن قيام المعصية به وغير المرغب فيه ولا لا طاعة ولا لا معصية ولا مرغباً ولا غير مرغب فيه فهو أسعد السعداء، والنوع الآخر هو المستور بعد حكم المعصية فيه عن العقوبة على ذلك وهو المغفور له. وهذه الأحكام تتعلق من المكلف في ظاهره وباطنه، فالسعيد التام الكامل المعصوم ودونه المحفوظ ظاهراً غير المحفوظ باطناً، فأقل مستور من اسمه عبد الغافر، وأكثر مستور من اسمه عبد الغفور، والمتوسط بينهما عبد الغفار، فالناس أعني المكلفين على ثلاثة أحوال: غافر وغفار وغفور. ثم إن للمكلفين بعضهم مع بعض حكم هذه الأسماء فيمن جنى عليهم أو من حموه عن وقوع الجناية منهم، ولهم أحكام أسماء الله فمن تجاوز عمن جنى عليه تجاوز الله عنه، ومن أنظر معسراً جنى ثمرة ذلك في الآخرة من عند الله، فما يرى المكلف في الآخرة إلا أعماله، ثم إن الله يعفو عن كثير. واعلم أن من الستور وإرخائها ما هو معلول بالبشرية وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ وهو الستر ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] وهو ستر أيضاً، وليس الستر هنا سوى عين الصورة التي يتجلى فيها للعبد عن إسماعه كلام الحق في أي صورة تجلى، فإن الله يقول لنبيه وَله: ﴿فَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَِّ﴾ [التوبة: ٦] والمتكلم رسول الله صَلّ، وأن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، وقوله تعالى: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) الحديث، فهذه كلها صورٍ حجابية أعطتها البشرية وما ثم إلا بشر، وروح هذه المسألة: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىّ﴾ [ص: ٧٥] فنفى الوسائط عن خلق آدم، ومن هنا إلى ما دون ذلك حكم اسم البشر، فحيث ارتفعت الوسائط ظهر حكم البشرية لمن عقل : ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] فهذا حصر الستور وإرخاؤها على البدور والمكسوفات ستور، فمنها ظلالية ومنها أعيان ذوات مثل كسوف القمر والشمس وسائر الكواكب الخمسة وأعظمها ستر الشمس فإنها تطمس أنوار الكواكب كلها، فلا يبقى نور إلا نورها في عين الرائي وإن كانت أنوار الكواكب مندرجة فيها ولكن لا ظهور لها كما قال النابغة الجعدي في ممدّحه: [الطويل] تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونها يَتَذَبْذَبُ ألم تَرَ أن الله أعطاك صُورةٌ إذا طَلَعَتْ لم يَبْدُ منهنّ كَوْكَبُ بأنك شَمْسٌ والملوكُ كواكبٌ ونعلم بالقطع أن الكواكب بادية وطالعة في أعيانها ومجاريها، غير أن إدراك الرائي يقصر عنها لقوّة نور الشمس نور على نور البصر فيبهره، قيل لرسول الله صلهو: أرأيت ربك؟ فقال: ((نُورٌ أَنَى أراه)) فكيف أن يرى به فهو حجاب عليه، ولم يكن ذلك إلا لضعف الإدراك، فإنه تعالى قد يتجلى فيما دون النور فيرى كما ورد أينما شاء وهو القائل: ﴿لَنْ تَرَئِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فرؤيته لا رؤيته فهو المستور المرئي من غير ظهور ولا إحاطة فالستر لا بد منه، وهذا القدر كافٍ من الإيماء، فإن ميدان الغفران واسع لأنه الغيب والشهادة ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِم ◌ُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] فأسبل الستر بالوراء على أعين السامعين فوقفوا مع ما سمعوا: [مخلع البسيط] ٣١٧ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة إِسْبَالَهُ السِّتْرَ بالمَرَائي فأَسْبَلَ السِّتْرَ بِالوَراءِ ولا جدالٍ ولا مِرَاءِ بلا نزاع ولا خصام يحجُبُه عند كل راءٍ فكل مُجْلَّى له حجاب وعن أمام وعن وَرَاءِ مِنْ عن يمينٍ وعن شمال من مخلص كان أو مُرَاءِ يعرفه كل من رآه حضرة القهر [نظم: الطويل] إذا ما أمرتُ الأمْرَ كان لِيَ القَهْرُ إذا كان قهري عَيْنَ أَمْري فإنني فما نَهْيُنا نَهْيّ ولا أمْرُنا أمْرُ عليه فيبدو للوجود بصُورتي يدعى صاحبها عبد القهار وعبد القاهر، فأكبر العلماء من لا يكون له هذا الاسم أعني عبد القهار ولا عبد القاهر، وهو العارف المكمل المعتنى به بل هو المعصوم، وما تجلى لي الحق بحمد الله من نفسي في هذا الاسم، وإنما رأيته من مرآة غيري لأن الله عصمني منه في حال الاختيار والاضطرار فلم أنازع قط، وكل مخالفة تبدو مني لمنازع فهي تعليم لا نزاع، فإني ما ذقت في نفسي القهر الإلهي قط ولا كان له من هذه الحضرة فيّ حكم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: ١٨] أي قهر عباده لما صدر منهم في النزاع ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وهو التوكيل أعني هذا الإرسال في حق قوم وحفظاً وعصمة في حق آخرين وهو قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَُّونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي من حيث إن الله أمرهم بحفظه فهم المعصومون المحفوظون، وقد يحفظونه من أمر النازل به فيدفعونه كما فعل بالزاني في حين زناه أخرج عنه الإيمان حتى صار عليه كالظلة يحفظه من أمر الله النازل به حيث تعرض بالمخالفة لنزول البلاء عليه، فيحفظه الإيمان من هذا الأمر النازل بأن يتلقاه فيردّه عنه لعله يستغفر أو يتوب، فإذا كان غير المعصوم يحفظ مثل هذا الحفظ فما ظنك بالمعتنى به فإنه محفوظ في الأصل، وأدق ما يكون من الخلاف النزاع الإلهي بإنابة العبد، فإذا زال العبد عن إنابته لم يجد القهار من يقف له فيقهره والسهم لا يمشي إلا إلى مرماه. واعلم أن الدعاء لا يقتضي المنازعة كما ذهب إليه سهل والفضيل بن عياض حيث أرادا ما أراد الله كما جاء عنهما فإن الدعاء ذلة وافتقار والنزاع رياسة وسلطنة، ولولا النزاع القائم بنفوس الرعية الذين لو مكنوا من إرساله لوقع منهم ما أضيف إلى الرعية أنهم مقهورون تحت سلطان مليكهم، ومن لم يخطر له شيء من ذلك ولم ينازع فما هو مقهور ولا الملك له بقاهر بل هو به رؤوف رحيم، فمن قهر تخلقاً من عباد الله فإنما قهر بالله من نازع أمر الله لا بنفسه، وما ثم إلا نزاع الشيطان بلمته فيما يلقيه إلى هذا العبد في قلبه منازعة لأمر الله ونهيه هذا قصده بالإلقاء، وإن لم يخطر للعبد ذلك فإنه لا يخطر له مثل هذا الكون الإيمان يردّه، ولكن ٣١٨ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يستدرجه بالمخالفة شيئاً بعد شيء إلى أن يكفر، فإن المعاصي بريد الكفر ولا تأتي إذا كثرت وترادفت إلا بالكفر، فلهذا يسارع بها وينوّعها الشيطان، فلا يزال المؤمن يقهره بلمة الملك مساعدة للملك على نفسه لينجو، فإن المؤمن يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله . ومن النزاع الخفي الصبر على البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى الله كما فعل أيوب عليه السلام وقد أثنى الله عليه بالصبر فقال مع ثبوت شكواه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَابٌ﴾ [ص: ٤٤] فذكره بكثرة الرجوع إليه في كل أمر ينزل به، فمن حبس نفسه عند الضرّ النازل به عن الشكوى إلى الله في رفع ما نزل به وصبر مثل هذا الصبر فقد قاوم القهر الإلهي، فإن الله قاهر هذا العبد وإن كان محموداً في الطريق، ولكن الشكوى إلى الله أعلى منه وأتم، ولهذا قلنا: إن الدعاء لا يقدح ولا يقتضي المنازعة، بل هو أعلى وأثبت في العبودة من تركه. وأما الرضا والتسليم فهما نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل الله، فإن كان متعلق الرضا المقضي به فيحتاج إلى ميزان شرعي وإن كان متعلق الرضا القضاء، فإن كان القضاء يطلب القهر ويجد الراضي ذلك من نفسه فيعلم أن فيه نزاعاً خفياً فيبحث عنه حتى يزيله وإن لم يرَ أنّ ذلك القضاء يطلب القهر فيعلم أنه الرضا الخالص الجبلي لأن الرضا من راض يروض ومنه الرياضة ورضت الدابة وهو الإذلال، ولا يوصف به إلا الجموح والجموح نزاع، إنما يراض المهر الصغير لجموحه وجهله بما خلق له، فإنه خلق للتسخير والركوب والحمل عليه، والمهر يأبى ذلك فإنه ما يعمله فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي، وكذلك رياضة النفوس لولا ما فيها من الجموح لما راضها صاحبها، فإذا خلقت مرتاضة بالأصالة فكان ينبغي أن لا يطلق عليها اسم راضية بل هي مرضية، وإنما النفوس الإنسانية لما خلقها الله على الصورة الإلهية شمخت على جميع العالم ممن ليست له هذه الحقيقة، وانحجبت عن الحقائق الإلهية التي تستند إليها حقائق العالم حقيقة فاكتسبت الرياضة لأجل هذا الشموخ فذلت تحت سلطانه وحمدت على ذلك، وكذلك التسليم لم يصح إلا مع التمكن من الجموح، وكذلك التوكيل لم يصح إلا بعد الملك فهو نزاع خفي، والقهر الإلهي يخفى بخفاء النزاع ويظهر بظهور النزاع، والعارف لا يغفل عن نفسه طرفة عين، فإنه إذا غفل عن نفسه غفل عن ربه، ومن غفل عن ربه نازع بباطنه ما يجده من الأثر فيه مما يخالف غرضه، فيجيء القهر الإلهي فيقهره، فيكون إذا كثر منه مثل هذا يسمى عبد القهار، وإذا قل منه يسمى عبد القاهر. والضابط لهذه الحضرة أن ينظر الإنسان في خفايا موافقاته ومخالفاته فيعلم من ذلك هل لهذه الحضرة حكم فيه أم لا؟ فهذا أمر كلي قد وكلناك فيه إلى نفسك وأنت أعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. حضرة الوهب وهو للاسم الوهاب [نظم: الطويل] وإن كان لا يُذْرَى الوُجُودُ الكِيَاني جميعُ العطايا منه وَهْبِّ إلهي عن الله إن كان العيان الإلهي فذلك لا يَخْفَى على كل عاقل فإن لم يكن فالجهلُ نَعْتُ لخَلْقِهِ به وبذا جاء الوجودُ العَيَانِي ٣١٩ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الوهاب، والوهب العطاء من الواهب على جهة الإنعام لا يخطر له خاطر الجزاء عليه من شكر ولا غيره، فإن اقترن به طلب شكر جزاء فليس يوهب، وإنما هو عطاء تجارة يطلب به الربح والخسران، فإن العطاء الإلهي على أنواع متعدّدة سيأتي ذكرها في هذا الباب إن شاء الله، فمن هذه الحضرة يتجرّد العبد عن جميع أغراضه كلها في إحسانه بهباته البدنية والمالية، ومعنى البدنية أن يصرف بدنه بسفر أو أي نوع كان من أنواع الحركات البدنية في حق من كان من عباد الله من إنسان أو حيوان، لا يبتغي بذلك أجراً ولا يطلب عليه شكراً إلا لمجرّد الإنعام على هذا الذي يتحرّك من أجله مما له فيه منفعة أو دفع مضرة، وكون الله عز وجل يأجره على ذلك، ذلك إلى الله تعالى لا إليه، بل يفعل ذلك لمجرد قيام هذه الصفة به، وحكم هذا الاسم الإلهي عليه، فإذا تحرك في العبادات التي لاحظ للخلق فيها كالصلاة والصيام والحج وأمثال ذلك بل كل عبادة مشروعة وهو مستمد من هذه الحضرة، فينوي في عبادته تلك ما كان منها لا حظ للمخلوق فيها أن ينشئها ويظهر عينها بحركاته أو مسكه عنها إذا كانت العبادة من التروك لا من الأفعال، فينشئها صورة حسنة على غاية التمام في خلقها والكمال لتقوم صورة لها روح بما فيها من الحضور مع الله بالنية الصالحة المشروعة في تلك العبادة يفعلها فرضاً كانت أو نفلاً من حيث ما هي مشروعة له على الحد المشروع لا يتجاوزه، لتسبح الله تلك الصورة التي أنشأها المسماة عبادة، وتذكر الله بحسب ما يقتضيه أمره فيها تعالى، ويزيد هذا العبد الإنعام على تلك الصورة العملية المشروعة بالظهور لتتصف بالوجود فتكون من المسبحين بحمد الله إنعاماً عليها وعلى حضرة التسبيح، فيخلق في عباداته السنة مسبحة لله بحمده ) يكن لها عين الوجود. جاءت امرأة إلى مجلس شيخنا عبد الرزاق فقالت له: ياسيدي رأيت البارحة في النوم رجلاً من أصحابه قد صلى صلاة فانتشأت تلك الصلاة صورة فصعدت وأنا أنظر إليها حتى انتهت إلى العرش فكانت من الحافين به، فقال الشيخ صلاة بروح متعجباً من ذلك، ثم قال: ما تكون هذه الصلاة لأحد من أصحابي إلا لعبد الرزاق يقول ذلك في نفسه، فقال لها: وعرفت ذلك الشخص من أصحابي؟ قالت نعم هو هذا وأشارت إلى عبد الرزاق الذي خطر للشيخ فيه، فقال لها الشيخ: صدقت وأخذها مبشرة من الله. أخبرني بهذه الحكاية عبد الله ابن الأستاذ الموروري بمورور من بلاد الأندلس وكان ثقة صدوقاً، كما خلق عيسى عليه السلام كهيئة الطير من الطين فنفخ فيه فكان طائراً بإذن الله، ولم يكن لهذه الصورة وجود إلا على يديه، ثم نفخ فيها فكانت طائراً بإذن الله، أي أن الله أمره بذلك وأذن له فيه، كما أمر الله أيضاً المؤمن في الشرع وأذن له في إنشاء صور عباداته التي كلفه الله عز وجل بها، فإن كان عيسى عليه السلام قد نوى في خلقه ذلك الطائر الإنعام على تلك الصورة لتلحق بالموجودات وينعم على حضرة التسبيح بزيادة المسبحين فيها كان من أهل هذه الحضرة والتحق بهم، وإن كان نوى غير ذلك فهو لما نوى، وما بين صاحب هذا المقام وغيره إلا مجرد النية ومشاهدة صدور الأعمال منه صوراً فإن الأمر في نفسه من إنشاء صور العبادات من المكلفين لا بد منه في كل ٣٢٠ الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة مكلف قبيحة كانت أو حسنة، ويفترقون في النيات والمقاصد، وما ثم إلا مكلف، فأعظمها منزلة من يقصد بعبادته ما ذكرناه، فإن عمل هذا العبد هذه العبادة لكونها أعظم صفة ومنزلة في العبادات فما هو ذلك الذي ذكرناه من هذه الحضرة فإن الأمر لا يقبل الاشتراك، فمثل هذا ما أقامه في نشء صور هذه العبادات إلا كونها من أعظم الصفات وأجلها، فتميز بذلك عمن لم يقمه الله في مثل هذا طلباً للأجر والمثوبة، وإنما يقصد صاحب هذه الحضرة مجرد الإنعام على ظهور تلك العبادة وزيادة المسبحين لله، لا يبتغي بذلك حمداً ولا ثناء ولا جزاء إلا عين ما قصده الحق في إيجاد العالم، فكما قصد الله بالخلق أن يعبدوه في مثل ما نص عليه من ذلك في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فنوى هذا العبد في إنشاء صور العبادات أن تعبد الله كما أراده الحق، وهذا لا يبطل نية الإنعام من هذا العبد على هذه الصور بالإنشاء والإيجاد، فإن كان مشهد هذا العبد أن الله هو المنشىء هذه الصور بالعبد لا هو فليس من هذه الحضرة الوهبية الكيانية، بل ذلك من الوهب الإلهي على هذه الصورة المنشأة. وليس غرضي فيما ذكرناه ما هو الأعلى والأعظم في المنزلة، وإنما غرضي تمييز المقامات بعضها من بعض حتى لا يلتبس على القائمين بها، فإنها تتداخل الأحكام فيها ولا يشعر لحد الفصل بين الأحوال والمقامات إلا الراسخون في العلم الإلهي، فإذا جازاهم الله على ما أنشؤوه إنعاماً من الله تعالى عليهم كان جزاء من أشهد أن إنشاء تلك الصور لله لا للعبد المكلف، وأن الإنعام لله في ذلك عليها لا إلى المكلف، فإنه أعظم جزاء إلهياً من الذي لم يشهده الله ذلك عند إنشائها، فقد تميز الشخصان بما وقع لهما به الشهود عند العمل المشروع، وهذا عمل لم ينسج على منواله انفردنا بالتنبيه عليه على غاية الكمال من العبد وحررناه تحريراً تاماً، فإن أحداً من العلماء بالله وبالأشياء ما يجهلون العطاء على جهة الإنعام، ولكن مثل ما ذكرناه لا يتصوره ولا يخطر ببال كل عامل إلا من تحقق بهذه الحضرة الواهبة خاصة وهو المسمى عبد الوهاب، والوهاب أوجده لا غيره من الأسماء مثل قوله في عيسى عليه السلام لمريم ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] والصور التي أوجدها الاسم الوهاب قليلة جداً تعلم ذلك إذا علمت مراتب العلماء بالأسماء الإلهية بالغاً بالأسماء الإلهية فاعلم ذلك، وهذا القدر من الإيماء إلى علم هذه الحضرة كاف إن شاء الله تعالى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو الهادي إلى طريق مستقيم. حضرة الأرزاق وهي للاسم الرزاق [نظم: البسيط] الرِّزْقُ رِزْقَانٍ محسوسٌ ومعقولُ فمنه يقبل ما يعطيه من مِنَجٍ جَلَّ الإلهُ فما تُخْصَى عوارفُهُ مثل النكاح الذي يحوي على عَجَبٍ يدري بذلك معقولٌ ومنقولُ وذلك الرزق في التحقيق مقبولُ وفي معارفها هَذْيّ وتضليلُ من الثَّلَذُّذ تَلْسِينٌ وتقبيلُ